5 الرحمة في ت إعداد: أ. د. حسين مطاوع الترتوري عميد كلية الشريعة - جامعة الخليل - فلسطين
عدد الصفحات ١6
عدد الصفحات ٢7 المقدمة رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين للهالحمد سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على درب وبعد: فهذا البحث عنوانه: “ الرحمة في تشريع العقوبة”. أهداف البحث: أتطلع في هذا البحث إلى تحقيق الأهداف التالية: 1 .إثبات أن الرحمة خُلق كريم حثَّ عليه الشارع 2 .بيان مفهوم العقوبة في الإسلام 3 .بيان مراعاة الشارع للرحمة قبل وقوع الجريمة 4 .بيان مراعاة الشارع للرحمة في إثبات الجريمة ودرء الحدود بالشبهات. 5 .بيان مراعاة الشارع للرحمة في تشريع العقوبة وتنفيذها 6 .بيان مراعاة الشارع للرحمة بعد تنفيذ العقوبة منهج البحث: اتبعت في كتابة هذا البحث المنهج الوصفي، مستفيدًا من المنهجين
عدد الصفحات ٣8 الاستنباطي، والاستقرائي، كما هو حال جُل أبحاث الدراسات الشرعية والإنسانية، وذلك تحقيقًا لأهدافه على الوجه الأكمل. محتوى البحث: قسمت هذا البحث إلى مقدمة، وخمسة مباحث، وخاتمة. المقدم المبحث الأول: الرحمة والعقوبة. المبحث الثاني: رحمة الشارع قبل وقوع الجريمة. المبحث الثالث: رحمة الشارع في إثبات الجريمة. المبحث الرابع: رحمة الشارع في تشريع العقوبة وتنفيذها. المبحث الخامس: رحمة الشارع بعد تنفيذ العقوبة. الخاتمة: في نتائج البحث.
عدد الصفحات ٤9 المبحث الأول الرحمة والعقوبة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول الرحمة في اللغة والاصطلاح الرحمة في اللغة: الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، وتَراحَمَ القومُ: رَحِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. ﭑ ﭒ (والرَّحْمَةُ: الْمَغْفِرَةُ؛ وَقَ ، أَي هَادِيًا ]52الأعراف[ )ﭛﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ، أَي: ]61التوبة[ )ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ( وَذَا رَحْمَةٍ؛ وَقَوْلُ اللَّهُ تعالى: ﯥ ﯦ ﯧ (هُوَ رَحْمةٌ لأَنه كَانَ سَبَبَ إِيمانهم. وَقَوْلُ اللَّهُ تعالى: ، أَي: أَوصى بعضُهم بَعْضًا بِرَحْمَة الضَّعِيفِ والتَّعَطُّف ]17البلد[ )ﯨ عَلَيْهِ. وسعت الله والرَّحمن الرَّحيم: اسمانِ مُشتَقّانِ من الرَّحْمة. ورَحْمةُ ، ويقال: ما أقرَبَ رُحْمَ فلانٍ إذا ]64يو[ )ﭡ ﭢ ﭣ( كل شيء، ، أي: أَبَرَّ ]81الكهف[ )ﯘ ﯙ( كانَ ذا مَرْحَمةٍ وبرٍّ، وَقَوْلُ اللَّهُ تعالى: .بالوالدَيْن من القتيل الذي قَتَلَه الخَضْرُ الرحمة في الاصطلاح: عرَّف ابن القيِّم الرحمة بأنها: صفة تقتضي
عدد الصفحات ٥10 .(1(إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كَرِهَتْها نفسه، وشَقَّت عليها ويمكن تعريف الرحمة بأنها: الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ التي تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كَرِهَتْها نفسه، وشَقَّت عليها. فالرحمة لا تتنافى مع المشقة، فالأب على ما في قلبه من رحمة فائضة على ابنه إلا أنه يعطيه الدواء المر الذي يؤدي إلى الشفاء، ويحمله على تعلم ما ينفعه في دينه ودنياه، ويُحسن أدبه، ويمنعه عما يهوى ويشتهي في العاجل، إن كان المنع يُحقق مصلحة له، قد لا يدركها. ولا يُعدُّ من الرحمة ترك من لك ولاية عليه يفعل ما يضره في بدنه وإن كان يحبه ويشتهيه، ولا يُعدُّ من الرحمة أن تغض الطرف عمَّن لك عليه ولاية وتتركه في غيِّه وضلاله وعصيانه. ولا يُعدُّ من الرحمة أن تترك العاصي غافلاً عن فعل ما أُمر به، أو متلبسًا بما نُهي عنه، بل الرحمة الحقيقية أن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وإن شق عليه الأمر والنهي، فبهما يحصل له النفع وتتحقق مصلحته الحقيقية. ، (2(تعالى بعبده أنه ابتلاه ومنعه من كثير من شهواته الله ومن رحمة : (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ S اقال رسول بعبده إذا ابتلاه، أنه يرفع الله . وتظهر رحمة (3(يَحْمِي سَقِيمَهُ الْ : (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ S ادرجته بابتلائه له، ويكفر خطاياه قال رسول مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا . (4(إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ تعالى بخلقه أن نغَّصَ عليهم الدنيا وكَدَّرها؛ لئلا يسكنوا الله ومن رحمة الله إليها، أو يطمئنوا بها؛ ليرغبوا في النعيم المقيم في الجنة، فابتلاء .174/2 إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم (1( .174/2 إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم (2( رواه الترمذي برقم وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ (3( .5210 رواه البخاري برقم (4(
عدد الصفحات ٦11 تعالى العبد طريق موصل إلى الجنة، وهذه هي الرحمة الحقيقية، قال .(1(: (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ Sالرسول تعالى بخلقه أن حذرهم نفسه، لئلا يغتروا به، فيعاملوه الله ومن رحمة ﭦ (بما لا يليق بجلاله وعظمته وقوته وكبريائه، فقال تعالى: .(2( ]30اآل عمران[ )ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ المطلب الثاني بالخلق تعالى ورسوله اللهرحمة تعالى أثبتها لنفسه في آيات كثيرة الله الرحمة : صفة من صفات تعالى صفة الرحمة ذاتها، كما في قوله الله من القرآن؛ أحيانًا يذكر ﭫ ﭬ (، وقوله تعالى: ]58الكهف[ )ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ( تعالى: تعالى الاسم المتضمن الله . وأحيانًا يذكر]54الأنعام[ ) ﭭ ﭮ ﭯ . ]1الفاتحة[ ) ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ( للصفة، كما في قوله تعالى: تعالى الفعل الدال على الصفة، كما في قوله تعالى: الله وأحيانًا يذكر .]54الإ[ )ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ( لربه صفة الرحمة في أكثر من حديث، منها: قوله Sوأثبت الرسول : (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا S وَأَنْزَلَ فِي الأَْرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ .(3(الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ ﭼ ﭽ (: تعالى على لسان موسى الله أرحم الراحمين كما قالاللهو ، ]151الأع[ )ﮈﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ .5049 رواه مسلم برقم (1( .175/2 إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم (2( .5541 رواه البخاري برقم (3(
عدد الصفحات ٧12 ربه بأنه أرحم الراحمين كما في قوله: (... فَيَقُولُ اللَّهُ Sووصف الرسول عَزَّ وَجَلَّ شَفَعَتْ الْمَلاَئِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ . (1(الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَط الحسنى الله ومن أسماء الرحمة، والرحمن على وزن فَعلان، وهي تدل على السعة والامتلاء، فهذه . والرحيم، على وزن فعيل، بمعنى فاعل، اللهالصفة تدل على سعة رحمة واصلة إلى الخلق. فالاسمان الله فهو اسم يدل على الفعل، أي: أن رحمة ، مصداقًا لقول (2(الواسعة الواصلة إلى خلقه الله معا يدلان على رحمة ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ (تعالى: الله .]156الأعراف[ )ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ يعلمهم الكتاب Sبخلقه أن أرسل لهم محمدًا الله ومن صور رحمة والحكمة ويزكيهم ويخرجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهداية ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ( . وأخبرنا أن رحمة ]2الجمعة[ )ﭳﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ( تعم المؤمنين والكافرين في قوله: Sالرسول .]الأنبياء[ )ﮕﮔ افتتح سور القرآن -باستثناء الله ومن أدلة اهتمام الشارع بالرحمة، أن سورة براءة- بالبسملة، التي تتضمن صفتي بالخلق فلها صور متعددة، كلها تشهد حرصه Sوأما رحمة الرسول ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ (على أمته، كما وصفه ربه تعالى: )ﯛﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ .]128التوبة[ .269 رواه مسلم برقم (1( .38/1 شرح العقيدة الواسطية لابن عثيم (2(
عدد الصفحات ٨13 ومن أدلة اهتمام الأنبياء بالرحمة أنها تصدرت طلبهم في دعائهم؛ تعالى بطلب الرحمة، الله وأمنا ح فكان دع ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ (تعالى: الله قال تعالى: الله بمثل ذل . ودع ]23الأع[ )ﭝﭜ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ( الله بمثل ذلك، قال . ودعا أيوب ]47هود[ )ﮀﭽ ﭾ ﭿ ) ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ (تعالى: ﯛ ﯜ (تعالى: الله بمثل ذلك، قال ، ودعا موسى ]83الأنبياء[ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ .]155الأعراف[ )ﰉﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰄ ﰅ (تعالى: الله المؤمنين أن يدعوه راجين رحمته، فقال الله وعلَّم الله ، وقال]268البقرة[ )ﰆﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ (تعالى: ، ودعاء التابعين بإحسان إلى ربهم بالرحمة قال]109الموؤمنون[ )ﭿﭾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ (تعالى: الله ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ .]10ا[ )ﭨﭧ الله الرحمة، قال الله وطلب الفتية أصحاب الكهف في دعائهم من ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ (تعالى: النجاة برحمته، الله . وطلب بنو إسرائيل من]10الكهف[ ) ﮜ ﮝ ﮞ . وكان ]86يون[ )ﯕﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ (تعالى: الله ق ﮰ ﮱ (تعالى: الله دع ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ
عدد الصفحات ٩14 ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ . ]7غافر[ )ﯫﯬ ، ولأن المؤمنين اللهالجنة رحمة؛ لأن غالب نعيمها رحمة الله وسمى ﯪ ﯫ ﯬ (تعالى: الله ، وحتى الأنبياء قال اللهيدخلونها برحمة ، وجاء في الحديث ]107اآل عمران[ )ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ الصحيح (... قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ .(1(أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي المطلب الثالث العقوبة في اللغة والاصطلاح العقوبة لغة: من العقاب، والمعاقبة، وهي: أن تجزي المرء بما فعل سوءًا، .(2(وعاقَبه بذنبه معاقبة وعقابًا: أخذه به، وتعقَّبتُ الرجل إذ أخذته بذنبه العقوبة في اصطلاح الفقهاء: زَوَاجِ . أو هي: ا(3(ارْتِ .(4(الجماعة على عصيان أمر الشارع وسميت العقوبات زواجر؛ لأنها تمنع من يفكر بالجريمة من اقترافها، وتمنع غيره عندما يشاهد ما حل بالمجرم من نكال من اقتراف الجريمة أو حتى التفكير فيها، فالعقوبة فيها من الشدة ما يمنع من ارتكابها أو التفكير بذلك. والزجر في العقوبة يحقق مصلحة لمن لم يرتكبها بطاعته لربه والفوز بجنته، وعدم تعرضه لهوانها وخزيها. .4492 رواه البخاري برقم (1( .619/1 لسان العرب لابن منظور (2( .443/1 الأحكام السلطانية للماوردي (3( .166/2 التشريع الجنائي في الإسلام لعبدالقادر عودة (4(
عدد الصفحات ١٠15 والعقوبات لا تكون إلا على مخالفة الشارع من فعل محظور؛ كالزنا، والقذف، والسرقة، والقتل، أو ترك مأمور؛ كترك الصلاة، أو الامتناع عن أداء الحقوق المالية إلى أصحابها. ولم يُقيِّد التعريف العقوبة بكونها دنيوية أو أخروية فجاء جامعًا لهما. والإنسان (من حيث يختص من البهائم بالتمييز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة حصلت فيه شيطانية، فصار شريرًا يستعمل التمييز في استنباط وجوه الشر ويتوصل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع ويُظهر . و(كل إنسان فيه شوب (1(الشر في معرض الخير، وهذه أخلاق الشياط من هذه الأصول الأربعة أعني: الربانية، والشيطانية، والسبعية، والبهيمية، . فإن غلبت الإنسان الأخلاق الشيطانية، (2(وكل ذلك مجموع في القلب والسبعية، والبهيمية، عصى واستحق العقوبة. فإن غضب أصبح يتعاطى أفعال السباع من: القتل، والقذف، والشتم. وإن غلبت شهوته أصبح يتعاطى أفعال البهائم من: الزنا، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل. للجرائم التي يرتكبها الإنسان عقوبات، بحسب كل الله وقد وضع جريمة، فعقوبة الجرائم التي تمس المجتمع، وتهدد كيانه، تختلف عن عقوبة الجرائم التي تمس الأفراد. وقسَّم العلماء الجرائم بحسب جسامة العقوبة إلى ثلاثة أقسام: جرائم الحدود، وجرائم القصاص، وجرائم التعازير. .(3(الحدُّ في الاصطلاح: اسْمٌ لِعُقُوبَةٍ مُقَدَّرَةٍ تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى : حَدُّ الزِّنَا، وحَدُّ النِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا، (4(والحدود المقدرة في الشرع سبعة .10/3 إحياء علوم الدين للغزالي (1( .11/3 إحياء علوم الدين للغزالي (2( ، وما بعدها، وعرَّفه ابن النجار في منتهى الإرادات بأنه: (عُقُوبَةٌ 36/9 المبسوط للسرخسي (3( . 335/3مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا فِي مَعْصِيَةٍ(، انظر: شرح منتهى الإرادات للبهوتي (اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يُطَبَّقُ عَلَى جَرِيمَةِ كُلٍّ مِنْ الزِّنَى وَالْقَذْفِ، وَالسُّكْرِ، وَالسَّرِقَةِ، وَقَطْعِ (4(
عدد الصفحات ١١16 -وهو القذف-، وحدُّ شرب الخمر، وحدُّ السرقة، وحدُّ الحرابة، وحد الردة، وحدُّ البغي. ؛ قتلاً، أو (1(والقصاص في الاصطلاح: أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل جرحًا، أو قطعًا. . (2(والتعزير في الاصطلاح: التأديب؛ لأنه يمنع من تعاطي القبيح . (3(ويجب العزير على كل مكلف في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة (وَأَمَّا قَدْرُهُ فَلاَ حَدَّ لَهُ فَلاَ يُقَدَّرُ أَقَلُّهُ وَلاَ أَكْثَرُهُ بَلْ بِحَسَبِ اجْتِهَادِ الإِمَام على قدر الْجِنَايَة وَيلْزم الاِقْتِصَار على ما دون الْحُدُود وَلاَ لَهُ النِّهَايَةُ إِلَى .(4(حَدِّ الْقَتْلِ تعالى أن جعل العقوبة على الجاني، فلا تنال غيره، الله ومن رحمة فيتحقق مقصد تشريعها، وهو تأديبه وإصلاحه، فلا يفكر في ارتكاب الجريمة، خشية العقوبة. تعالى في أن جعل العقوبة ترضي المجنيِّ عليه الله وتتجلى رحمة وأهلُه، بعد تنفيذها بالجاني. ويترتب على ذلك شيوع الأمن والطمأنينة والاستقرار، في المجتمع. وتنفيذ العقوبة بالجاني في الدنيا يُعفيه من العقوبة الأخروية، وهذه . (5(تعالى في تنفيذ العقوبة بالجاني الله صورة من صور رحمة . 132-131/17الطَّرِيقِ يُعْتَبَرُ حَدًّا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ(. انظر: الموسوعة الكويتية .225/1 التعريفات للجرجاني (1( .220/6 مطالب أولي النُهى للرحيباني (2( ، مطالب أولي النُهى121/20، المجموع للنووي118/12، الذخيرة للقرافي63/7 بدائع الصنائع (3( .220/6للرحيباني . 118/12 الذخيرة للقرافي (4( كما سيظهر هذا في ثنايا البحث، وبخاصة في المبحثين الرابع والخامس (5(
عدد الصفحات ١٢17 المبحث الثاني رحمة الشارع قبل وقوع الجريمة تعالى لعباده كل ما فيه خيرهم وسعادتهم، وأمرهم بفعله، الله أباح الله وح ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ (تعالى: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭻ ﭼ (تعالى: الله . وقول]157الأعراف[ )ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ . ]90النحل[ )ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ على الأنبياء بما تضمنته شريعة الإسلام Sتعالى رسوله الله وفضَّل ﮰ ﮱ (تعالى: الله من إباحة الطيبات لها، والتيسير على الأمة، قال ﯟﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ : (فُضِّلْتُ عَلَى الأَْنْبِيَاءِ S. وقال الرسول]162-161الن[ )ﯯﯭ ﯮ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ .(1(الأَْرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ .812 رواه مسلم برقم (1(
عدد الصفحات ١٣18 وسَدَّ الشارع الأبواب التي تؤدي إلى وقوع الجريمة؛ فربَّى الناس على Sتعالى، واجتناب ما نهى عنه، ووصف الرسول الله الالتزام بأوامر المسلم بقوله: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ .(1(هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وجعل الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض الكبرى، ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ (تعالى: الله وحث عليهما في قول ، وحذر ]104اآل عمران[ )ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ من التهاون في أداء هاتين الفريضتين فقال: (وَالَّذِي نَفْسِي Sالرسول بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ . ولا يخفى أن فريضة (2(عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب منع الجريمة. الله ومراقبته، قال الله وأيقظ الإسلام في النفس الإنسانية خشية ﭑ (تعالى: الله ، وقال]18ق[ ) ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ (تعالى: ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ تعالى إحسانًا في الله مراقبةَ S، وعدَّ الرسولُ ]4الحديد[ )ﭷﭸ .(3(قوله: (الإِْحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ عن الوقوع في الشبهات بقوله: (الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ Sونهى الرسول بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ . فإذا كان الشارع حريصًا على إبعاد الناس (4(اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ عن الشبهات فيكون حرصه على إبعاد الناس عن الجرائم أولى. .9 رواه البخاري برقم (1( ، وقال2095 رواه الترمذي برقم (2( .48 رواه البخاري برقم (3( .4404 رواه البخاري برقم (4(
عدد الصفحات ١٤19 ووضع الشارع ضمانات لعدم وقوع المسلم في الجريمة؛ ففي الزنا ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ (تعالى: الله نهى الشارع عن الاقتراب منه في قول ، وأمر بستر العورة في قول تعالى: ]32الإ[ ) ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ( ، وأَمَر بغض ]59الأحزاب[ )ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ (تعالى: الله البصر في قول ، ونهى الرسول ]30النور[ )ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ عن اختلاط الرجال بالنساء، وعن سفر المرأة من غير مَحْرَم، في S .(1(: (لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلاَ تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ Sقوله فإذا ارتكب مكلف جريمة الزنا بعد كل هذه الضمانات استحق العقوبة الرادعة، إذا توفرت الشروط، وانتفت الموانع. وللوقاية من الوقوع في السرقة حث الإسلام على العمل المشروع، ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ (تعالى: الله ، قالاللهوعده عبادة، وفي سبيل . ولما رأى الصحابة شابًا مسرعًا قالوا: لو ]56الذاريات[ )ﭹﭷ ﭸ : (إن كان خرج يسعى على S، فقال الرسول اللهكان هذا في سبيل ، و إن كان خرج يسعى على أبوين شيخين اللهولده صغارًا فهو في سبيل وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في الله كبيرين فهو في سبيل . (2(وإن كان خرج يسعى رياء و مفاخرة فهو في سبيل الشيطان الله سبيل تعالى الله وضَمِن الإسلام حدَّ الكفاية لكل فرد في المجتمع، فأوجب ﯮ ﯯ ﯰ (تعالى: الله نفقة للقريب الفقير في مال قريبه الغني، قال الله . وأوجب ]26الإ[ ) ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮡ ﮢ ﮣ (تعالى على الغني زكاةً للفقير، في قوله تعالى: .2784 رواه البخاري برقم (1( .301/1 صحيح الجامع الصغير للألباني (2(
عدد الصفحات ١٥20 ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ) ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙﯚ . وشرع الإسلام الصدقات التطوعية، وحثَّ عليها فقال الرسول ]60التوبة[ : (... وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ S أن الصدقة لا تُنقص المال،فقالS. وبيَّن الرسول(1(ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى ضمان الدولة S. وقرر الرسول( 2((مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ : (أَنَ Sللضعفاء والعاجزين، المتمثل في قوله أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالاً . فإذا سرق مكلفٌ بعد ذلك استحق العقوبة الرادعة، وهي (3(فَلِوَرَثَتِهِ قطع اليد، إذا توفرت شروط القطع، وانتفت الموانع. ونظرًا للأسباب الوقائية التي شرعها الإس الجناية، قَلَّت جرائم الحدود، والقصاص، والتعزير، في المجتمع المسلم بشكل ملحوظ. « :58/7، وقال أحمد شاكر قي تحقيقه للمسند4648 رواه أحمد برقم (1( ، وقال2247 رواه الترمذي برقم (2( .2133 رواه البخاري برقم (3(
عدد الصفحات ١٦