المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الغرور والكبر في ضوء القرآن الكريم 03

منال ميرغني محمد إبراهيم

صفحة ١ من ٤

الفصل الثالث نتائج وعواقب الغُرور والكِبْ ر وبه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الكفر و الجحود بآيات الله تعالى. المبحث الثاني: آثار الغرور والكبر وعواقبه. المبحث الثالث: الهلاك والعذاب. ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥﺍﻟﻐﺮﻭﺭ ﻭﺍﻟﻜﺒﺮ ﻓﻲ ﺿﻮﺀ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺍﻟﻤؤﻟﻒ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻲ:ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ، ﻣﻨﺎﻝ ﻣﻴﺮﻏﻨﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﻣؤﻟﻔﻴﻦ ﺁﺧﺮﻳﻦ:ﺍﻟﺤﺴﻦ، ﻓﻮﺯﻳﺔ ﺃﺣﻤﺪ)ﻣﺸﺮﻑ( ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻤﻴﻼﺩﻱ:2009 ﻣﻮﻗﻊﺃﻡ ﺩﺭﻣﺎﻥ ﺍﻟﺼﻔﺤﺎﺕ:1 - 266 ﺭﻗﻢ562146 ﻧﻮﻉ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯﺭﺳﺎﺋﻞ ﺟﺎﻣﻌﻴﺔ ﺍﻟﺪﺭﺟﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ:ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺩﻛﺘﻮﺭﺍﻩ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ:ﺟﺎﻣﻌﺔ ﺃﻡ ﺩﺭﻣﺎﻥ ﺍﻻﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ:ﻛﻠﻴﺔ ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ:ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ:Dissertations ﻣﻮﺍﺿﻴﻊﺍﻟﻐﺮﻭﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﺍﻟﺘﻜﺒﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﺍﻟﻮﻋﻆ ﻭﺍﻻﺭﺷﺎﺩ ﺭﺍﺑﻂ:http://search.mandumah.com/Record/562146 2016 © ﻫﺬﻩﺍﻟﻤﺎﺩﺓﻣﺘﺎﺣﺔﺑﻨﺎﺀﻋﻠﻰﺍﻹﺗﻔﺎﻕﺍﻟﻤﻮﻗﻊﻣﻊﺃﺻﺤﺎﺏﺣﻘﻮﻕﺍﻟﻨﺸﺮ،ﻋﻠﻤﺎﺃﻥﺟﻤﻴﻊﺣﻘﻮﻕﺍﻟﻨﺸﺮﻣﺤﻔﻮﻇﺔ.ﻳﻤﻜﻨﻚﺗﺤﻤﻴﻞﺃﻭﻃﺒﺎﻋﺔﻫﺬﻩﺍﻟﻤﺎﺩﺓﻟﻼﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲﻓﻘﻂ،ﻭﻳﻤﻨﻊﺍﻟﻨﺴﺦﺃﻭﺍﻟﺘﺤﻮﻳﻞﺃﻭﺍﻟﻨﺸﺮﻋﺒﺮﺃﻱﻭﺳﻴﻠﺔ)ﻣﺜﻞﻣﻮﺍﻗﻊﺍﻻﻧﺘﺮﻧﺖﺃﻭﺍﻟﺒﺮﻳﺪﺍﻻﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ(ﺩﻭﻥﺗﺼﺮﻳﺢﺧﻄﻲﻣﻦﺃﺻﺤﺎﺏﺣﻘﻮﻕﺍﻟﻨﺸﺮﺃﻭﺩﺍﺭ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ.

عدد الصفحات ١

الفصل الثالث نتائج وعواقب الغُرور والكِبْ ر وبه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الكفر و الجحود بآيات الله تعالى. المبحث الثاني: آثار الغرور والكبر وعواقبه. المبحث الثالث: الهلاك والعذاب.

عدد الصفحات ٢

29 المبحث الأول الكفر والجحو آياا اله عااى وبـه مطلبان: المطلب الأول : التكبر على الله عزّ وجلّ . المطلب الثاني: الاستكبار عما جاء به الرسل.

عدد الصفحات ٣

29 المطلب الأول التكبـر على اله عزّ وجل التكبر على الله عزّ وجلّ هو أفحش أنواع الكبر وسببه الجهل المحض مع تشبع النفس بالطغيان. وهو أفظع أنواع الكبر وأخبثها، ومن أمثلة ما ذكره الله تعالى في القرآن الكري م من القصص في الاستكبار على الله عزّ جلّ استكبار فرعون ، فهو قمة الطغيان في عصره وشر متكبر على شعبه فقد وصل أمره إ لى ما ذكره الله تعالى في كتابه ب قوله    *    (1)، أي جمع السحرة ونادى فيهم. في الآية يقول ابن عباس: كلمته الأولـى        (2) والآخرة (  ). فالرجل كان دهريا(3) منكرا للصانع والحشر والنشر، وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي إلا لي ، فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي أو يبعث إليكم رسولا (4).      (5) أي انتقم منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله من المتمـردين في الدنيا        (6)(7). (1 )سورة النازعات، الآية (23-24.) (2 )سورة القصص، الآيتان (33) . (3) الدهرية: فرقة الحادية تنفي البعـث والحسـاو والجنـة والنـار، وأن نهايـة ا نسـان هـي موتـه وهـي قريبـة مـن فكـرة الشـيوعية الدينيـة قـد ولـد هـذا المــذهو عنـد مشـرك ي العـرو، انظـر معجـم ألفـاا العقيـدة، تصــني أبوعبـــدالله فـــال ، تقـــديم فةـــيلة الشـــين عبـــد الله بـــن عبـــد الـــرحمن بـــن جبـــرين، مكتبـــة العبيكـــان، الريـــاض، ط2(1421هـ - 2111م)، ص 135 . (4 )تفسير الرازي16/31/43. (5) سورة النازعات، الآية (25) (6) سورة هود، الآية (99) . (7) تفسير القرآن العظيم 2/1395.

عدد الصفحات ٤

29 وهذا النوع من الكبر ما يستحقه ص احو هو العذاو الأليم، قال تعالى          (1) أي صاغرين حقيرين، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر(2) في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصِّّغار (3)، حتى يدخلوا سجنا يقال له بولس ، تعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخيال عصارة أهل النار)(4()5) . وا لى هذا القول ذهو الطبري في تفسيره(6). يقول صاحو الظلال: (فأما الذين يستكبرون عن التوجه لله فجزاؤهم الحق أن يوجهوا أذلاء صاغرين لجهنم وهذه نهاية الكبر الذي تنتفن به قلوو وصدور في هذه الحياة وتنسى ةخامة خلق الله، فةلا على نسيانها عظمة الله ونسيانها للآخرة وهي آتية لا ريو فيها، ونسيانها للموق الذليل في الآخرة بعد النفخة والاستكبار) (7). والقرآن الكريم أولى هذه الظاهرة - ظاهرة الاستكبار بالله وعبادته - من ظواهر الكبر عناية عظيمة ووجه لها اهتماما كبيرا ومبلغ ذلك واة عند الكلام على الذين استكبروا فكفروا، واستنكفوا عن عبادة ربهم ق ال تعالى    (1) سورة غافر، الآية (61) . (2) الذَّر: صغار النمل والنسـل. ومـا يـرىفـي شـعاع الشـمس الـداخل مـن النافـذة، انظـر المعجـم الوسـي ، ص311 . (3) الصِّّغا ر: صغار صغارا : رةي بالذل والةعة فهو صـاغر، وصـغّر: حقـره وأذلـه، المعظـم الوسـي ، ص515. (4) أخرجـــه ا مـــام أحمـــد فـــي مســـنده ، حـــديث رقـــم 6639، 2/173،وابـــن الجـــوزي فـــي كتـــاو الترغيـــو و الترهيو ، تصني ا مام الحافظ أبـي القاسـم إسـماعيل بـن محمـد بـن الفةـل الجـوزي الأصـبهاني، اعتنـى بــه أيمــن بــن صــال بــن شــعبان، ط1(1414هـــ-1993م)، دار الحــديث، القــاهرة، بــاو فــي الترهيــو مــن الكبر، حديث رقم 626، 1/365. (5) تفسير القرآن العظيم 2/1166. (6) جامع البيان12/24/79 . (7) في ظلال القرآن 5/391.

عدد الصفحات ٥

29                  (1). (  ) أي لن يأن أن يكون عبدا لله، أي من أن يكون، فهو موةع نصو، (  ) أي من رحمة الله ورةاه، (  )أي يأن عن عبادته ويستكبر ، فلا يفعلها ( ) أي إلى المحشر جميعا فيجازي كلا بما يستحق كما وةحه في الآية                             (2). وأصل يستنك نك ، أي لن يمتنع المسي ولن يتنزه من العبودية ولن ينقطع عنها أو يصيبها (3) . (  ) فيعطيهم ثواو أعمالهم ويزيدهم من فةله أي ويعطيهم زيادة على ذلك من إحسانه وس عة رحمته وامتنانه، (      )، وقد فصّل حال المتكبرين على عبادته، وحال العابدين مع أن المذكور أحد الفريقين يدل على ذكر الثاني، وأن ذكر ا حسان إلى النوع الثاني مما يفهم فكان داخلا في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل: ومن يستنك عن عبادته ويستكبر فسيعذو عذابين بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاو(4). من توجيه الآية (1 )سورة النساء، ا لآية (173). (2) سورة النساء، الآية (173) . (3) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 3/6/26 . (4) الأساس في التفسير2/1251-1252.

عدد الصفحات ٦

29 بيان المعتقد الحق في عيسى عليه السلام ، وحرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله، وبيان الجزاء الآخروي وهو إما نعيم وا ما جحيم(1). هذه النصوص القرآنية توة ما لداء الكبر من تأثير قد يبلغ بصاحبه إلى مستوى التكذيو بآيات الله وهي حق، والاستكبار عن اتباع ما جاء فيها من أوامر ونواه والاستنكاف عن عبادة الله. ووةحت الآيات إن الأبرار الكاملين من عباده لا يستنكفون عن عبادته والخةوع له، فالمسي لن يستنك عن أن يكون عبدا لله، وكذلك الملائكة المقربون لا يستنكفون عن عبادته والخةوع له، ثم أبان الله عاقبة المستكبرين عن ا يمان وعن عبادته فأولئك أصحاو النار هم فيها خالدون لا يدخلون الجنة ولهم من جهنم مكان معد لهم ممهد لعذابهم. قال تعالى              (2). وقوله أيةا                          (3). (    ) أي كذبوا بآيات الله التي جاءت الرسل بها وقصتها عليهم واستكبروا عن العمل بها كما استكبروا عن ا يمان فأولئك البعداء من كل خير ( ) أي أهلها، هم فيها خالدون لا يخرجون منها بحال من الأحوال، والتكذيو كالاستكبار كلاهما مانع من التقوى والعمل الصال ، ولذا أصحابها هم أصحاو النار(4). (1) أيسر التفاسير1/272 . (2) سورة الأعراف، ا لآية (36) . (3) سورة الأعراف، الآية (41) . (4) أيسر التفاسير1/333 .

عدد الصفحات ٧

29 قال ابن كثير(أي كذبت بها قلوبهم واستكبروا عن العمل بها وهم أصحاو النار ماكثون فيها مكثا أبدا )(1). وقوله (        ) هكذا قرأه الجمهور وفسروه بأنه البعير. قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة. وقال الحسن البصري (2): حتى يدخل البعير في خرم ا برة وكذا قال أبوالعالية والةحاك وروي عن علي بن أبي طلحة(3) عن ابن عباس. وقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس: أنه ك ان يقرؤها: (يلج الجمل في سم الخياط) بةم الجيم وتشديد الميم، يعني الحبل الغليظ في خرم ا برة وهذا اختيار سعيد بن جبير. وفي رواية أنه قرأ (وحتى يلج الجمل) وهى الحبال الغلاا(4). ومن أمثلة التكبر على عزّ وجلّ قول كفار قريش حيث أمروا بالسجود للرحمن: ما الرحمن؟ يقول تعالى منكرا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد               (5). (1) تفسير القرآن العظيم 1/519 . (2) الحسن البصـري21-111هــ=642-723م): الحسـن بـن يسـار البصـريأبوسـعيد التـابعي، كـان إمـام أهـل البصرة وحبر الأمة في زمنه وهو أحد العلماء الفقهاء، الفصحاء، الشجعان، ولد بالمدينة وشو في كن علي بـن أبـــي طالـــو وكـــان غايــــة فـــي الفصـــاحة والحكمـــة ولــــه كتـــاو فـــي فةـــائل مكــــة مخطـــوط تـــوفي بالبصـــر ة، صــــفوة الصفوة 2/226. (3) علـــي بــن أبــي طلحــة: واســمه ســالم بــن المخــارا الهاشــمي، أبوالحســن، ويقــال أبوأحمــد مــولى العبــاس بــن عبــد المطلو، أصولي من الجزيرة، وانتقل إلى حمـص، روى عـن أبـي الـدوال حبـر بـن نـوف، الهمـداني وراشـد بـن سـعد المقرائــــي والقاســــم بــــن محمــــد، وروى عنــــه ثعلبــــة بــــن مســــلم وثــــور بــــن يزيــــد، انظــــر تهــــذيو الكمــــال فــــي أســــماء الرجال 21/491. (4) انظر تفسير القرآن العظيم 1/511،حجة القراءات، ص 393 . (5) سورة الفرقان، الآية (61) .

عدد الصفحات ٨

29 قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة (1)، فأنزل            (2). (   )قال جوابها   *   (3()4). فأولئك المتبجحين المتطاولين يقابلون الدعوة إلى عبادة الرحمن باستخفاف واستنكار، وا ذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا: ما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم تفورا، وهي صورة كريهة من صور الاستهتار والتطاول ، تذكر للتهوين من وقع تطاولهم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولقد بلغ تطاولهم واستخفافهم أن يقولوا ما نعرف الرحمن إلا ذاك باليمامة يعنون به مسيلمة الكذاو(5)، ويرد على تطاولهم هذا بتمجيد الله سبحانه وتكبيره والتحدث ببركته وعظمته، وعظمة خلقه، وآياته المذكرة به في هذا الخلق العظيم             (6()7). (1) اليمامــة: فــي ا قلــيم الثــاني، طولهــا مــن جهــة المغــرو إحــدى وســبعون درجــة وخمــس وأربعــون دقيقــة، من جهة الجنوو إحدى وعشرون درجة وثلاثون دقيقة، كـان فتحهـا وقتـل مسـيلمة الكـذاو فـي أيـام أبـوبكر الصــــديق ســــنة12 للهجــــرة بقيــــادة خالــــد بــــن الوليــــد، وهــــي معــــدودة الثمــــر، قاعــــدتها حجــــر وتســــمى جــــواد العروض، وسميت باليمامة بنت سهل وممن ينسو إليها جبر بن الحسن، معجم البلدان5/441. (2) سورة البقرة، الآية (163) . (3) سورة الرحمن، الآي تان (1-2) . (4) الدر المنثور في التفسير بالمأثور6/263 . (5) مسيلمة الكذاو: مسيلمة بن حبيو الكذاو من بني حنيفـة، كـان منـزلهم فـي دار ابنـه الحـارث ثـم مـن بنــي النجــار قــدم إلــى رســول الله صــلى الله عليــه وســلم مــع قومــه أتــوا وخلفــوا مســيلمة فــي رحــالهم، وأســلموا وذكروا له مكانه فقالوا: يا رسول الله قد خلفنا صاحو لنا في رحالنا وركابنا، فأم ر لـه رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم مــا أمـر بــه لقومـه فلمـا انتهــى إلـى اليمامــة ارتـد وادعـى النبــوة وجعـل يســجع السـجعات ووةــع عنهم الصلاة وأحل لهم الخمر والزنا ونحو ذلك. انظر تارين الأمم والملوك، لأبي جعفـر محمـد بـن جريـر الطبري، ط1( 1417هـ- 1973م)، دار الفكر للطباعة و النشر، بيروت، لبنان3/373. (6) سورة الفرقان، الآية (61). (7) في ظلال القرآن 5/19/2576.

عدد الصفحات ٩

22 وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن كما أنكروا ذلك يوم الحديبية (1) . حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتو: اكتو بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم ولكن أكتو كما كنت تكتو باسمك اللهم ، ولهذا أنزل الله تعالى                         (2)، أي هو الله وهو الرحمن. وقال في هذه الآية: (       ) أي لا نعرفه ولا نقر به (   )أي لمجرد قولك ( ) فأما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم ويفردونه بالألو هية ويسجدون له(3). (1) الحديبية: بةم الحاء وفت الـدال ويـاء سـاكنة: هـي قريـة متوسـطة ليسـت بـالكبيرة، سـميت ببئـر هنـاك عنــد مســجد الشــجرة التــي بــايع رســول الله صــلى الله عليــه وســلم تحتهــا، وبــين الحديبيــة ومكــة مرحلــة و بينهــا وبين المدينة تسع مراحل وبعض الحديبية في الحل وبعةها في الحرم وهـو أبعـد الحـل مـن البيـت ، معجـم البلدان2/229. (2) سورة ا سراء، الآية (111). (3) تفسير القرآن العظيم 2/956 .

عدد الصفحات ١٠

011 المطلب الثاني الاستكبار عما جاء آه الرسل من أنواع الكبر، التكبر على الرسل، وذلك من حيث تعزز النفس وترفعها على الانقياد لبشر مثل سائر الناس، وذلك تارة يصرف عن الفكر والاستبصار فيبقى في ظلمة الجهل بكبره فيمتنع عن الانقياد و هو ظآن أنه محق فيه، وتارة يمتنع مع المعرفة، ولكن لا تطاوعه نفسه للانقياد للحق ولتواةع الرسل، كما حكى الله قولهم         (1). هكذا أعلنوا متعجبين من دعوة موسى وهارون إلى ا يمان برسالتهما فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا؟! أي كي يكون هذا، أنتبع رجلين مثلنا فنصب نأتمر بأمرهما وننتهي بنهيهما، وكي يتم ذلك وقومهما - يعنون بني إسرائيل- لنا عابدون خاةعون لنا و مطيعون لأمرنا ونهينا(2) . وعند العرو كل من دان لملك فهو عابد له (3) . وفي قولهم                                     (4) . فبدلا أن يعتز البشر باختيار الله لواحد منهم ليحمل رسالته، لجهالتهم ينكرون هذا الاختيار ويعللون دعوة رسلهم لهم بأنها رغبة في تحويلهم عما كان يعبد آباؤهم، ولا يسألون أنفسهم: لماذا يرغو الرسل في تحويلهم؟ وبطبيعة الجم ود العقلي الذي تطبعه الوثنيات في العقول لا يفكرون فيما كان يعبد آبائهم وما قيمته؟! وما حقيقته؟ وكذلك لا يفكرون في الدعوة الجديدة إنما يطلبون خارقة ترغمهم على التصديق (  ). (1) سورة المؤمنون، الآية (47) . (2) أيسر التفاسير2/323 . (3) الأساس في التفسير7/3645 . (4) سورة إبراهيم، الآية (11) .

عدد الصفحات ١١

010 والرسل لا ينكرون بشريتهم بل يقررونها ولكنهم يوجهون الأنظار إلى منة الله في اختيار رسل من البشر وفي منحهم ما يؤهلهم لحمل الأمانة الكبرى قال تعالى                                 (1()2) . قال الرسل: صحي إنا بشر مثلكم في البشرية ، ولكن الله يمن على من يشاء من عباده بالرسالة والنبوة. ويقول أولئك المعرةون عن الحق في إتباع الرسل         (3). يريدون لمغبونون بترككم آلهتكم وا تباعكم إياه من غير فةيلة له عليكم(4). (  ) أي خاسرون لحياتكم ومكانتكم(5). قال النسفي: ومن حمقهم أنهم أبوا إتباع مثلهم، وعبدوا أعجز منهم (6). فهؤلاء المستكبرين عن إ تباع الرسل جعلوا إ تباع الرسل خسرانا ولم يجعلوا عبادة الأصنام خسرانا ، فالخسران إذا كانت هنالك طاعة من غير أن تكون هنالك منفعة. والكافرون الذين لا يؤمنون بالساعة، والذين قالوا عن القرآن أنه كذو وأنه سحر، وقالوا عن الرسول ما قالوا، يعرض الله عزّ وجلّ علينا قو لا جديدا من أقوالهم قال تعالى                       (7). (1) سورة إبراهيم ، الآية (11). (2) في ظلال القرآن 13/13/142. (3) سورة المؤمنون، الآية (34). (4) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/12/121. (5) أيسر التفاسير2/333. (6) تفسير النسفي3/311. (7) سورة الفرقان، الآية (21).

عدد الصفحات ١٢

019 طلبوا أن تنزل عليهم الملائكة أو يرون ربهم (   ) أي أةمروا التكبر عن الحق في قلوبهم، واعتقدوه عنادا وكفرا . وقوله تعالى (  ) أي تجاوز الحد في الظلم والطغيان. ووصفه تعالى عتوهم المذكور بالكبر يدل على أنه بالغ في إفراطه ، وأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو. وهذه الآية تدل على أن تكذيو الرسل بعد دلالة المعجزات ووةوح الحق وعنادهم والتعنت عليهم بطلو إنزال الملائكة أو رؤية الله استكبار عن الحق عظيم ، وعتو كبير يستحق صاحبه النكال والتقريع (1). هذا سياا ذكر أقوال المشركين من قريش ، وصورة لاستكبارهم وكفرهم واستنكارهم للبعث ، أي إنكار للحياة الثانية بكل ما فيها من نعيم وعذاو، فقولهم أي هلا أنزل علينا الملائكة تشهد لمحمد بالن بوة أو نرى ربنا فيخبرنا بان محمدا رسوله، وأن علينا أن نؤمن بما جاء ودعا إليه، لقد استكبر هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث في شأن أنفسهم ورأوا أنهم ش يء كبير، وطغوا طغيانا كبيرا في قولهم هذا الذي لا داعي إليه إلا الشعور بالكبر والطغيان النفسي الكبير(2). ومنه قولهم                (3). أي وقالوا هلا أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ملك يعلمنا أنه نبي، (    )، أي لقةي أمر هلاكهم(  ) أي لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين لأنهم لو شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدونه، فلو جعلناه ملكا كم ا اقترحوا لجعلناه رجلا ، قال تعالى (         )(4). أي لأرسلن اه في (1) أةواء البيان في إيةاح القرآن بالقرآن ، تـألي محمـد الأمـين بـن محمـد المختـار الجكنـي الشـنقيطي، عالم الكتو، لبنان، بيروت، 2/364. (2) أيسر التفاسير2/364 . (3) سورة الأنعام، ا ية (3) . (4) سورة الأنعام، الآية (9) .

عدد الصفحات ١٣

019 صورة رجل ( )أي لخلطنا وأشكلنا عليهم من أمره إذا كان ، فيسلكون معه كسلوكهم معك يا محمد فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان ليس بملك(1). وقد قال فرعون فيما أخبر عنه إنكارا لدعوة موسى       (2). أي هلا إن كان موسى صادقا أنه ر سول رو العالمين، جاء معه الملائكة مقترنين، اقترن بعةهم ببعض فتتابعوا يشهدون له بأنه رسول الله إليهم(3). وقال تعالى              (4) . أي أرض مصر (5) بغير الحق الذي يحق لهم الاستكبار (     ) أي كذبوا بالبعث ا خر حيث اعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد(6). وصورة أخرى لتكبر البشر على الرسل قول كفار قريش فيما أخبر الله عنهم            (7). وقال هؤلاء (1) الأساس في التفسير3/1531 . (2) سورة الزخرف ، الآية (53) . (3) جامع البيان3/25/32 . (4) سورة القصص، الآية (39) . (5) مصر: سميت بمصـر بـن مصـرايم بـن حـام بـن نـوح عليـه السـلام، وهـي مـن فتـوح عمـرو بـن العـاص فــي أيـــام عمــر بـــن الخطــاو، طولهـــا أربــع وخمســـون درجــة، وعرةـــها تســعة و عشـــر ون درجــة فـــي ا قلـــيم الثالث، ولم يذكر عزّ وجلّ في كتابه مدينة بعينها غير مكة ومصر، ومن مفاخر مصر مارية القبطيـة أم إبــراهيم ابــن رســول الله صــلى الله عليــه وســلم، و أرض مصــر تنقســم إلــى قســمين صــعيدها وهــو يلــي مهــو الجنوو منها، وأسف ل أرة ها وهو يلي مهو الشمال منها، معجم البلدان5/137. (6) انظر الأساس في التفسير71/14136، وأيسر التفاسير 2/934 . (7) سورة الزخرف، الآية (31) .

عدد الصفحات ١٤

019 المشركون بالله من قريش لما جاءهم القرآن من عند الله هذا سحر ، فإن كان حقا فهلا نزل على رجل عظيم من إحدى هاتين القريتين مكة أو الطائ (1) . اختل أهل التأويل في الرجلين: ورد عن ابن عباس قال: يعني بالعظيم الوليد بن المغيرة (2)، من قبيلة قريش أو حبيو بن عمرو الثقفي (3). وعن مجاهد قال: عتبة بن ربيعة (4) من أهل مكة وابن عبد ياليل(5) من الطائ يقول الطبري: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواو أن يقال كما قال جلّ ثناؤه مخبرا عن هؤلاء ا لمشركين، (         )، إذا كان جازا أن يكون بعض هؤلاء، ولم يةع الله تبارك وتعالى لنا الدلالة على الذين عنوا منهم في كتابه ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم والاختلاف فيه موجود)(6). (1) الطائ : هي وادي بلاد تثقي ، وبين ها وبين مكة اثنا عشر فرسخا ، وهـي ذات مـزارع ونخـل وأعنـاو، وبها ميـاه جاريـة وجـل أهلهـا ثقيـ وح ميـر وقـوم مـن قـريش، وهمـا م حلتـان إحـدا هما يقـال لهـا طـائ ثقيـ والأخرى يقال لها الره ، معجم البلدان4/3 . (2) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عبدشمس، ولد سـنة 95 ا م، مـن قةـاة العـرو في الجاهلية، ومن زعماء قريش وزناديقها، يقـال لـه العـدل لأنـه كـان يعـدل قـريش فـي كسـوة الكعبـة، أدرك ا سلام وهو شين هرم وهلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر وهو والد خالد بن الوليد ، الأعلام3/122. (3) حبيو بن عمر بن عمير بن عوف بن نميرة بن عوف بن ثقيـ الثقفـي، روى ابـن جريـر عـن طريـق عكرمة في قول الله في الآية (273) من سـورة البقـرة ، نزلـت فـي ثقيـ مـنهم مسـعود وحبيـو وربيعـة وعبـد باليل، ا صابة1/662 . (4) عتبة بن ربيعة بن عبد شـمس أبوالوليـد ك بيـر قـريش وأحـد سـادتها فـي الجاهليـة، كـان موصـوفا بـالرأي والحلــم والفةــل، توســ للصــل فـــي حــرو الفجــار بــين هــوازن وكنانـــة وقــد رةــي الفريقــان حكمـــه، أدرك ا سلام وطغى، وشهد بدرا مع المشركين، قتل سنة2هـ في بدر، الأعلام4/233. (5) ابــن عبــد باليــلبــن عمــرو بــن عميــر بــن عــوف بــن نميــر ة بــن عــوف، ذكــره ابــن حيــان مــن الصــحابة وقـــــال: كانـــــت لـــــه صـــــحبة وكـــــان مـــــن الوفـــــد، وأمـــــه خالـــــدة بنـــــت ســـــلمة، وهـــــو أ حبيـــــو بـــــن عمـــــرو ، ا صابة5/252 . (6) جامع البيان13/25/65.

عدد الصفحات ١٥

019                              (1). أهؤلاء القائلون لولا نزل على الرجل من القريتين يا محمد يقسمون رحمة ربك بين خلقه، فيجعلون كرامته لمن شاءوا وفةله لمن أرادوا أم الله الذي يقسم ذلك فيعطيه من أحو ويحرمه من شاء (2). ومن هؤلاء المشركين من من عه الكبر عن الفكر والمعرفة فجهل كونه صلى الله عليه وسلم محقا ، ومنهم من عرف ومنعه الكبر عن الاعتراف به قال تعالى مخبرا عنهم                            (3) . يعني جلّ ثناؤه لما جاء اليهود من بني إسرائيل(   ) ويعني بالكتاو القرآن (   ) يعني مصدا للذي معهم من الكتو التي أنزلها الله من قبل القرآن (       )يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم الاستفتاح والاستنصار قبل مبعثه، فلما جاءهم ما عرفوا من الحق عليهم لله ولأنب يائه كما قد ثبت عندهم صحته، تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد قيام الحجة بنبوته عليهم وقطع الله عزّ وجلّ بأنه رسوله إليهم (4). كانت اليهود إذا قاتلت المشركين استنصروا باسم نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة كفروا به ولم يؤمنوا به وبرسالته (5) . (1) سورة الزخرف، الآية (32) . (2) جامع البيان13/25/65. (3) سورة البقرة، الآية (39) . (4) جامع البيان1/411 . (5) زاد المسير في علم التفسير 1/93.

عدد الصفحات ١٦