المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إجماع أصحاب رسول الله على كفر تارك الصلاه

على بن شعبان

صفحة ٣ من ٣

قلت ( على شعبانواللغة العربية تأبى تحريف المُرجئة ، لان الاصل فى الكلام الحقيقة ، فالكلام له 1- "وضع الكلمة " أى الدلالة اللغوية لمعنى الكلمة عند العرب ، وتُسمى ب الحقيقة 2 - "استعمال الكلمة " وهو استعمال اللفظ فى غير ما وضع له عند العرب ، ويُسمى عند المتاخرين ب المجاز 3 - "حمل" أى على أى شىء يحمل المُستمع للكلام قصد المُتكلم ، هل على الاصل أى " وضع الكلمة " ، أم يُحمل قصد المُتكلم على المجاز أى " استعمال الكلمة " ؟ وقد اتفق علماء اللغة وعلماء اصول الفقه على أن " الاصل فى الكلام أن يحمل على حقيقته " ولا يجوز حمل اللفظ وتأويله على غير المعنى الوضعى الذى وضع له الا بقرينة يقينية إما فى سياق النص أو من أدلة وقرائن اُخرى خارج النص ، وإلا كان ذلك تحريف للكلم عن مواضعه . (1) والمُرجئة خالفوا اللغة والاصول فى ذلك وحرفوا الدلالات الوضعية لنصوص الوحى لتتماشى مع مذهبهم الخبيث فالترك فى اللغة الاصل فيه " الودع و الامتناع من الفعل " هذه هى دلالة لفظ الترك وحقيقته فى اللغة والشرع قال الزبيدى فى تاج العروس فى مادة " ت ر ك " : ت َرَكَه ي َت ْرُكُه تَركاا وتِركاناا بالكسر وهذه عن الفَر اءِ وات َّرَكَه كاف ْت َعَلَه وفي الص حاح قال فيه : فما ات َّرَكَ أي : ما ت َرَكَ شَيئاا وهو اف ْت َعَل : ودَعَهَ . قال شيخُنا : وفيه اسْتِعْمالُ الذي أَماتُوه . قلتُ : وفَسَّره الجَوْهرِيُّ بخَ لا ه وكذلك في الَْساطيرِ وِالعُبابِ قال شَيخُنا : وفَسَّره أَهلُ الْفْعال بِطَرَحَه وخَلاه . قلت : ولَفَظُ الوَدْعِ وَقَع في المُحْكَم فإِنَّه قال : التَّركُ : وَدْعُكَ الشَّيءَ ت َرَكَه ي َت ْرُكُه تَركاا . اه (2) وهذا أيضاا فهم التابعين يؤكد المعنى اللغوى قال ابن بطة فى الابانة : حَدَّث َنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر ، قَالَ : ثنا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : ب َلَغَنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ  كَانُوا ي َقُولُونَ : ب َيْنَ الْعَبْدِ وَب َيْنَ أَنْ يُشْرِكَ ف َيَكْفُ رَ أَنْ يَدَعَ الصَّلاةَ مِنْ غَيْرِ عُذْر " . اه (3) فنقل الامام الحسن البصرى أن المقصود عند الصحابة هو " الودع " أى الامتناع من الفعل فهذه هى حقيقة و دلالة لفظ " الترك " فى اللغة وفى الشرع ( 1 ) مجموع الفتاوى 41 /418 لابن تيميةو رسالة فى الحقيقة والمجاز ص 18 لابن تيمية ،الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم 1 / 433 ، طدار العاصمة - الرياض ، البحر المحيط 1 /446 للعلامة أبو حيان الأندلسى ، ط / دار النشر / دار الفكر بيروت ، الكليات لأبى البقاء الكفومى 1 /114 ، طمؤسسة الرسالة بيروت ، مفاتيح الغيب 13 /144 للرازى ط دار الكتب العلمية - بيروت ، تاج العروس 1 /44 ،ط / دار الهداية ، السراج المنير في الاعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير 4 /886 للخطيب الشربينِ ، ط / دار الكتب العلمية بيروت ، الاشباه والنظائر 1 /48 ، طدار الكتب العلمية بيروت . ( 4 )تاج العروس من جواهر القاموس 41 /11 ط / دار الهداية ( 8 ) الابانة لابن بطة441 ،والسنة لابن بطة 388 ، وشرح اصول اعتقاد اهل السنة للالكائى 1461 - 44 -

عدد الصفحات ٢٦

وقد تستعمل العرب التركبمعانى اخرى ك ( الرفض والانكار والجحود ، الإبقاء ، الجُ عل ، الخَ لف ) ولكن لا نحملها على غير حقيقتها أى " وضع الكلمة " إلا بقرينة يقينية إما فى سياق النص نفسه أو من أدلة اخرى . 1- كما قال ا عن يوسف  "إِن ي ت َرَكْتُ مِلَّةَ ق َوْم لاَ ي ُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ " يوسف 30 أى أنكرت ورفضت واجتنبت ملة قوم لايؤمنون با 2- وكما قال  "وَت َرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآْخِرِينَ " الصافات 02 أى ابقينا عليه فى الاخرين وكما قال  "وَت َرَكْنَا فِيهَا آيَةا لِلَّذِينَ يَخَ افُونَ الْعَذَابَ الَْْلِيمَ " الذاريات 30 أى ابقينا فيها 3- وكما قال  "وَت َرَكْنَا ب َعْضَهُمْ ي َوْمَئِذ يَمُوجُ فِي ب َعْض " الكهف 99 أى وجعلنا بعضهم يومئذ 4- وكما قال  "كَم ت َرَكُوا من جَن ات وعُيُون " الدخان 20 أى كم خَلفوا ورآهم ومنه تَرِ كَةُ فلان : لما يُخَل فُه بعدَ مَوْتِه وكما قال  "لَعَلى أَعْمَلُ صَالِحاا فِيمَا ت َرَكْتُ " المؤمنون 122 أى فيما خَلَ فت أما فى الاحاديث الماضية فالترك فيها المقصود منه الامتناع من الفعل ، أى أصل معنى الترك الذى وضع له فى اللغة وليس الجحود والانكار ، وأعظم الادلة على ذلك فهم الصحابة لمعنى الترك ، بأنه عدم الفعل ، واليكم الدليل :- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ ( ابن مسعود ) : إِنَّ اللَّهَ  يُكْثِرُ ذِكْرَ الصَّلاةِ : ( الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِ هِمْ يُحَافِظُونَ ) و ( الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ) ، ف َقَالَ عَبْدُ اللَّهِ  " :ذَلِكَ لِمَوَاقِيتِهَا "، ق ُلْنَا : مَا كُنَّا ن َرَاهُ إِلا ت َرْكُهَا ، قَالَ  : "فَإِنْ ت َرْكَهَا الْكُفْرُ " . (1) بين هنا الصحابى ابن مسعود أن معنى الايتين المحافظة على الصلوات فى اوقاتها ، والمداومة عليها فى اوقاتها وبين أن المقصود بالترك هو إخراج الصلاة عن وقتها أى ( عدم فعل الصلاة حتى يخرج وقتها من غير عذر ) وليس الجحود ، لان الله أثنى فى الايتين على من حافظ وداوم على الصلاة لمواقيتها ، وبين ابن مسعود أن ترك الصلاة لوقتها هو الكفر حَدَّث َنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَاصِم ، عَنْ زِر ، قَالَ : " كُنَّا ن َعْرِضُ الْمَصَاحِفَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ( ابن مسعود ) فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيف ، ف َقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيُّ الَْْعْمَالِ أَفْ ضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلاَةُ ، وَمَنْ لَمْ يُصَل فَلاَ دِينَ لَهُ " . (2) والشاهد أن ابن مسعود نفى الدين بالكلية عن تارك الصلاة بالجوارح ( ترك الصلاة حتى يخرج وقتها من غير عذر فمناط الحكم على ترك الصلاة وليس جحدها لآنه سُ ئل عن الاعمال فاجاب بالصلاة وبين أن عدم فعلها نفى للدين ولو كان ابن مسعود يقصد الجحود لقال : " ومن جحدها فلا دين له " ولكنه  يقصد عدم فعلها أى " تركها ( 1 )المعجم الكبير للطبرا 3364 ، الابانة الكبرى لابن بطة414 ، شرح اصول اعتقاد اهل السنة 1444 ، تعظيم قدر الصلاة للمروزى 63 و 343 ،ط / مكتبة الدار السعودية ، بسند صحيح ( 4 )مصنف ابن ابى شيبة 1444 و41314 ، الابانة الكبرى لابن بطة413 ، المعجم الكبير للطبرا3368 و3364 ، السنة لعبدالله بن احمد 438 ، تعظيم قدر الصلاة للمروزى 344 ، ط / مكتبة الدار السعودية ، بسند صحيح - 46 -

عدد الصفحات ٢٧

وأيضااالتعبير بالكفر مُ ختلف ، ففى ترك الصلاة قال " ب َيْنَ الرَّجُلِ ، وَب َيْنَ الش رْكِ وَالْكُفْرِ ، ت َرْكُ الصَّلاَةِ " فعبر ب " أل" الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر بخلاف كلمة " كُفْر " منكراا أو كلمة " كَفَرَ " بلفظ الفعل فإنه دال على أن هذا من الكُ فر ، أو أنه كُ فر فى هذه الفعلة وليس هو الكُ فر المُ طلق المُ خرج عن الإسلام . قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعليقاا على قوله  "اث ْنَتَانِ فِى النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ " : فقوله " هما بهم كفر " أى هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس ، فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر وهما قائمتان بالناس ، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافراا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمناا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته وفرق بين الكفر المعرف باللام كما فى قوله  " ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إترك الصلاة " وبين كفر مُ نكر فى الإثبات . اه (1) فيتضح لنا مما سبق أن الكُفر الوارد فى ترك الصلاة هو الكُ فر الاكبر المُ خرج من الملة لعدة وجوه : أحدها : أن الكُ فر المُ طلق هو الكفر الاعظم المُ خرج من الملة فينصرف الاطلاق إليه ، لان الاصل فى الكلام الحقيقة وانما صُرف فى كثير من المواضع لقرائن إنضمت إليه أى الى الكلام ، ومن تامل سياق كل حديث وجده معه قرائن تصرفه الى الاصغر او تكون القرائن مُ نفصلة من أدلة اُ خرى ، وليس فى تارك الصلاة شىء يُ وجب صرفهُ عن ظاهره . الثانى : الكفر مُ نكر مُ بهم مثل قوله  ( وقتاله كُفر ) او قوله  ( هما بهمكُ فر ) وقوله  (كَفَرَ بالله ) وشبه ذلك . أما هنا فى كُ فر تارك الصلاة عُ رف بالالف واللام فى قوله  " إِن ب َيْنَ الرَّجُلِ وَب َيْنَ الش رْكِ وَ الْكُفْرِ ت َرْكُ الصَّلاَةِ " والكُفر المعروف المُعرف بالالف واللام ينصرف الى الكُ فر الاكبر المُخرج من الملة ، إلا أن يأتى صارف كالطعن فى النسب الثالث : أن فى بعض الاحاديث جاء فى لفظها ( بين العبد وبين الكُ فر ) و ( بيننا وبينهم الصلاة ) و ( فمن تركها فقد كفر ) وهذا كله يقتضى أن الصلاة حد فاصل يُدخل العبد الى الايمان إذا فعل ، ويُخرجه عن الايمان إن ترك ، لان اليهود والنصارى وغيرهم من الكُ فار خارجون عن الملة ليسوا داخلين فيها ، وأقتضى ذلك أن من ترك هذا العهد فقد خرج من الدين أى ( كفر ) كما أن من أتى به فقد دخل فى الدين ولا يكون هذا إلا فى الكُ فر الاكبر . الرابع : ما تقدم من حديث معاذ ( عمود الاسلام الصلاة ) فان فُ سطاطاا على غير عمود لا يقوم ، كذلك الدين لايقوم الا بالصلاة ، ولذلك من كان يريد دخول الاسلام على عهد النبى والصحابة يامروه بالشهاد تين والصلاة . وفى هذا الوجو ه يبطل قول من حمل الكفر فى الصلاة على من تركها جاحداا ، فترك الجُ حود فى الصلاة لا فرق بينه وبين سائر العبادات ، لآن الجُ حود نفسه هو الكُ فر من غير ترك ، حتى لو فعلها ، لا تنفعه الصلاة ، بمعنى أن : الانسان اذا كان يُ صلى الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وواجباتها ولكنه قال : الصلاة ليست فرض ولكنه يُ صلى فهذا كافر باتفاق ، ومثل هذا أيضا فى الزكاة والصيام والحج ، بل لو جحد السواك كفر وخرج من الملة ، فالمذكور فى الحديث هو الترك وليس الجُ حود ، وكلام النبى  فى الترك عام ، ولم يُ فرق بين تر ك الكثير وترك التكاسل القليل لآن هذا عُ دول عن حقيقة الكلام من غير موجب ، فلا يُ لتفت اليه . ( 1 )اقتضاء الصراط المستقيم ص 11 ، طمطبعة السنة المحمدية - القاهرة . - 44 -

عدد الصفحات ٢٨