المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

عبدالرحمن السميط أسطورة العمل الإغاثي

عبدالعزيز بن سعود العويد

صفحة ١٠ من ٣٤

ذهبنا إليهم فوجدنا أن نسبة المسلمين قد هبطت من تنصيرهم، أو هُجروا، والمسلمون الموجودون في زامبيا وزمبابوي وكثير من المسلمين السود في جنوب إفريقيا أصلهم من ملاوي، وقد وجدنا انتشار الجهل بشكل فظيع جداً. فإذا كان عنده عشرة أولاد، يقول عندي خمستان، وإذا كان عنده مثلاً عشرون بقرة يقول عندي أربع خمسات، لكن لا يستطيع أن يقول شيء عندما يكون لديه مثلاً ثلاثون بقرة، كان يقول لدي كثير، وحسب! فكان يأتي معلم القرآن، ومعلمو القرآن إلى الآن في إفريقيا يتنقلون بين القرى، ولا يجلسون مثلنا ، ففي البلاد العربية يجلس المعلم في قرية من القرى ويدرس فيها طول عمره؛ أما هناك فيتنقلون من قرية إلى قرية، يجلس في كل قرية أسبوعين أو ثلاثة أسابيع؛ يأخذ منهم شخصاً أو شخصين من أبناء القرية، يتخرجون وربما يجلسون في القرية هذه أو يذهبون إلى هناك، وعندما يأتي يقوم بحركة سحرية، فعندما تأتي أبقار الزعيم، فيه بحركة هكذا (يشير بيده في طريقة العد) ، وفي اليوم التالي يقوم بنفس الحركة السحرية فيقول له : يا زعيم ناقصين بقرتين ولا زايدة بقرة، قال: عجيب أنت ما صار لك إلا يومين وعرفت أبقاري كلها، لا أحد في القرية يعرف الأبقار إلا أنا والراعي فقط؛ فأكيد لديك سحر؛ فأنا أريدك أن تأخذ ولدي وتعلمه هذا السحر! طبعاً المعلم لا يعلمه فقط هذا السحر (الرياضيات أو الحساب)، بل يعلمه القرآن ويعلمه الإسلام ويعلمه الحساب. انتشار الجهل والمادات الغريبل في إفريقيا عبا الرحمن السميط في إفريقيا - ثاايل الممل اةيادي 145

عدد الصفحات ١٤٧

وبعد مدة أنقذنا أحد سكان القرية كان يمتلك كتاباً للحساب فيه جدول الضرب، وذكر أن المجموع هو ستون تمبالا، ولكننا لا نملك أقل من مائة، وهنا وقعنا في مشكلة أكبر إذ كيف نثبت لصاحب الدكان أن المائة أكبر من الستين، وأننا تنازلنا عن حقنا في باقي النقود! ! لكنه رفض خشية أن نكون قد خدعناه، وأخيراً جاء الفرج عندما ظهر داعية من نفس القرية يعمل في مسجدنا الذي بنيناه هناك تعهد بدفع أي نقص لو كانت المائة أقل من الستين، ولا أدري لماذا لم يذكر كتاب الحساب الذي حصلنا عليه في القرية هذه الحقيقة! ! والطرائف المتعلقة بالجهل بالحساب والقراءة أكثر مما يحصى، فهذا للأسف حال الملايين من إخواننا هناك، ومن المضحكات المبكيات ما رواه الدكتور عبد الرحمن - السميط - رحمه الله- في مجلة ديسم لزيارة بعض مشاريعنافي منطقة نائية تبعد عن مركزنا في مالاوي في خمس ساعات بالسيارة، أحسست بالعطش فذهبنا إلى الدكان الوحيد في القرية، واشترينا ثلاث زجاجات من المشروبات الغازية بعدما عرفنا أن سعر الزجاجة ويبدو أن البائع لا يعرف الحساب، فحاول المسكين أن يعرف كم سعر الزجاجات الثلاث ولكنه فشل، لذا أصر على أن نعطيه عشرين تمبالا ثلاث مرات! ! ، وبما أنه ليس لدينا ما يطلب فقد وقعنا في حرج، المائة أكثر أم الستون؟! صف تمليمي عبا الرحمن السميط - أسطورة الممل اةيادي 146

عدد الصفحات ١٤٨

رأى عبد الرحمن السميط في بدايات رحلته إلى مالاوي ثم إفريقيا مدى ما وصل إليه إخواننا هناك من فداحة الفقر والجهل، وهذه المشاهد الأولية التي اصطدم بها الدكتور عبد الرحمن السميط، الرجل المسلم الذي حمل من العلم الديني والدنيوي الكثير، كان له أثر مروع كأثر النقش على الحجر، فقد فجع بما عليه حال المسلمين في هذه البلاد التي روّعها الجوع والمرض فأكل أجسادها، وروّعها الجهل وغياب الدعاة من جانب آخر، فغاب الإسلام عن قلوب الملايين منهم. من يذهب إلى إفريقيا عليه أن يعد نفسه وعقله لرؤية أعجب العجب، وقد كان من مرغبات العمل الدعوي والإغاثي للدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله - في إفريقيا هو غلبة الجهل حتى عند من يتقدمون الناس في الإمامة والتوجيه والإرشاد. إمام مسجد لا يحفظ الفاتحة أو شيئا من القرآن! مجموعل من الأهالي ثحاجل إلى تمليمهم أصول دينهم عبا الرحمن السميط في إفريقيا - ثاايل الممل اةيادي 147

عدد الصفحات ١٤٩

لا يوجد إلا امرأة تحفظ الفاتحة فقدموها للإمامة! ويقول د. عبد الرحمن السميط: ووجدت هذه الحالة ليست في ملاوي ولكن في أماكن كثيرة، ففي خلال العام الماضي كنت في بنين، وأختنا رقية أسلمت قبل خمس وثلاثين سنة، وهاجرت إلى قرية من القرى، وبدأت تنشر الإسلام، لكنها لا تحفظ إلا الفاتحة، وقراءتها فيها أخطاء، فقالت لهم: إن صلاة الجماعة ضرورية، قالوا: سنصلي جماعة، ولكن ليس عندنا إمام، لا يوجد سواك، فأخذت تؤمهم هذه المرأة! ! يقول د. عبد الرحمن السميط: في يوم من الأيام رأيت إمام مسجد، وقلت له: يا شيخ اقرأ لي سورة البقرة، كنت أود أن أسمع صوته في قراءة القرآن، قال لي: ماذا؟ قلت له : البقرة، قال: والله ليس عندي بقرة، قلت له: لا أسألك فيما إذا كان عندك بقرة، بل أريدك أن تقرأ سورة البقرة. لم يفهمني قلت له: سورة آل عمران، قال: لا أعرفهم، قلت له: يا أخي اقرأ لي أي سورة من القرآن، قال: لا أعرف، قلت له: الفاتحة، قال لي: لا أعرف، قلت له: كيف أنت إمام بالصلاة، قال: يا أخي أنا أعرف أسجد وأركع، أما بقية القرية فلا يعرفون أن يركعوا ويسجدوا، فأنا أصغر منهم! ! صور مململ في إحاى القرى عبا الرحمن السميط - أسطورة الممل اةيادي 148

عدد الصفحات ١٥٠

وعندما ذهبنا هناك أسلم شيخ القبيلة بحمد ا وأسلم معه خمسمائة شخص في القرية؛ لأن وصول العربي إلى هناك يعني الشيء الكبير لديهم، وبخاصة عندما تأتي بملابس عربية، وتهدي شيخ القرية ثوباً ولو أنه صناعة صينيةفتقول له: هذا من إخوانك في مكة، أهلك في مكة أرسلوا هدية لك، فيفرح بها جداً، وأحياناً ينزع ملابسه، ويلبسه أمام الناس، من شدة فرحه بالثوب الذي جاءه من مكة، فقررنا أن نبني مسجدا، فلما بنينا المسجد لم نجد إماما له، فأخذنا نبحث عن إمام لعدة أيام، ولكن الجماعة لم يصبروا وهو يرون هذا المسجد الجميل ، فقرروا أن يصلوا فيه، ولكن من يكون الإمام؟ لا يوجد غير الأخت رقية، ويوم الجمعة، أيضاً هي تؤمهم، تؤم المسلمين فأرسلنا لهم داعية، والحمدلله صارت الأمور طيبة هناك. لا تعجب أخي القارئ إن قلت لك إن هذه القصص التي تفطر القلوب القاسية كمدا، فضلا عن القلوب المرهفة، ليست أسوا ما رآه عبد الرحمن السميط - رحمه الله - في مالاوي، وسوف نروي لك فيما بعد عجائب تشيب لها الولدان في مجاهل إفريقيا، لو وزنت بمعيار أدب العجائب والرحلات لكانت أسطورة أدبية يتغنى بها صاحبها، ولاستحقت أن تسطر بماء الذهب، ولنال من ورائها الملايين والشهرة. دراسل المصاحف في إفريقيا على ألواح خشب عبا الرحمن السميط في إفريقيا - ثاايل الممل اةيادي 149

عدد الصفحات ١٥١

بعدما عرفت أن يفترض أن ما قاله هو حديث باللغة العربية التي لا يفهمها هو أو أي أحد المصلين - على اعتبار أنه جزء من أعمال صلاة الجمعة عندهم. سمعنا بعد ذلك جلبة وضجة خارج المسجد، وما لبث أن دخل شاب يحمل عصا بيمناه وباليسرى كتاباً قديماً ممزقاً لخطب الجمعة بالعربية، ويردد أهازيج، ويذكر الله في كل خطوة، ثم يتوقف وخلفه الإمام، حتى وصلا إلى المنبر، فصعد الإمام وظل الشاب أسفل المنبر، ثم بدأ الإمام الخطبة التي يفترض أنه قرأها بالعربية، لكنني لم أفهم موضوعها إلا أنني فهمت في آخرها أنه يدعو للسلطان العثماني عبد العزيز سلطان وخاقان البحرين، شعرت بالألم والحسرة لأن المسلمين العرب قصرّوا في حق إخوانهم في كثير من الأماكن حتى جعلت هذا الخطيب يخطب قديمة يرددها ولا يعرف معناها. صور الجهل مختلفة في إفريقيا، وجامعها البعد عن مشاعل النور، وضعف التواصل مع حواضر العلم، مع التمسك بالعادات والتقاليد المنافية للإسلام، وقد صادف الدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله - مواقف كثيرة دون بعضها، وأعرض عن بعض، وأنا على يقين تام أنه يدونها وقلبه يعتصر ألما على غلبة الجهل، وتقصيرنا نحن المسلمين مع إخواننا هناك في إفريقيا، أو حتى مع غير المسلمين في دعوتهم إلى الإسلام. ومن تلك المواقف، يقول الدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله- في مجلة 8 بلدة نكاتابي في شمال جمهورية مالاوي، فاتجهت إ المسجد الوحيد - الآيل للسقوط - في القرية، ثم صليت تحية المسجد وجلست لقراءة القرآن، إلا أنني لم أستطع أن أقرأ كلمة واحدة لأن أحدهم وقف وبدأ يهذر بكلام لم أفهم منه كلمةواحدة، لن نصوم لأننا لا نصلي. . ! من صور الجهل الغريبة التي حدث بها د. عبد الرحمن السميط أيضا ما جرى له أثناء زيارة إلى قرية شكواوا في مالاوي قبل سنوات، يقول: اكتشفنا أن معظم سكان القرية من المسلمين لكنهم لا يصومون رمضان! خطيب الجمعة في مالاوي يدعو للسلطان العثماني! عبا الرحمن السميط - أسطورة الممل اةيادي 150

عدد الصفحات ١٥٢

حاولنا أن نشرح لهم أن الصلاة تجوز بدون وجود المسجد لكنهم أصرّوا على رأيهم، ومن حسن الحظ أن معنا بوصلة الصلاة خرجنا معهم تحت شجرة ورسمنا خطاً على الأرض باتجاه القبلة وبنينا معهم مسجداً من القش ولم نصدق أعيننا عندما زرناهم بعد أيام حيث وجدنا مسجد القش مليئا بالمصلين.
 بدأنا نعلمهم أحكام الصوم، لكننا اكتشفنا سبباً غريباً لعدم الصوم حيث قالوا: إننا لا نصوم لأننا لا نصلي! فلما استفسرنا منهم عن سبب عدم الصلاة، قالوا: لا يوجد مسجد ، وإذا لم يوجد المسجد فلا صلاة. . ! تحت الشجرة في إحاى رحلاته في إفريقيا عبا الرحمن السميط في إفريقيا - ثاايل الممل اةيادي 151

عدد الصفحات ١٥٣

غاب العلم وعم الجهل، غابت العبادات والصلوات والدعوات، وانتشرت الخرافات والخزعبلات ،غاب الإيمان والتوحيد، وانتشر التهويد والتنصير والتعميد. حينئذ أسقط في يد الدكتور عبد الرحمن السميط، فماذا سيجيب عن السؤال الذي ألقي كالصاعقة على أذنيه من المسلمين في إفريقيا، كيف تركتمونا أيها العرب والمسلمون فلم تتذكرونا، حتى مات آباؤنا وإخواننا على النصرانية أو الوثنية؟ وثنيون أحفاد المسلمين المهاجرين اكتشف عبد الرحمن السميط خلال رحلته الأولى إلى إفريقيا الكثير من أحوال المسلمين في إفريقيا، وهاله ما بلغه المسلمون عامة والعرب خاصة من تقصير في حق إخوانهم في إفريقيا، والتي يسكنها الملايين من المسلمين، وكثير منهم يرجع إلى أصول عربية. غاب الدعاة وغابت كثيـر من أيـادي الخـير عن إفـريقـيا فصـارت نهبــا للتنصـير وابتــزاز الكنيسـة والتبشير، غاب المحسنــون وأهـل الخير فباع الملايين دينهم بثمن بخس للكنيسة النصرانية أو للمعابد الوثنية. انتشار السحر وعبادة الأودان في إفريقيا عبا الرحمن السميط - أسطورة الممل اةيادي 152

عدد الصفحات ١٥٤

قلب مثقل بالهموم وروح تحلق بالعزم والتصميم عاد الدكتور عبد الرحمن السميط بغير الحال الذي ذهب به، انشغلت نفسه وروحه بالكلية بما رآه في مالاوي، وقد عاين هذه الوجوه السمراء الطيبة التي يملؤها الألم والعتاب واللوم للمسلمين. صاحب هذا الشعور قلب الدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله- أينما حل ونزل، لم يطب له مقام، ولم تنسه مشاغل العمل كطبيب، لم يعوضه رؤيته لزوجه وأولاده عندما عاد للكويت، رغم حبه لهم وتعلقه بهم. هذا الرجل الصالح الذي تألم لمنظر مجموعة من العمال تحت ظل الشمس في انتظار ركوبة تحملهم إلى أعمالهم أو ديارهم، فاشترى سيارة تقلهم حيث يبتغون، كيف يكون حاله عندما يجد شمس إفريقيا تضرب الرءوس المكشوفة والأجساد العارية كأنه فيح من جهنم. وكأني بقلب الدكتور التقي المرهف عبد الرحمن السميط ينصدع ألما وكمدا على ما رآه، وهو نزر يسير مما لا يراه. وكأني به يستشعر السؤال الإلهي الجبار الذي لا يتحمله بشر، لماذا تركتم عباد الله من إخوانكم الأفارقة يعودون إلى الكفر والوثنية؟ أينقصكم المال ؟ ما أكثر ما أنعم الله عليكم من المال والثروات. أم ينقصكم العلم؟ ما أكثر حفاظ القرآن وعلماء التفسير واللغة والفقه والحديث بينكم، والذين تعج بهم البيوت والطرقات، ويكثرون في المدارس والجامعات. أتريدون أسلحة وجيوشا؟ كلا. . . هؤلاء الأفارقة طيبو القلوب كالأرض الخصبة، ينبت بها الزرع بأقل قدر من المطر، لا يريدون إلا قلبا عطوفاوصدرا رؤوفا . عبا الرحمن السميط في إفريقيا - ثاايل الممل اةيادي 153

عدد الصفحات ١٥٥

لكن كيف يهنأ له باله والملايين من إخوانه المسلمين على ما رآه في إفريقيا، وهم لا يعرفون ركوعا من قيام، ولا صلاة من صيام، فالكنائس مأواهم يوم غابت مساجدهم، والناقوس شعارهم يوم غاب الأذان عن منائرهم، والقساوسة آباؤهم يوم غيب الموت آباءهم وأمهاتهم، وغنيهم فقير، وعاريهم مستور، وأبناؤهم ما بين يتيم وفطيم. قرر عبد الرحمن السميط - رحمه الله- أن ينذر نفسه لمساعدة هؤلاء، يريد أن يرى المآذن والمنائر التي يراها في بلاد العرب والمسلمين ولم يرها هناك، إلا في نطاق ضيق ومحدود، يريد أن يرتفع قول لا إله إلا الله التي افتقدها هناك، والداعي له أنه علم أن مئات الآلاف من أبناء القبائل العربية والإسلامية فقدت هويتها العربية والإسلامية منذ مئات السنين، وصارت قبائل وثنية، لا تعرف للإسلام حتى اسمه، ولم تعلم عن القرآن ولو رسمه. رأى عبد الرحمن السميط المنكرات منتشرة حتى في المساجد جهلا من الناس، فمن لهؤلاء إن لم يبادر لمساعدتهم بكل ما أوتي من قوة. هذا الرجل النبيل الذي كان لا يكتفي بعلاج مرضاه ومداواتهم، بل يتفقد أحوالهم ويزورهم بعد نهاية وقت عمله وكأنه مسئول عنهم، كيف حاله وقد رأى ملايين الجوعى والمرضى والعطشى منذ ليال ولم يملك لهم من أمرهم شيئا. هو يعيش في بلد عربي مسلم، عندما يهفو قلبه للصلاة يسمع عشرات المساجد ترفع الأذان وتقام فيها الصلوات ليل نهار، أحوال أهلها بين صيام وقيام وعلم وعمل وذكر وقرآن، إذا أراد أحدهم الحج، فرحلته للمسجد الحرام كرمية حجر، وإذا عنّ له سؤال فلله الحمد والمنة، العلماء يملئون البلاد، ويرشدون الناس ويعلمون العباد، والكتب تملأ المكتبات، والعلوم تنسال بين جدران المدارس والجامعات. رجل نذر نفسه لأعمال الخير في إفريقيا عبا الرحمن السميط - أسطورة الممل اةيادي 154

عدد الصفحات ١٥٦

وجد الدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله- المنظمات التنصيرية تنتشر كالنار في الهشيم في بلاد المسلمين في إفريقيا وينفق عليها مئات الملايين من الدولارات للدعوة إلى دينها، ونحن المسلمين مقصرون متقاعسون عن أداء واجبنا والدعوة إلى ديننا الحق، كما يفعل هؤلاء. التنصير في إفريقيا منذ القام من مظاهر التنصير كنيسل في إحاى القرى اةفريقيل حمل عبد الرحمن السميط - رحمه الله- همّ الإسلام والمسلمين في قلبه، وحاول رفع الحرج والإثم عما يزيد عن مليار من المسلمين قصروا في القيام بواجباتهم نحو الإسلام والمسلمين في الأرض عامة وفي ربوع إفريقيا خاصة، فكان رجلا يعدل أمة. يقول المهندس صهيب عبد الرحمن السميط في لقاء معه في برنامج كان يقول لي: ياولدي أرى الناس تخدمني مدة شهرين، وهناك أيتام في إفريقيا لو صار لأحدهم مكروه فأين أذهب من سؤال رب العالمين عندما يسألني عنهم؟ كنت أقول له: أنت معذور -لأنك مريض- فيقول لي: أعندك صَكٌّ بذلك؟! ! فما وجدت جوابا ولم أستطع أن أرد عليه، هذا الرجل حمل همة أمة فصار يقاس عند الناس بأمة. عبا الرحمن السميط في إفريقيا - ثاايل الممل اةيادي 155

عدد الصفحات ١٥٧

إفريقيا تسترد إسلامها عـرف السـاحـل الشـرقـي لإفريقيا الوجــود العربي بفضل العلاقات التجارية بين العرب والشـــرق الإفـريقـي، بحـكـم الجوار الجغرافي، واختلط العرب بأهل الساحل، وتزوَّجوا منهم، وأقاموا محطات تجارية متعددة، وتأثر الساحل الشرقي لإفريقيا بالطــابـع العـربـي، مدعــوما بالوافــدين من جــزيرة العرب والخليج العربي. جاء في كتاب نوال عبد العزيز راضي ما يتعلق بتاريخ الإسلام في إفريقيا، فذكرت أن إفريقيا هي ثاني أكبر قارات العالم من حيث المساحة وعدد السكان، 2 .وتأتي في المرتبة الثانية بعد آسيا، تبلغ مساحتها مربع ، ويبلغ عدد سكان إفريقيا مليار نسمة. خريطل تبين هجرة الحبشل ثم عرفت إفريقيا الإسلام ونعمت بنوره المشرق منذ بداية الدعوة الإسلامية والبعثة المحمدية، حيث وقعت هجرتان للمسلمين إلى الحبشة، حين اشتدَّ أذى مشركي مكة للمسلمين فأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، حيث يوجد بها النجاشي، والذي وصفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه لا يُظلم عنده أحد، فصارت الحبشة موطن الهجرة الأولى للمسلمين، ولقي المسلمون استقبالاحافلا وحفاوة بالغة من النجاشي، وتَكَرَّرت هجرتهم مرَّة أخرى بِفَوْج أكبر من الفوج الأول، فبلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلاً وتسعَ عشرةَ امرأة، لذلك لا يدهشنا الوصول الباكر للإسلام في إفريقيا باعتباره استمرارًا طبيعيًّا لتلك العلاقات التاريخية وتطورًا حتميًّا لها. عبا الرحمن السميط - أسطورة الممل اةيادي 156

عدد الصفحات ١٥٨

عبد الرحمن السميط الفاتح الثاني لإفريقيا دخلت إلى مناطق كثيرة في إفريقيا أبحث عن بعض ما كان يصنعه الدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله- فوجدته بالفعل يستحق لقب الله الوصول إلى أماكن لم يكن أحد قد وصلها قبله، فقـد كــان منـهج الكثـير من المنظــمات التنصـيرية أو حـتى بعض الجمعيـات الخـيريـة كان من أهمِّ أسباب انتشار الإسلام عَبرْ ربوع إفريقيا أيضًا بساطة تعاليمه، وسهولة فَهْمه، ويُسرُْ الدعوة إليه، فكلُّ مسلم يعتبر داعية، فلا توجد تعقيدات كهنوتية كما في المسيحية، وما يكتنفها من غموض، مما يجعلها صعبة الفَهم بالنسبة للإفريقي، وعلى العكس يسرت تعاليمُ الإسلام وسموها بالبَشرَِ ومساواتها بين الناس، سهلت مهمَّة الدعوة للإسلام، وأيضًا مما ساعد على انتشار الإسلام عدالته ومساواته بين الناس، وبغضه للتفرقة العنصرية، وهي عُقْدَة الأفارقةحيث مارسها بعضهم، ويمارسون جميع ألوانها في جنوب إفريقيا تحت ظلال المسيحية، مما يجعل الأخوة في كنف التنصير ليست إلا أكذوبة، لمََسَها الإفريقي واقتنع بها. استطاع المهاجرون المسلمون بعد ذلك إقامة سلطـنات ودويـلات إسـلامـية في تلك البقـاع من إفريقيا، فاستقر الإسلام شمالا من مصر حتى المغرب العربي وموريتانيا شمالا نزولا إلى ممالك مالي وغانة ومملكة الملثمين الصنهاجية غربا، وإمارة لامو، وباتا، وزنجبار، وماليندي، وكلوة، وشوا وسلطنة أوفات ومقديشيو وغيرها من ممالك الشرق الإفريقي. إقامل الصلاة في أحاالحقول في إفريقيا عبا الرحمن السميط في إفريقيا - ثاايل الممل اةيادي 157

عدد الصفحات ١٥٩

ألا يستحق هذا الرجل النبيل أن يلقب بعبد الرحمن الفاتح؟ هذا الرجل مدرسة متكاملة للبر والعمل الدعوي والخيري والإنساني، وجدير بنا أن نتعرف على سيرته العطرة، وكيف انطلقت آثاره الكثيرة المباركة في أنحاء إفريقيا، حتى بلغ أثره الطيب إلى أكثر من أربعين دولة، في مدى زمني وجغرافي لم تستطع منظمات ودول بأسرها بملايينها وإمكاناتها أن تصل إليه، رغم أنها تبلغ أضعاف أضعاف ما كان تحت يديه، فضلا عن أن يصل إليه آحاد الأفراد. من أجل ماذا كل هذا؟ من أجل أن يصل إلى بقعة لم يسجد فيها لله سجدة، فيترك فيها بصمته المباركة، ويفتح الله عز وجل به قلوب أهل تلك البقعة، فتنتشر فيها المساجد، ومعالم الخير والمدارس ويحول أهلها من كونهم وثنيين لا يعرفون للإسلام اسما ولا رسما إلى كونهم دعاة إلى الله. عنــدما تـدخـل بعـض البلــدان يقـتصـر عملـها وأنـشطتــها عـلى بعـض المدن، لكن الدكتور عبد الرحمن السميط -رحــمه الله- كــان يقطع مئات الكيـلومــترات يقضيـها بالسيارة تارة أو بالدراجة تارة أخرى، وأحيانا سيرا على قدميه ساعات طوالا في الأوحال والمستنقعات والأدغال، معرضا نفسه للأخطار والأهوال. ثين عمل وشرود ذهن مع الممل - رحمه الله - عبا الرحمن السميط - أسطورة الممل اةيادي 158

عدد الصفحات ١٦٠

يقول- رحمه الله-: ليس هناك شيء أتضايق منه أكثر مما أتضايق من السفر،فأنت تقضي عدة ساعات قبل سفرك في الاستعداد والانتظار، وعدة ساعات أثناء الرحلة، وساعات أخرى عند بلوغك محطة الوصول، كلها مستقطعة من عمرك دون أن تستطيع أن تنتج خلالها شيئاً يذكر، لكن المشكلة الكبرى عندما يكون السفر جزءاً من عملك وأساس حياتك. ضرب الدكتور عبد الرحمن السميط أروع الأمثلة في حمل هم المسلمين، وبذل المعروف للمحتاجين، وإغاثة الملهوفين، فترك الدنيا والطب والتدريس، بل وحرم نفسه من صحبة أهل بيته وأولاده، وتحمل الغربة عن بلاده، بل ونسى نفسه ذاتها، من أجل هذا الغرض النبيل والمشروع العظيم. سباق مع العمر والزمان بعد ما رأى في مالاوي؛ شعر الدكتور عبد الرحمن السميط أن عمره كله لا يكفي ليبذله في سبيل إنقاذ إخوانه المسلمين في إفريقيا من ربقة الكفر والفقر والجوع والمرض، فعقد العزم ألا يضيع لحظة واحدة بعيدا عنهم، حتى إنه كان يقضي أحد عشر شهرا كاملة من السنة بعيدا عن بيته وأهله، حتى الشهر الباقي إما يقضيه في الكويت أو يدعوهم إلى موطن إقامته في إفريقيا حيث كان، ليغرس فيهم حب الدعوة ويذيقهم لذتها. كان عبد الرحمن السميط - رحمه الله- يرى أن مشقة السفر ليست في تعب الاستعداد والحل والترحال، بل في ضياع الأوقات الثمينة التي لا يعدلها ذهب أو مال. السميط يشارك فى أحا المؤتمرات عبا الرحمن السميط في إفريقيا - ثاايل الممل اةيادي 159

عدد الصفحات ١٦١

ثم يقول الأستاذ محمد منصور: يأ الدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله- إلى مالاوي لتتبع مسيرة العمل هنا، فإذا رجع- رحمه الله- إلى الكويت أمكث ثلاثة أيام أو يزيد أبحث عن النوم وعن الراحة لأن عبد الرحمن السميط يمكث باليومين والثلاثة لا يذيقنا طعم النوم أو الراحة ضربا في الأرض ، يتلمس حوائج المحتاجين، وينفذ مشاريع المحسنين، قد أتعب من معه ومن بعده والله، فرحمه الله وشكر ما صنع للأمة. وقد أضطر أحياناً إلى زيارة ثلاث دول في أربع وعشرين ساعة، وهذا أمر متعب حتى في بلادنا، فما بالك إذا كان في إفريقيا حيت تلغى رحلتك أحياناً وأنت على متن الطائرة! فقد تبيع بعض الخطوط الجوية الإفريقية طائرتها الوحيدة بينما أنت في المطار تنتظرها ، حقاً إن السفر قطعة من العذاب. ورغم لطفه ودعابته ولينه مع من حوله، كان الدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله- يغضب لضياع أي فرصة دون أن يسهم فيها في دعوة ضال أو إطعام جائع أو إغاثة ملهوف، فكان شديدا في هذا الأمر لا يتنازل فيه، فالعمر قصير والطريق طويل، فلا وقت للنوم أو الشعور بالتعب ، فكان دائم العجلة لتحقيق ذلك، حتى أتعب كل من حوله، شبابا كانوا أم كهولا، وهو يريد أن يترك أثرا مباركا له قبل أن يرحل عن هذه الدنيا. يحدثني الأستاذ محمد منصور مدير مكتب المبا كنا ذات مرة في أحد المطاعم، فطلبنا غداء، والدكتور عبد الرحمن السميط - رحمه الله- ينظر يمينا وشمالا ويذهب ويخرج ويدخل، ثم يضرب الطاولة غاضبا وخرج، وذلك بسبب تأخر الغداء، فهذا التأخر من الممكن أن يعطله عن رسالته والهدف الذي جاء من أجله. المؤلف مع الأخ محما منصور ماير مكتب ملاوي عبا الرحمن السميط - أسطورة الممل اةيادي 160

عدد الصفحات ١٦٢