المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البيان في خط مصحف عثمان رضي الله عنه

محمد بن محمد بن محمد بن الجزري

صفحة ١ من ٥

247 يُقَدِّمُ البحث نص رسالة في رسم المصحف، من تأليف ابن الجزري، وهو الكتاب لَّفَهُ ابن الجزري في علم الرسم. وتتضمن الدراسة التي كتبتُها بين يدي النص َ الوحيد الذي أ التعريف بجهود ابن الجزري الأخرى في هذا العلم، وتتلخص فيما أورده ابن الجزري في كتابه عن مصحف ابن الجزري في كتاب الآركاتي. (*(((( وبَيَّنْتُ في الدراسة قيمة هذه الرسالة في التعريف باختيارات ابن الجزري في الرسوم المختلف فيها بين أئمة الرسم، إلى جانب التعريف بالمخطوطات التي اعتمدتُ عليها في تحقيق النص، والمصادر الأخرى التي وَثَّقْتُ منها ما ورد في الرسالة، وبيان منهجي في تحقيقها، وتحقيق نسبة الرسالة إلى مؤلفها. واكتفى ابن الجزري في هذه الرسالة بعد المقدمة برسم الكلمات القرآنية على ما تُوجبه قواعد الرسم العثماني، لكن كل كلمة كتبها يُبَينُِّ رَسْمَها وما فيها من حذف أو زيادة أو بدل أو همز أو فصل أو وصل، واعتنيت بتوثيق الكلمات التي رُسمت بخلاف رسمها في مصحف المدينة النبوية، وتحقيق ذلك من مصادر الرسم المشهورة، والله ولي التوفيق. (*( أستاذ في كلية التربية بجامعة تكريت، في العراق.

عدد الصفحات ١

248 مقدمة الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنَا مَُمِّدٍ، وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين، والتابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بَعْدُ: فقد كانت لأبي الخير ممد بن الجزري (ت القرآن الكريم عامة، وعلم القراءات والتجويد خاصة، وصارت كتبه مرجعاً للدارسين، وأقواله حجة لدى الباحثين، وشهرته في ذلك تُغْنِ عن إطالة الحديث فيه، وقد حَظِيَتْ جهوده في القراءات وعلم التجويد بعناية الدارسين، لكن أحداً لم يلتفت إلى جهوده في رسم المصحف؛ لعدم الوقوف على كتاب مستقل له في الرسم، ولأن المادة المتعلقة برسم المصحف جاءت متناثرة في كتابه القراءات الع ولَفَتَتْ نظري وأنا أنظر في المخطوطات التي يحتفظ بها مركز جمعة الماجد، رسالة في بيان رسم الخط العثماني منسوبة لابن الجزري، وسارعت إلى طلب تصويرها، وحين اطلعت عليها وجدت أنها رسالة موجزة، لم يَرِدْ فيها بعد المقدمة القصيرة إلا الألفاظ القرآنية ذات الرسم المتميز، مرتبة على ترتيب السور في المصحف، مما يجعل الباحث يتردد في تحقيقها ونشرها. وحين مَنَّ الله عليَّ بالإقامة في المدينة المنورة في أثناء زيارتي لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، زرت مكتبة المسجد النبوي الشريف ومكتبة الملك عبد العزيز بجوار المسجد النبوي أبحث عن بعض المخطوطات المتعلقة بعلم الرسم والضبط، ووجدت في مكتبة الملك عبد العزيز نسخة خطية من رسالة ابن الجزري في بيان رسم الخط العثماني، لكنها نُسِبَتْ في فهرس المكتبة لمؤلف مجهول، وقد سَهَّلَ لي القائمون على المكتبة - جزاهم الله تعالى خيراً - الحصول على نسخة مصورة منها.

عدد الصفحات ٢

249 ولا شك في أن اكتشاف كتاب في رسم المصحف من تأليف ابن الجزري أمرٌ أهميته العلمية، لأنه يكشف عن جانب علمي مهم غاب عن اهتمام الباحثين، ولكن الدارس يحتاج إلى التحقق من صحة نسبة هذه الرسالة إلى ابن الجزري قبل التفكير في تحقيقها ونشرها منسوبة إليه. وكنتُ في فترة سابقة قد وقفتُ على ذِكْرٍ لمصحف ابن الجزري الذي كَتَبَهُ مراعياً فيه الرسم العثماني، وكان أحد مصادر ممد غوث النائطي الآركاتي الهندي في كتابه الكب ابن الجزري بخط تلميذه الشيخ طاهر بن عرب بن إبراهيم الأصفهاني، وحين وازنت بين ما ورد في رسالة ابن الجزري وما نقله مؤلف وجدت أن ما جاء في الرسالة يتوافق إلى حد كبير مع ما ورد في المصحف، مما رجح عندي صحة نسبة الرسالة إلى ابن الجزري، إلى جانب التصريح باسم ابن الجزري في أول الرسالة، وإشارة إسماعيل باشا البغدادي إلى أن لابن الجزري كتاباً في الرسم سَمَّاهُ « ونظراً للمكانة العلمية التي يتميز بها ابن الجزري، وأهمية الوقوف على اختياراته في رسم المصحف، فإني وجدت أنَّ من المفيد تحقيق رسالته في الرسم، ووضعها بين يدي المهتمين بتراث ابن الجزري العلمي، والمتخصصين برسم المصحف، لعلهم يجدون فيها ما يفيد في تحقيق بعض المسائل العلمية المتعلقة بالرسم، ويكشف عن جانب جديد من جوانب شخصية ابن الجزري العلمية. قَدِّمُ ُ ولا أجد ضرورة للحديث عن حياة ابن الجزري والتعريف بمؤلفاته، وأنا أ ، ومن ثَمَّ فإن هذه الدراسة سوف هذا العمل، فقد تَكَفَّلَتْ الدراسات السابقة بذلك((( ((( من أهم مصادر ترجمة ابن الجزري: - ما ورد في كتاب غاية النهاية لابن الجزري نفسه - ترجمته في كتاب الضوء اللامع، للسخاوي - ما كتبه الدكتور ممد مطيع الحافظ عن ابن الجزري: =

عدد الصفحات ٣

250 تقتصر على التعريف بجهود ابن الجزري في الرسم من خلال ما ورد في كتابه تضمنته هذه الرسالة، ومن خلال مصحفه الذي خَطَّه تلميذه طاهر بن عرب بن إبراهيم، ونقل منه مؤلف كتاب منهجي في تحقيق نصها. والحمد لله أولاً وآخراً، هو حسبنا ونعم الوكيل. المدينة المنورة 432/(2/9 = (. الإمام شمس الدين بن الجزري، فهرس مؤلفاته ومن ترجم له، مجلة آفاق التراث (ع 993 -هـ (4(4( 2 - تَرْجمَْتُ لابن الجزري ترجمة مطولة في مقدمة تحقيق كتابه

عدد الصفحات ٤

251 المبحث الأول جهود ابن الجزري في رسم المصحف تتركز جهود ابن الجزري في علم رسم المصحف في ثلاثة أعمال، مما هو متيسر بيد الدارسين اليوم، بعضها كان معروفاً، وبعضها نَكْشِفُ عنه أولَ مرة في هذه الدراسة، وهي بمجموعها تقدم مادة متكاملة لموضوعات رسم المصحف: أولاً: كتاب النشر في القراءات العشر: تحدَّث ابن الجزري عن عدد من موضوعات الرسم في ثلاثة مواضع رئيسة من الكتاب، لها علاقة بموضوع القراءات، تدل على إحاطته بهذا العلم وتَمَكُّنه من مسائله، هي: (. عند الحديث عن أركان القراءة الصحيحة، فقال وصناديد الأئمة، فبالغوا في الاجتهاد، وبَيَّنُوا الحق المراد، وجمعوا الحروف والقراءات، وعَزَوُا الوجوه والروايات، ومَيزَُّوا بين المشهور والشاذ، والصحيح والفَاذَّ، بأصول صَّلُوهَا، وأركان فَصَّلُوهَا، وها نحن نشير إليها، ونُعَوِّلُ كما عَوَّلَوُا عليها، فنقول: َ أ كل قراءة وافقت العربية ولو بِوَجْهٍ، ووافقتْ أحدَ المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصَحَّ سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز رَدُّهَا، ولا يحَِلُّ إنكارها َصَّلَ القول في ركن موافقة القراءة لرسم المصحف، وقال ثم ف أحد المصاحف ما كان ثابتاً في بعضها دون بعض، وقولنا بعد ذلك نعن به ما يوافق الرسم، ولو تقديراً، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقاً، وهو الموافقة . ثم ساق الأمثلة لكلا الصريحة، وقد تكون تقديراً، وهو الموافقة احتمالاً النوعين، وقال فضل عظيم للصحابة رضي الله عنهم في علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق َضَّلَهُم على سائر الأمة كل علم، فسبحان مَنْ أعطاهم، وف ((( الن 2( 3(

عدد الصفحات ٥

252 2 يحتاج إلى معرفة تحقيق مذاهب أهل العربية، وأحكام رسم المصاحف العثمانية، وتمييز الرواية وإتقان الدراية بالرسم صورة ما كُتِبَ في المصاحف العثمانية، وأصل ذلك عندهم أن سُلَيْماً روى عن حمزة أنه كان يَتَّبِعُ في الوقف على الهمز خَطَّ المصحف ولا بد من معرفة كتابة الهمز ليُِعْرَفَ ما وافق القياس في ذلك مما خالفه ثم ذكر قواعد رسم الهمزة في المصحف ما جاء على القياس وما خرج عنه، ذاكراً ما اختلفت فيه المصاحف من ذلك، مع تعليل كثير من صور رسم الهمزة وهو يذكر ما يتعلق برسم الهمزة إلى أنه رجع إلى عدد من المصاحف المخطوطة القديمة، للتأكد من رسم بعض الكلمات، منها المصحف العثماني المحفوظ في زمانه في الجامع الأموي بدمشق، والمصحف العثماني الذي كان مفوظاً في المدرسة . الفاضلية في القاهرة 3 الصحابة عليها، كما تقدم في أول الكتاب. واعلَمْ أن المراد بالخط الكتابة، وهو على قسمين: قياسي واصطلاحي، فالقياسي ما طابق فيه الخطُّ اللفظَ، والاصطلاحي ما خالفه بزيادة أو حذف أو بدل أو وصل أو فصل. وله قوانين وأصول يحُْتَاجُ إلى معرفتها، وبيان ذلك مستوفً في أبواب الهجاء من كتب العربية، وأكثر خط المصاحف موافق لتلك القوانين، لكنه جاءت أشياء خارجة عن ذلك يلزم اتِّباعها، َعَدَّى إلى سواها، منها ما عرفنا سببه، ومنها ما غاب عنا، وقد صَنَّفَ العلماء ولا يُت . فيها كتباً كثيرة ((( الن 2( 3( 4( 5(

عدد الصفحات ٦

253 ثم قال الحاجة إليه، اختياراً واضطراراً، فَيُوقَفُ على الكلمة الموقوف عليها أو المسؤول عنها على وَفْقِ رسمها في الهجاء، وذلك باعتبار الأواخر من الإبدال والحذف والإثبات... إذا تقرر هذا فليعلم أن الوقف على المرسوم ينقسم إلى متفق عليه، ومختلف فيه، وها نحن نذكر المختلف فيه من ذلك قسماً قسماً، فإنه مقصود هذا الباب، ثم نذكر المتفق عليه آخر كل قسم، لتتم الفائدة كعادتنا ثانياً: رسالته في بيان رسم الخط العثماني: يبدو أن ابن الجزري لم يؤلِّفْ كتاباً في رسم المصحف في أول حياته العلمية حين بدأ بالتأليف في علوم القرآن عامة وعلم القراءات خاصة، فلم ترد في كتبه المطبوعة التي اطلعت عليها إشارة إلى مثل ذلك الكتاب، كما أن تلامذته لم يذكروا له ذلك، ولعل ابن لَّفَ كتاباً في الرسم في السنة التي أكمل فيها تأليف كتابه َ الجزري لم يكن قد أ القراءات الع ويَدُلُّ على ذلك أن ابن الجزري أحال إلى مؤلفاته الأخرى حين تحدَّث في كتابه « الوقف والابتداء، فقال حين أراد الحديث عن تلك الموضوعات لا بد من معرفتها لمريد هذا العلم، قبل الأخذ فيه، كالكلام على مخارج الحروف وصفاتها، القرآن من التحقيق والحدر والترتيل والتصحيح والتجويد والوقف َ وكيف ينبغي أن يُقْرَأ . َصرَاً، إذ بَسْطُ ذلك بحَقِّهِ ذَكَرْتُهُ في غير هذا الموضع والابتداء، مُلَخَّصاً مخُْت وقال بعد أن تحدث عن مخارج الحروف وصفاتها، ومراتب التلاوة بنا القول إلى هنا فلنذكر فصلاً في التجويد يكون جامعاً للمقاصد، حاوياً للفوائد، وإنْ لَّفْنَاهُ حالَ اشتغالنا بهذا العلم في َ كُنَّا قد أفردنا لذلك كتابنا . سِنِّ البلوغ، إذ القصد أن يكون كتابنا هذا جامعاً ما يحتاج إليه القارئ والمقرئ ((( الن 2( 3( 4(

عدد الصفحات ٧

254 وقال وهو يتحدث عن علم الوقف والابتداء تَيْتُ على ما َ لَّفَ الأئمة فيها كتباً قديماً وحديثاً، مخُْتَصرَاً ومُطَوَّلاً، أ َ به، وقد أ ُ َدَأ عليه ويُبْت وقفتُ عليه في ذلك واستقصيته في كتاب مقدمتين جمعت بهما أنواعاً من الفوائد، ثم استوعبتُ أوقاف القرآن سورة سورة، وها أنا . أشير إلى زُبَدِ ما في الكتاب المذكور لكن ابن الجزري حين تحدث عن رسم المصحف في باب الوقف على مرسوم الخط في كتابه ٍ، وأبي بكر بن أبي داود، وأبي بكر بن كتباً كثيرة، قديماً وحديثاً، كأبي حاتم، ونُصَيرْ مهران، وأبي عمرو الداني، وصاحبه أبي داود، والشاطبي، والحافظ أبي العلاء، وغيرهم... وإذا تقرر هذا فَلْيُعْلَمْ أن الوقف على المرسوم ينقسم إلى متفق عليه ومختلف فيه، وها نحن نذكر المختلف فيه من ذلك قسماً قسماً، فإنه مقصود هذا الباب، ثم نذكر المتفق عليه آخر كل قسم لتتمَّ الفائدةُ، على عادتنا فنقول لَّفَ كتاباً في الرسم َ ولم يُشرِْ ابن الجزري هنا إلى مُؤَلَّفٍ له في الرسم، ولو أنه كان قد أ ِ التجويد والوقف والابتداء، الذي في ذلك الوقت لأحال إليه، قياساً على منهجه في بَابيَ لَّفَ هذه الرسالة التي نحققها في َ ذكرناه قبل قليل، ومن ثَمَّ فقد يكون ابن الجزري قد أ سنوات عمره الأخيرة، وهو مقيم في مدينة شيراز. وقد تأكد لديَّ أن ابن الجزري لم يكن قد ألَّف كتابه هذا في الرسم قبل سنة 820( قال فيه حجة عند اختلاف المرسوم، والعوائق تشتمل بين ذلك، والمرجو من الله تعالى تيسير ذلك، بمَنّه وكرمه ((( الن 2( 3(

عدد الصفحات ٨

255 وحقق الله تعالى لابن الجزري رجاءه، فإنه تمكن من تأليف ذلك الكتاب قبل وفاته، رحمه الله، فقد ذكر تلميذه أبو القاسم ممد بن ممد النويري (ت كتبها لشيخه ابن الجزري في أول شرحه للطيبة عدداً من مؤلفاته، من بينها كتاب في علم الرسم(((، وذكر النويري أنه التقى بالمؤلف في مكة المكرمة سنة ثالثاً: مصحف ابن الجزري: لم يشتهر أن لابن الجزري مصحفاً خاصاً به، لكن لدينا من الوثائق ما يؤكد وجود مثل ذلك المصحف، بل نجد أن ابن الجزري يذكر أنّه تحرَّى فيه أن يكون بالرسم العثماني، وقام تلميذه في مدينة شيراز الشيخ طاهر بن عرب بن إبراهيم بخط نسخة مطابقة من ذلك المصحف؛ بناء على طلب من ممد بن الجزري الابن، كما بَينََّ ذلك ممد غوث النائطي الآر الذي وصف فيه رسم كلمات القرآن كلمة كلمة، وذكر أن أحد مصادره في الكتاب كان مصحف ابن الجزري الذي خَطَّه الشيخ طاهر بن عرب، وكان في بعض مكتبات الهند. قال ممد غوث وهو يُبَينُِّ مصادره التي اعتمد عليها في الكتاب المصحف الذي كتبه الفاضل الماهر طاهر بن عرب بن إبراهيم الحافظ الأصبها نَقَلَهُ من نسخة صَحَّحَهَا أستاذه شيخ الإسلام الجزري، واستكتبه أبو الخير ممد بن شيخ الإسلام الجزري عظيم الدولة والجاه وَفَّقَهُ الله لما يحبه ويرضاه، وحيثما أقول مصحف الجزري فالمراد به ذلك المصحف ((( شرح طيبة الن 2( 3( 4( 833( في الديوان العلي. ينظر: ابن الجزري: غاية النهاية 5(

عدد الصفحات ٩

256 ولعل مُؤَلِّفَ كتاب الجزري الذي كان أحد مصادره، فلم أقف على خبر لهذا المصحف في مصدر آخر، سواء في ذلك كُتُبُ ابن الجزري المطبوعة أو غيرها من المصادر التي ترجمت له، لكن ابن الجزري كان قد ذكر في كتابه ُهُ على الرسم بخطي هو في ذلك عمدة، تتبعت فيه نصوص « . الأئمة، وما وقفت عليه من المصاحف القديمة وموازنة المواضع التي استشهد فيها مؤلف الجزري بما ورد في كتب الرسم تؤكد أن ابن الجزري تحََرَّى أن يكون رسم هذا المصحف موافقاً لرسم المصاحف العثمانية. ولا نعلم اليوم مصير مصحف شيخ الإسلام ابن الجزري، ولا مكان المصحف الذي كَتَبَه تلميذه طاهر بن عرب بن إبراهيم الحافظ الأصبهاني، بتكليف من ابن شيخ الإسلام الجزري، لكن هناك ما يدل على أن ذلك المصحف كان معروفاً واتخذه بعض الخطاطين قدوة له في كتابة مصحفه، فقد جاءت في الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط، في الجزء الخاص بالمصاحف المخطوطة ومخطوطات رسم المصحف إشارة إلى وجود مصحف مخطوط في مكتبة لِّفَ فيها كتاب ُ وهي المدينة التي أ . بالقراءات السبع، منقولة من نسخة طاهر بن عرب بن إبراهيم ويُعَدُّ كتاب رسم المصحف، فقد تَضَمَّنَ هذا الكتاب وصفاً لرسم الكلمات في مصحف ابن الجزري، ويمكن التعرف على اختيارات ابن الجزري في الرسم من خلال هذا الكتاب، وقد أفدت منه كثيراً في تحقيق رسالة ابن الجزري في بيان خط الرسم العثماني، كما هو واضح في حواشي التحقيق، وكما سأبين ذلك عند الحديث عن منهج التحقيق، إن شاء الله. ((( المسائل التبريزية، الورقة 2(

عدد الصفحات ١٠

257 المبحث الثا تعريف بالرسالة، وبيان منهج التحقيق أولاً: تعريف بالرسالة: تتكون الرسالة من مقدمة قصيرة، بَينََّ فيها ابن الجزري غرضه من تأليفها، وكيفية ترتيبها، إذ قال وعلى كافة المؤمنين بميثاقه وعهدِه. قال الإمام الهمام العالم العامل الفاضل المحقق، حافظ كلام الله شمس الملة والدين، ممد بن ممد الجزري، رَحمَِهُ اللهُ رحمةً واسعةً: أما بعد، فإن هذه رسالة في بيان رسم الخط العثماني رضي الله عنه، من أول القرآن إلى آخره على التفصيل سورة سورة وذكر بعد هذه المقدمة الكلمات القرآنية التي تَمَيزََّ رَسْمُهَا بحذف أو إبدال أو زيادة أو فصل أو وصل، مجردة من التعليق والتوضيح، على ترتيبها في المصحف، بادئاً بسورة الفاتحة، ومنتهياً بسورة الفلق، ولم يذكر في سورة الناس شيئاً، كما لم يذكر ذلك في عدد من قصار السور، وترك ابن الجزري للقارئ إدراك ما في الكلمة من خصائص الرسم من خلال طريقته في رسمها، إذ إنه لم يصف طريقة رسمها، كالقول: بحذف الألف، أو بزيادة الواو، أو بالوصل أو بالفصل، أو نحو ذلك، على عادة أكثر المؤلفين في رسم المصحف، مما يساعد قارئ الرسالة أو مققها من التأكد مما أراده المؤلف، ويدفع احتمال تعرض النص للتصحيف أو التحريف على أيدي النساخ. وقد أحصيتُ الكلمات التي ذكرها ابن الجزري في الرسالة فبلغَتْ قريباً من كلمة، ولم أدرج في العَدِّ ما جاء معطوفاً على الكلمة، وبلغ عدد الكلمات التي خالف رسمها ما في مصحف المدينة النبوية أكثر من وبخاصة حذف ألف التثنية، في الأفعال والأسماء، وهو المذهب الذي اختاره ابن الجزري في رسمها، مرجِّحاً بذلك مذهب أبي عمرو الداني في حذف ألفاتها، على مذهب تلميذه أبي داود سليمان بن نجاح، الذي اختار إثباتها، كما سيتضح للقارئ من حواشي التحقيق.

عدد الصفحات ١١

258 ثانياً: تعريف بالنسخ الخطية اعتمدت في تحقيق رسالة ابن الجزري في الرسم على نسختين خطيتين، وعلى كتاب « كما سأبين بعد قليل. وهذا وصف للنسخ الخطية (. نسخة مركز جمعة الماجد(((، وهي نسخة مصورة مفوظة برقم على غلافها الخارجي (رسالة في بيان رسم الخط العثماني(، وليس في أصل المخطوطة صفحة خاصة بذكر عنوان الكتاب واسم المؤلف. وتتألف من سبع عشرة ورقة، وهي تبدأ بظهر الورقة الأولى، وتنتهي بوجه الورقة الأخيرة. وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة ثلاثة عشر سطراً، وهي مكتوبة بخط متقن أقرب إلى خط النسخ، ومضبوطة بالشكل، ويبدو أن أسماء السور مكتوبة بالحبر الأحمر، لعدم ظهورها في التصوير. وفي آخرها تاريخ مجرد من بيان اسم الناسخ أو مكان النسخ، وهو سنة والراجح أنه بالتاريخ الهجري. وعلى حواشي كثير من صفحاتها تعليقات أكثرها باللغة الفارسية، بعضها منقول من كتاب تلميذ ابن الجزري، وهو بالفارسية، وبعضها منقول من كتاب وقد رمزت لها في الحواشي بالحرف (ج(. 2 5 /928( اثنا عشر سطراً، وهي مكتوبة بخط النسخ، وعناوين السور باللون الأحمر، وضَبَطَ الناسخُ الصفحات الأولى بالحركات، ووضع خطّاً أحمر فوق الكلمات القرآنية في الأوراق الست الأولى، لكنه ترك ذلك فيما بعد. ((( يبدو أن أصل هذه المصورة مفوظ في مكتبة جامعة البنجاب في مدينة لاهور في باكستان، بناء على المعلومات الواردة في الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط، القسم الخاص برسم المصحف (ص

عدد الصفحات ١٢

259 وتقع النسخة ضمن مجموع يحتوي على أربع رسائل، وتبدأ رسالة ابن الجزري بظهر الورقة الحادية والثلاثين، وتنتهي بوجه الورقة السادسة والخمسين، وسقطت الورقة الحادية والأربعون من النسخة المصورة من هذه النسخة. وورد في فهرس المكتبة أن مؤلفها غير معروف، لكن النص الذي نقلته من المقدمة قبل قليل يدل بكل وضوح على أنها من تأليف ابن الجزري، ولم يُذْكَرِ اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ فيها، وعلى حواشيها تعليقات بالعربية والفارسية منقولة أيضاً من « وقد رمزت لها في الحواشي بالحرف (م 3 وذلك لأن ما ذكره مؤلف الكتاب من رسوم في مصحف ابن الجزري تتطابق مع اختياراته في الرسالة، كما ذكرتُ من قبل، وقد جاءت مواضع قليلة خالفت ما ورد في مصحف ابن الجزري، أشرت إليها في الحواشي، وهي تحتمل أمرين كما قال مؤلف ونقلت في حواشي التحقيق نصوصاً مختصرة من كتاب التي خالف ابنَ الجزري مصحفُ المدينة في رسمها، لإظهار اختياره لرسم تلك الكلمات في مصحفه، وربما ورد في تلك النصوص أسماء بعض المصادر التي نقل منها مؤلف الكتاب، من غير الكتب المشهورة في زماننا، وفي مقدمتها ثلاثة كتب: (. خلاصة الرسوم، تأليف عثمان بن الحافظ عبد الرحمن الطالقا 2 3 وقد اكتفيت في الحواشي بالقول « ((( نثر المرجان 2( 3(

عدد الصفحات ١٣

260 ثالثاً: منهج التحقيق قد يكون لبعض المخطوطات خصوصية في موضوعها أو في مادتها، تقتضي منهجاً خاصاً في التحقيق من بعض النواحي، وقد ينطبق ذلك على رسالة ابن الجزري هذه؛ لأن المؤلف ذكر الرسوم مجردةً عن الوصف، وقد اختلفت النسختان في رسم عدد من الكلمات، وربما اختلفت مصادر الرسم فيها أيضاً، ويتلخص عملي في التحقيق فيما يأتي: (. لما كانت الرسالة في معظمها كلمات قرآنية، فإني اعتمدت على مصحف المدينة ثْبَتُّ بعد كل كلمة رَقْمَ الآية التي وردت فيها، َ النبوية للنشر الحاسوبي في كتابتها، وأ َتٌ في وسط الصفحة أمام كلمات السورة. بين قوسين معقوفين، أما اسم السورة فَمُثْب 2 فرعاً، فلا تخلو النسختان من السقط، أو التصحيف، وإن كانت نسخة مركز جمعة ثْبَتُّ النص الذي َ الماجد أحسن حالاً من نسخة مكتبة الملك عبد العزيز، ومن ثَمَّ أ اتفقت فيه النسختان، وأثبتُّ الفروق بينهما في الحواشي. 3 يترجح أنها من أصل الكتاب، ولعلها سقطت من النسخة الأخرى بسبب النَّسْخِ؛ لأني أستبعد أن يزيد النُّسَّاخ على ما في الأصل. 4 ابن الجزري، من خلال ما ورد في كتابه النشر، أو مصحفه الذي وصفه مؤلف نثر المرجان 5 أسطر، لتسهيل قراءتها على مَن ينظر فيها، وجعلتُ كلمات كل سورة في فقرة واحدة إذا كانت أقل من سبعة أسطر، أو قريباً من ذلك. 6 على روايات قديمة معروفة في كتب الرسم، وقد كتبتُ معظم تلك الكلمات بالصورة ال ثْبَتُّ رَسْمَهَا من مصحف المدينة النبوية في الحاشية. َ وردت بها في المخطوطتين، وأ

عدد الصفحات ١٤

261 7 مصادر الرسم، بخلاف الكلمات التي جاءت موافقة في رسمها لمصحف المدينة، فإن رسمها لا يثير إشكالاً يقتضي الرجوع إلى المصادر، إذ إن رسم الكلمات في مصحف خِذَ مما رواه علماء الرسم، ورُوعَِ في ذلك موافقة ما نقله الشيخان أبو عمرو ُ المدينة أ الداني، وتلميذه أبو داود سليمان بن نجاح، مع ترجيح الثاني عند الاختلاف، شأنه في ذلك شأن المصحف الأميري الذي صدر في القاهرة سنة 8 الكلمات التي يذكرها، كما هو معمول به في كثير من كتب رسم المصحف، فيساعد ذلك على معرفة ما قصد إليه المؤلف، ومن ثم فإني اضطررتُ أحياناً إلى التخمين من خلال بعض القرائن. 9 رسمها على الوجه الصحيح، من غير إشارة إلى ذلك في حواشي التحقيق، لعدم فائدته 0 بها الرسم، من حرف عطف، أو حرف جر، أو نحو ذلك، مما لا علاقة له برسم الكلمة، وإن كانت من القرآن الكريم، ولم أجد ضرورة للإشارة إلى ذلك في حواشي التحقيق. ((. اخترت العنوان الذي ذكره إسماعيل باشا البغدادي للكتاب، وهو عثمان من قول المؤلف وليس عنواناً لها، وهو قريب من اسم الكتاب الذي ذكره إسماعيل باشا البغدادي لابن الجزري، كما سنذكر في الفقرة اللاحقة، وأضفت إليه كلمة العنوان أكثرَ وضوحاً وأبينَ دلالة. ((( ذكر الشيخ علي ممد الضباع في ترجمة ابن الجزري التي أثبتها في أول كتاب « كتابه (الإمام شمس الدين ابن الجزري، فهرس مؤلفاته، ومن ترجم له ص طلعت في (سفير العالمين في إيضاح وتحرير وتحبير سمير الطالبين اعتمد عليه الشيخ الضباع فيما ذكره.

عدد الصفحات ١٥

262 رابعاً: تحقيق نسبة الكتاب إلى ابن الجزري يمكن أن نستدل بأمور عدة على صحة نسبة الكتاب إلى ابن الجزري، وفي مقدمتها: (. ورود اسم ابن الجزري في أول الرسالة بشكل يدل على أنه مؤلفها، كما تقدَّم ذِكْرُ ذلك، وكما هو معروض بين يدي القارئ في أول الرسالة. 2 تلميذه النويري في أول شرحه لطيبة النشر(((، كما تقدم عند الحديث عن جهود ابن الجزري في الرسم في المبحث الأول من هذه الدراسة. 3 عثمان في أول الرسالة، ويمكن للدارس أن يتساءل عن عدم ذكر هذه الرسالة في قوائم مؤلفاته التي اعتنت بها الكتب التي ترجمت له، ولعل ذلك يعود إلى صغر حجمها وتأخر تأليفها، فلم تشتهر لذلك. 4 وصف لمصحف ابن الجزري، كما أشرنا إلى ذلك من قبل وهذه صور من مخطوطتيَ الكتاب: ((( شرح طيبة الن 2(

عدد الصفحات ١٦