- 411 - الاندماج، لاسيما إذاأخذنا بالاعتبار أف معالجة أطر اللامساواة قػد تمػت دوماً مف وجية نظر الأكثرية البروتستانتية الأنغموساكسونية البيضػاء مػف المسػػتوطنيف الأوائػػؿ فػػي مواجيػػة الأقميػػات الوافػػدة فيمػػا بعػػد مػػف مختمػػػؼ بقػػاع العػػالـ. وقػػد ميػػدت حركػػة الحقػػوؽ المدنيػػة لمسػػود الطريػػؽ لنػػوع مػػف صػػنع المطالػػب أسػػيـ فػػي تحو يػػؿ برنػػامج مناىضػػة التمييػػز، الػػذي ييػػدؼ إلػػػى تشػػػجيع الإنجػػػاز الفػػػردي، إلػػػى منظومػػػة مػػػف توزيػػػع الحصػػػص، لأنػػػو ببساطة، مف الصعب جداً تطبيؽ البرنامج ب طريقة تحترـ فييا دوماً الحالة الفردية. نتيجة ليػذا الػنمط مػف الػدمج، يمكننػا أف نػرى السػوؽ وقػد احتػوت فعلاً أعداداً غفير ة مف الميػاجريف عمػى اخػتلاؼ مسػتويات نجػاحيـ. أي أف الػػػنمط شػػػديد الفردانيػػػة مػػػف الػػػدمج عبػػػر السػػػوؽ قػػػد كػػػاف فعػػػالاً جػػػداً. والنقػػيض المكمػػؿ ليػػذا الاحتػػواء عبػػر الإنجػػاز فػػي السػػوؽ، ىػػو مسػػتوى الرفػػػاه الاجتمػػػاعي المضػػػموف لمجميػػػع بشػػػكؿ مسػػػتقؿ عػػػف الإنجػػػاز فػػػي السػػوؽ، والػػذي يعتبػػر متػػدنياً نسػػبياً بالمقارنػػة مػػع دوؿ الرفػػاه الأوروبيػػة. غير أف ىذا الدمج الفاعؿ مف خلاؿ المنجزات في السػوؽ قػد ترافػؽ مػع صػػػػراعات عمػػػػى الحصػػػػص ، روج ليػػػػا ناشػػػػطو الأقميػػػػات الػػػػذيف تصػػػػرفوا بموجػػػب منطػػػؽ النظػػػاـ السياسػػػي، أي مػػػف خػػػلاؿ الػػػدفاع عػػػف مصػػػالح الزبػػائف. وىػػو مػػا شػػكؿ تنافسػػ اً بػػيف الجماعػػات فػػي السػػو ؽ عمػػى نصػػيبيا
عدد الصفحات ٤٠٣- 412 - فػػي السػػوؽ السياسػػية. وبمػػا أف السػػوؽ السياسػػية تقتضػػي التنػػافس عمػػى السمع الجماعية، فلا عجب أف تػؤدي ىػذه الصػراعات فػي ميػداف تحديػد النسػػػب مػػػف السػػػمع الجماعيػػػة إلػػػى تقاسػػػـٍ لمحصػػػص. وبمػػػا أف الإنجػػػاز الفػػردي فػػي السػػوؽ وا نجػػاز الجماعػػة فػػي مجػػاؿ السياسػػة يكمػػؿ أحػػدىما الآخػػر، فػػإف المجتمػػع الػػذي ينطػػوي عمػػى التغػػاير دوف مزيػػد مػػف الػػدمج السياسػػي، ومػػا قبػػؿ السياسػػي، لا يسػػتطيع خمػػؽ سػػمعة مشػػتركة تتجػػاوز حدود الجماعات التي أصبحت كبيرة جداً بفعؿ اليجرة المتواصمة. لذلؾ فقػػد عػػدلت الولايػػات المتحػػدة مفيوميػػا عػػف الأمػػة ونمػػط الانػػدماج عبػػر السػػػػوؽ المتبػػػػػع بمػػػػػا يتوافػػػػػؽ مػػػػػع اليجػػػػرة مػػػػػف خػػػػػلاؿ الاحتػػػػػواء السػػػػػخي لممياجريف ضمف إطػار المواطنػة، ممػا أنػتج مجتمعػاً متمػايزاً بشػدة عمػى الصعيد الداخمي بحسب المجموعة الطبقية والعرق ية والإثنية. وبالنتيجػة، صرؼ خطابُ العرؽ والإثنية الانتباه بعيداً عف الإشػكالية الأكبػر، وىػي إنتػػاج طبقػػة دنيػػا، موجػػودة تحػػت خػػط الفقػػر وأبعػػد مػػف حػػدود التمػػايزات العرقية والإثنية. مػػػا أثبتنػػػاه بخصػػػوص دمػػػج الميػػػاجريف ومجػػػاراة التغػػػاير يمكػػػف أف يظيػػر أيضػػاً فيمػػا يتعمػػؽ بالػػدمج مػػا فػػوؽ القػػومي (الأوروبػػي). فالمفػػاىيـ المختمفػػػة عػػػف الأمػػػة والأنمػػػاط المتباينػػػة لمػػػدمج تنػػػتج أنماطػػػاً مختمفػػػة مػػػف الػػػدمج مػػػا فػػػػو ؽ القػػػومي: أي أوروبػػػػا بوصػػػفيا مجتمػػػع مػػػػدني مكونػػػاً مػػػػف
عدد الصفحات ٤٠٤- 413 - وحػدات اجتماعيػة تتقاسػـ سػوقاً مشػتركة، مػف منظػور بريطانيػا ؛ أو أوروبػا بوصػػػفيا اتحػػػاد بػػػيف دوؿ الأمػػػة ذات السػػػيادة أو بوصػػػفيا تجسػػػيد لسػػػيادة دولػػة الأمػػة عمػػى أعمػػى مسػػتوى أوروبػػي بالاسػػتناد إلػػى قػػيـ مشػػتركة ، مػػف منظػػور فرنسػػا ؛ وأوروبػػا باعتبارىػػا اتحػػاداً فػػدرالياً ذا دسػػتور يحػػدد بوضػػوح نطػػػاؽ سػػػمطات كػػػؿ مػػػف التجمعػػػات المحميػػػة، والولايػػػات الإقميميػػػة، ودوؿ الأمة والاتحاد ككؿ، مػف منظػور ألمانيػا. أمػا فػي حالػة الولايػات المتحػدة، فقػػػد توصػػػمنا إلػػػى رؤيػػػة لمجتمػػػع السػػػوؽ العػػػالمي الػػػذي ينػػػدمج مػػػف خػػػلاؿ التجػػػارة وتقسػػػيـ الع مػػػؿ ويحتػػػاج إلػػػى مػػػا ىػػػو أكثػػػر بقميػػػؿ مػػػف مؤسسػػػات تشريعية، مثؿ منظمة التجارة العالمية. ومع تقدـ العولمة، أصبح النموذج الأمريكػػػي لمػػػدمج عبػػػر السػػػوؽ حقيقػػػةً أكثػػػر مػػػف أي وقػػػت مضػػػى بالنسػػػبة لػػدوؿ الرفػػاه الأوروبيػػة أيضػػاً. ويتميػػز النمػػوذج الأمريكػػي فػػي الػػدمج عمػػى المسػػػتوى العػػػالمي فػػػي أنػػػو يتطمػػػب حػػػداً مػػػف الاشػػػتراطات أقػػػؿ بكثيػػػر مػػػف نمػاذج الػػدمج الأوروبيػة. وتكمػػف المشػػكمة بالنسػبة لػػدوؿ الرفػاه القوميػػة فػػي أف الػػدمج عبػػر السػػوؽ عمػػى المسػػتوى العػػالمي يمػػارس ضػػغوطاً مػػف أجػػؿ التكيػػؼ لجيػػة المزيػػد مػػف التمػػايز الػػداخمي اسػػتجابةً لمػػدمج الخػػارجي عمػػى المسػػتوى القػػومي. لػػذلؾ يجػػب التقريػػب بػػيف أنمػػاط الػػدمج القديمػػة والػػدمج عبػػػر السػػػوؽ، غيػػػر أف ذلػػػؾ لػػػف يقتصػػػر أبػػػداً عمػػػى مجػػػرد تبنػػػي النمػػػوذج
عدد الصفحات ٤٠٥- 414 - الأمريكي، بؿ ينبغي تعديؿ الأنماط الموجودة تاريخياً لتتكيػؼ مػع الوضػع الجديد بكؿ ما فيو مف تعارضات جديدة تماماً وآثار غير مرغوب بيا. وعمػػػػى المسػػػػتوى الأوروبػػػػي، تػػػػدخؿ الأنمػػػػاط البريطانيػػػػة والفرنسػػػػي ة والألمانيػػػة فػػػي تنػػػافس مػػػع بعضػػػيا بعضػػػاً . ويمكػػػف الافتػػػراض أف أيػػػاً مػػػف الػػدوؿ الػػثلاث لػػػف يقبػػؿ بنمػػوذج الػػػدوؿ الأخػػرى. أي أف الػػدمج الأوروبػػػي سيواصػػؿ العمػػؿ بشػػكؿ تصػػاعدي كمػػا فػػي الماضػػي. ويسػػمح ىػػذا الشػػكؿ لكػػػػؿ بمػػػػد بالبحػػػػث دومػػػػاً عػػػػف فػػػػرص جديػػػػدة لنقػػػػؿ مقومػػػػات مفيومػػػػو إلػػػػى المسػػػتوى الأوروبػػػي، لػػػذلؾ لػػػف تكػػػوف ىنػػػاؾ حالػػػة نيائيػػػة لمػػػدمج النػػػاجز. ويػػؤمف ىػػذا الاسػػتمرار فػػي العمميػػة مجػػالاً واسػػعاً لكػػؿ بمػػد لمتابعػػة تطبيػػؽ نموذجػػػػو الخػػػػاص فػػػػي الػػػػدمج الأوروبػػػػي، ولاسػػػػيما نموذجػػػػو الخػػػػاص فػػػػي الاندماج في أوروبا. فالنخبة البريطانية تتخيؿ أوروبػا بصػفتيا شػراكة بػيف الأمػػـ، والػػدمج بوصػػفو عمميػػة تعػػايش تحػػت مظمػػة مػػف الاحتػػراـ المتبػػادؿ. أمػػا النخبػػة الفرنسػػية فتنظػػر إلػػى أوروبػػا بوصػػفيا منبػػراً لتشػػريع السػػيادة إمػػا مػػػف خػػػلاؿ التعػػػاوف بػػػيف الػػػدوؿ ذات السػػػيادة أو عبػػػر وحػػػدة جديػػػدة ذات سػػػيادة، وتنظػػػر إلػػػى الػػػدمج بوصػػػفو عمميػػػة نقػػػؿ الحضػػػارة الفرنسػػػي ة ذات الطػػػابع العػػػالمي إلػػػى المسػػػتوى الأوروبػػػي ونقػػػؿ اسػػػتيعاب الأطػػػراؼ إلػػػػى المركػػػز. بينمػػػا تعتبػػػر النخبػػػة الألمانيػػػة أوروبػػػا بأنيػػػا فدراليػػػة مبنيػػػة نظريػػػاً و تتمتػػػػع بتقسػػػػيـ واضػػػػح لنطػػػػاؽ السػػػػمطات، و تعتبػػػػر الػػػػدمج عمميػػػػة توحيػػػػد
عدد الصفحات ٤٠٦- 415 - قانوني مع القانوف الأوروبي بما يحقؽ كافة متطمبػات الاتسػاؽ وفقػاً لمبػدأ الدولة التي تقوـ بكؿ شػيء مػف خػلاؿ القػانوف دولػة القػانوف. وبالتػالي لػف يكػػػوف ىنػػػاؾ دمػػػج أوروبػػػي موحػػػد، بػػػؿ تعػػػدد فػػػي أنمػػػاط الػػػدمج الأوروبيػػػة حسػػػػػب نمػػػػػاذج الػػػػػدمج المتبعػػػػػة تاريخيػػػػػػاً فػػػػػي الدولػػػػػة العضػػػػػو: النمػػػػػػوذج البريطػػػػػاني التكيفػػػػػي والمجتمػػػػػػع المػػػػػدني، الطريقػػػػػػة الفرنسػػػػػية الاسػػػػػػتيعابية والدولا نيػػة، والنمػػوذج الألمػػاني الفػػدرالي والقػػانوني، بالإضػػافة إلػػى النمػػاذج الأخرى التي تـ إيجادىا في الدوؿ الأعضاء الأخرى.
عدد الصفحات ٤٠٧يقول ريتشارد مينش أستاذ علم الاجتماع في جامعة بامبرغ – ألمانيا في كتابه (الأمة والمواطنة في عصر العولمة.. من روابط وهويات قومية إلى أخرى متحولة) من إصدارات الهيئة العامة السورية للكتاب ترجمة عباس عباس، مراجعة عـلي خليـل بأنه أوجدت الدولة الأمة، في أرقى أشكالها تطوراً، الاحتواء الداخلي على أساس الإقصاء الخارجي في المقام الأول... ففي عالم تتغير شخصيته بشكل خاص من خلال توسع التعاملات الاقتصادية، والاتفاقيات بين الدول، والتشريعات العابرة للقومية، والأنظمة العالمية، والاتصالات الدولية، والثقافة الشعبية العالمية، بالإضافة إلى تسويق الثقافات المحلية على مستوى العالم ورواج الثقافة الغربية التي تكرس حقوق الإنسان، والثروة الاقتصادية وحصة الفرد من الرفاه الاجتماعي، لم تعد الدولة الأمة هي الوحدة الوحيدة المهيمنة في الدمج الاجتماعي. فالأمة المتجسدة سياسياً في دولة الأمة والمواطنة المستندة إلى الانتماء للأمة لم تعد تلك التعابير التي لا يرقى إليها الشك في إطار التضامن. وفي سياق عملية الأَوْرَبَة، ومن بعدها العولمة، تتوسع العلاقات الاجتماعية أكثر فأكثر لتتجاوز حدود دول الأمة وتتمايز داخلياً إلى تفاعلات أكثر انتقائية، ومحددة وظيفياً ومحدودة في الزمان والمكان
عدد الصفحات ٤٠٩