21 المبحث الثالث رحمة الشارع في إثبات الجريمة تعالى بعباده أن جعلهم بريئين من أية تهمة أو جريمة، الله من رحمة ما لم تثبت الدعوى بالبينة. فلا تثبت التهمة إلا بإحدى وسائل الإثبات المعتبرة شرعًا. ، فلا إلزام لأي إنسان بحق أو واجب (1(وقرر العلماء أن الأصل براءة الذمة ﮉ (تعالى: الله إلا بدليل. وقد شهد لهذا الأصل القرآن والسنة؛ قال ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ(تعالى: الله ، وقال]282البقرة[ )ﮊ ﮋ ﮌ لعمه أبي طالب بعد موته على الشرك، S. ولمَّا استغفر النبي]2الطلاق[ ) تعالى النهي عن ذلك الله وتابعه المؤمنون باستغفارهم لأقاربهم الكفار أنزل ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ (فقال: . وبيَّن ]113التوبة[ )ﭷﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ لهم أنهم غير مؤاخذين باستغفارهم قبل النهي عنه، فلم يُكلفوا إلا بعد ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ (تعالى: الله نزول الآية، قال . وأما السنة ]115التوبة[ )ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ : (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَ Sفقول الرسول .(2(وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، المستصفى للغزالي 150،61/3، الفروق للقرافي378/3 كشف الأسرار لعبدالعزيز البخاري (1( .1272/4، العدة لأبي يعلى159/1 .3228 رواه مسلم برقم (2(
عدد الصفحات ١٧22 ، -وهو حجة قاصرة(1(وتثبت الجريمة بإقرار المجرم عند الأئمة الأربعة ، وهذا (2(على المتلفظ به-؛ (لِقُصُورِ وِلاَيَةِ الْمُقِرِّ عَنْ غَيْرِهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ تعالى بعباده أنه لم يؤاخذ الإنسان بجريرة غيره، وإنما الله من رحمة . ]164الأنعام[ ) ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ (تعالى: الله بفعله، مصداقًا لقول تعالى بالعباد اشتراط عدالة الشهود، وقد ذهب الله وتتأكد رحمة إل (3(الأئمة الأرب . قال السيوطي: (الْفَاسِقُ لَيْسَ لَهُ وَازِعٌ اللهوالعصاة، الذين لا يتقون دِينِيٌّ، فَلاَ يُوثَقُ بِهِ فَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ فِي الشَّهَادَةِ ... لِحِفْظِ دِمَاءِ النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَبْضَاعِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ عَنْ الضَّيَاعِ، فَلَوْ قُبِلَ فِيهَا قَوْلُ الْفَسَقَةِ .(4(وَمَنْ لاَ يُوثَقُ بِهِ لَضَاعَتْ واشترط العلماء تزكية الشهود في الحدود والقصاص خاصة، وإذا طعن الخصم فيهم عامة؛ لتحقيق المقصد الشرعي من الشهادة، وتجنب .(5(شهادة الزور ولتحقيق المقصد الشرعي من الشهادة اشترط الفقهاء أن تكون عن بيِّنة وعلم، بعيدًا عن الظن. وأن يكون الشاهد معاينًا للمشهود به، وأن يتحمله ، قال النسفي: (6(بنفسه لا بغيره؛ لأن الشهادة معناها المعاينة والحضور . (7((الشَّهَادَةُ الإِْخْبَارُ بِمَا قَدْ شُوهِدَ أَيْ: مُشَاهَدَةُ عِيَانٍ أَوْ مُشَاهَدَةُ إيقَانٍ ، درر الحكام لعلي 319-317/8، فتح القدير للكمال بن الهمام 185/14 المبسوط للسرخسي (1( ، أسنى238/3، الأم للشافعي418-417/6، منح الجليل لعليش3/5، تبيين الحقائق81/4حيدر .603/6، الفروع لابن مفلح453/4، كشاف القناع للبهوتي287/2المطالب للأنصاري .321/8 فتح القدير للكمال بن الهمام (2( ، أسنى المطالب لأبي زكريا الأنصاري161/8، التاج والإكليل للمواق420/7 العناية للبابرتي (3( .611/6، مطالب أولي النهى للرحيباني339/4 وما بعدها386 الأشباه والنظائر للسيوطي ص (4( ،342/3، المهذب للشيرازي297/12، الذخيرة للقرافي104/20 انظر: المبسوط للسرخسي (5( .520/3شرح منتهى الإرادات للبهوتي .132 طلبة الطلبة للنسفي ص (6( .132 طلبة الطلبة للنسفي ص (7(
عدد الصفحات ١٨23 ولأن البينة اسم لما يُبين الحق ويظهره، فلو لم تستند الشهادة إلى علم تسمى بينة، لذلك تَوَجَّب على المدعي إقامة البينة. وقد ترجم البخاري في صحيحه فقال: (بَاب إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَنَحْوُهُ فَالْبَيِّنَةُ عَلَى : (الْبَيِّنَةُ عَلَى Sالْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ(. وقال الرسول تعالى أنه سيعطي الشفاعة الله . وأخبر(1(الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ لمن شهد له بالحق والوحدانية عن علم، وهم: عيسى وعزير والملائكة، فقال: ) ﯯﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ( . (قال الشافعي: ولا يسع شاهدًا أن يشهد إلا بما علم؛ والعلم ]86الزخرف[ من ثلاثة وجوه، منها: ما عاينه الشاهد فيشهد بالمعاينة، ومنها: ما سمعه فيشهد بما أثبت سمعًا من المشهود عليه، ومنها: ما تظاهرت به الأخبار مما لا يمكن في أكثره العيان، وثبتت معرفته في القلوب فيشهد عليه بهذا . وقال المرغيناني: (ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه (2(الوجه إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي فإنه يسعه أن يشهد .(3(بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به تعالى الذين يتبعون الظن، وهو ما لا يستند إلى دليل، أو الله وذمَّ يستند إلى الهوى، ونهانا عن اتباعه، وحذرنا منه، بأدلة كثيرة منها: قول ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ (تعالى: الله ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ (تعالى: الله ، وقول]36الإ[ )ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ) ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ (تعالى: الله ، وقول ]116الأنعام[ : (أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي 144-143/5 قال الزيلعي في نصب الراية (1( : (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى Sقَالَ رَسُولُ اللَّهِ الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ( انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَيْسٍ : (شَاهِدَاك، أَوْ يَمِينُهُ(، فِي " الصَّحِيحَيْنِ "(. .136/2 أحكام القرآن للشافعي (2( .388/7 الهداية للمرغيناني -مع شرحها العناية للبابرتي (3(
عدد الصفحات ١٩24 ﰍ ﰎ (تعالى: الله ، وقول]36يون[ )ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟﰠ ﰡ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ (تعالى: الله ، وقول ]32الجاثية[ )ﰣﰢ : S، وقال الرسول ]23النجم[ )ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ .(1((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ أما الحكم بالظن الغالب الذي يستند إلى دليل، فإنه مشروع، بل إن أكثر طرق الإثبات لا تفيد إلا ظنًا غالبًا، كشهادة الشهود فإنها لا تفيد على أن القاضي Sإلا غلبة الظن، لاحتمال كذِبهما. وقد نبَّه الرسول يحكم بالظن الغالب بقوله: (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ . (2(لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ تعالى بالجاني أن جعل الستر عليه في الحدود أولى الله ومن رحمة Sمن رفعها للسلطان (عَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَاعِزًا أَتَى النَّبِي فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَقَالَ لِهَزَّالٍ: لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ .(3(خَيْرًا لَكَ تعالى بالجاني أن جعل أمره موكولاً إليه إذا ستره إن الله ومن رحمة شاء عذبه، وإن شاء غفر له. (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ فِي رَهْطٍ فَقَالَ: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ تَسْرِقُوا Sاللَّهِ وَلاَ تَزْنُوا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلاَ تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ .4747 رواه البخاري برقم (1( .3231 رواه مسلم برقم (2( .3805 رواه أبو داود برقم (3(
عدد الصفحات ٢٠25 .(1(إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ قَ وحيث توجد الشبهة يُدرأ الحد، (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَهُ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ قَالَ: لاَ Sمَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِي . ويؤكد (2(يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: أَنِكْتَهَا -لاَ يَكْنِي- قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ هذا المعنى ما رواه (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَْسْلَمِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَإِنِّي Sأَتَى رَسُولَ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ:: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ:: أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ Sزَنَيْتُ فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلاَّ وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ . فإن السبب (3(وَلاَ بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ يرد ماعزًا، ويسأل عنه التأكد من عدم وجود Sالذي جعل الرسول شُبهة تنفي استيفاء الحد. و(قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لأَنْ أُعَطِّلُ الْحُدُودَ .(4(بِالشُّبُهَاتِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا فِي الشُّبُهَاتِ .6914 رواه البخاري برقم (1( .6324 رواه البخاري برقم (2( .3208 رواه مسلم برقم (3( : (وكذا أخرجه ابن74/1، قال السخاوي في المقاصد الحسنة566/9 المصنف لابن أبي شيبة (4( -بسند ضعيف- أنه لمحزم في الإيصال له بسند صحيح(. ومثل هذا المعنى رُوي عن عمر قال: S عن عائشة أنَّ الرسول 1344يَقطع يد السارق في عام المجاعة. وروى الترمذي برقم (ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإِْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ(، وهو ضعيف، قال الترمذي: (حَدِيثُ عَائِشَةَ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَرِوَايَةُ وَكِيعٍ أَصَحُّ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ Sعَائِشَةَ عَنْ النَّبِي أَنَّهُمْ قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ ضَعِيفٌ Sهَذَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي فِي الْحَدِيثِ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْكُوفِيُّ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا وَأَقْدَمُ(.
عدد الصفحات ٢١26 المبحث الرابع رحمة الشارع في تشريع العقوبة وتنفيذها تعالى: الله جعل الشارع العقوبة على الجاني، فلا تنال غيره، قال ، وقال ]164الأنعام[ ) ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ( ) ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ (تعالى: الله ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ (تعالى: الله ، وقال]39-38النجم[ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ .]15ف[ )ﮥﮣ ﮤ والمقصِدُ من تشريع العقوبات في الإس لخالقهم بتطبيق شرعه، وإصلاح حالهم لتتحقق لهم السعادة في الدنيا، والفوز في الآخ الناس، والتنكيل بهم. والمتأمل في تشريع العقوبات في الإسلام؛ سواء أكانت ح قصاصًا، أم تعزيرًا، يلاحظ أنها تحقق عدة مقاصد، أظهرها الردع ، وهذا راجع إلى تحقيق مقصد (1(الخاص، وسماه ابن عاشور التأديب تشريع العقوبة، وهو إصلاح الفرد، فإن تفكير الجاني بما يمكن أن يقع ، حيث ذكر ثلاثة مقاصد 518-516 مقاصد الشريعة الإسلامية، للطاهر بن عاشور ص (1( لتشريع العقوبات: تأديب الجاني، وإرضاء المجني عليه، وزجر المقتدي. وانظر: التشريع الجنائي .610/1الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، لعبدالقادر عودة
عدد الصفحات ٢٢27 عليه من عقوبة لو ارتكب الجريمة، يجعله يرتدع عنها. ويشهد لهذا ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ (تعالى: الله المقصد قول تعالى قطع الله ، فجعل]38المائدة[ )ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ يد السارق نكالاً، أي: عقوبة منه تعالى واقعة على السارق بسبب سرقته. وللسارق أن يتصور كيف يكون حاله ويده تُقطع مع ما يصاحب ذلك من ألم بدني ونفسي، وله أن يتصور بقاءه طول عمره مقطوع اليد. فهذه يده بقطعها، فكانت العقوبة الله التي اعتدى بها على أموال الناس، عاقبه تعالى جلد الزانية والزاني عذابًا، في قوله: الله من جنس الدافع. وجعل ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ( . وعبر ]2النور[ )ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ عن هذا المقصد الكمال بن الهُمام فقال: (إنَّهَا -أي الحدود- مَوَانِعُ قَبْلَ الْفِعْلِ زَوَاجِرُ بَعْدَهُ: أَي:ْ الْعِلْمُ بِشَرْعِيَّتِهَا يَمْنَعُ الإِْقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ وَإِيقَاعُهَا .(1(بَعْدَهُ يَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَيْهِ والتأديب في الحدود أشد من التأديب في غيرها؛ لأن جرائمها أفظع وأغلظ من الجرائم التي تقتضي القصاص، أو التعزير، فجرائم الحدود . لذا لا يصح للحاكم إسقاط (2(تعالى الله -في جلها- اعتداء على حقوق ا .212/5 فتح القدير للكمال بن الهمام (1( ، إعلام الموقعين لابن203/10، المغني لابن قدامة134/4 كشف الأسرار لعبدالعزيز البخاري (2( . حق الله: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْعُ الْعَامُّ لِلْعَالَمِ فَلاَ يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدٌ ولاَ مَدْخَلَ لِلصُّلْحِ فِيهِ 85/1القيم أو التنازل عنه. وَيُنْسَبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا، لأَِنَّهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، أَوْ لِئَلاَّ يَخْتَصَّ لِتَشْرِيفِ مَا عَظُمَ خَطَرُهُ وَقَوِيَ نَفْعُهُ وَشَاعَ فَضْلُهُ بِأَنْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ، فالإِْضَافَةُ إلَيْهِ يَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ كَافَّةً. كَالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ الزَّكَاةِ، أَوْ الْكَفَّارَةِ، ويلحق بذلك ما قاله (مَا كَانَ حَقًّا لآِدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ 203/10ابن قدامة في المغني أَوْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ سِقَايَةٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ، أَوْ الْوَصِيَّةِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ(، وما (وَكَذَلِكَ مَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ، كَتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِالطَّلاَقِ، أَوْ الظِّهَارِ، أَوْ 203/10قاله إعْتَاقِ الرَّقِيقِ، تَجُوزُ الْحِسْبَةُ بِهِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ فِيهِ دَعْوَى(.
عدد الصفحات ٢٣28 ، ونقل النووي إجماع العلماء على ذلك( 1(لا تجوز الشفاعة في الحدود فقال: (وقد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى . وقد ظهر هذا المعنى جليًا فيما رواه البخاري: (عَنْ عَائِشَةَ (2(الإمام أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ ابْنُ زَيْدٍ حِبُّ Sفِيهَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ S فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ:: رَسُولُ اللَّهِ Sرَسُولِ اللَّهِ حُدُودِ اللَّه؟ِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ . (3(وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا تعالى الحكيم العليم الخبير تحديد عقوبات جرائم الحدود الله وتولى والقصاص في الاعتداء على النفس، وفي صور كثيرة من الاعتداء على ما دونها، قال ابن القيم: (فَلَمَّا تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُ الْجِنَايَاتِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْعُقُوبَاتِ، وَكَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّاسَ لَوْ وُكِّلُوا إلَى عُقُولِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَتَرْتِيبِ كُلِّ عُقُوبَةٍ عَلَى مَا يُنَاسِبُهَا مِنْ الْجِنَايَةِ جِنْسًا وَوَصْفًا وَقَدْرًا لَذَهَبَتْ بِهِمْ الآْرَاءُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَتَشَعَّبَتْ بِهِمْ الطُّرُقُ كُلَّ مُشَعَّبٍ، وَلَعَظُمَ الاِخْتِلاَفُ وَاشْتَدَّ الْخَطْبُ، فَكَفَاهُمْ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَحْكُمُ الْحَاكِمِينَ مُؤْنَةَ ذَلِكَ، وَأَزَالَ عَنْهُمْ كُلْفَتَهُ، وَتَوَلَّى بِحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ تَقْدِيرَهُ نَوْعًا وَقَدْرًا، .(4(وَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ جِنَايَةٍ مَا يُنَاسِبُهَا مِنْ الْعُقُوبَةِ وَيَلِيقُ بِهَا مِنْ النَّكَالِ وتقوم عقوبات الحدود على دفع العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل مضادة. ويظهر هذا جليًا في: عقوبة السرقة؛ فإن الدافع للسرقة زي ، 492/5، مغني المحتاج للشربيني320/6، مواهب الجليل للحطاب3/4 رد المحتار لابن عابدين (1( ،90-89، السياسة الشرعية لابن تيمية ص336/3شرح منتهى الإرادات للبهوتي .186/11 المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي (2( .3216 رواه البخاري برقم (3( .73/2 إعلام الموقعين لابن القيم (4(
عدد الصفحات ٢٤29 الشريعة هذا الدافع بأن جعلت عقوبتها قطع اليد؛ لأن اليد أداة العمل، وقطعها يؤدي إلى نقص الكسب والثراء، فعِلم من تُسوِّل له نفسه السرقة . (1(أن عقوبتها قطع اليد، أكبر رادع عن التفكير فيها فضلاً عن ارتكابها وفي عقوبة الزنا؛ جعل الشارع الجلد على أساس محاربة الدوافع التي تدعو للجريمة بالدوافع التي تصرف عنها، فإن الدافع للزنا اشتهاء اللذة والاستمتاع بالشهوة التي تصحبها، والدافع الذي يصرف الإنسان عن الشهوة هو الألم، وليتصور الزاني ألمه وهو يُجلد مائة جلدة، أو يُرجم بالحجارة حتى الموت، إن كان محصنًا، فإن هذا سيكون أكبر دافع يصرف . أما في القوانين الوضعية فإن الزنا لا يُعد جريمة يحاسب (2(عن الزنا عليها القانون، إلا في حالات محددة، إذا كانت إكراهًا (اغتصابًا(، أو كان المزني بها قاصرة، أو كان الجاني من أصول المجني عليها، أو كان المزني بها متزوجة، وفي هذه الحالة الأخيرة يُعد الزنا جريمة لمساسه . خلافًا للشريعة الإسلامية التي عدت (3(بحق ال التي لا يجوز التنازل عنها. وفي القذف فإن الباعث الله الزنا من حقوق الذي يدعو القاذف للافتراء الحسد والمنافسة والانتقام، وكلها تؤدي إلى إيلام المقذوف وتحقيره، فجاءت العقوبة الشرعية للقذف جلد ثمانين جلدة، لإيلام القاذف إيلامًا بدنيًا ونفسيًا ردًا على تسببه بإيلام من قذفه إيلامًا نفسيًا، فحاربت الشريعة الإسلامية الدوافع النفسية الداعية إلى جريمة القذف، بعوامل نفسية مضادة. فإذا تصور من تسول له نفسه ، (5(. وكذا يقال في عقوبة شرب الخمر(4(القذفَ عقوبته، فإنه خير رادع له .652/1 التشريع الجنائي لعبدالقادر عودة (1( .644،642-641،636/1 التشريع الجنائي لعبدالقادر عودة (2( ، التشريع الجنائي لعبدالقادر1969، لسنة111 انظر: قانون العقوبات العراقي الجديد رقم (3( .642/1عودة .646/1 التشريع الجنائي لعبدالقادر عودة (4( .649/1 التشريع الجنائي لعبدالقادر عودة (5(
عدد الصفحات ٢٥30 ، جاءت(3(، وفي عقوبة البغي(2(، وفي عقوبة الردة(1(وفي عقوبة الحرابة العقوبة لتدفع العوامل النفسية الداعية لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة. وتقوم عقوبة القِصاص على دفع العوامل النفسية التي تدعو للقتل بعوامل مضادة؛ فالقصاص أع المعتدي، فهي قائمة على مجازاة الجاني بعقوبة رادعة بمثل فعله. فإن الذي يدفع المجرم للقتل والجرح، تنازع البقاء، وحُبُّ التَّغلب والاستعلاء، وإذا علم أنه سيُقتل إن قَتَل غيره، وأنه سيُقطع إن قَطَع غيره، وسيُجرحُ إن جرح غيره، فهذا رادع له عن ارتكاب الجريمة، حبًا لبقائه حيًا، أو بقاء عضوه، أو بقاء بدنه سليمًا من غير جرح. فالشارع واجه الدافع النفسي عند المجرم الذي يُفكر في الاعتداء على غيره بالقتل أو القطع أو الجرح، .(4(بدافع نفسي مُضاد يَصرفه عن جريمته وعمومًا فإن إيقاع العقوبة في الشريعة الإسلامية قائم على العدل، بعيدًا عن الأهواء. فعقوبة الجريمة قائمة على المماثلة تحقيقًا للعدالة، ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ (تعالى: الله قال . وانطلاقًا من مبدأ العدالة كانت معظم ]40ال[ )ﯝﯚ ﯛ ﯜ العقوبات أذى في الأب منه، بخلاف العقوبة بالتغريم بالمال فهي تختلف باختلاف يسر الناس . (5(وغناهم .657-656/1 التشريع الجنائي لعبدالقادر عودة (1( .662/1 التشريع الجنائي لعبدالقادر عودة (2( .663/1 التشريع الجنائي لعبدالقادر عودة (3( بعض القوانين الوضعية تُعاقب بالقصاص على جريمة القتل، لكنها لا تُعاقب بالقصاص على (4( جرائم الجراح والقطع، وهي بهذا تُجانب الصواب؛ لأن الرادع الأكبر للمجرم إحساسه بأنه سيُفعل به كما فعل بمن اعتدى عليه، عندها سيفكر مائة مرة قبل أن يُقدم على جريمته، وستكون .665-664/1النتيجة ردعه. انظر: التشريع الجنائي لعبدالقادر عودة ، حيث ذكر المقاصد الثلاثة الأولى.516 مقاصد الشريعة الإسلامية، للطاهر بن عاشور ص (5(
عدد الصفحات ٢٦31 ولنتصور حال المعتدَى عليه عندما تُقطع يده عدوانًا، أو تُفقأ عينه عُدوانًا، فيعاقب المعتدِي بغرامة مالية، أو بالسجن، ثم يخرج مِنْ سِجنه . عندها نقول مستيقنين: إنَّ (1(سليم الأعضاء، ويبقى المعتدَى عليه يعاني من قِصاص المجرم بمثل جُرمه هو العدل والخير للناس في الله ما شرعه تعالى القائلُ: الله الدنيا والآخرة، وإن قَصُرت عقولنا عن إدراكه، وصدق ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ (، والقائلُ: ]الملك[ )ﭣﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ( .]140البقرة[ )ﯨ بالمقر بما يوجب حدًا أنه يُترك إذا هرب أثناء إقامة الله ومن رحمة . ودليل ذلك: قَوْل (2(الحد عليه؛ لأن هروبه شُبهة تُؤَثِّرُ على اعترافه في حق ماعز لما هرب أثناء الرجم: (... فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ Sالرسول مَسَّ الْحِجَارَةِ جَزِعَ فَخَرَجَ يَشْتَدُّ فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ وَقَدْ عَجَزَ فَذَكَرَ ذَلِكَ Sأَصْحَابُهُ فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِي . فلولا أَن الرُّجُوع (3(لَهُ فَقَالَ: هَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِلِصٍّ فَاعْتَرَفَ وَلَمْ S. وأُتي الرسول(4( فَائِدَةSمَقْبُول لم يكن لقوله : مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ قَالَ بَلَى Sيُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فقال له: (رَسُولُ اللَّهِ . (5(: اقْطَعُوهُ Sمَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا قَالَ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ .667-664/1 التشريع الجنائي لعبدالقادر عودة (1( ، الحاوي الكبير للماوردي 197،61/12، الذخيرة للقرافي 61/7 بدائع الصنائع للكاساني (2( .309/4، الكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة77/11 .3836 رواه أبو داود برقم (3( .77/11، الحاوي الكبير للماوردي61/7 بدائع الصنائع للكاساني (4( .21470، والحديث رواه الإمام أحمد برقم61/7 بدائع الصنائع للكاساني (5(
عدد الصفحات ٢٧32 المبحث الخامس رحمة الشارع بعد تنفيذ العقوبة في أنه يترتب على تنفيذ العقوبة بالجاني إرضاءُ الله تتجلى رحمة ، ويظهر هذا المقصد جليًا في القصاص، فإن الناس (1(المجنيِّ عليه وأهلُه مجبولون على حب الانتقام ممن اعتدى عليهم. ولو لم يُشرع القصاص في القتل العمد، وفيما دونه في الجناية على ما دون النفس، لوجدنا من جُني عليه يثور لينتقم لنفسه، ونجد أهله يؤازروه حمية وعصبية، وكذا يهب أهل المقتول للأخذ بالثأر، ولا يقف الأمر عند حدٍ معين، بل يتطور ويُسرف أهل المقتول في قتل القاتل وغيره، من الأنفس البريئة التي لا دخل لهم في ارتكاب الجريمة، ويعيش الناس في قلق ورعب، ويبقى مسلسل القتل قائمًا. ولو التزم الناس بشريعة ربهم، وطَبَّقوا القصاص العادل، كما قال ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ (تعالى: الله ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ) ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ : (لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ S، وكما قال الرسول]45المائدة[ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ . ولو التزم الناس وطَبَّقوا القصاص من (2(وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ، وانظر: التشريع الجنائي 518-516 مقاصد الشريعة الإسلامية، للطاهر بن عاشور ص (1( .610/1الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، لعبدالقادر عودة .3175 رواه مسلم برقم (2(
عدد الصفحات ٢٨33 ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ(تعالى: الله غير إسراف كما قال ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﯫ (تعالى: الله ، لما وقعوا في الضنك الذي يعيشون. قال]33الإ[ ) ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ .]126-123طه[ )ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ شديدًا على إرضاء أهل المجني عليه، حتى Sوكانَ حرصُ الرسول لا تأخذهم العصبية وحب الانتقام فيُسرفوا في أخذ حقهم (عَنْ عَائِشَةَ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلاَجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ Sأَنَّ النَّبِي فَقَالُوا: الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: Sفَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ فَأَتَوْا النَّبِي لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ يَرْضَوْا فَقَالَ: لَكُمْ كَذَا، وَكَذَا فَلَمْ يَرْضَوْا فَقَالَ: Sالنَّبِي يزيد أهل المجني عليه S. فبقي الرسول(1(لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا حتى أعلنوا رضاهم صريحًا. ويظهر في هذا الحديث من الفقه (جَوَاز إِرْضَ بالقصاص كما في S. ويَظهر هذا جليًا في حكم الرسول(2(الْقِصَاص قَالَ: كَسَرَتْ قصة الرُّبَيِّع لما كسرت ثنية جارية من الأنصار (عَنْ أَنَسٍ الرُّبَيِّعُ وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنْ الأَْنْصَارِ، فَطَلَبَ الْقَوْمُ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ: أَنَسُ ابْنُ S، فَأَمَرَ النَّبِيSالْقِصَاصَ، فَأَتَوْا النَّبِي النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: لاَ وَاللَّهِ، لاَ تُكْسَرُ سِنُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ : يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَْرْشَ، Sرَسُولُ اللَّهِ : (قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَمَعْمَر 173/12، وقال العظيم أبادي في عون المعبود4534 رواه أبو داود برقم (1( بْن رَاشِد حَافِظ قَدْ أَقَامَ إِسْنَاده فَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّة(. وقال: (فَلاَجَّهُ( : نَازَعَهُ وَخَاصَمَهُ مِنْ اللَّجَاج وَفِي نُسْخَة الْخَطَّابِيّ فَلاَحَاهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة مَنْقُوصًا وَهُمَا بِمَعْنًى ( فَشَجَّهُ ( : جَرَحَ رَأْسه وَشَقَّهُ، وَالشَّجّ ضَرْب الرَّأْس خَاصَّة وَجَرْحه وَشَقّه. (فَأَتَوْا( : أَيْ أَهْل الرَّجُل الْمَشْجُوج ( فَقَالُوا الْقَوَد ( : بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُقَدَّر أَيْ نَحْنُ نُرِيد الْقِصَاص وَنَطْلُبهُ(. . 173/12 عون المعبود للعظيم أبادي (2(
عدد الصفحات ٢٩34 ،(1(: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأََبَرَّهُ Sفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فانظر كيف قَبِل القوم الأرش وتنازلوا عن القِصاص لما حكم لهم الرسول بالقِصاص، فكان تنازلهم عن طيب خاطر، لا يُتصور بعده انتقام من الجاني، أو أهله. وفي إرضاء أهل المجني عليه طيٌّ لصفحة الجاهلية والانتقام، وإبطالُ في حجة الوداع: Sالأخذ بالثأر، ووضعُ دم الجاهلية، كما قال الرسول (وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ دَمٍ وُضِعَ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ . (2(دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ ولا يقتصر رضا المعتدَى عليهم في تشريع القصاص، بل يتعداه إلى تشريع العقوبات كلِّها، بما فيها من عدل، يُرضي المعتدَى عليه، ويجعله لا يُفكر في الانتقام، كما في سائر الحدود ؛ كالقذف، والزِّنا، والسرقة، والحرابة، والبغي. فإن جلد القاذف إرضاءٌ للمقذوف وتبرئة لعرضه، بل (4(، والشافعية(3(لا تتحقق توبة القاذف إلا بتكذيب نفسه، كما قال الحنفية ٌ للمزني بها . وجلدُ الزاني غير المحصن، ورجم المحصن إرضاء (5(والحنابلة ٌ ٌ لأهلها في كل الأحوال. وقطعُ يد السارق إرضاء إن كانت مغتصَبة، وإرضاء ٌ للمعتدى عليهم، ولأهلهم. لمن سُرق ماله، وحدُّ الحرابة،وحدُّ البغي إرضاء بعباده بعد تنفيذ الحاكم العقوبة بالجاني شيوع الأمن الله ومن رحمة ، الثابت (6(والطمأنينة والاستقرار، في المجتمع، فيتحقق ال : (الثَّنِيَّةُ لِوَاحِدَةِ الثَّنَايَا وَهِيَ الأَْسْنَانُ 71. قال المطرزي في المُغرب ص4245 رواه البخاري برقم (1( الْمُتَقَدِّمَةُ اثْنَتَانِ فَوْقُ وَاِثْنَتَانِ أَسْفَلُ، لأَِنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا مَضْمُومَةٌ إلَى صَاحِبَتِهَا(، وجاء في الموسوعة «( :104/3الكويتية بَدَلِ النَّفْسِ، وَهُوَ الدِّيَةُ(. ، وقال: حديث حسن صحيح. 3012 رواه الترمذي برقم (2( .400/7 فتح القدير للكمال بن الهمام (3( .94/7، وانظر225/6 الأم للشافعي (4( .425/6 كشاف القناع (5( ، وقد سماه ابن عاشور518-516 مقاصد الشريعة الإسلامية، للطاهر بن عاشور ص (6(
عدد الصفحات ٣٠35 ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ (تعالى: الله ف . وه ]179البقرة[ )ﯛﯜ تشريع الأحكام، وهو إصلاح المجتمع، ويشهد لهذا المقصد آيتا المائدة الله والنُّور اللتان سبق ذكرهما، فجعْلُ الشارع قطع يد السارق عقوبةً من تجعلُ غيره يرتدع عن السرقة، فإن من رأى إيقاع العقوبة بالسارق، وقطع يده، تجعله يفكر طويلاً، ويتردد كثيرًا قبل أن يُقدم على هذه الجريمة، ومن يرى جلد الزاني، وإيقاع العقوبة به، مع ما يصاحبها من ألم بدني من الجلد، وألم نفسي من فضيحته أمام الناس تجعله أيضًا يفكر طويلاً، ويتردد كثيرًا قبل أن يُقدم على هذه الجريمة. ويظهرُ قصدُ الشارع للردع العام أنه جعل للمحارب أربع عقوبات، أشدها صلب القاتل بعد قتله، الذي يحقق عقوبة ال واض أموالهم، أن يتصور نفسه مقتولاً ثم مصلوبًا، فإن هذا سيكون أكبر رادع .(1(له عن التفكير في هذه الفعلة الشنعاء، فضلاً عن ارتكابها بالجاني بعد تنفيذ العقوبة الخلاص من العقوبة الله وتتجلى رحمة يتوب على الله ، وهذا مقصد مهم في تشريع العقوبات؛ فإن( 2(الأخروية تعالى بعد أن قرر قطع الله الجاني التائب الذي تُقام عليه العقوبة، قال ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ (يد السارق: تعالى أعدل أن يُثَنِّي العقوبةَ على الجاني الله. و]39المائدة[ )ﭻ ﭼﭽ الذي ينال جزاءه في الدنيا. وبذلك تحققُ العقوبةُ مصلحةً أخروية من تعالى عليه. فَهِمَ الله عدم عقاب الجاني في الآخ = زجر المقتدي، وانظر: التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، لعبدالقادر عودة .610/1 .609،658/1 التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، لعبدالقادر عودة (1( لم يذكر ابن عاشور هذا المقصد. وأرى أنه مقصد مهم، كما يظهر في شرحه (2(
عدد الصفحات ٣١36 تائبين طالبين أنSهذا المعنى ماعز والغامدية لما جاءا إلى الرسول Sيُطهرهما بالعقوبة، روى الإمام مسلم، (جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِي أَزَنَيْتَ فَقَالَ: نَعَمْ :Sفَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ Sفَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَوَسِعَتْهُمْ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنْ الأَْزْدِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ. قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: إنتي في حق الغامدية في S، وقال الرسول(1(حُبْلَى مِنْ الزِّنَى ... فَرَجَمَهَا حديث آخر: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ . و(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ (2(لَغُفِرَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ فِي رَهْطٍ فَقَالَ: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ Sبَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ شَيْئًا وَلاَ تَسْرِقُوا وَلاَ تَزْنُوا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلاَ تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ .(3(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ قال ابن القيم: (ثُمَّ بَلَغَ مِنْ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ أَنْ جَعَلَ تِلْكَ الْعُقُوبَاتِ كَفَّارَاتٍ لأَِهْلِهَا، وَطُهْرَةً تُزِيلُ عَنْهُمْ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْجِنَايَاتِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ، وَلاَ سِيَّمَا إذَا كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَهَا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالإِْنَابَةُ، فَرَحِمَهُمْ بِهَذِهِ .(4(الْعُقُوبَاتِ أَنْوَاعًا مِنْ الرَّحْمَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ واعتقاد الجاني بأنه سيعاقب في الآخرة على فعله، وأنه إذا عوقب تعالى الله عليه في الدنيا يسقط عنه العقاب الأخروي، فضلاً عن توبة .3207 رواه مسلم برقم (1( . والمكس: الضريبة والجباية التي تؤخذ بغير حق. والمكس في البيع 3208 رواه مسلم برقم (2( .444استنقاص الثمن، وهذا المعنى المراد في الحديث. انظر: المغرب للمطرزي ص .6914 رواه البخاري برقم (3( .73/2 إعلام الموقعين لابن القيم (4(
عدد الصفحات ٣٢