1
عدد الصفحات ١2 تقريب أسباب النزول القرآني للإمام ا لواحدي بحليل محمد البوكانوني
عدد الصفحات ٢3 بــسـم الل الرحــمـــن الرحيـم إن الحمد لل، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالل من شرور أنفسنا، من يهد الل فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وَاشْهَدْ أَنْ لَ إِلَهَ إِلَ اللَُ وَحْدَهُ لَ شرَِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَ مَُُمَدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا أَيههَا الَذِينَ آمَنُوا اتَقُوا اللََ حَقَ تُقاتِهِ وَل تََُوتُنَ إِلَ وَأَ نْتُمْ مُسْلِمُونَ [ عمران 3: 102 ]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاس اتَّق وا رَبَّك م الَّذِي خَلَقَك م مِن نَف س واحِ دَة وَخَلَقَ مِن ها زَو جَها وَبَثَّ مِن ه ما رِجالً كَثِيرً ا وَنِساءً وَاتَّق وا اللََّّ الَّذِي تَسائَل ونَ بِهِ وَالْ َر حامَ إِنَّ اللََّّ كانَ عَلَي ك م رَقِيبً ا ﴾ [: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَن وا اتَّق وا اللََّّ وَق ول وا قَو لً سَدِيدً ا () ي ص لِح لَك م أَع مالَك م وَيَغ فِر لَك م ذ ن وبَ ك م وَمَن ي طِعِ اللََّّ وَرَس ولَه فَقَد فازَ فَو زً ا عَظِيمً ا ﴾ [: 70- 71] . أما بعد، فإن علم أسباب النزول يعتبر من أهم علوم القرآن الكريم وأجلها قدرا ، ول يمكن لأحد من ال عل ماء أن يفسر الذكر الحكيم ول أن يفهمه حق الفهم إل بمعرفة هذا العلم. وقد نص العلماء على ذلك، فهذا الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الل تعالى يقول: (بيان سبب النزول طريق قوي ف فهم معان القرآن. اهـ. وقَالَ الشَيْخُ أَبُو الْفَتْحَ الْقُشَيِْْيه : (بَيَانُ سَبَ بِ النهزُولِ طَرِيق قَ وِي فِ فَهْمِ مَعَانِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَمْر تَََصَلَ لِلصَحَابَةِ بِقَرَائِنَ تََْتَفه بِالْقَضَايَا). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رُجع إلى سبب يمينه، وما هيجها وأثارها). اهـ. و قد أفرد العلماء هذا الفن بالتأليف، ولعل من أوائل من صنف فيه: الإمام "علي بن المديني " شيخ البخاري، ثم "الواحدي"، ف كتابه "أسباب النزول"، ثم "الجعبري"، الذي اختص كتاب "الواحدي" بحذف أسانيده ولم يزد عليه شيئًا، ثم شيخ الإسلام
عدد الصفحات ٣4 "ابن حجر"، الذي ألَف كتابًا ف أسباب النزول أطلع السيوطي على جزء من مسودته ولم يتيسر له الوقوف عليه كاملاً، ثم "السيوطي "، الذي قال عن نفسه: "وقد ألَفت فيه كتابًا حافلاً موجزًا مُررًا لم يُؤلَف مثله ف هذا النوع، سميته "لُباب المنقول ف أسباب النزول".1 وقد ألف عدد من المشايخ ف هذا العص مؤلفات جليلة ف هذا العلم فأبرزهم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الل تعالى حيث كتب مؤلفا قيما ف بابه سماه الصحيح المسند من أسباب النزول وقد لخصت هذا الكتاب ف رسالة صغيْة سميتها إبهاج العقول بصحيح أسباب النزول. وألف الشيخ خالد عبد الرحمن العك كتابا سماه تسهيل الوصول إلى معرفة أسباب النزول جمع فيه مؤلفه روايات سبب النزول من تفاسيْ عديدة.وكذلك قام الشيخان سليم هلالي ومُمد موسى آل نص بتأليف كتاب الستيعاب ف بيان الأسباب حاول جمع كل الروايات الواردة ف سبب النزول وكتب الشيخ خالد المزيني كتابا نفيسا ف هذا الفن سماه المحرر ف أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة..إلى غيْ ذلك من المؤلفات. وهذا الكتاب الذي بين يديك هو مختص لكتاب الواحدي، أردت تهذيبه لطال ب العلم وتسهيله، وإن كان ل يغني عن الكتاب الأصل إل أنه يفيد الطالب ف معرفة أهم الأسباب وأقربها للصواب مع تخريج مختص وإيجاز معتبر. وقد قسمت هذا الكتاب إلى خمسة فصول: الفصل الأول: مقدمة ف أسباب النزول القرآن. الفصل ال ثان: التعريف بالإمام الواحدي. الفصل ال ثالث: التعريف بكتاب أسباب النزول القرآن للواحدي. الفصل ال رابع: كتاب تقريب أسباب النزول القرآن. 1 أنظر كتاب: مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان ص 71، 72 مكتبة وهبة
عدد الصفحات ٤5 الفصل الخامس: خاتَة. أسأل الل أن يجعله خالصً ا لوجهه الكريم وأن ينفع به المسلمين إنه جواد كريم وصلى الل وسلم على سيدنا مُمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لل رب العالمين. كتبه العبد الفقيْ إلى ربه وموله بحليل مُمد بن مُمد بن عبد الل البوكانون التلمسان المالكي. رب يسر وأعن
عدد الصفحات ٥6 الفصل الأول : مقد مة في أسباب النزول القرآن و تشتمل هذه المقدمة على أربعة مسائل: المسأل ة الأولى: ف تعريف أسباب النزول لغة وإصطلاحا: المسألة ال ثانية: فوائد معرفة هذا العلم : المسألة الأولى: قواعد متعلقة بعلم أسباب النزول القرآن: المسألة الأولى: ف صيغ أسباب النزول:
عدد الصفحات ٦7 اسألة الأولى: في تعريف أسباب النزول لغة وإصطلاح ا يتكون مصطلح أسباب النزول من كلمتين مفردتين هما: أسباب والنزول. أما كلمة أسباب فجمع سبب، وهذا اللفظ ف اللغة له معان عدة حيث ورد ف لسان العرب: « والسَبَبُ : كله شيء يُتَوَصَلُ بِهِ إِلى غَيِْْهِ؛ وَفِ نُسخة : كله شيء يُتَوَسَل بِهِ إِلى شيء غيِْه، وَقَدْ تَسَبَبَ إِليه، والجمعُ أَسْباب ؛ وكله شيء يُتَوص لُ بِهِ إِلى الشيءِ، فَهُوَ سَبَب . وجَعَلْتُ فُلانً ا ليِ سَبَبً ا إِلى فُلان فِ حاجَتي وَوَدَجً ا أَي وُصْلة وذَريعَة. قَالَ الأَزهري: وتَسَبهبُ مالِ الفَيءِ أُخِذَ مِنْ هَ ذَا، لأَنَ المُسَبَبَ عَلَيْهِ المالُ ، جُعِلَ سَبَبً ا لوُصول المَْالِ إِلى مَن وَجَبَ لَهُ مِنْ أَهل الفَيءِ ، وَ قَوْلُهُ تَعَالىَ : وَتَقَطَعَتْ بهِِمُ الأَْسْبابُ ، قَالَ ابْنُ عَبَاس : المود ةُ. وَقَالَ مجاهد : تواصُلُهم فِ الدهنْيَا. وَقَالَ أَبو زَ يْد : الأَسبابُ المنازلُ، وَقِيلَ المود ةُ ؛ قَالَ الشَاعِرُ : وتقَطَعَتْ أَسبابهُا ورِمامُها : فِيهِ الْوَجْهَانِ مَعً ا. المَْوَدَةُ، والمنازِلُ. وَاللَُ، عَزَ وَجَلَ، مُسَبِّبُ الأَسْبابِ، وَمِنْهُ التَسْبِيبُ. والسَبَبُ : اعْتِلاقُ قَرابة، وأَسبابُ السَماَءِ : مَراقِيها؛ قَالَ زُهَيْْ : ومَن هابَ أَسبابَ المَنِيَةِ يَلْقَها ... وَلَوْ رَامَ أَسبابَ السماءِ بسُلَم والواحدُ سَبَب ؛ وَقِيلَ : أَسبابُ السماءِ نَوَاحِيهَا؛ قَالَ الأَعشى : لَئِنْ كنتَ فِ جُب ثمانينَ قَامَةً، ... ورُقِّيتَ أَسبابَ السماءِ بسُلَمِ لَيَسْتَدْرِجَنْكَ الأَمرُ حَتَى تهَُرَه، ... وتَعْلَمَ أَن لستُ عنكَ بمُحْرِمِ والمُحْرِمُ : الَذِي لَ يَسْتَبيح الدِّماءَ. وتهَُر ه : تَكْرَهه ، وَقَوْلُهُ عَزَ وَجَلَ : لَعَليِّ أَبْلُغُ الأَْسْبابَ أَسْبابَ السَماواتِ ، قَالَ : هِيَ أَبوابهُا ، وارْتَقَى فِ الأَسبابِ إِذا كَانَ فاضِل الدِّينِ ،
عدد الصفحات ٧8 والسِّبه : الحَبْلُ، فِ لُغَةِ هُذَيْل ؛ وَقِيلَ : السِّبه الوَتِد؛ وَقَوْلُ أَب ذُؤَيْب يَصِفُ مُشْتارَ العَسَل : تَدَلىَ عَلَيْهَا، بَينَْ سِب وخَيْطة ... بجَرْداءَ مثلِ الوَكْفِ، يَكْبُو غُ رابهُا قِيلَ : السِّبه الحَبْل، وقيل الوَتِ دُ، وسيأتي فِ الخَيْطة مثلُ هَذَا الِخْتِلاَفِ، وإِنما يَصِفُ مُشْتارَ العَسَل؛ أَراد: أَنه تَدَلىَ مِنْ رأْسِ جبل عَلىَ خلِيَةِ عَسَل ليَشْتارَها بحَبْل شدَه فِ وَتِد أَثْبَته فِ رأْس الجبَل، وَهُوَ الخَيْطة، وجمَْع السِّبِّ أَسباب . والسَبَبُ : الحَبْلُ كالسِّبِّ، وَالجَْمْعُ كَالجَْمْعِ، والسهبوبُ : الحِبال؛ قَالَ سَاعِدَةُ : صَبَ اللَهِيفُ لهََا السهبوبَ بطَغْية ،... تُنْبي العُقابَ، كَماَ يُلَطه المِجْنَبُ وَقَوْلُهُ عَزَ وَجَلَ : مَنْ كانَ يَ ظُنه أَنْ لَنْ يَنْصَُهُ اللَُ فِ الده نْيا وَالآْخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِ سَبَب إِلىَ السَماءِ. مَعْنَاهُ : مَنْ كَانَ يَظُن أَن لَنْ يَنْصَُ اللُ، سُبْحَانَهُ، مَُُمَدًا، صَلىَ اللَُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ، حَتَى يُظْهِرَه عَلىَ الدِّينِ كلِّه، فلْيَمُتْ غَيظً ا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَ الىَ : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَب إِلىَ السَماءِ . والسَبَبُ : الحَبْل. والسماءُ : السَقْف؛ أَي فلْيَمْدُدْ حَبْلاً فِ سَقفِهِ، ثُمَ ليَقْطَعْ، أَي ليَمُدَ الحَبْل حَتَى ينْقَطِع، فيَموتَ مختَنِقً ا. وَقَالَ أَبو عُ بَيْدَةَ : السَببُ كله حَبْل حَدَرْتَه مِنْ فَوْقُ. وَقَالَ خالدُ بنُ جَنَبَة : السَبَب مِنَ الحِبال القويه الطويلُ. قَالَ : وَلَ يُدعى الحبلُ سَببً ا حَتَى يُصْعَد بِهِ، ويُنْحَدَرَ بِهِ. وَفِ الحَْدِيثِ : كله سبب ونَسَب يَنْقَطِعُ إِل سَبَبي ونَسَ بي . النَسَبُ بالولدةِ، والسَبَبُ بِالزَ وَاجِ، وَهُوَ مِنَ السَبَبِ ، وَهُوَ الحَبْل الَذِي يُتَوَصَل بِهِ إِلى الماءِ، ثُمَ اسْتُعِيْ لِكُلِّ مَا يُتوصَل بِهِ إِلى شيء ؛ كَ قَوْلِهِ تَعَالىَ : وَتَقَطَعَتْ بهِِمُ الأَْسْبابُ . أَي الوُصَل والمَوَدَ اتُ ، وَفِ حَدِيثِ عُقْبَة رَضَِ اللَُ عَ نْهُ : وإِن كَانَ رزْقُه فِ الأَسباب، أَي فِ طُرُقِ السماءِ وأَبوابها، وَفِ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِك رَضَِ اللَُ عَنْهُ : أَنه رأَى فِ المنامِ كأَنَ سَببً ا دُليَِّ مِنَ السماءِ .أَي حَبْلاً. وَقِيلَ : لَ يُسَمَى الحبلُ سَبَبًا حَتَى يكونَ طَرَفُه مُعَلَقً ا بالسَقْفِ أَو نحوِه ، والسببُ ، مِنْ مُقَطَعات الشِّعْرِ : حَرْف مُتَحَرِّك وحرف
عدد الصفحات ٨9 ساكن ، وَهُوَ عَلىَ ضََْبَينْ : سَبَبانِ مَقرونانِ، وسَببانِ مَفْروقان؛ فالمقْرونانِ مَا توالَتْ فِيهِ ثلاثُ حَرَكات بعدَها ساكِن ، نَحْوَ مُتَفَا مِنْ مُتَفاعِلُ نْ، وعَلَتُنْ مِنْ مُفاعَلَتُن، فَحَرَكَةُ التَاءِ مِنْ مُتَفا، قَدْ قَرَنَت السَبَبَين ، وَكَذَلِكَ حركةُ اللامِ مِنْ عَلَتُنْ، قَدْ قَرَنَتِ السَبَبَينِْ أَيضً ا؛ والمَفْرُوقان همَُا اللذانِ يقومُ كله واحد مِنْهُماَ بنفسِه أَي يكونُ حرف متحرك وحرف ساكن ، ويَتْلُوه حرف مُتَحَرِّك ، نَحْوَ مُسْتَفْ، مِنْ مُسْتَفْعِلُنْ؛ وَنَحْوَ عِيلُنْ، مِن مَفاعِيلُنْ، وَهَذِهِ الأَسبابُ هِيَ الَتِي يَقَع فِيهَا الزِّحافُ عَلىَ مَا قَدْ أَحْكَمَته صِناعةُ العَروض، وَذَ لِكَ لأَن الجُزْءَ غيُْ مُعْتَمِد عَلَيْهَا؛ وَقَوْلُهُ : جَبَتْ نِساءَ العالمَِينَ بِالسَبَبْ : يجَُوزُ أَن يكونَ الحَبْلَ، وأَن يكونَ الخَيْطَ؛ قَالَ ابنُ دُرَيْد : هَذِهِ امرأَة قَدَرَتْ عَجِيزَتهَا بخَيْط ، وَهُوَ السَبَبُ ، ثُمَ أَلْقَتْه إِلى النساءِ لِيَفْعَلْنَ كَماَ فَعَلَتْ، فَغَلَبَتْهُ ن . وقَطَعَ اللَُ بِهِ السببَ أَي الحَياة» هـ1 . و أما كلمة نزول فيقول اللغوي أحمد ابن فارس ف مقاييس اللغة عن مادة نزل «النهونُ وَالزَاءُ وَاللاَمُ كَلِمَة صَحِيحَة تَدُله عَلىَ هُبُوطِ شيَْء وَوُقُوعِ هِ. وَنَزَلَ عَنْ دَابَتِهِ نُزُولً . وَنَزَ لَ المَْطَرُ مِنَ السَماَءِ نُزُولً. وَالنَازِلَةُ : الشَدِيدَةُ مِنْ شَدَائِدِ الدَهْرِ تَنْزِلُ. وَالنِّزَالُ فِ الحَْرْبِ : أَنْ يَتَنَازَلَ الْفَرِيقَانِ. وَنَزَالِ : كَلِمَة تُوضَعُ مَوْضِعَ انْزِلْ. وَ مَكَان نَزِل : يُنْزَلُ فِيهِ كَثِيًْا. وَوَ جَدْ تُ الْقَوْمَ عَلىَ نَزَلَتهِِمْ، أَيْ مَنَازِلهِِمْ. قَالَهُ ا بْنُ الأَْعْرَابِِّ. وَالنهزْ لُ : مَا يهَُيَأُ لِلنَزِيلِ. وَطَعَام ذُو نُزْل وَنَزَل ، أَيْ ذُو فَضْل . وَيُعَبرُِّونَ عَنِ الحَْجِّ بِالنهزُولِ . وَنَزَلَ، إِذَا حَجَ. قَالَ : أَنَازِلَة أَسْماَءُ أَمْ غَيُْْ نَازِلَهْ . .. أَبِينِي لَنَا يَا أَسْمَ مَا أَنْتِ فَاعِلَهْ وَقَالَ : وَلمََا نَزَلْنَا قَرَتِ الْعَينُْ وَانْتَهَتْ ... أَمَانِه كَانَتْ قَبْلُ فِ الدَهْرِ تُسْأَلُ 1 ابن منظور، لسان العرب، ج1، ص 457و458، دار صادر بيْوت، الطبعة الثالثة.
عدد الصفحات ٩10 قَالَ: نَ زَلْنَا : أَتَيْنَا مِنًى. وَالنهزَالَةُ : مَاءُ الرَجُلِ. وَالنَزِيلُ : الضَيْفُ. قَالَ : نَزِيلُ الْقَوْمِ أَعْظَمُهُمْ حُقُوقَا ... وَحَقُ اللَِ فِ حَقِ النَزِيلِ وَالتَنْزِيلُ : تَرْتِيبُ الشيَْءِ وَوَضْعُهُ مَنْزِلَهُ »ه1. وبالنسبة لعلم الأسباب كلقب أو فن مستقل يمكن تعريفه بأنه ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال".ومن الإفراط ف علم سبب النزول أن نتوسع فيه، ونجعل منه ما هو من قبيل الإخبار عن الأحوال الماضية، والوقائع الغابرة قال السيوطي : « والذي يتحرر ف سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام و قوعه ليخرج ما ذكره الواحدي ف سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة فإن ذلك ليس من أسباب النزول ف شئ بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك وكذلك ذكره ف قوله (واتخذ الل إبراهيم خليلا سبب اتخاذه خليلا) فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما ل يخفى » ه2 1 ابن فارس، معجم مقاييس اللغة،ج5ص417،طبعة دار الفكر، تَقيق عبد السلام هارون 2 جلال الدين السيوطي، لباب النقول ف أسباب النزول ص 4،دار الكتب العلمية بيْوت
عدد الصفحات ١٠11 اسألة الثانية: فوائد معرفة هذا العلم من نفيس الكلام الذي سطره الإمام الهمام جلال الدين السيوطي رحمه الل تعالى وأفاد به ما قاله ف كتابه لباب النقول ف أسباب النزول: « لمعرفة أسباب النزول فوائد وأخطأ من قال ل فائدة له لجريانه مجرى التاريخ، ومن فوائده: الوقوف على المعنى أو إزالة الأشكال.قال الواحدي: ل يمكن معرفة تفسيْ الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها.وقال ا بن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي ف فهم معان القرآن. وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. وقد أشكل على جماعة من السلف معان آيات حتى وقفوا على أسباب نزولها فزال عنهم الإشكال وقد بسطت أمثلة ذلك ف النوع التاسع من كتاب الإتقان ف علوم القرآن، وذكرت له فوائد أخرى من مباحث وتَقيقات ل يحتملها هذا الكتاب. قال الواحدي: ول يحل ال قول ف أسباب نزول الكتاب إل بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها. وقد قال مُمد بن سيْين: سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال: اتق الل وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن .وقال غيْه: معرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تَتف بالقضايا. وربما لم يجزم بعضهم فقال: أحسب هذه الآية نزلت ف كذا كما قال الزبيْ ف قوله تعالى فلا وربك ل يؤمنون الآية»ه.1 ومن فوائد علم أسباب النزول مَعْرِفَةُ وَجْهِ الحِْكْمَةِ الْبَاعِثَةِ عَلىَ تَشِْْيعِ الحُْكْمِ. وَمِنْهَا : تخَْصِيصُ الحُْ كْمِ بِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَ الْعِبرَْةَ بِخُصُوصِ السَبَبِ. 1 جلال الدين السيوطي، لباب النقول ف أسباب النزول ص3، 4،دار الكتب العلمية بيْوت
عدد الصفحات ١١12 وَمِنْهَا : أَنَ اللَفْظَ قَدْ يَكُونُ عَامًّا وَيَقُومُ الدَلِيلُ عَلىَ تخصصه فَإِذَا عُرِفَ السَبَبُ قَصَُ التَخْصِيصُ عَلىَ مَا عَدَا صُورَتَهُ فَإِنَ دُخُولَ صُورَةِ السَبَبِ قَ طْ عِي وَإِخْرَاجُهَا بِالَجْتِهَادِ ممَْنُوع . وَمِنْهَا : الْوُقُوفُ عَلىَ المَْعْنَى وَإِزَالَةُ الإِْشْ كَالِ قَالَ الْوَاحِدِيه : لَ يُمْكِنُ تَفْسِيُْ الآْيَةَ دُونَ الْوُقُوفِ عَلىَ قِصَتِهَا وَبَيَانِ نُزُولهَِا. وَمِنْهَا : دَفْعُ تَوَههمِ الحَْ صِْ كما ف آية الأنعام. وَمِنْهَا : مَعْرِفَةُ اسْمِ النَازِلِ فِيهِ الآْيَ ةُ وَتَعْيِينُ المُْبْهَمُ فِيهَا 2 2 أنظر كتاب: روائع البيان ف تلخيص التقان ف علوم القرآن ص 35،34
عدد الصفحات ١٢13 اسألة الثالثة: قواعد متعلقة بعلم أسباب النزول القرآن ذَ كَ رَ الشَ يخُ خَ الِ دُ السَ بت فِ كِ تَ ابِ ه قواعد التفسيْ: مجَْ مُ وعَ ة قَ واعِ د و ضَ وَ ابِ ط تَ تَ عَ لَ قُ بِ أَ سْ بَ ابِ النُزُ ول، تَ تَ لَ خَ صُ فِ يماَ يَ ليِ : ال قاعدة الأولى: القَ وْ لُ فِ اَ لأَ سْ بَ ابِ مَ وْ قُ وف عَ لىَ النَقْ لِ وَ السَ ماَ عِ . ال قاعدة الثانية: سَ بَ بُ النَزُ ولِ لَ هُ حُ كْ مُ الرَ فْ عِ . ال قاعدة الثالثة: نُ زُ ولُ القُ رْ آنِ تَ ارَ ةً يَ كُ ونُ مَ عَ تَ قْ رِ يرِ الحُ كْ مِ ، وَ تَ ارَ ةً يَ كُ ونُ قَ بْ لَ هُ ، وَ العَ كْ س. ال قاعدة الرابعة: اَ لأَْ صْ لُ عَ دَ مُ تِ كْ رَ ارُ النهزُ ولِ . ال قاعدة الخامسة: قَ دْ يَ كُ ونُ سَ بَ بُ النهزُ ولِ وَ احِ دًا وَ الآيَ اتِ النَازِ لَ ةِ مُ تَ فَ رِّ قَ ة، وَ العَ كْ س. ال قاعدة السادسة: إِ ذَ ا تَ عَ دَ دَ ت المَ رْ وِ يَ ات فِ سَ بَ بِ النهزُ ولِ ، نُظِ رَ إِ لى الثُ بوت، فاقتُص على الصحيح، ثم العبارة، فاقتُص على الصيح، فإن تقارب الزمان حمُل على الجميع، وإن تباعد حُكم بتكرار النزول أو الترجيح1 1 أنظر كتاب:قواعد التفسيْ للشيخ بن عثمان السبت من ص53 إاى75، دار ابن عفان
عدد الصفحات ١٣14 اسألة الرابعة: في صيغ أسباب النزول تنوعت عبارات القوم ف ال تعبيْ عن سبب النزول. فتارة يرد فيها التصيح بلفظ السبب فيقال: سبب نزول الآية كذا وهذه العبارة نص ف السببية ل تَتمل غيْها كما هو ظاهر من لفظها. وتارة ل يتم التصيح بلفظ السبب ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة وهذه العبارة تدل على السببية أيضا. ويمكن التمثيل ب رواية جابر الآتية قريبا. ومرة يسأل الرسول صلى الل عليه وسلم فيوحى إليه ويجيب بما نزل عليه ول يكون تعبيْ بلفظ سبب النزول ول تعبيْ بتلك الفاء ولكن السببية تفهم قطعا من المقام كرواية ابن مسعود الآتية عندما سئل النبي صلى الل عليه وسلم عن الروح. وحكم هذه أيضا حكم ما هو نص ف السببية. ومرة أخرى ل يصح بلفظ السبب ول يؤتى بتلك الفاء ول بذلك الجواب المبني على السؤال بل يقال: نزلت هذه الآية ف كذا مثلا. وهذه العبارة ليست نصا ف السببية بل تَتملها وتَتمل أمرا آخر هو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام. والقرائن وحدها هي التي تعين أحد هذين الحتمالين أو ترجحه. ومن هنا نعلم أنه إذا وردت عبارتان ف موضوع واحد إحداهما نص ف السببية لنزول آية أو آيات والثانية ليست نصا ف السببية لنزول تلك الآية أو الآيات هنالك نأخذ ف السببية بما هو نص ونحمل الأخرى على أنها بيان لمدلول الآية لأن النص أقوى ف الدللة من المحتمل. مثال ذلك: ما أخرجه مسلم عن جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها ف قبلها جاء الولد أحول فأنزل الل ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْث لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَى
عدد الصفحات ١٤15 شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَِنْفُسِكُمْ وَ اتَقُوا اللََ وَاعْلَمُوا أَنَكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِِّْ المُْؤْمِنِينَ ﴾ من سورة البقرة. وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: أنزلت ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْث لَكُمْ ﴾ ف إتيان النساء ف أدبارهن. فالمعول عليه ف بيان السبب هو رواية جابر الأولى لأنها صريحة ف الدلل ة على السبب. وأما رواية ابن عمر فتحمل على أنها بيان لحكم إتيان النساء ف أدبارهن وهو التحريم. استنباطا منه.1 وكختام لهذا المبحث أذكر تَام الكلام الذي قال ه الإمام السيوطي رحمه الل تعالى ف مستهل كتابه لباب النقول: «قال الحاكم ف علوم الحديث: إذا أخبر الصحاب الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت ف كذا فإنه حديث مسند ومشى على هذا أبن الصلاح وغيْه ومثلوه بما أخرجه مسلم عن جابر قال: كانت اليهود تقول من أتى امرأته من دبرها ف قبلها جاء الولد أحول فأنزل الل نساؤكم حرث لكم الآية، وقال ابن تيمية: قولهم نزلت الآية ف كذا يراد به تارة أنها سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل ف الآية وإن لم يكن السبب كما نقول: عني بهذه الآية كذا وقد تنازع العلماء ف قول الصحاب نزلت هذه الآية ف كذا هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسيْ منه الذي ليس بمسند فالبخاري يدخله ف المسند وغيْه ل يدخله فيه وأكثر المسانيد على هذا الصطلاح كمسند احمد وغيْه بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا ف المسند انتهى . وقال الزركشي ف البرهان: قد عرف من عادة ال صحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية ف كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم ل أن هذا كان 1 أنظر: مناهل العرفان للزرقان ج1ص115،مطبعة عيسى الباب،الطبعة الثالثة
عدد الصفحات ١٥16 السبب ف نزولها فهو من جنس الستدلل على الحكم بالآية ل من جنس النقل لما وقع ».ه 1 1 جلال الدين السيوطي، لباب النقول ف أسباب النزول ص 4،3 دار الكتب العلمية، بيْوت
عدد الصفحات ١٦