المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

عبدالرحمن السميط أسطورة العمل الإغاثي

عبدالعزيز بن سعود العويد

صفحة ٢ من ٣٤

إن سيرة عبد الرحمن السميط في صغره تبعث الهمة والأمل في نفوس شبابنا، بل والمربين، فإن العظماء يبنون تاريخ عظمتهم منذ الصغر، فما يزالون يبنون بنيان العظمة لبنة لبنة حتى يغدو بنيانا عظيما، وصرحا كريما. صار عبد الرحمن السميط من واسعي الثقافة والاطلاع، محبا للقراءة، مصاحبا للكتاب قراءة وتأليفا إلى آخر عمره. صار عبد الرحمن السميط محبا للجد، مجتهدا في حياته، مقدما على غيره، ناجحا في عمله، محققا لأحلامه وطموحاته. صار عبد الرحمن السميط حاملا لهمّ أمته، مبتهجا بأملها، حزينا على ألمها، فلم يثقله الفرح عن العمل، ولم يقعده الحزن لانتظار الأجل. للقراءة منذ الصغر ً ومحبا ً السميط مع فريق الكشافة ( الثالث من اليمين وقوفا )كان السميط مجتهدا عبد الرحمن السميط - أسطورة العمل الإغاثي 18

عدد الصفحات ١٩

فمن صحِبَ الأخيار ارتقوا به ذروة العلا وإ رضا الله، ومن صحب الأشرار هووا به إلى الهلاك بأسفل سافلين، في عاجل الدنيا قبل آجل يوم الدين. وفق للدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله - في شبابه التواصل مع الرفقة الطيبة، والصحبة الصالحة في بعض المحاضن التربوية المنتشرة في الكويت، فكانت بمثابة مفاتيح خير، ومنارات في أيام الشباب أكد الإسلام دوما على دور الأصحاب والأصدقاء والجلساء في تربية الإنسان ْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ برِ﴿وَاصْ والتأثر بهم فقال تعالى: لاَوَ ُخوَجْهَه ونَ ُخرِيد ُخي ِّ شيِوَالْعَ مْ بِالْغَدَاةِ بهَُّخ رَ ونَ ُخيَدْع [ َيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ لحْ زِينَةَ ا ُخرِيد ُخت مْ ُخعَنْه عَيْنَاكَ ُختَعْد ] الكهف الآية ُخ مَثَل ماَوقال - صلى الله عليه وسلم-، ((إِنَّ السوءِ كحامِلِ المسك، ُخوالجليس ُخلصالح الجليس ا ْذِيَكَ، وإِما أن يحُخأن المسك: إِما ُخفحامل ِ يرْالكِ ونافخِ الكير: ُخفخ تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحا طيِّبة، ونا رقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحا خبيثَة)) يحَأن إِما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري. ودعا - صلى الله عليه وسلم- إلى الصلوات الجامعة ليوفر حسن الصحبة في كل وقت، ودعا صَاحِبْ إِلا ُخت إلى مجالسة الصالحين فقال لْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ُخيأك ؤْمِناً، ولا ُخم والترمذي عن أبي سعيد الخدري. همة الخير متوقدة السميط في صورة مع أحد أصدقاء الصبا البطاقة الشخصية - 19

عدد الصفحات ٢٠

إن حب المال والاقتناء خاصية آدمية لو تركها الإنسان تنمو بداخله وتتملكه لكان فيها فساد حاله ثم تنتهي بهلاكه، لأن الآدمـي يـرى في المـال مزية كبرى تتيح له كل ما يتمنى من القوة حيث يقتني ويحوز وينال ما يتمناه أو يرجوه أو يرغبه من الأشياء والممتلكات ومن الخدمات إشباعا لرغباته المادية أو الحسية أو الأدبية أو المعنوية دون احتياج -في نظره- لأي سند آخر علمي أو ! ! قي اجتماعي أو سياسي أو ديني أو أخلا وقد تفجر نبع الخير الصافي مبكرا من هذا الرجل النبيل، حيث بدأ ذلك منذ كان طالبا في المرحلة الثانوية، ونحسبه إن شاء الله من الذين زكاهم النبي - صلى الله عليه وسلم بقوله - « . . . ومنهم ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ يقول الله تعالى: ﴿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ (آل عمران ﴾ﯙ ﯚ ﯛ تشرق في ربوع الكويت، فاكتسب منهم حب الخير للغير، تاركا وراءه الذكر الحسن والسيرة العطرة بين الناس، وكانت انطلاقة هذه المحاضن وقاعدتها هي المساجد بيوت الله - تعالى -، فكان الشباب يحفظون القرآن والسنة، وينهلون من علوم الشريعة على يد علماء أكفاء، ومربين أجلاء يغذون فيهم معاني الحب والخير للناس. وقد أسهمت هذه المحاضن التربوية في نفس صاحبنا عبد الرحمن السميط، وقد رأيته إلى آخر حياته - رحمه الله - قوي الصلة برفقاء تلك المحاضن، بل إن كثيرا منهم قد شاركه العمل الإنساني في جمعية العون المباشر بمراحلها المختلفة، أو في جمعيات خيرية أخرى. سيارة السميط سبيل لمن ليس له سيارة ، : إن الاقتصاد هو علم الندرة يقول علماء الاقتصاد يشيرون بذلك إلي أن منذ بدء الخليقة كانت المشكلة الاقتصادية ناجمة عن التباين بين كثرة وتنوع احتياجات من جهة، وبين ندرة أومحدودية وجماعات الناس أفرادا الموارد وعدم كفايتها لإشباع هذه الاحتياجات من جهة ! أخرى عبد الرحمن السميط - أسطورة العمل الإغاثي 20

عدد الصفحات ٢١

فانظر كيف طهر الدكتور عبد الرحمن السميط -رحمه الله- من حب التباهي بمتاع من الدنيا وآثر معاونة إخوانه بشيء يراه الناس عزيزا في تلك الأيام. لقد كان النبيل د. عبد الرحمن السميط- رحمه الله - يرى أن السعادة الحقيقية لا تنبع من حسابات البنوك، بل من الشعور برضا ملك الملوك، وكان يقول- رحمه الله -: إذا كان البنك يعطيك ربحاً حوا الله سبحانه يعطيك عنها ما قد يصل إلى سبعمائة ضعف، مصداقاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف يقول د. عبد الرحمن السميط - رحمه الله -: وقد كان جيلنا والجيل الذي قبلنا تقل فيه السيارات بين الشباب، فالسيارة الواحدة تقل العشرات أحيانا على نوبات متتالية، وكان صاحب السيارة مشارا إليه بالبنان فضلا وسيادة. لكني لا أذكر أن عطاء صاحب السيارة يتعدى إلى ما سمت له همة د. عبد الرحمن السميط، فقد قسم استعمال سيارته ثلاثا: تارة لنفسه وأهله، وأخرى لإخوانه وأحبابه، وأما الثالثة فهي باب يندر من يصنعه. ذكر - رحمه الله - في برنامج حيا السنيدي أنه قام بشراء سيارة ينقل فيها العمال والمساكين، ويوصلهم إلى أعمالهم وأماكنهم بلا مقابل كي لا يتعرضوا للشمس في انتظار أن تأتي المواصلات لتقلهم إلى أعمالهم أو منازلهم. ولما استحسن هذا العمل اشترى هو وزملاؤه الطلبة في كندا سيارة بمساهمات طلابية. إننا أمام حالة نادرة من إنكار الذات لله تعالى، وإخلاص من الصعب أن تجده في عالمنا المعاصر. البطاقة الشخصية - 21

عدد الصفحات ٢٢

الباب الثاني أســرتـه عبد الرحمن السميط - أسطورة العمل الإغاثي 22

عدد الصفحات ٢٣

أسرة من عبق الزمن الجميل إن العظماء لا يولدون من بطون أمهاتهم عظماء، وإنما هو نتاج أسرة تربي ومعلم يوجه، ونفس طيبة تتلقى، وقد ساهمت أسرة الدكتور عبد الرحمن السميط -رحمه الله- في صقل مواهبه، وتنمية مهاراته، وإشباع حاجاته الروحية والعقلية، فقد نشأ - رحمه الله - في بيت صالح، وبين أبوين كريمين يغذيانه الدين والحكمة قبل الطعام والشراب. القدوة أفضل المربين وأصدق المعلمين ليس في علوم التربية عامل أشد تأثيرا في النفس البشرية من القدوة الحسنة، فإن كانت القدوة من الوالدين أو أحدهما كانت أعمق أثرا وأثبت في النفس نقشا وحَفرا، فمهما سمع الناس من المواعظ والخطب والدروس والعبر فلن يكون تأثير ذلك معشار ما يتأثرون به من موقف واحد يرونه بأعينهم رأي العين، ويعايشونه لحما ودما، لا سماعا وخبرا، فإن لسان الحال أفصح من لسان المقال. وقد ربى القرآن النبي - صلى الله عليه وسلم - على الاقتداء بمن سبقه وضرب له الأمثلة عنهم ليرفع من همته ويخفف من وطأة هموم الدعوة على قلبه الشريف اقْتَدِهِ ﴾. ُخمُخ دَاه ُخ فَبِه للهَُّخ ولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى ا ُخ﴿أ الله وحينما اشتدت صنوف الأذى على الرسول - صلى عليه وسلم - من قومه خاطبه الله بقوله: لِ وَلا تَسْتَعْجِلْ ُخالرُّس و الْعَزْمِ مِنَ ُخولُخأ َ برَصَ ماَكَ ْ برِ﴿فَاصْ لهم العذاب. مْ﴾ لهَُخ طيبة ولم يكن الدكتور عبد الرحمن السميط -رحمه الله- إلا نبتة في بستان ماتع لأبوين صالحين، تعلم منهما بالقدوة الحسنة والعمل الصالح أكثر مما تعلمه من نصحهما وتوجيههما. الدكتور عبدالله عبد الرحمن السميط هسأسسسرت البطاقة الشخصية - 23

عدد الصفحات ٢٤

منهم الذهاب لعمله دون مقابل إلا ابتغاء وجه ا ترى هل كان ذلك بدعا من الخير نبع من نفسه الطيبة أم أنه فيض من أثر تربيته الصالحة واقتدائه بأبيه الصالح الذي رآه يفعل ذلك الفعل النبيل مع جيرانه الأقربين من قبل؟! ويقول الدكتور عبد الرحمن السميط في نفس البرنامج: تربينا على احترام الوالدين وعلى الحب فيما بيننا وصلة الرحم التي كان الوالد والوالدة حريصين عليها حتى مع أقاربنا البعيدين، وقد كان بيتنا مفتوحا لكل زائر ومسافر. وكانت الوالدة - أطال الله في عمرها وأصلح عملها - قد سارت على نهج الوالد في صلة الرحم، وكانت تحاول أن تساعدنا في الدراسة مع أنها كانت أمية، وكانت تنشر المحبة بيننا، وتحاول أن تقرب بين الأخوة. وقد وصفت والدة د. عبد الرحمن السميط الخالة أم عبد الرحمن ابنها نقلا عن أم صهيب - حفظهما الله - فقالت: كان في طفولته هادئ الطبع، حتى وقت فطامه لم تسهر معه كعادة باقي الأطفال، في دراسته كان جاداً، تدين صغيراً وكان شديد التدين لا يجامل ولا يداهن في أمر الدين. وتمر سنون قليلة ونرى الشاب عبد الرحمن السميط في المرحلة الثانوية يؤثر فيه منظر العمال والفقراء تلفحهم الشمس بحرها في انتظار وسيلة للمواصلات تقلهم إلى أعمالهم، فتحركه همته لعمل الخير، ورأفته بحال هؤلاء، فيجمع المال إلى المال حتى يشتري به سيارة متواضعة، فيقوم بإيصال من أراد يقول الدكتور عبد الرحمن السميط متحدثا عن والده-رحمهما الله- في برنامج المجد الفضائية - تقديم: فهد السنيدي: في أواخر الخمسينات لم يكن الكثير من الناس يملكون سيارة وكان الوالد لديه سيارة من طراز ( أوبل ) - على ما أعتقد هذا اسمها -، فكان من احتاج من الجيران إلى الذهاب للمستشفى أو أي مكان يذهب به في السيارة حتى إن إحدى جاراتنا كانت ستضع مولودها، فأرسلوا للوالد يذهب بها للمستشفى وذهبت معه ولم يكن زوجها حاضراً. عبد الرحمن السميط - أسطورة العمل الإغاثي 24

عدد الصفحات ٢٥

إن المتأمل في سيرة النبيل الدكتور عبد الرحمن السميط يلاحظ أن همته العالية كانت تسعى به إلى أسمى المراتب الإنسانية والإيمانية في جميع أحواله مذ كان طفلا. ثم تستمر مسيرة الهمة العالية في طريقها الصاعد كالنسور بحثا عن ذرا الجبال الشاهقة؛ إذ كان من المتفوقين علميا ودراسيا فالتحق بكلية الطب وهي مما يلقب بكليات القمة في عالمنا العربي. ومن ملامح بحث الشاب المثالي عبد الرحمن السميط عن معالي الأمور أنه حين أراد الزواج وضع شروطا لا يضعها الكثير من الشباب غيره ولا يلتفتون إليها، إما لعدم اهتمامهم بها حينئذلاختلاف مشاربهم التربوية والاجتماعية تارة، أو لندرة ما كان يبحث عنه الشاب عبد الرحمن السميط تارة أخرى. فعندما شب عبد الرحمن السميط عن طوقه واشتد ه أراد تلبية نداء سنة الحياة بالزواج، ُخودُخ ع بين الرجال ولم يكن كغيره من الشباب يتمناها جميلة ذات حسب ونسب، ويغفلون عن أهم الشروط وهي الديانة والاستقامة وحسن الخلق، ولكنه اشترط أن تكون زوجته ممن تلبس الملابس الشرعية، متدينة تعينه على طاعة الله، لكنه اشترط شروط أخرى غريبة، فهو يريدها ليست جامعية، ولا تعمل، ولا تقود سيارة!!! د. السميط في شبابه زواجه الكريم وذريته الطيبة لقد كان الشاب عبد الرحمن السميط يظن أن دراسة البنت الجامعية، أو عملها، أو قيادتها للسيارة علامات على ترف زائد عند البنت، لم يكن الدكتور عبد الرحمن السميط-رحمه الله- يريد من وراء زواجه كما يريد غيره من الناس من الأنس بالزوجة أو الذرية الصالحة فحسب، بل كان يريد أن يغرس غرسا طيبا، ويؤسس بيتا يكون منطلقا لما كان يحلم به من الدعوة إلى الله، وأن يكونوا عونا له على رسالته السامية من نشر الخير والبر، فيتركوا وراءهم في السماء ذكرا عطرا، وفي الأرض سيرة طيبة وأثرا. هسأسسسرت البطاقة الشخصية - 25

عدد الصفحات ٢٦

رحلة البحث عن زوجة صالحة لم تغب صورة المرأة الصالحة عن قلب الدكتور عبد الرحمن السميط-رحمه الله- ولا عقله، بل ظل يبحث عن تلك الصورة المثالية للمرأة المسلمة التي يتمناها كل مسلم صالح، حتى وفقه الله لمبتغاه، وهو لا يدري أن الله قد اختزن له في علمه زوجة ستكون قرة عينه ورفيقة دربه، وسنده ودعمه في رحلة حياته الأسطورية، والتي لولا أنها وقعت في زماننا المعاصر ورآها الناس رأي العين لحسبنا أنها من سير الأولين. يقول الدكتور عبد الرحمن السميط-رحمه الله- كما في برنامج « الفضائية - تقديم: د . فهد السنيدي كنت قبل خمسين سنه أعيش في مجتمع تعصف به الأفكار العلمانية الليبرالية، المرأة الصالحة كنز الرجل في الدنيا من أهم أسباب التوفيق في الدنيا والآخرة أن يوفق الله المرء لزوجة تناصفه الحياة بمتاعها ومشاقها، تشاركه المسرات فف عنه الجراح، وتدفعه إلى النجاح، وتؤنس ت والأفراح، و وحدته، وتزيل وحشته، وترفع همته، وتقيل عثرته. وفي أم المؤمنين خديجة- رضي الله عنها - المثل الأعلى والقدوة الأسمى في دفاعها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإيناس وحشته وإزالة غربته، ولا أدل على ذلك من أنها أول المؤمنين به قبل أن يؤمن به الرجال، والقائلة له حين نزل عليه جبريل بالوحي: في ابتداء النبوّة لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقرى الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ لم تتردد - رضي الله عنها - في تصديقه، ولم تتلعثم ولم تتخل عنه بل كانت أول داعم له في الحق، وهكذا يكون دور الزوجة الصالحة. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه عبد الرحمن السميط - أسطورة العمل الإغاثي 26

عدد الصفحات ٢٧

ثم يقول الدكتور عبد الرحمن - رحمه ا ولكن الله أراد بفضله وسخر لي أن أتزوج أمك، وكانت تلك منة ونعمة من الله. لم يكن الحجاب منتشرا في وطننا العربي في الستينات والسبعينات كانتشاره اليوم، فقد غلبت الأفكار الغربية، والتحررية الليبرالية كثيرا من المجتمعات العربية، فالمستعمر الغربي قد أخرج قدما له من بلادنا ولكنه ترك قدما أخرى في أغلب البلدان العربية في ذلك الوقت، ولم ينته أثره الثقافي والتغريبي بمجرد رحيله عنها، بل دخلت الأمة العربية في معركة استعادة هويتها الثقافية والدينية لعقود من الزمان، وما زالت المعركة قائمة. وعندما عجزت عن العثور على زوجة ملتزمة بالحجاب الشرعي وبقواعد الشرع في الكويت توجهت إلى بعض معارفنا وأقاربنا في السعودية، لكن الفتيات رفضوني لأنني رجعي، حتى وفقني الله للزواج من أم صهيب. لقد كان من نعمة الله على الدكتور عبد الرحمن السميط -رحمه الله- أن رزقه بـ صهيب وقد جمعت بين طيب النشأة والتدين والعلم والثقافة، مع أنها كانت جامعية، وتقود السيارة !! يقول المهندس صهيب ابن الدكتور عبد الرحمن السميط-رحمه الله-: قال لي أبي: لو أنني كنت أصررت على هذه الشروط الأساسية التي وضعتها لزوجة المستقبل لما تزوجت والدتك، لأنه كان من شروطي ألا أتزوج جامعية، لأنه كان في تلك الفترة غالبا ما تنتسب النساء الجامعيات للأسر فوق المتوسطة أو الرفيعة، وذلك لعله لا يتناسب مع حياة الزهد التي يحياها -رحمه الله-، ولذا كان يريدها من عائلة بسيطة لتكون أكثر جلدا على تحمل مشاق الحياة، ومن الشروط ألا تقود سيارة. المهندس صهيب عبد الرحمن السميط هسأسسسرت البطاقة الشخصية - 27

عدد الصفحات ٢٨

لقد كانت غرفة خالية إلا من متاع قليل، فقد كانت عبارة عن حصير فوقه فراش رقيق ومخدة، ومكتبة خشب متواضعة جداً، ولا يوجد مكيف، مع العلم بأن أهله أهل خير وكرم ! وفي تلك اللحظة أيقنت أنني تزوجت رجلا صالحا زاهدا، وعلي أن أتقبل العيش معه بالصورة التي رأيتها، وفي تلك اللحظة كنت راضية وسعيدة ولم أخبر أهلي في ذلك الحين وإلى الآن عن هذا المشهد. وبعد إلحاح أهله عليه اضطر لشراء غرفة نوم ومكيف. لقد أراد الزوج الشاب عبد الرحمن السميط أن ترى شريكة حياته بعينيها بساطة حياته، وزهده في الدنيا، رغم قدرته عليها واستطاعته النيل مما يشاء من متعها، يريد بذلك أن يعدّ زوجه لما هو آت من شظف الحياة، ومشقة العيش معه على طريق الدعوة، وخيرا فعل، فقد كانت أم صهيب نعم الزوجة الصابرة المجاهدة، ونعم الرفيق. وتقول أم صهيب - وفقها الله -في أوراقها التي أرسلتها عن زوجها - رحمه الله - : مع تعاملي معه في الأيام التالية تعرفت على شخصيته أكثر. ولكن بقي أن المرأة الكويتية والعربية في هذا الوقت في أغلب بقاع عالمنا العربي والحمد لله كانت تحتفظ بالأخلاق الحميدة والسلوك القويم، ولم يكن الحجاب الدليل الوحيد على التدين والاستقامة، ولعل ذلك ما يفسر تجاوز الدكتور الشاب عبد الرحمن السميط عن بعض شروطه، وقد كافأه الله بامرأة تعدل أمة من النساء، كما كان هو وحده أمة من الرجال. تزوج الدكتور عبد الرحمن السميط من أم صهيب، وكعادة كل زوجين في مستهل حياتهما الزوجية، يتلمس كل منهما الطريق بحثا عن المعرفة واستنباط أخلاق شريك حياته، وطباعه وأولويات حياته، ونظرته عن الحياة، ومحاولة استجلاء مواطن التوافق مع شريكه في الحياة ورفيق دربه ونحن نستكشف بعضا من حياة الدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله - من أقرب الناس إليه ورفيقة عمره الصالحة المصون أم صهيب. تقول أم صهيب: في أول يوم بعد عقد القران في زيارتي لأهله، طلب مني أن أزور غرفته في الدور الثاني من منزلهم ، وقد صدمت لما رأيت! هكذا بدت غرفته يوم زواجه عبد الرحمن السميط - أسطورة العمل الإغاثي 28

عدد الصفحات ٢٩

صصتمن كلية التجارة في جامعة الكويت - محاسبة، وعملت مدرسة رياضيات في المرحلة المتوسطة. ورزقهما الله أولادا صالحين، وهم: صهيب حاصل على بكالوريوس هندسة الكهرباء من الولايات المتحدة، ود. عبد الله حاصل على شهادة الطب البيطري من جامعة الملك فيصل في المملكة العربية السعودية ، وهو اليوم مدير جمعية العون المباشر، وأسماء ونسيبة وسمية. وكانت أم صهيب نعم العون والسند للداعية الطبيب المجاهد الصبور عبد الرحمن السميط -رحمه الله- فقد آلت على نفسها أن ما عنده من مال ليس له وإنما لكل محتاج يلتقي به أو يسمع عنه. يعمل بحديث الرسول - صلى الله عليه و سلم « - والعجائز والأطفال بهدايا بسيطة جداً ومنذ زواجنا حملني مسئولية شراء كل ما يحتاجه من ملابس شتوية أو صيفية حتى الأحذية - أعزكم الله -، وكان شرطه الأساسي أن لا يكون مكلفا. وإن أهدى له أحد من أهله أو محبيه هدية من ملبس أو غيره وعلم أن سعرها باهظ يرفض استخدامها. نعم الزوجة الصالحة للرجل الصالح تزوج الدكتور عبدالرحمن السميط من أم صهيب رجه في كلية تمن نورية محمد الخشرم بعد سنة ونصف 1393/6/الطب في بغداد، وتحديدا يوم الأحد رجت أم صهيب توقد 1973/7/الموافق صورة في أول زواجه وهو يحمل ابنته هسأسسسرت البطاقة الشخصية - 29

عدد الصفحات ٣٠

عمره سنة ونصف، الحياة هناك في تلك السنوات كانت صعبة جدًا من ناحية المسكن والمأكل والمواصلات الرديئة، ولكن بفضل الله تعالى ثم بركة العمل الخيري سخر الله لنا أولادنا أيما تسخير، فشعرنا باستمتاعهم في العيش في تلك الدول بقرب والدهم ومشاركته في عمله الدعوي والإغاثي مع ما يصيبهم من أمراض وكثرة البعوض وما سببه من إيذاء بأجسادهم، صاحبه شظف عيش وسوء مسكن وتقلبات جو من أمطار غزيرة إلى حر شديد، تنعدم فيها وسائل التكييف. واستمر أبناؤنا في الذهاب معنا كل عام إلى أن بدأت دراستهم الجامعية واستمرارهم في أخذ الكورسات الصيفية وبعد ذلك زواجهم. تهب حياتها ووقتها وجهدها لخدمة الرسالة السامية لزوجها مهما كلفها ذلك من مشاق، وكانت أيضا تشعر بالمسؤولية الملقاة على عاتقها متحلية بصبرها الجميل على تقلبات الدهر ونكبات الزمن، وسياستها الحكيمة، ومتابعة زوجها في المنشط والمكره، فكانت نعم زوجة صالحة مثالية تشاطر زوجها رسالته السامية وتشاركه همومه ومتاعبه. تقول الأخت الفاضلة أم صهيب - وفقها الله - : في بداية عمله في إفريقيا وفي السنوات الثلاث الأولى كان يسافر من دون أسرته، بعد أن يأخذ إجازات متقطعة من العمل للسفر لإفريقيا، ثم في عام العطل الصيفية، هدفنا في ذلك مشاركته في حياته الدعوية ومعايشته للفقراء والأيتام، في ذلك الوقت كان أكبر أولادنا (أسماء) في العاشرة من عمرها وأصغر أولادنا(عبدالله) بداية انطلاقة الأسرة إلى إفريقيا السميط في وسط إفريقيا عبد الرحمن السميط - أسطورة العمل الإغاثي 30

عدد الصفحات ٣١

ويضيف السميط: لا أتذكر أنها طلبت السفر سياحة في الخارج أو نزهة، وكانت متعتها الذهاب لإفريقيا للدعوة، وكانت تستمتع برعاية الأيتام وتتابعهم، وهي من اقترح علي شراء أرض ووقفها كمقبرة للمسلمين الأنتيمور في مدغشقر، وقالت : لعلنا ندفن فيها! وفي ذات ليلة من ليالي إفريقيا قالت ونحن في بيتنا في مدغشقر: هل سنجد في الجنة طعم هذه السعادة كما نجده هنا؟! أم صهيب الزاهدة سر من أسرار نجاح د. عبد الرحمن السميط كان د. عبدالرحمن السميط يعتبر أم صهيب سراً من أسرار نجاحه، يقول عنها: لم تكن تملك سوى ثوبين عندما كنا في كندا رغم قدرتنا على الشراء ومع ذلك ترفض، ولما ورثت مبلغا من المال دفعته للدعوة ولم تبق منه شيئا لها، وكانت إذا ارتفع قليلا رصـيدنا في البنك تقول: والله ما أنام في البيت والبنك فيه مال فائض عن الحاجة أخاف من العقاب فكنت أخرجه إرضاء لها. يحرص على إشرافه الشخصي أثناء توزيع المواد الإغاثية هسأسسسرت البطاقة الشخصية - 31

عدد الصفحات ٣٢

إنها روح واحدة صنعت كل هذه الإنجازات العظيمة في ثاني أكبر قارة في العالم، وتحت أصعب الظروف السياسية والصحية والثقافية، حيث تنتشر الحروب والنزاعات والجهل والتخلف والأمراض، ويغيب الاستقرار والأمن والجهات الداعمة. ولذلك لما ترك عبد الرحمن السميط حياة الراحة والدعة والحياة الرغيدة وأقام في إفريقيا مع زوجته في بيت متواضع في قرية مناكارا بجوار قبائل الأنتيمور ظلا جميعا يمارسان الدعوة للإسلام بنفسيهما، يمارسان دعوة طابعها العمل الإنساني الخالص الذي يكرس مبدأ الرحمة في جذب الناس لدين الإسلام، ويعيشان بين الناس في القرى والغابات، ويقدمان لهم الخدمات الطبية والاجتماعية والتعليمية. لقد زرع د. عبدالرحمن السميط حب العطاء والإيثار وفن القيادة فيمن حوله، وكان من أبرز من التقط هذا المنهج زوجته أم صهيب التي تبرعت بجميع إرثها - بلا تردد - لصالح العمل الخيري، وهي أيضا قائدة بارزة في مجالها، فقد أسست الكثير من الأعمال التعليمية والتنموية وتديرها بكل نجاح و تميز، وهي بدعمها ومؤازرتها للدكتور عبدالرحمن أحد أسرار نجاحه أيضا، وهذه أحد تفاعلات النجاح وخلطاته السحرية، فحيث يكون التكامل يكون النجاح الجماعي. يقدم المساعدات في ثمانينات القرن الماضي لأطفال إفريقيا عبد الرحمن السميط - أسطورة العمل الإغاثي 32

عدد الصفحات ٣٣

لماذا يفر أبناء السميط من أبيهم إذا رأوه؟! عاش الدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله - لغيره أكثر مما عاش لنفسه، فقد قضى أغلب عمره في أدغال إفريقيا ينشر الحق ويعين على نوائب الدهر، يغيث الملهوفين ويفرج الكرب عن المكروبين، ويمد يد العون للمعوزين والمحتاجين. وكان من وراء ذلك زوجة صالحة بارة بزوجها تحفظه إذا غاب، وترعى الله فيه وفي أولاده، وقد دفعت الأسرة ثمنا عظيما في سبيل قيام أبيهم بهذه الرسالة العظيمة، دفعته الزوجة الشابة الصابرة من وحشة غياب الزوج والرفيق والأنيس، ودفعه الأبناء من غيبة الأب الحاني، ومن دفء عشرته وضمة ذراعيه كلما احتاجوا له، فلما طالت غيبته عنهم أثر ذلك في علاقتهم به وهم صغار أثرا كبيرا، حتى بدا له عندما يعود لهم شهرا كل عام أنهم لا يعرفونه! جاء في برنامج مع د. عبد الرحمن السميط - رحمه الله - 1424 يركبان السيارة لمدة عشرين ساعة وأكثر حتى يصلوا إلى الأماكن النائية وأحياناً يكون سيراً على الأقدام في الوحل والمستنقعات. وكذلك جاء في برنامج حيا ا مجتمعين فجلسوا قريباً منهم بسبب التعب الذي حل بهم من طول السير، وفجأة فوجئ رجل يأتي ويبصق على وجهه، فاستغرب، ثم عرف أنها كانت محاكمة في القبيلة، ويمنع الغرباء أن يحضروها، بل وفي مرة من المرات دخل مع زوجته إلى قبيلة من القبائل فتعجب الناس من ارتدائها للحجاب وكادوا أن يفتكوا بها لولا أنها انطلقت تجري إلى السيارة. هسأسسسرت البطاقة الشخصية - 33

عدد الصفحات ٣٤