المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مطاعن اللغويين والنحويين في القراءات السبع جمعا ودراسة وتحليلا

خلود بنت طلال الحساني

صفحة ٣ من ٢٨

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 31 إســرائيل دخلهـــا التحريـــف والتبـــديل، قـــال تعــــــالى: ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭼ ﭽ ﭼًالبقرة: 9. وأما "القـرآن الكـريم" فهـو بـاق إلى أن يـرث الله الأرض ومـن عليهـا، لا ينـدثر، ولا يتبــــدّ ل، ولا يلتــــبس بالباطــــل، ولا يمسّــــه أيّ تحريــــف ، لمــــا ســــبق في علمــــه تعــــالى أنّ هــــذا الكتاب هـو الدسـتور الـدائم الـذي فيـه صـلاح البشـرية كلهـا. ولـذلك نجـد أنّ القـراءات وهي على كثرتها لم تتضاد ولم تتناقض، وهذا دليل على قرآنيّ تها. ثانيــاا : جــاء علــى هــذا القــرآن زمــان كثــرت فيــه الفــرق ، وعمّــت فيــه الفــتن، وكَثـُــرَت فيه الأحاديث المكذوبة عنه ، وأما "القرآن الكريم" فلم يستطع أحـد مـن أعـداء هـذا الدين أن يبدّ ل أيّ نص من نصوصه، أو يدخل عليـه، وسَـلِمَ مـن أي تحريـف أو تغيـير، بالرغم من حرصهم على ذلك، ولكنهم ما استطاعوا لذلك سبيلاً . ثالثــاا : أنّ الرســول  قــد أقــر الصــحابة علــى هــذا الاخــتلاف في حياتــه حــين رُفــع إليـــه للحكـــم فيـــه والأدلّـــة علـــى ذلـــك كثـــيرة، وأشـــهرها الحادثـــة بـــين عمـــر بـــن الخطـــاب وهشـــام بــــن حكــــيم رضــــي الله عنهمــــا، يقــــول عمــــر بــــن الخطــــاب: "سمعــــت هـــــشام بــــن حكـــيم يقـــرأ ســـورة الفرقـــ ان في حيـــاة النـــبي -  - فاســـتمعت لقراءتـــه ، فـــإذا هـــو يقـــــــرأ علــــــى حـــــــروف كثـــــــيرة لم يقرئنيهـــــــا رســـــــول الله - ، فكـــــــدت أســــــــــــــــاوره في الصـــــــلاة، فتصـــبرّ ت حـــتى ســــلّ م، فلببتـــه بردائـــه ، فقلــــت: "مـــن أقـــرأك هــــذه الســـورة الــــــــــــــــتي سمعتــــك تقـــرأ "؟ قـــال: "أقرأنيهـــا رســـول الله " فقلـــت: "كـــذبت، فـــإنّ رســـول الله أقرأنيهـــا علـــى غـــير مـــا قـــرأت "، فانطلقـــت بـــه أقـــوده إلى رســـول الله -  - فقلـــت: "إني سمعـــت هـــذا يقـــــرأ الفرقـــــان علــــــى حـــــروف لم تقرئنيهــــــا "، فقـــــال رســـــول الله : «أرس ـــــــــــــــــله، اقـــــرأ يــــــا هشــام»، فقــرأ عليــه القــراءة الــتي سمعتــه يقــرأ ، فقــال رســول الله : «كــذلك أُ نزلــــــــــت»، ثم قــــال: "اقــــرأ يــــا عمــــر"، فقــــرأت القــــراءة الــــتي أقــــرأني ، فقــــال رســــول الله : «كــــذلك

عدد الصفحات ٣٤

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 31 أُ نزلت . إنّ هذا القرآن أُ نزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا ما تيسّ ر منه». (1) رابعـــاا: الحـــرص مـــن الصـــحابة رضـــوان الله علـــيهم علـــى حفـــظ القـــرآن كمـــا أُ نـــزل بــــدون تحريــــف في حيــــاة النــــبي ، وهــــو حــــرص امتــــد إلى مــــا بعــــد وفاتــــه عليــــه الصــــلاة والسلام، فعندما انتشروا في الأمصـار وبـدأت تظهـر قضـية الاخـتلاف في القـراءات نظـراً لاخــــتلاف اللهجــــات، تصــــدّ ى العلمــــاء لهــــذه الظــــاهرة حــــتى لا تتســــع دائرتهــــا ومــــن ثم يصــــعب إغلاقهــــا, فقس ــــموا هــــذه القــــراءات إلى: متــــواترة ، وآحــــاد، وقــــراءات شــــاذة، ثم جعلـــوا المتـــواترات الســـبعة، وقـــراءات الثلاثـــة المتمّ مـــة للعشـــرة ، ثم مـــا يكـــون مـــن قـــراءات الصحابة، وما بقي فهو شاذ. ولـــــولا أنّ القـــــراءات ليســـــت بقـــــرآن لمـــــا تم تأصـــــيلها بعـــــد وفـــــاة الرســـــول -  - بوصفها علماً لا يُستهان به، وأميعت الأُ مّ ة على قرآنيّ تها وتلقّ تها بالقبول . خامســـاا : إنّ ًالاخـــتلاف في القـــراءات لا يمـــسّ أصـــلاً مـــن أصـــول الـــدين ولا فرع ـــــــاً مـــــن فروعـــــه، فهـــــذه الاختلافـــــات في القـــــراءة لم تحُـــــل حرامـــــاً ولم تحُـــــر م حـــــلالاً ، ولم تُثِ ــــــــــــر تناقضــاً بــين المســلمين في ديــنهم، بــل إنّ التطــر ق إلى اخــتلاف القــراءات مــن هــذا البــاب هو من قبيل العبث أو الفهم الخـاطئ لطبيعـة هـذه القـراءات والحكمـة مـن تعـد دها، فـلا (1) أخرجه البخـاري في مواضـع مـن صـحيحه، منهـا: كتـاب الخصـومات، بـاب كـلام الخصـوم بعضـهم في بعض، برقم: (2419)، ومسلم في صحيحه، كتاب صـلاة المسـافرين وقصـرها، بـاب بيـان أن القـرآن علــى ســبعة أحــرف وبيــان معنــاه، بــرقم: (٨)، (1/٥٦)، ولكــن آخــر الحــديث فيهمــا قولــه : «فــاقرؤوا مــا تيســر منــه»، وأمــا قولــه : «فــاقرؤوا كمــا علمــتم» فهــو في قصــة اخــتلاف عبــد الله بــن مسـعود مـع رجـل، رواهــا الإمـام أحمـد في المســند، بـرقم: (1)، (٧/٨٨)، والحـاكم في المســتدرك، كتـاب التفسـير، بـرقم: (2944)، (2/٨٦)، وأبــو يعلـى في المسـند، بــرقم: (٧)، (٨/٥٧)، وابـــن حبـــان في صـــحيحه، كتـــاب الرقـــائق، بـــاب قـــراءة القـــرآن، بـــرقم: (٧٦)، (3/22)، والحـــافظ المقدسي في المختارة، برقم: (٧)، (1/333.)

عدد الصفحات ٣٥

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 32 يقام له وزن عندها. (1) ولـو أنّ القــراءات ليسـت بقــرآن ، وليســت بـوحي منــه ســبحانه، لوقـع فيهــا الخــلاف مــــع أصــــول الــــدين أو أحــــد فروعــــه، بــــل إنّ مــــن أهــــم الأدلّــــة علــــى قرآنيّ تهــــا أنهــــا تُبــــينّ الاخــتلاف في بعــض الأحكــام، والجمــع بــين حكمــين مختلفــين، والدلالــة علــى حكمــين شــــرعيّ ين، ودفــــع تــــوهم مـــــا لــــيس مــــراداً ، وبيــــان لفـــــظ مــــبهم كلفــــظ (العهــــن) (2), مـــــع الإعجاز في الإيجاز اللفظي، فكلّ قراءة بالنسبة إلى الأخرى بمنزلة آية مستقلة. ولا يخفــــى أنّ الطّ عــــن في القِــــراءات المتــــواتِرة والمشــــهورة عــــن الأُ مّــــة والمتلَق ــــاة لــــديها بالقبول، يفـتح بابًـا لأعـداء الـد ين للطّ عـن في القـرآن الكـريم؛ بـدع وى أنّ علمـاء الإسـلام أنفسهم قد طعنوا في شـيء منـه . وعليـه كـان لزامـاً أن نـُبـَـين َ تلـك المطـاعن، ونفصـل في بيــان وجــه حجّ يــة القــراءة المتــواترة ، كمــا ســيأتي في هــذا البحــث – إن شــاء الله - لكــف يد من أراد الن يل من القرآن أو الدين من خلالها. وقـــــد وضـــــع علمـــــاء القـــــراءات ضـــــوابط مشـــــهورة ، يَزِنُـــــونَ بِّـــــا الروايـــــات الـــــواردة في القراءات ، لمعرفة القراءات المتواترة والمشهورة المتلقّ اة بالقبول . (1 )ينظـــر: القــــراءات وأثرهـــا في علــــوم العربيــــة (ص: 12) ومـــا بعــــدها بتصــــرف، الموقـــع الإلكــــتروني: بيــــان الإسلام للرد على الافتراءات والشبهات، بتصرف . (2 )جاء في قراءة ابن مسعود (الصوف)، وذلك من قوله تعالى: (وَتَكُونُ الج ِبَـالُ كَـال عِه نِ ال مَنفُـو ِ) سـورة القارعة آية (1).

عدد الصفحات ٣٦

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 33 ثانياا : ضوابط القراءة المقبولة : عنـــدما تقـــادم الـــزمن وكثـــر القـــر اء وانتشـــروا، وتفرّ قـــوا في الأمصـــار، وخلّ فهـــم أجيـــال بعــد أجيــال في طبقــات متتابعــة، فمــنهم المجــوّد للــتلاوة المشــهور بالروايــة والدرايــة ، ومــنهم المقتصــر علــى وصــف مــن هــذه الأوصــاف، وكثــر بســبب ذلــك الاخــتلاف، وكــاد يخــتلط المتــواتر بالشــاذّ ، فــانبرى جهابــذة العلمــاء فميّــزوا ذلــك وحــرّ روه في مؤلّ فــاتهم(1)، ووضــعوا ضوابط تقيّ م من خلالها هذه الأوجه المختلفة للقـراءة ، وقـد مـرت هـذه الضـوابط بمراحـل وأدوار تاريخية مختلفة، واتفاق واختلاف، حـتى اسـتقر الأمـر علـى ثلاثـة ضـوابط وشـروط وهي كما ذكرها الإمام ابن الجزري : 1- أن تكون القراءة صحيحة السند . 2- أن توافق اللغة العربية ولو بوجه . 3- أن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً الضابط الأول: صح ة السند : كــــان الس ــــلف مــــن الصــــحابة والتــــابعين رضــــوان الله علــــيهم، ومــــن جــــاء بعــــدهم، يعــبرّون عــن هــذا الــركن بقــولهم (القــراءة ســنّة)، فقــد روى ابــن مجاهــد (324ه عــن زيــد بـن ثابــت (41ه أنــه قـال: "القــراءة ســنّة"(2)، وقـال القســطلاني (923ه: «الإســناد أعظم مدارات هذا الفن؛ لأن القراءات سنّ ة متّ بعة ونقل محض"(3). وقد اختلف العلماء في هذا الشرط ، وأوردوا فيه من المناقشات مـا يطـول شـرحه ، وحاصل هذه النقاشات أنهم فيها على رأيين : (1 ) إبراز المعاني (ص: 4). (2 )ينظر السبعة (ص: 49). (3 )ينظر لطائف الإشارات (1/2).

عدد الصفحات ٣٧

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 34 الرأي الأول: أنــه لا يُشــترط التــواتر و إنمــا يُكتفــى بصــحة الســند، وهــو أن يــروي القــراءة العــدل الضـــابط عـــن مثلـــه كـــذا حـــتى تنتهـــي، وتكـــون كـــذلك مشـــهورة عنـــد أئمـــة هـــذا الشـــأن الضابطين له، غير معـدودة عنـدهم مـن الغلـط أو ممـا شـذّ بِّـا بعضـهم (1), فالاستفاضـة عندهم تكفي للقطع بقرآنية القراءة . وهــو رأي كثــير مـــن العلمــاء أمثــال الإمـــام مكــي بــن أبي طالـــب (ت٧)، وأبي شامة(ت1). وقـــد أيّــــده الإمــــام ابــــن الجــــزري في النشــــر بقولــــه: (كــــل قــــراءة وافقــــت العربيــــة ولــــو بوجــه , ووافقــت أحــد المصــاحف العثمانيــة ولــو احتمــالاً ، وصــحّ إســنادها، فهــي القــراءة الصــحيحة الــتي لا يجــوز ردّ هــا و لا يــل إنكارهــا , بــل هــي مــن الأحــرف الســبعة الــتي نــزل بِّا القرآن ووجب على الناس قبولهـا, سـواء كانـت عـن الأئمـة السـبعة أم عـن العشـرة أم عـن غـيرهم مـن الأئمــة المقبـولين, ومـتى اختــل ركـن مـن هـذه الأركــان الثلاثـة أُطلـق عليهــا ضعيفة أو شاذّ ة أو باطلة، سواء كانت عـن السـبعة أو عمّـن هـم أكـبر مـنهم, هـذا هـو الصحيح عن أئمة التحقيق من الس لف والخلف) (2). قــال الإمــام النــويري في شــرحه للطيبــة تعقيبــاً علــى كــلام ابــن الجــزري : " إنّ القــول بــأنّ القــرآن يكتفــي في ثبوتــه مــع الشــرطين المتقــدمين بصــحّ ة الســند فقــط، ولا يتــاج إلى تــــواتر، وهــــذا قــــول حــــادث مخــــالف لإميــــا ع الفقهــــاء والمحــــدثين وغــــيرهم... ولقــــد ضـــــــــلّ بســـبب هـــذا القـــول قـــوم فصـــاروا يقـــرؤون أحرفـــاً لا يصـــحّ لهـــا ســـندا أصـــلاً ، ويقولــــــــــــــــــــــون التواتر ليس بشرط " (3). (1 )ينظر النشر (1/٨) . (2 ) المصدر السابق (1/11) . (3 )ينظر شرح طيبة النشر للنويري (1/٧) .

عدد الصفحات ٣٨

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 35 الرأي الثاني : إن التــــواتر شــــرط في قبـــــول القــــراءة ولا يك فـــــي صــــحّ ة الســـــند, وهــــو رأي ميهـــــور العلماء -سلفاً وخلفاً -. ولذلك عُر فَ القرآن بأنه: ما نقـل إلينـا بـين دفّـتي المصـحف نقـلاً متـواترًا (1), ومـن العلماء الذين قالوا بالتواتر: وأبـو القاسـم الهـذلي (1) , الإمـام الصـفراوي (٦) ، وأبـو الحســن الســخاوي (2)(2)، وغـيرهم مــن كبــار القـرّ اء، وهــو رأي ابــن الجــزري في كتابه منجد المقرئين (3). يقــول أبــو القاســم النــويري : " القــرآن عنــد الجمهــور مــن أئمــة المــذاهب الأربعــة هــو مــا نُ قــل بــين دفّــتي المصــحف نقــلاً متــواتراً , وكــل مــن قــال بِّــذا الحــد اشــترط التــواتر. . . وحينئـــذ فلابـــد مـــن التـــواتر عنـــد الأئمـــة الأربعـــة صـــر ح، بـــذلك مياعـــات كـــابن عبـــد الـــبر وابن عطية والنووي والزركشـي والإسـنوي والأذرعـي , وعلـى ذلـك أميـع القـرّ اء ولم يخـالف من المتأخرين إلاّ مكي وتبعه بعضهم "(4). والذي نلاحظه أن ابـن الجـزري في -كتابـه منجـد المقـرئين - اشـترط (التـواتر)، فمـا الذي دعاه إلى تغيير شرطه في النشر والاكتفاء (بصحّ ة السند)؟ الجواب: يبـدو أنـه عنـدما راجـع بعـض الروايـات: وجـد أنهـا لا ينطبـق عليهـا التـواتر بمعنـــاه الاصـــطلاحي, فعـــدل عـــن هـــذا الـــرأي , ثم جـــاء المتـــأخرون فقـــالوا: إنّ هـــذا الـــرأي محدث, ولا ينبغي التعويل عليه, وينبغي أن تكون القراءةُ متواترة . (1 )ينظر روضة الناظر وجنة المناظر (1/199). (2 )راجع نصوص أقوالهم في مناهل العرفان (1/431-434). (3 ) ينظر منجد المقرئين (ص: 9-٥٨). (4 )ينظر شرح طيبة النشر للنويري (1/2) .

عدد الصفحات ٣٩

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 36 رأي بين رأيين : يقـــول الزركشـــي(ت 94): (وَال قِـــرَاءَاتُ هِـــيَ اخ ـــتِلاَفُ أَل فَـــا ِ ال ـــوَح يِ ال مَـــذ كُورِ فيِ كَتَبَــةِ الح ُــرُوفِ أَو كَي فِي تِهَــا مِــن تخَ فِيــف وَتـَث قِيــل وَغَير ِهمَِــا) (1) وعليــه فــإنّ التــواتر شــرط في الحـــــــــروف – الفـــــــــر – ولكنـــــــــه لا يُشـــــــــترط في طُـــــــــرق الـــــــــداء, وذهـــــــــب لـــــــــذلك ابـــــــــن الحاجب(ت٦) في مختصر الأصول مـن أنّ : "القـراءات السـبع متـواترة فيمـا لـيس مـن قبيــل الأداء كالمــد والإمالــة وتخفيــف الهمــز ونحــوه..."(2), وهــو رأي فصّــل الــرد عليــه ابــن الجزري ووافق عليه جزئياً وليس بالجملـة؛ لأنـه يـرى مـثلاً أنّ المـد العرضـي مقطـوع بتـواتره عـن النــبي ، وأمـا مــا زاد علـى القــدر المشـترك كحمــزة وور فهـو مشــهور ومســتفاض متلقّ ى بالقبول ولكنه ليس متواتر اً , وبِّذا يعود ليتفق جزئياً مع رأي ابن الحاجب (3). الرأي الرا ح : بعــد اطلاعــي وقــراءتي لكتــب كثــيرة تحــدّ ثت عــن مســألة التــواتر, وجــدتُ اختلافــاً في تحديــــد الــــرأي الــــراجح ، فمــــنهم مــــن رج ــــح الــــرأي الأول, ومــــنهم مــــن رج ـــــــــــــح الــــرأي الثاني, ومنهم من ميع بين الرأيين بترجيح بينهما. ووجــــدتُ أنّ شــــيخنا الــــدكتور شــــعبان إسماعيــــل، قــــد أحســــن عنــــدما رج ــــح هــــذه المسألة ترجيحاً يُذهب الخلاف ويجمعُ بين الرأيين . حيث قال: (إن القراءات المقبولة- التي يصح أن نَقرأ بِّا ونُقر بِّا- نوعان: 1/القراءة المتواترة : وهي التي لا خلاف في قبولها والقراءة بِّا. 2/القـــراءة المشـــهورة : وهـــي القـــراءة الـــتي صـــح ســـندها, ووافقـــت رســـم المصـــاحف (1 )البرهان في علوم القرآن (1/٨). (2 ) منجد المقرئين (ص: 2). (3 )راجع رد ابن الجزري بالتفصيل في منجد المقرئين (ص: 2 -٦٧) .

عدد الصفحات ٤٠

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 37 العثمانيــــة ولـــــو احتمـــــالاً , ووافقـــــت اللغـــــة العربيـــــة , واشـــــتهرت ، وتلقّ تهـــــا الأُ مّـــــة بـــــالقبول, وحصل بِّا العلم اليقين, فتُلحـق بـالمتو اترة ، وتأخـذ حكمهـا في صـحّ ة القـراءة بِّـا، فكـأن الاستفاضة مع صحة السند، وتلقّ ي الأُ مّ ة للقراءة بالقبول: يجعلها ملحقة بالمتواترة . وعلــــى هــــذا ينبغــــي أن يُمــــل كــــلام ابــــن الجــــزري وغــــيره؛ لأنّ القــــراءة إذا لم تكــــن متــواترة ولكنهــا صــحيحة الســند، ينبغــي أن ينضــمَ إليهــا الشــرطان اللــذان، أشــار إليهمــا ابن الجزري في الطيّبة بقوله: فَكــــــــــــــــل مَــــــــــــــــا وَافــــــــــــــــقَ وَج ــــــــــــــــهَ نحَــــــــــــــــوِ وَكَــــــــــــــــانَ لِلر س ـــــــــــــــــمِ اح تِمـــــــــــــــــاَلاً يَ ـــــــــــــــــوِي وَصَــــــــــــــــــح إِس ــــــــــــــــــنَاداً هُــــــــــــــــــوَ القُــــــــــــــــــر آنُ فـَهَـــــــــــــــــــــــــــــــــذِهِ الث لاثـــــــــــــــــــــــــــــــــةُ الأَر كَـــــــــــــــــــــــــــــــــانُ وَحَي ثُمـــــــــــــــــــا يخَ تَـــــــــــــــــــلُ رُك ـــــــــــــــــــن أَث بِـــــــــــــــــــتِ شُـــــــــــــــــــذُوذَهُ لَـــــــــــــــــــو أَن ـــــــــــــــــــهُ فيِ الس ـــــــــــــــــــبـ عَةِ وأمــــا إذا كانــــت مــــن النــــوع الأول فلســــنا بحاجــــة إلى هــــذين الشــــرطين ؛ لأن ــــه مــــن المعلــوم أن القــراءة إذا كانــت متــواترة فــلا بــد أن تكــون موافقــة للغــة العربيــة ، وغــير مخالفــة لرسم المصاحف العثمانية. فمـــن قـــال: صـــحيحة الســـند وليســـت متـــواترة : نظـــر للأصـــل قبـــل اشـــتهارها , ومـــن قال: متواترة : نظر لما بعد الشهرة , واستفاضتها, وتلقّ ي الأُ مّ ة لها بالقبول. وبِّـــذا يمكننــــا أن نقـــول إنّ الخــــلاف يكـــاد يكــــون خلافـــاً لفظيــــاً وبِّـــذا ميعنــــا بــــين الرأيين ، فكل فريق نظر للقضية من جانب غير الـذي نظـر إليـه الآخـر والنتيجـة واحـدة, وهـــي أنهـــا مقبولـــة ويُقـــرأ بِّـــا، وهـــذا مـــا تلقّ ينـــاه عـــن مشـــايخنا وأخبرونـــا أنهـــم تلقّـــوه علـــى مشايخهم، وهكذا إلى نهاية السند، والله أعلم) (1). (1 )هذا ما أملاه علينا شيخنا الـدكتور :شـعبان محمـد اسماعيـل في إحـدى محاضـرات مـادة القـراءات العشـر الكبرى عام ٦هـ.

عدد الصفحات ٤١

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 38 الشرط الثاني: موافقة العربية ولو بو ه: يـــراد بِـــهِ وَج هًـــا مِـــن وُجُـــوهِ الن ح ـــوِ ، سَـــوَاء كَـــانَ أَف صَـــحَ أَم فَصِـــيحًا مجُ مَعًـــا عَلَي ـــهِ ، أَم مخُ تـَلَفًـــــا فِيـــــهِ اخ تِلاَفًـــــا لاَ يَضُـــــر مِثـ لُـــــهُ إِذَا كَانَـــــتِ ال قِـــــرَاءَةُ ممِ ـــــا شَـــــاعَ وَذَاعَ وَتـَلَق ــــــــاهُ الأ َئِم ـــــةُ بِالإ ِس ـــنَادِ الص ـــحِيحِ ، إِذ هُـــوَ الأ َص ـــلُ الأ َع ظَـــمُ وَالـــر ك نُ الأ َقـ ـــوَمُ ، وَهَـــذَا هُـــوَ ال مُخ تَ ـــــــارُ عِن ـــــــــدَ ال مُحَق قِينَ فيِ رُك نِ مُوَافـَقَةِ ال عَرَبِي ةِ (1). ويكـم هــذا الشــرط قاعــدة مهمّـة هــي أنّ القــراءة ســنّ ة متّ بعـة، ولــيس كــل مــا يجــوز في العربية يجوز في القرآن (2) . ويظهر ذلك في تلحين يي بن يعمر (3) للحجاج(4) ح قرأ قولـــــــــه تعـــــالى: ﴿ قُلْ إِنْ ك ان آ ب اؤُكُمْ و أ بْن اؤُكُمْ و إ ِخْو إنُكُمْ و أ زْو إجُكُمْ و ع شِير تُكُمْ و أ مْو إلٌ إقْت ر فْتُمُوه ا و تِج ار ةٌ ت خْش وْن ك س اد ه ا و م س اكِنُ ت رْض وْن ه ا أ ح بَّ إِل يْكُمْ مِن إللَّهِ و ر سُولِهِ و جِه ادٍ فِي س بِيلِهِ ف ت ر بَّصُوإ ح تَّ ى ي أْتِي إللَّهُ بِأ مْرﭼ التوبة: 24 برفع (أحبُ )، وهو تلحين ليس من جهة مخالفتها للعربية ، وإنما لمخالفتها إمياع القرّاء النقـلة، وإلاّ فهـــي في العربية جائزة ، على أن يضمر ضمـــــير الشأن، ويلزم ما بعدها بالابتداء والخبر أن تكون الجملة في موضع نصب على أنها خبر كان (5). (1 )النشر في القراءات العشر (1/٥). (2 )ينظر مواقف النحاة (ص: 23). (3 ) هــو يــي بــن يعمــر العــدوا ّ النحــوىّ، يكــنى أبــا ســليمان، أول مــن نقــط المصــاحف، ولــد بــالأهواز، وتــوىّ بخراســان ســنة تســع وعشــرين ومائــة . ينظــر: إنبــاه الــرواة علــى أنبــاء النحــاة (4/24)، الأعــلام للزركلي (٨/٧٧) . (4 )الحَج اجُ بنُ يـُو سُفَ الثـ قَفِي ، كَانَ ظَلُو ماً، جَب اراً، نَاصِبِ يّاً، وَكَانَ ذَا شَجَاعَة ، وَمَك ـر ، وَدَهَـاء ، وَفَصَـاحَة ، وَبَلاَغَـة ، وَتعَظِــي م لِل قُــرَآنِ، ولي العــراق والمشـرق عشــري ن عامــاً، مــات سـنة خمــس وتســعين . ينظــر: ســير أعلام النبلاء (4/343)، الأعلام للزركلي (2/٨٦). (1 )ينظر البحر المحيط (1/392).

عدد الصفحات ٤٢

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 39 و مقابل ذلك كم مـن قـراءة أنكرهـا أهـل النحـو ولم يُ عتـبر بإنكـارهم ، لاجتمـاع الأئمة المقتدى بِّم من السّ لف على قبولها كإسـكان الهمـز لأبي عمـرو مـن (بَـارِئ كُم ) وَ (يَأ مُر كُم ) وَنحَ وِهِ . وقد أص ل أبو عمرو الداني لهذا الشرط بأصل عظـيم فقـال: وَأَئِم ـةُ ال قُـر اءِ لاَ تـَع مَـلُ فيِ شَــــي ء مِــــن حُــــرُوفِ ال قُــــر آنِ عَلَــــى الأ َف شَــــى فيِ الل غَــــةِ والأ َقـ ــــيَسِ فيِ ال عَرَبِي ــــةِ ، بَــــل عَلَــــى الأ َثـ بَـــتِ فيِ الأ َثَـــرِ وَالأ َصَـــح فيِ النـ ق ـــلِ وَ الر وَايَـــةِ إِذَا ثـَبَ تـــتَ عَـــنـ هُم لمَ يـَرُد هَـــا قِ يَـــاسُ عَرَبِي ـــة وَلاَ فُشُو لُغَة ; لأَِن ال قِرَاءَةَ سُن ة مُت بـَعَة يـَل زَمُ قـَبُولهَُا وَال مَصِيرُ إِلَيـ هَا. (1) الشرط الثالث: موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا : المــراد بِّــذا الشــرط هــو موافقتهــا لأحــد المصــاحف، ومَــا كَــانَ ثَابِتًــا فيِ بـَ ع ضِــهَا دُونَ بـَع ــض كَقِــرَاءَةِ اب ــنِ عَــامِر (قَــالُوا اتخ َــذَ الل ــهُ وَلَــدًا) ســورة ال بـَقَــرَةِ آيــة ٨٨ بِغَــير ِ وَاو ، وقـــراءة (وَبِـــالز بُرِ وَبِال كِتَــــابِ ال مُنِــــيرِ) ســـورة آل عمــــران آيــــة 4 بِزِيَـــادَةِ ال بَــــاءِ فيِ الاِسم َــــين ِ وَنحَ ــــوِ ذَلِـــكَ ، وهـــذه الموافقـــة للمصـــاحف العثمانيـــة هـــي نتيجـــة طبيعيـــة لإميـــاع المســـلمين علـــى صــنيع عثمــان  بجمــع المصــحف، الــذي كــان لحرصــه  علــى حفــظ القــرآن ووحــدة الأُ مّـــة، ومعـــنى (ولـــو احتمـــالاً ) أي مَـــا يـُوَافِـــقُ الر س ـــمَ وَلَـــو تـَق ـــدِيرًا، إِذ مُوَافـَقَـــةُ الر س ـــمِ قَـــد تَكُونُ تحَ قِيقًا وَهُ وَ ال مُوَافـَقَـةُ الص ـرِيَةُ ، وَقَـد تَكُـونُ تـَق ـدِيرًا وَهُـوَ ال مُوَافـَقَـةُ اح تِمَـالاً ، ويتمثّـل ذلــك في قولـــه تعـــالى: (مَلَـــكِ يـَـــو مِ الـــد ينِ ) فَإِن ـــهُ كُتِـــبَ بِغَـــير ِ أَل ـــف فيِ ميَِيـــعِ ال مَصَـــاحِفِ ، فَقِــرَاءَةُ الح َــذ فِ تحَ تَمِلُــهُ تحقيقــاً وحــذفت الألــف فيــه تخَ فِيفًــا واختصــاراً كَمَــا كُتِــبَ (مَلِــكِ الن اسِ) ، وَقِرَاءَةُ الأ َلِفِ محُ تَمَلَة تـَق دِيرًا كَمَا كُتِبَ (مَالِكَ الملك)(2). ولابد أن نعلم أنّ مخالفة صريح الرسم في حرف مدغم أو مبــــــدل أو ثــــــــــــــابت أو (1 )جامع البيان للداني (1/11) . (2 )النشر في القراءات العشر (1/11).

عدد الصفحات ٤٣

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 41 محذوف أو نحو ذلك، لا يُعد مخالفاً إذا ثبتت القراءة بـه ووردت مشـهورة ، ألا تـرى أنهـم يعــــدُون إثبــــات يــــاءات الزوائــــد، وحــــذف يــــاء (تســــألني) في الكهــــــــف لابــــن عـــــــــــــــامر(1)، فكــل ذلــك مخــالف للرســم غــير مــردود, إذ هــو قريــب يرجــع إلى معــنى واحــــــد، ولتمشــيه مـــع صــــحة القــــراءة وشـــهرتها، بخــــلاف لــــو كــــان الأمـــر في زيــــادة كلمــــة أو نقصــــانها، أو تقــديمها أو تأخيرهــا، فــإنّ ذلــك لا يســو غُ مخالفــة الرســم فيــه، وهــذا هــو الحــد الفاصــل في حقيقـــة اتبــــاع الرس ـــــــــم ومخالفتـــه (2)، فــــإذا اجتمــــــــعت هـــذه الخــــــــــلال الثـــــــــلاث في قـــــــــــراءة قـــر بِّـــا وقطـــع علـــى تعيينهـــا وصـــحّ تها وصـــدقها، وكفـــر مـــن جحـــدها، والقـــراءات الـــتي تطــــابق هــــذه الشــــروط الثلاثــــة المتقدمــــة هــــي القــــراءات الســــبع المتــــواترة المنســــوبة للأئمــــة الســبعة المشــهورين الــذين اختــاره م ابــن مجاهــد في كتابــه (الســبعة) , و القــراءات الثلاثــة المكملة للعشرة . (1 ) يقول الشاطبي رحمة الله : وَفي ال كَه فِ تَس أَل نيِ عَنِ ال كُل يَاؤُهُ علَى رَسم ِهِ وَالح َذ فُ بِالخ ُل فِ مُث لاَ (2 )مناهل العرفان (1/421) .

عدد الصفحات ٤٤

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 41 ثالثاا: ترا م القر اء السبعة وتواتر قراءاتهم: إنّ ما ثبتت شهرته مـن القـراءات بـين أهـل بلـد القـار ، مـع ثنـائهم علـى صـاحب القـراءة وعـدم انتقـادهم لـه، دليـل علـى صـحّ تها عنـدهم. وهـو أعظـم دليـل علـى التـواتر. يقــــــول ابـــــــن الجــــــزري نقـــــــلاً عـــــــن أحــــــد مشـــــــايخه: «إنّ القــــــراءات كالحـــــــديث، مخرجهـــــــا كمخرجــه . إذا كــان مــدارها علــى واحــد، كانــت أحاديــة. وخفــي عليــه أنهــا نســبت إلى ذلك الإمام اصطلاحاً . وإلاّ فكل أهل بلده كانوا يقرؤونها. أخذوها أممـاً عـن أمـم. ولـو انفـــرد واحـــد بقـــراءة دون أهـــل بلـــده، لم يوافقـــه علـــى ذلـــك أحـــد، بـــل كـــانوا يجتنبونهـــا، ويــأمرون باجتنابِّــا)(1) وذلـــك كمــا عــدلوا عـــن قــراءة ابـــن محيصــن لأنــه خـــرج فيهــا علـــى إميــاع أهــل مكــة إلى قــراءة ابــن كثــير . وعلــى هــذا نبــدأ ترميــة القــرّ اء الســبعة لبيــان تــواتر قراءاتهم وشهرتها بين أهل بلدانهم . أولا . الإمام نافع (ت 061هـ): هــو نــافع بــن عبــد الــرحمن بــن أبي نعــيم الليثــي بــالولاء المــدني، أبــو رويم، أصــله مــن أصــبهان. اشــتهر في المدينــة وانتهــت إليــه رياســة القــراءة فيهــا، وقــد أقــرأ نــافع النــاس دهــراً طويلاً نيفاً عن سبعين سنة، أخذ القراءة عرضاً عن مياعة من تابعي أهل المدينـة، ومـن أشهرهم عبد الرحمن بن هرمز الأعرج وأبو جعفر القار وشيبة بن نصاح . وقـــال الإمـــام نـــافع عـــن نفســـه: (قـــرأت علـــى هـــؤلاء فنظـــرت إلى مـــا اجتمـــع عــــــليه اثنــان مــنهم فأخذتــه، ومــا شــذّ فيــه واحــد تركتــه حــتى ألفــت هــذه القــراءة ), وقــال أبــو قــرة موســى بــن طــارق : (سمعتــه يقــول: قــرأت علــى ســبعين مــن التــابعين), وقــال أبـــــــــو عبيــد: (وإلى نــافع صــارت قــراءة أهــل المدينــة وبِّــا تمسّــكوا إلى اليــوم). وقــال ابــن مجاهــد: (وكــان الإمـــام الـــذي قـــام بـــالقراءة بعـــد التـــابعين بمدينـــة رســـول الله  نـــافع، وكـــان عالمـــاً بوجـــوه القـــراءات متّ بعـــاً لآثـــار الأئمـــة الماضـــين ببلـــده)، وقـــال عبـــد الله بـــن أحمــــــــــد بـــن حنبـــــــــــــل: (1 ) ينظر منجد المقرئين (ص:9).

عدد الصفحات ٤٥

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 42 (ســـألت أبي: أيّ القـــراءة أحـــب إليـــك؟ قـــال: قـــراءة أهـــل المدينـــة، فـــإن لم يكـــن فقـــراءة عاصـم), وقيــل لمالـك لمــا سُــئل عـن البســملة: "ســلوا نافعـاً . فكــل علــم يُسـأل عنــه أهلــه. ونافـع إمام الناس في القراءة "(1). ولأنّ الإمام نافع كان من الموالي، عابه المازني بقوله: (إنّ نافعاً لم يـدر مـا العربيـة ) (2). والإمام نافع الذي قرأ على سبعين من التـابعين, وأخـذ مـن وجـوه القـراءات أقواهـا، وكــــــان رحمــــــه الله يُقــــــر النــــــاس بــــــالقراءات كلهــــــا. كمــــــا قــــــال أبــــــو دِح يــــــة المُعَل ــــــى بــــــن دِحيـــة(ت٥هــــ): فجئتـــه بكتــــاب الليـــث بـــن ســـعد، رحمــــه الله. لأقـــرأ عليـــه، فوجدتــــه يقر النـاس بجميـع القـراءات ، فقلـت: يـا أبـا رويم أتقـر النـاس بجميـع القـراءات؟ فقـال: سـبحان الله العظــيم، أأحــرم نفســي ثـواب القــرآن؟ أنــا اقــر النـاس بجميــع القــراءات حــتى إذا جاء من يطلب حرفي أقرأته به(3) . وقــد هيــأ لــه ذلــك الجمــع مــا بــين لهجــات العــرب في قراءتــه ، فجمــع مــثلاً مــا بـــين لهجـــة الحجـــاز القائمـــة علـــى التســـهيل في الهمـــز وهـــي لغـــة قـــريش فينفـــرد بـــترك الهمـــز في مثـــل: (الصـــابين, والصـــابون)(4), ولهجـــة أهـــل نجـــد كتمـــيم القائمـــة علـــى تحقيـــق الهمـــز، فنجـده يهمـز في مثـل (النـبيء، والنبـوءة)، وقـال الأعشـى: "كـان نـافع يسـهل القـراءة لمـن قــــرأ عليــــه، إلاّ أن يقــــول لــــه إنســــان: أريــــد قراءتــــك فيأخــــذه بــــالنبر في مواضــــعه، وإتمــــام الميمـــات، وكــــانوا يقولــــون: قــــراءة نــــافع بــــز القــــراءة "(1), وقــــول الأعشــــى هــــــــــــــــــذا يوضـــــــــح ســـبب اخـــتلاف روايـــة ور عـــن روايـــة قـــالون، فكـــأنّ المـــازنيّ أعـــاب نافعـــاً في موطــــــــــــــــن (1) لطائف الإشارات (1/94). (2 )ينظر صبح الاعشى للقلقشندي (1/٧). (3 )ينظر : تاريخ الإسلام (1/٥٥). (4 )قال الشاطبي رحمة الله: (وَفي الص ابِئِينَ اله َم زُ وَالص ابِئُونَ خُذ ) . (1 )ينظر ميال القراء (ص: 132.)

عدد الصفحات ٤٦

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 43 قوّته فرَد قوله على نفسه. تـوفي رحمَـه الله، سـنة سـبع وَسِـت ينَ وَمِائَـة (1). روَى القـراءة عنـه عرضاً وسماعاً خلق كثيرون من أشهر هم قالون عيسى بن مينا وور . قالون: هو عيسى بن مينا المدني النّ حوي، الملقّ ب بقالون. وهو بالروميـة "جيـد". قيـل إنـه ربيــب نــافع، لقّ بــه نــافع بقــالون لجــودة قراءتــه . قــرأ علــى نــافع ســنة ٥هـــ، واخــتص بــه كثــيراً . وكــان إمــام المدينــة ونحويهــا. قــال: "قــرأت علــى نــافع قراءتــه غــير مــر ة، وكتبتهــا في كتابي". أخذ القراءة عرضاً عن نافع: قراءة نافع، وقراءة أبي جعفـر. وعـرض أيضـاً علـى عيسى بن وردان ، كان قالون شديد الصـمم، فكـان ينظـر إلى شـفتي القـار ، فـيردّ عليـه اللحن والخطأ, توفي سنة ٥ه(2). ورش : هـو عثمــان بـن ســعيد المصـري القــيرواني، لقّ بـه نــافع بــ"ور ". شــيخ الإقـراء بالــديار المصــرية ، ثم رحــل إلى المدينــة ليقــرأ علــى نــافع، وجــو دَ ختمــات متعــدّ دة عليــه، يقــال إنهــا أربـــع ختمـــات في شـــهر واحـــد . ورجـــع إلى مصـــر وانتهـــت إليـــه رئاســـة الإقـــراء بِّـــا، فلـــم ينازعـــه فيهـــا منـــازع . مـــع براعتـــه في العربيـــة ومعرفتـــه في التجويـــد. وكـــان حســـن الصـــوت، قـــال يـــونس بـــن عبـــد الأعلـــى: "كـــان ور جيـــد القـــراءة حســـن الصـــوت. إذا قـــرأ يهمـــز ويمــد ويشــدد ويبــين الإعــراب . لا يمــل ســامعه» أي أنــه أخــذ بمرتبــة التحقيــق في القــراءة ؛ وهــــو أســــلوب الأداء المتــــأني الــــذي يعطــــي لكــــل حــــرف حقــــه ومســــتحقه، كمــــا يعطــــي للحركــات مقــادير متناســبة، وللمــدّ ات الناشــئة عنهــا مثــل ذلــك, مَــاتَ : بمِِص ــرَ ، فيِ سَــنَةِ ٧ه (3). (1 )ينظر معرفة القراء الكبار (ص: 4,) الأعم للزركلي (٨/1). (2 ) ينظر معرفة القراء الكبار (ص: 93)، سير أعلام النبلاء (٥/٦) . (3 )ينظر سير أعلام النبلاء (9/٦).

عدد الصفحات ٤٧

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 44 ثانيااالإمام ابن كثير : هــو عبــد الله بـــن كثــير بـــنِ عَم ــرِو بـــنِ عَب ــدِ اللهِ الكِنَـــانيِ اب ــنِ زَاذَانَ بـــنِ فـَيـ ــرُو زَانَ بـــنِ هُر مُـزَ المك ــي, فارسـيّ الأصــل . كــان إمـام النــاس بمكـة، لم ينازعــه فيهــا منـازع ، نقــل عنــه أبــو عمــرو بــن العــلاء وســفيان بــن عيينــة(ت٨) وابــن جــريج (ت٥) وخلــق كثـــير مـن الأئمـة، كـان فصـيحاً بليغـاً مـع أنـه مـولى. قـال جريـر بـن حـازم: "رأيـت عبـد الله بــن كثير، فرأيت رجلاً فصيحاً بالقرآن ". وقيل إنّ ابن كثير كـان أعلـم بالعربيـة مـن مجاهـد، قــال الأصـــمعي: قلـــت لأبي عمـــرو بـــن العـــلاء: "قــرأت علـــى ابـــن كثـــير؟". قـــال: "نعـــم. ختمت على ابن كثير، بعدما ختمت على مجاهد"(1). وقـــد كانـــت إمامـــة ابـــن كثـــير للنـــاس في القـــراءة بمكـــة، مـــن أعظـــم الـــدلائل علـــى تواترهـــا, فمكـــة المكرمـــة يقصـــدها علمـــاءُ المســـلمين كلهـــم للحـــج والعمـــرة ، فـــــــلو أخطــــــــأ ابـــن كثـــير في حـــر ف واحـــد؛ لأنكـــروا ذلـــك واشـــتهر إنكـــارهم . ولكنهـــــــــم قـــد أميعــــــــــــوا علــى إمامتــه وصــحّ ة قراءتــه ، مــع قــرب العهــد للصــحابة آنــذاك، علمنــا يقينــاً بتــواتر تلــك القــــراءة . تــــوفي ابــــن كثــــير في مكــــة ســــنة ٥ هـــــ(2), وأشــــهر مــــن روى قــــــــــراءته البــــــــــزي وقنبل . البزي: أبو الحسن أحمـد بـن محمـد بـن عبـد الله بـن القاسـم بـن نـافع بـن أبي بـزة ، الفارسـيّ الأصـــل, مقـــر مكـــة ومـــؤذ ن المســـجد الحـــرام . انتهـــت إليـــه مشـــيخة الإقـــراء بمكـــة. وهـــو ثبت في القراءة ، كَانَ دَي ناً ، عَالِماً ، صَاحِبَ سُن ة ، عرّفـه ابـن الأثـير(ت٥) في اللبـاب بصاحب قراءة ابن كثير, وهو أكبر رواة ابن كثير, مات سنة ٥هـ (3). (1 )ينظر ميال القراء (ص:133). (2 )ينظر سير أعلام النبلاء (1/٨)، معرفة القراء الكبار (ص:49). (3 )ينظر سير أعلام النبلاء (12/11).

عدد الصفحات ٤٨

مطاعنًاللغويينًوالنحويينًفيًالقراءاتًالسبعً 45 قنبل: هـــو محمـــد بـــن عبـــد الـــرحمن بـــن خالـــد بـــن محمـــد بـــن ســـعيد بـــن جرجـــة أبـــو عمـــر المخزومـــي مـــولاهم ، الملقّـــب بقنبـــل . وكـــان إمامـــاً في القـــراءة متقنـــاً ضـــابطاً . انتهـــت إليـــه مشـــيخة الإقـــراء بالحجـــاز، ورحـــل النـــاس إليـــه مـــن الأقطـــار. وكـــان مـــن أجـــلّ رو اة ابـــــــــــن كثـــير وأوثقهـــم وأعـــدلهم. وقُـــد مَ البـــزي عليـــه؛ لأنـــه أعلـــى ســـنداً منـــه، إذ هــــــــو مــــــــــــذكور فــيمن تلقّـــى عــنهم قنبـــل، وكـــان علــى الشـــرطة بمكــة؛ لأنـــه كـــان لا يليهــا إلاّ رجــــــــل مـــن أهـــل الفضـــل والخـــير والصــــلاح ليكـــون لمـــا يأتيـــه مــــن الحـــدود والأحكـــام علـــى صــــواب, فولّ وها لقنبل لعلمه وفضله عندهم، مات سنة 291هـ(1). ثالثاا . الإمامأبو عمرو بن الع ء : هو أبو عمرو زبان بـن العـلاء بـن عمـار التميمـي المـازني المقـر النّ حـــوي البصـري ، أحـــــد القـــــرّ اء الســـــبعة، وهـــــو عـــــربي النّ ســـــب. وكـــــان إمـــــام النّ حـــــو في عصـــــره . بَ ـــــــــــر زَ فــــــــِ ي الحُــــرُو فِ ، وَفيِ الن حـــــوِ ، وَتَصَـــــد رَ لِلإِفَـــــادَةِ مُــــد ةً ، وَاشـــــتُهِرَ بِالفَصَـــــاحَةِ ، وَالص ـــــد قِ ، وَسَـــــعَةِ العِل ــــمِ ، وُ لــــد أبــــو عمــــرو بمكــــة ونشــــأ بالبصــــرة ومــــات بالكوفــــة، وكــــــــــــان مــــن أشـــــــــــــــراف العــرب ، توجّـــه مـــع أبيـــه لمـــا هـــرب مـــن الحجــاج، فقـــرأ بمكـــة والمدينـــة. وقـــرأ أيضـــاً بالكوفـــة والبصـــرة علــــى مياعـــة كثــــيرة. فلـــيس في القــــرّ اء الســــبعة أكثـــر شــــيوخاً منـــه. وكــــــــــــان أبـــــــو عمرو أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب ، والشعر وأيام الناس. قال الأصمعي(ت٧): (سمعت أبـا عمـرو يقـول: كنـت رأسـا والحسـن البصـري حــــي) . وقــــال اليزيــــدي : (كــــان أبــــو عمــــرو قــــد عــــرف القــــراءات ، فقــــرأ مــــن كــــل قــــراءة بأحسنها، وبما يختار العرب وممـا بلغـه مـن لغـة النـبي -، وجـاء تصـديقه في كتـاب الله -). وقـــال الإمـــام أحمـــد بـــن حنبـــل: (قـــراءة أبي عمـــرو أحـــب القـــراءات إليّ )، مـــات سنة 141هـ،قال أبو عمرو الأسـدي: لمـا أتـى نعـي أبي عمـرو أتيـت أولاده فعـزّ يتهم عنـه (1 )ينظر غاية النهاية في طبقات القراء (2/٦٦).

عدد الصفحات ٤٩