المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية

السعدي كحلول

صفحة ١ من ٢

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Corresp. author: Aboumouadh32@gmail.com Scintific editor: Univ. of ORAN1 75 ADITH OF PALM TREE TREAETMENT AND THE SUSPICION OF DEVIDING THE SUNNAH INTO LEGISLATIVE AND NON LEGISLATIVE. الأستاذالسعدي كحلول ES-Saadi KAHLOULE جامعة أحمد بن بلة– وهران1 Univ. Ahmed B. Bella, ORAN1 Aboumouadh32@gmail.com قُبل للنشر Accepted: استلم: Received: ملخص يأتي هذا البحث للإجابة عن إشكالية تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية ، في استناده إلى حديث تأبير النخل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وأن ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمور الدنيا ليس تشريع ا ملزم ا، وأن ذلك من خصوصياته البشرية، وقد خلص هذا البحث في إجابته -من خلال تحليل الحديث رواية ودراية - إلى عدم صحة هذا التقسيم، ودفع كل الشبه التي جعلها أهلها محل الاستدلال من هذا الحديث. الكلمات المفتاحية: تأبير النخل؛ سنة غير تشريعية؛ شبهة؛ عبد المنعم النمر؛ تصرفات الرسول، اجتهاد .

عدد الصفحات ١

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Corresp. author: Aboumouadh32@gmail.com Scintific editor: Univ. of ORAN1 76 Abstract: This research tries to give an answer about to the problem of deviding the Sunnah into legislative and non legislative,in its reference to the Hadith of "Palm tree's treatment" in which the prophet said " you know the things of your life" and what came from the prophet about life's matter is not an obligation or something we have to do it,but it refers to his own view, also this research conluded in his answer through the analysis of this Hadith "narratively" and "knowing how" of the fact that this classifiaction is wrong and reject all the suspicions which were made by those people as a means of inference from this hadith. Keywords : Tingling of palm trees; non -legislative year; suspicion; Abdel Moneim el-Nimr; actions of the Prophet, diligence. 

عدد الصفحات ٢

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 77 المقدمـــــة تحتل السنة النبوية مكانة عظيمة في الشريعة الإسلامية كونها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، فهي وحي من الله  على لسان رسوله الكر  ، توضح القرآن وتبينه وتدل عليه، وتستقل بالتشريع، فأحكامها عدل وحكم، وأخبارها صدق ويقين، وكما اهتمت بالروحانيات في العبادات، اهتمت أيضا بالسلوكيات في المعاملات، فهي بذلك تنظم الفرد والجماعة، تصلح الدنيا والدين، مما يكسبها خاصيتي الشمولية والاتزان، ولهذا كان لحديثه وقع نفوس المسلمين، ومنزلة عظيمة في حياتهم، فاعتنوا به وحفظوه وتفقهوا فيه وعملوا به، فهم يرون أن هديه خير هدي، وطريقه المسلوك في الدنيا والدين خير طريق، لا يبغون به بدلا، ولا يرون الهداية في غيره. ورغم وضوح هذا الأصل وتقرره في النفوس والعقول، إلا أن هذا التعلق الشديد تراخى مع تراخي الزمان، وضعف مع ضعف الإيمان، فاستجابت بعض النفوس الضعيفة، والعقول المرجوحة لمحاولات التشكيك في هذا الأصل العظيم، تارة من جهة الطعن في حملة هذه الأخبار من الصحابة الأخيار، وتارة بتوهين المنهج النقدي للمحدثين في قدرته على الحفاظ على السنة نقية كما أثرت عن خير البرية، وتارة أخرى بحملها على غير محملها، وتأويلها على غير ما أريد منها، فغدت السنة النبوية حينئذ هدفا للرماة، يرمونها من قوس واحدة بهذه سهام الطعن، يبريها العقلانيون والمستشرقون والعلمانيون، وللأسف يرمي به ا بعض الإصلاحيين. ولقد ظهرت أقوال وآراء من هؤلاء تقسم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، فما تعلق بالدين فهو للشارع، وما كان من أمور الدنيا والمعاش فمرجعها لرأي الناس، متكئين في تقسيمها هذا على تفصيل الأصوليين لأقوال النبي  وأفعاله، إلى ما قصد به التعبد، ومالم يقصده، والحقيقة أنهم وقعوا ضحية لتلك الآراء العقلانية الاستشراقية العلمانية، بسبب النظرة الانبهارية للحياة الغربية المدنية، والنظرة الانهزامية لأحوال المسلمين المزرية. لقد قصد أولئك الطاعنون في سنة سيد المرسلين  ، تعطيلها وإزاحتها عن الساحة الفكرية ا لعلمية، ومن الحياة اليومية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحجة عدم قدرتها على استيفا ء هذه الجوانب كلها، وانحصارها في الحياة الروحية، وهذا حتى يخلوا الحكم للعقل والهوى، والقوانين الوضعية، وتخضع حياة المسلمين للتبعية الغربية. وبهذا تتجلى خطورة هذا الموضوع وأهميته، وهو استغلال حديث من أحاديث النبي  لتقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، وهو حديث تأبير النخل، وما ورد فيه من لفظ « أنتم أعلم بأمر دنياكم». فما مدى توافق روايات هذا الحديث وصحتها؟ وما صحة دلالته على هذا التقسيم؟ وكيف يفهم هذا الحديث مع غيره من الأحاديث المعارضة له، وفي ضوء الشريعة الغراء؟

عدد الصفحات ٣

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 78 هذا ما سأحاول أن أجليه وأجيب عنه-إن شاء الله-في هذا البحث المتواضع، الذي اخترت الكتابة فيه حيث لم أجد بحثا مستوفيا للإجابة عن هذه التساؤلات الثلاث. وقد جعلت للإجابة عليها ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حديث تأبير النخل رواية. المطلب الثاني: حديث تأبير النخل دراية. والمطلب الثالث: شبهات حول حديث تأبير النخل والجواب عنها. فلبحث هذه المطالب الثلاثة أبدأ بتوفيق الله وتسديده. المطلب الأول: حديث تأبير النخل رواية حديث تأبير النخل مروي عن خمسة من الصحابة: طلحة بن عبيد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، ورافع بن خديج، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم. أخرج حديث الأربعة الأول، مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل، وساقها على هذا الترتيب، وبوّب النووي لها بقوله:" باب وجوب امتثال ما قاله شرعا، دون ما ذكره  من معايش الدنيا، على سبيل الرأي ". قال مسلم: "(2361) حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، وأبو كامل الجحدري، وتقاربا في اللفظ. وهذا حديث قتيبة، قالا: حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت مع رسول الله  بقوم على رؤ وس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول ا  :«ما أظن يغني ذلك شيئا» قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله  بذلك فقال«إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، ف تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل»(1). (1) وأخرجه الطيالسي في مسنده (227)، و أحمد في مسنده1395): حدثنا بهز، وعفان، و عبد بن حميد في المنتخب102): حدثنا عفان بن مسلم، والطحاوي في مشكل الآثار(1720): حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، ويحيى بن حماد، و البزار في مسنده (937) و938)، و أبو يعلى اوصلي في مسنده (639) قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج النيلي، و الشاشي في مسنده

عدد الصفحات ٤

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 79 (2362) حدثنا عبد الله بن الرومي اليمامي، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وأحمد بن جعفر المعقري، قالوا حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة وهو ابن عمار، حدثنا أبو النجاشي، حدثني رافع بن خديج، قال: قدم نبي الله  المدينة، وهم يأبرون النخل(1)، يقولون يلقحون النخل، فقال«ما تصنعون؟» قالوا: كنا نصنعه، قال «لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا » فتركوه، فنفضت أو فنقصت (2)، قال فذكروا ذلك له فقال «إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر» قال عكرمة " أو نحو هذا". قال المعقري: "فنفضت ولم يشك". (3) (2363) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن الأسود بن عامر، قال: أبو بكر، حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس، أن النبي  مر بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح»قال: فخرج شيصا (4)، فمر بهم فقال«ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، رقم (7) قال: حدثنا ابن المنادي، نا محمد بن سليمان الأسدي، و8) وبرقم 9) قال: حدثنا محمد بن علي الوراق، نا معلى بن أسد، كلهم عن أبي عوانة. وأخرجه أحمد في مسنده ( 1399:) حدثنا عبد الرزاق. وفي ( 1400) قال: حدثنا أبو النضر، وابن ماجه في سننه2470): حدثنا علي بن محمد، والشاشي في مسنده(08)قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم؛ قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، والطحاوي في مشكل الآثار(1721): حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، كلهم عن إسرائي ل، كلاهما( أبو عوانة، وإسرائيل) عن سماك بن حرب به. (1 )يأبرون بكسر الباء وضمها، يقال منه أبر يأبر ويأبر؛ كبذر يبذر ويبذر، ويقال أبر يؤبر بالتشديد تأبيرا، ي ُقَالُ: أَب َرْتُ النَّخْلَ ةَ وأَب َّرْت ُهَا فَهييَ مَأْبُورَة ومُؤَب َّرَة، وَالايسْمُ الإيبَار، والمَ أْبُورَة المُلقَّحَة، انظر: النهاية في غريب الحديث، (1/13)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (15/117.) (2 )ومعناه أسقطت ثمرها، قال أهل اللغة: ويقال لذلك المتساقط النفض بفتح النون والفاء بمعنى المنفوض؛ كالخبط بمعنى المخبوط، وأنفض القوم فني زادهم. شرح النووي ، (15/118.) (3) وأخرجه ابن حبان في صحيحه 23)، و الطبراني في المعجم الكب4424) كلاهما من طريق النضر بن محمد به (4)) هو بكسر الشين المعجمة وإسكان الياء المثناة تحت وبصاد مهملة؛ وهو البسر الردئ الذي إذا يبس صار حشفا، وقيل أردأ البسر، وقيل تمر ردئ وهو مت قارب، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ( 2/518)، شرح النووي لمسلم، 15/118.)

عدد الصفحات ٥

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 80 قال«أنتم أعلم بأمر دنياكم»(1)."(2) وأما حديث جابر، فقد أخرجه البزار قال حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عياش بن أبان، حدثنا محمد بن فضيل، عن مجالد عن الشعبي عن جابر أن النبي  مر بقوم يلقحون النخل، فقال ما أرى هذا يغني شيئا فتركوها ذلك العام فشيصت فأخبر النبي ، فقال «أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم».(3) وفي لفظ الطحاوي «ما له؟ ما أنا بصاحب زرع ولا نخل لقحوا ». قالالهيثمي:" رواه البزار والطبراني في الأوسط بمعناه، وفيه مجالد بن سعيد، وقد اختلط".(4) أما حديث طلحة بن عبيد ا فقد تفرد بروايته سماك بن حرب، وسماك بن حرب صدوق، و في روايته عن عكرمة ضعف ولين، وهذا ليس منها.(5) قالالبزار: " وقد روى هذا الحديث عن سماك إسرائيل، وأسباط بن نصر، وغير واحد، ولا نعلم يروى عن طلحة  إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. ورواه عن الن  جماعة منهم: أنس، وعائشة، ورافع بن خديج، وجابر بن عبد الله، (1) وأخرجه أحمد في مسنده ( 24964): حدثنا عفان، وابن ماجه في سننه2471): حدثنا محمد بن يحيى. قال: حدثنا عفان، و أبو يعلى في مسنده (3480): حدثنا عبد الأعلى و3531): حدثنا زهير؛ قالا: حدثنا عفان، و عنه ابن حبان في صحيحه (22)، وأخرجه ابن خزيمة في كتاب التوكل كما في إتحاف المهرة ( 1 /485) لابن حجر من طريق عفان والأسود، و الطحاوي في مشكل الآثار (1722): حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي، و تمام في فوائده 1167): أخبرنا أبو يعقوب الأَْذْرَعي، نا أبو محمد عبد الله بن جعفر، نا عفّان، ثلاثتهم(عفان، والأسود، ومحمد بن كثير) عن حماد به. وأخرج أيضا حديث أنس منفردا؛ أحمد في مسنده ( 12544) قال: حدثنا عبد الصمد، والبزار في مسنده 6992) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك  به وعن عائشة  فقط؛ البزار في مسنده 18/99): حدثنا عمرو بن علي قال حدثني عفان بن مسلم به (2 )صحيح مسلم (4/1835-1836). (3) وأخرجه أيضا الطحاوي في شرح مشكل الآثار 1723): حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال: حدثنا عياش بن الوليدالرقام، و الطبراني في المعجم الأوسط (1030)، كلهم عن محمد بن فضيل به (4) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد،1/179). (5) انظر: تقريب التهذيب، (ص255)

عدد الصفحات ٦

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 81 ويسير بن عمرو".(1) وقال الحازمي: " وهذا حديث مدني المخرج، وقد تداوله الكوفيون، وله طرق عندهم، ويروى أيضا من حديث المدنيين من غير وجه "(2). وأما ألفاظه؛ ففي رواية إسرائيل «فلم تحمل تلك السنة شيئا»، وقال «فإنما أنا بشر مثلكِم، والظن يخطئ ويصيب». وأما حديث رافع بن خديج  ؛ففي إسناده عكرمة بن عمار، وفيه كلام ؛ فقد كان يغلط (3)،والراوي عنه هو النضر بن محمد، فيه جهالة وله أفراد، لم يوثقه إلا العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات (4)، وتوثيقهما أضعف أنواع التوثيق. وأما حديث عائشة رضي الله عنها ؛ فقد خولف حماد في وصله للحديث، فقد رواه مرسلا؛ خالد بن الحارث ومحاضر وحفص بن غياث وغيرهم . قال الدارقطني:" رواه حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها ، وخالفه خالد بن الحارث ، ومحاضر، وغيرهما، رووه عن هشام، عن أبيه مرسلا ، وهو الصواب ".(5) وقال البزار: " وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها غير حماد بن سلمة ، وقد رواه غير حماد عن هشام عن أبيه مرسلا ".(6) وقد أُنكر على هشام بعدما صار إلى العراق ؛ فإنه انبسط في الرواية عن أبيه؛ فإنه كان لا يحدث عن أبيه إلا ما سمعه منه، ثم تسهل فكان يرسل عن أبيه ، والراوي عنه هن ا عراقي. (7) (1 )مسند البزار، 3/152.) (2 )الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، (ص 167-168) (3) انظر: تقريب التهذيب (ص396). (4) انظر: تهذيب التهذيب،(10/444.) (5 )علل الدارقطني، 14 /187/ رقم 3531) (6) مسند البزار، مصدر سابق 18/99.) (7) انظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، 30/238-239.)

عدد الصفحات ٧

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 82 وحماد بن سلمة، وهو وإن كان من أئمة أهل السنة فهو كثير الأوهام خاصة لما كبر. قال فيه البيهقي: " .. لما طعن في السن ساء حفظه. فلذلك لم يحتج به البخاري. وأما مسلم فاجتهد فيه وأخرج من حديثه عن ثابت مما سمع منه قبل تغيرّه. وأما سوى حديثه عن ثابت فأخرج نحو اثني عشر حديثا في الشواهد دون الاحتجاج. فالاحتياط أن لا يحُتج به فيما يخالف الثقات ". (1) وأما ألفاظه؛ ففي رواية لأحمد والطحاوي وغيرهماقال  :« لو تركوه لصلح » ، وقال : « ما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم، وما كان من أمر دينكم فإلي » ، وعند ابن ماجه وأبي يعلى وغيرهما«إن كان شيئا من أمر دنياكم، فشأنكم به، وإن كان شيئا من أمر دينكم، فإلي ». فلأجل ما ذكرنا رتب مسلم الأحاديث الثلاثة على هذا النسق، مبينا أن رواية طلحة بن عبيد ا  أصح من جهة الإسناد، ولأنه شهد الحادثة، وهي أضبط من جهة ألفاظ الرواية. قال المعلمي:" عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوتها: يقدم الأصح فالأصح. قوله صلى الله عليه وسلم في حديث طلحة «ما أظن يغني ذلك شيئا »، إخبار عن ظنه، وكذلك كان ظنه، فالخبر صدق قطعاً، وخطأ الظن ليس كذباً، وفي معناه قوله  في حديث رافع  «لعلكم » ...، وذلك كما أشار إليه مسلم أصح مما في رواية حماد، لأن حماداً كان يخطئ"(2). ومسألة ترتيب مسلم روايات الحديث بحسب القوة قد اختلفت أنظار العلماء لها، بحسب ما ذكره في مقدمته لصحيحه، فقد انقسم العلماء في فهم كلامه على مذهبين: الأول: "أنه يفرد لكل طبقة كتابا، ويأتي ب أحاديثها خاصة مفردة، وأن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، وأنه إنما ذكر القسم الأول"، هذا كلام الحاكم، ووافقه عليه تلميذه البيهقي. (3) ورجّح هذا القول ابن حجر وأيّده بما رواه البيهقي بسند صحيح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم، قال:" صنف مسلم ثلاثة كتب أحدها هذا الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة وابن إسحاق وأمثالهما، (1) انظر: سير أعلام النبلاء،7/110-111.) (2) الأنوار الكاشفة، المعلمي (ص30). (3 )انظر: إكمالالمعلم بفوائد مسلم، (1/83)، شرح مسلم للنووي، 1/23.)

عدد الصفحات ٨

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 83 والثالث يدخل فيه الضعفاء وعلّل إخراج مسلم بعض أحاديث الطبقة الثانية، كشواهد للأحاديث الأصول يرفع بها التفرد عنهم، أو من باب متابعات بعضها لبعض، لا أن يخض أحاديثهم بالإخراج، بدليل أنه لم يستوعب أحاديثهم، وبنحو هذا قال الذهبي. (1) قلت: وهذا الذي يفهم من قول الحاكمويأتي بأحاديثها خاصة مفردة ". والثاني: أن مسلم قد وفّّ بشرطه هذا وتقسيمه في صحيحه، "ف قد ذكر في أبواب كتابه وتصنيفي أحاديثه حديثَ الطبقتين الأوليين التي ذكر في أبوابه، وجاء بأسانيد الطبقة الثانية التي سماها وحديثها، كما جاء بالأولى، على طريق الإيتْباع لأحاديث الأولى والاستشهاد بها، أو حيث لم يجد في الكتاب للأولى شيئا، وكذلك أيضًا عيلَل الحديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها: " قد جاء بها في مواضعها من الأبواب؛ من اختلافهم في الأسانيد، والإرسال والإسناد، والزيادة والنقص، وذكر تصاحيف المصحفين."(2) قاله القاضي عياض ورد كلام الحاكم السابق، وتبعه على رأيه جماعة من المحققين، كابن الصلاح والنووي.(3) ثم قالوقد فاوضتُ في تأويلي هذا ورأيي فيه مَن يفهم هذا الباب، فما وجدت منصفا إلا صوَّبه وبأن له ما ذكرتُ، وهو ظاهرٌ لمن تأمَّل الكتابَ وطالع مجموعَ الأبواب، والله الموفق للصواب. "(4) وقد نقل النووي في شرح "صحيح" مسلم عن القاضي قوله في بعض أحاديث "الصحيح": "هذا الإسناد من الأحاديث المعللة في كتاب مسلم التي يبين مسلم عل تها كما في خطبته، وذكر الاختلاف فيه" (5). وفي موضع آخر عنه" هذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه أنه يذكرها في موضعها، فظن ظانون أنه يأتي بها مفردة، وأنه تُوفي قبل ذيكرها، والصواب أنه ذكرها في تضاعيف كتابه كما أوضحناه في أول هذا الشرح"(6). والملاحظ على الأحاديث الثلاثة التي أخرجها مسلم تغاير ألفاظها، ووجود إشكال في بعضها من حيث مخالفتها (1) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح، 1/434-435)، سير أعلام النبلاء،12/575.) (2) انظرإكمال المعلم للقاضي عياض، (1/86-87.) (3) انظر: شرح مسلم للنووي، 1/23-24). (4) إكمال المعلم للقاضي عياض(1/87.) (5) شرح مسلم للنووي، 4 /26.) (6) المصدر نفسه (11 /81.)

عدد الصفحات ٩

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 84 للأحاديث المقطوع بها؛ مما حمل بعض أهل العلم من المحدثين على إيرادها في الأحاديث المشكلة كما فعل الطحاوي، حيث أوردها تحت" باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله  من قوله للناس لما أمرهم بترك تأبير النخل ففعلوا ذلك فشيص ما قاله لهم عند ذلك"، وحاول إزالة الإشكال في تغاير ألفاظها بحملها على تعدد حادثة تأبير النخل. (1) لكن ظاهر ألفاظ هذه القصة، والقرائن المحتفة بها تدل على أنها وقعت مرة واحدة؛ وذلك من وجه الوجه الأول : سؤاله  عن صنيعهم، ومعلوم أنه لو تعددت القصة، ما كان ليكرر السؤال عنه، إذ يكون قد عرف صنيعهم مما سبق. والوجه الثاني: أنه حاشاه  أنه يتكررمنه الخطأ نفسه أكثر من مرة ، وأن يستمر بالقول بالظن، وقد ظهر صحة صنيعهم في التأبير. وهذا يدل على أن بعض سياقات الحديث قد دخلتها الرواية بالمعنى، والإمام مسلم قدم حديث طلحة  في الترتيب، ولعل ما جاء في سياقه مقدم على غيره ثم ثنى برواية عكرمة بن عمار عن رافع بن خديج  وفيه«وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ». قال النووي: " لفظة الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى لقوله في آخر الحديث قال عكرمة: أو نحو هذا، فلم بلفظ النبي محققاً(2)، ثم ذكر الإمام مسلم السياق الثالث، وهو من طريق حماد بن سلمة، وكان حماد يخطئ، وهذا السياق هو الذي فيه: «أنتم أعلم بأموردنياكم »، وهذه العبارة فيها نوع إشكال مما سنوضحه في المطلب التا المطلب الثاني: حديث تأبير النخل دراية من خصائص الشريعة الإسلامية الشمولية والاتزان والوسطية، فهي تحرص على خيري الدنيا والآخرة، وحيث قيدت للعقل والعادات والتجربة حدودهم في الدين، إلا أنها أط لقت لها العنان في الأمور الدنيوية البحة، كالحرف المهنية، والعلوم التجريبية التي بها قوام الحياة الإنسانية، والرأي فيها لأهل الاختصاص، وأحاطت كل ذلك بسياج العقيدة والأخلاق والآداب، ولم تلغ الأخذ بالأسباب، ولكن دون الغلو فيها. فجاء هذا الحديث ليقرر هذه المفاهيم، ويرسي هذه القواعد في نفوس المسلمين، فهو  يهاجر من بلد أهله أهل (1) شرح مشكل الآثار، 4/425) (2) شرح مسلم للنووي، 15/116)،وانظر: إكمال المعلم (7/334. )

عدد الصفحات ١٠

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 85 تجارة ورعي، لم يمارسوا الفلاحة والزراعة، فليس له بها خبرة، ومع قدومه للمدينة يمر على قوم أهل خبرة بحرفتهم يأبرون نخيلهم ويلقحونه، يشققون طلع الإناث ويذرون فيه طلع الذكر فتعلق بإذن الله  ليجيء ثمره جيدا ، فلم يدر ما يصنعون ولما يصنعون، لأنه كان بأرض ليس فيها نخيل، ورأى عامة الأشجار تثمر ويصلح ثمرها بغير تلقيح، فلا غرو أن ظن أن الشجر كلها كذلك، فرأى في صنيعهم ما فيه كلفة ومشقة، وغلوّ في الأسباب، ما لو تركوها وتعلقوا برب الأسباب لكان خيرا لهم، فإنه جل وعلا يرسل الرياح لواقح بإذنه، وأراد بذلك أن يربطهم بقضاء الله وقدره، ولم يأمرهم  ولم ينههم حتى يكون شرعا، بل هو رأي رآه من باب الظن بأمور الدنيا، بل لم يخاطبهم بذلك، وإنما أُخبروا بذلك؛ فتركوا التأبير، وظهر شدة اتباعهم لنبيهم والتسليم لرأيه ر غم أنه لم يكن شرعا، فوقع غير الذي كانوا يريدونه من نخيلهم؛ وهو جودة تمرهم، وجاء التمر رديئا على غير العادة حينما يأبرون، لكنهم لم يجزعوا ولم يتسخطوا ولم يشكوا في نبوته ولا في صدقه، ونجحوا في هذا الابتلاء والاختبار، وحتى يدفع النبي  عنهم كل الشكوك التي قد ترد على النفوس، يبين لهم أن الذي وقع منه  أنه كان عن ضعف التجربة في الحرف الدنيوية، وقلة الخبرة بها، لأن همته كانت متعلقة بالآخرة، وإنما هم أعلم بحرفهم، ولم يكن ذلك من باب التشريع فيخطأ فيه، وإنما هي حال بشرية تعتري كل أحد إذا استعمل ظنه في الأشياء، وأما ما كان من أمور الدين فهو رسول رب العالمين يبلغهم بصدق ويقين عن وحي أو اجتهاد يُقرّ عليه. قال النووي:" قال العلماء: قوله  «من رأيي» أي في أمر الدنيا ومعايشها، لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ، ورآه شرعا، يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله ...ولم يكن هذا القول خبرا، وإنما كان ظنا، كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه  في أمور المعايش، وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخ رة ومعارفها "(1). وقال القرطبي:" وقوله : «ما أظن ذلك يغني شيئا »، يعني به الإبار، إنما قال النهذا، لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة، فإنه لم يكن ممن عانى الزراعة، ولا الفلاحة، ولا باشر شيئا من ذلك، فخفيت عليه تلك الحالة، وتمسك بالقاعدة الكلية المعلومة التي هي: أن ليس في الوجود ولا في الإمكان فاعل، ولا خالق، ولا مؤثر إلا الله... وقوله : « إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن »، وقوله  في الأخرى « إنما بشر »، هذا كله منه اعتذار (1 )شرح مسلم للنووي، 15/116.)

عدد الصفحات ١١

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 86 لمن ضعف عقله مخافة أن يزله الشيطان فيكذب الن  فيكفر، وإلا فما جرى شيء يحتاج فيه إلى عذر، غاية ما جرى مصلحة دنيوية، خاصة بقوم مخصوصين لم يعرفها من لم يباشرها". (1) وهذا الذي وقع منه لا وجه فيه للتنقص منه، وذلك أن "الظن والقياس دليل معمول به، ولا ينسب إلى الخطأ من عمل على دليل"(2)، وقد أجمع المسلمون أن النبي معصوم في كل ما يبلغه عن ا  من الشرائع، قولاً، وعملاً، وتقريراً .(3) قال القاضي عياض فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها بعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها، يجوز عليه فيه ما ذكرنا ، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها، وجعلها همه وشغل نفسه بها، والنبي  مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية، ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور، ويجوز في النادر فيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها، لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة".(4) المطلب الثالث: شبهات حول حديث تأبير النخل والجواب عنها لقد تبنت فئة ليست بالقليلة من المفكرين والباحثين في الفكر الإسلامي المعاصر تقسيم السنة النبوية إلى تشريعية: وهي كل سنة نبوية مقصود بها تشريع الأحكام وتبليغها، ويكون حكمها لازما ودائما، وإلى غير تشريعية، والتي يكون مبناها الاجتهاد النبوي لا الوحي، وهي ليست بشرع لازم أو دائم، بل يجوز للأمة أن تخالفها على مقتضى واقعها. ويبين هذا المعنى والتقسيم أحد أبرز المنظرين ل ه؛ فيذكر أنه إذا كان تعريف السنة هو:" ما أثر عن رسول الله  من قول، أو فعل أو تقرير"، فإن سنته على أنواع من حيث أثرها التشريعي، أو من حيث اعتبارها مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي، وللعلماء في هذه الأقسام أقوال أقربها وأخصرها ما قاله ولي الدين الدهلوي من تق سيم سنن رسول الله  إ قسمين: (1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 6/168-169.) (2) كشف المشكل من حديث الصحيحين،3 /252 - 253.) (3 )انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى،2 /695.) (4) الشفا بتعريف حقوق المصطفى،2 /872،873.)

عدد الصفحات ١٢

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 87 ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعا (ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ) [7]. وثانيهما: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه ورد قوله  في قصة تأبير النخل المشهورة « إنما أنا بشر مثلكم، فإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر».(1) ويبينه أيضا آخر ويطرحه كحل لكثير من الإشكالات الفقهية الموروثة بقوله:" إن من السنة المنقولة إلينا: ما يدخل في باب التشريع، وإنما هو من أمر دنيانا المحض، الذي ترك تدبيره وتنظيمه إلى عقولنا واجتهادنا -ونحن أعلم به- كما أن منها ما لا يحمل صفة التشري ع العام المطلق الدائم، الذي يخاطب الناس به في كل زمان ومكان ،بل قصد به حالات جزئية في ظروف معينة، وهو ما قاله أو فعله  بصفة الإمامة والرئاسة التي كانت له، فهو إمام المسلمين، ورئيس دولتهم، والقائم بأمر سياستهم، وبيده سلطة التنفيذ، أو بصفة القضاء والحكم التي كانت له أيضا، والنظر إلى السنة المشرفة بهذا المنظار الفاحص؛ يحل لنا كثيرا من المشكلات في تراثنا الفقهي العريض". (2) ويُرجع هؤلاء هذا التقسيم إلى الإمام القرافي في كتابه "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام"، حيث قسّم تصرفات رسول الله إلى تصرف بالفتيا، وتصرف بالقضاء، وتصرف بالإمامة، وهذا الأخير هو وصف زائد عليها لتعلقه بالسياسات العامة المبنية على المصالح والمفاسد، وقد وافقه ابن القيم على أصل هذا التقسيم دون أن يصرح باسمه (3)، وهؤلاء إنما قسموا تصرفات الن  وليس سنته، ولم يقصدوا ب ذلك أنها خارجة عن التشريع، وإنما قصدوا بيان الفرق بينها لتختص كل جهة منها بهذا التشريع. إلى أن جاء ولي الله الدهلوي في كتابه" حجة الله البالغة"، حيث قسّم ما روي عن النبي، ودوّن في كتب الحديث إلى قسمين: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وما ليس من باب التبليغ، و يعتبر محمود شلتوت من أول من اصطلح على تقسيم تصرفات الرسول إلى سنة تشريعية وسنة غير تشريعية، وتبعه على هذا التقسيم آخرون؛ كعبد الوهاب خلاف، (1) السنة التشريعية وغير التشريعية، د: محمد سليم العوا، بحث منشور في مجلة المسلم المعاصر، العدد الافتتاحي، سنة 1974م، بيروت. (2) السنة مصدرا للمعرفة والحضارة، (ص 79.) (3) انظرالإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، (ص 105-109)، زاد المعاد في هدي خير العباد، (3/429.)

عدد الصفحات ١٣

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 88 ومصطفى شلبي، ومحمد المدني وغيرهم(1) لكن الملاحظ أن هؤلاء المعاصرين قد ضيقوا مجال السنة التشريعية، وفي المقابل وسّعوا دائرة السنة غير التشريعية، مع خلاف بينهم في مقدار ذلك، فأدخل فيها بعضهم كل ما صدر عن رسول الله  من أقوال وأفعال بصفته البشرية من أكل وشرب ونوم وقيام وقعود، وجعل بعضهم أحاديث الطب داخلة في ما كان صادرا بمقتضى الخبرة الإنسانية والتجارب الدنيوية.(2) كما أدخل آخرون كل اجتهادات الرسول المتعلقة بالمتغيرات الدنيوية سواء في السياسة أو الحرب أو المال، بل حتى أحاديث المعاملات من بيع وشراء وإجارة وشراكة وسلم ونحوها، وجعلوا منها أيضا كل ما تعلق بإمامته وقضائه، وما كنا مبنيا على المصلحة الجزئية الظرفية. (3) وقد تعلق هؤلاء بشبه جعلوها موضع الحجة والاستدلال من هذا الحديث، أطرحها ثم أجيب عنها فيما يلي. الشبهة الأولى: تعميم الأخذ بالحديث في كل أمور الدنيا ينطلق أصحاب هذا المسلك من هذه الواقعة الخاصة، ومن قوله : « أنتم أعلم بأمر دنياكم»، ليجعلوها قاعدة عامة في كل أمور الدنيا، وأن الشأن فيها لمعرفة الناس وخبراتها ودرايتهم بمصالحهم، حتى ولو كان النبي قد قال فيها حكمه. يقول الدكتور العوا عن هذا الحديث: "ولو لم يكن غير هذا الحديث الشريف في تبيين أن سنته ليست كلها شرعًا لازمًا وقانونًا دائمًا لكفى. ففي نص عبارة الحديث بمختلف رواياته تبين أن ما يلزم اتباعه من سنة رسول الله ما كان مستندًا إلى الوحي فحسب، وذلك غالبه متعلق بأمور الدين، وأقله متعلق بأمور الدنيا، وليس أوضح في الدلالة على (1 )انظر: الحديث الشريف وتحديات العصر، ندوة علمية دولية ثانية،1/110-111.) (2) انظر: مبادئ نظام الحكم في الإسلام، د (ص71)،السنة مصدرا للمعرفة والحضارة، (ص 21.) (3) انظر: معالم المنهج الإسلامي، (ص116)، السنة والتشريع، د: عبد المنعم النمر، (ص 26.) وهذا الخلاف بينهم فيما هو من السنة غير التشريعية، يدل على افتقار هذا المسلك إلى معيار دقيق محدد الضوابط للتفريق بين ما صدر عنه  من قول أو فعل أو تقرير عن وحي أو عن غير وحي، ولذا نجد بعض المناصرين لهذا المسلك يقول:" على أن أهم ما يجب أن ننبه عليه، ونلفت الأنظار إليه...هو ضرورة التدقيق، وشدة التحري في التمييز بين ما جاء في السنة للتشريع، وما لم يجئ للتشريع...وتبقى سلامة التطبيق على ما ورد في السنة، فهنا مزلة القدم، وهنا يقع الإفراط والتفريط". الس نة مصدرا للمعرفة والحضارة(ص 81).

عدد الصفحات ١٤

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 89 هذا من خبرة لي بالنخل إذ ليس في مكة نخل أو لا أحسن الزراعة فبلدي واد غير ذي زرع، ولكنه  تخير أحسن العبارات وأجمعها، وجعل من حديثه في هذه المسألة الجزئية، قاعدة كلية عامة، مؤداها: أنه في ما لا وحي فيه من شئون الدنيا فالأمر للخبرة والتجربة والمصلحة، التي يحسن أرباب الأمر معرفتها دون من لا خبرة له به. فلم يكن الجواب قاصرً ا على مسألة تلقيح النخل، وإنما جاء شاملا لكل أمر مما لم يأت فيه وحي بقرآن أو سنة )1( " ويجاب على ما ذكروه من هذا التعميم من وجوه الوجه الأول: أن الحديث ورد في واقعة خاصة وشأن خاص، والخطاب لأقوام مخصوصين من أهل هذه الحرفة، ولهذا أضاف: « الدنيا » إليهم في قوله  « دنياكم » لا أنهم أعلم منه بالدنيا مطلقاً، فإنه كان أعلم منهم بشئون الحرب والسياسة، وتدبير الأمة، وتصريف مصالحها، وغير ذلك من أمور الدنيا، فعلم بذلك أن المراد بالدنيا في قوله: « دنياكم » ما لم يكن عند الن منه علم تام، وليس المراد عامة أمور الدنيا ، وغاية الأمر أن يقاس على مسألة التأبير ما كان من جنسها من الحرف التقنية الدنيوية، " التي تكتسب عن طريق العلم والتدريب والممارسة والتجارب والخبرة ؛ كالزراعة والنجارة والحدادة والغزل والنسيج والحياكة، والصناعات الأخرى ، فهذه ليست من مهمة الرسالة، وليس من مهمة الرسول  ، ولا من مؤهلاته أن يكون ماهرا فيها، ولا خبيرا بدقائقها ، وإلا فقد تدخّل  فيما يتعلق بها من باب التشريع في كيفية سقي الأشجار، وتقديم الأعلى فالأعلى، في قصة الزبير والأنصاري، بل بمناسبتها نزل قوله تعالى : (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ) [65]."(2) الوجه الثاني: أنه لا يصح هذا التعميم في ما صدر منه من أمور الدنيا وكان جازما فيها، إذ أن الحادثة إنما وردت فيما كان سبيله الظن، كما في كما في حديث طلحة « ما أظن يغني ذلك شيئا » ،وهو كقوله  في حديث رافع : « لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا » ، و في قوله : « فإني إنما ظننت ظنا » ،وهذا يبين أن قوله  في حديث عائشة وأنس: « لو لم تفعلوا لصلح » ؛هو بالمعنى، وأنه على سبيل الظن لا الجزم ، وقد سبق كلام النووي في هذه الرواية أنه لم يكن هذا القول خبراً، وإنما كان ظناً كما بينته الروايات. وهذا الذي فهمه الأئمة من الحديث، فقد بوّب النووي للأحاديث الثلاثة بقوله:" باب وجوب امتثال ما قاله (1 )السنة التشريعية وغير التشريعية، (ص 32-33)، مصدر سابق (2 )فتح المنعم شرح صحيح مسلم، (9/233) بتصرف

عدد الصفحات ١٥

مجلة الحضارة الإسلامية ISSN: 1112-5357 المجلد19 العدد: الأول أبريل 2018 E-ISSN: 2602-5736 حديث تأبير النخل وشبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أ. السعدي كحلول Islamic Culture Review Number : ONE Volume : 19 April 2018 90 شرعا، دون ما ذكره  من معايش الدنيا على سبيل الرأي ، فقد قيد ما كان من معايش الدنيا ما كان سبيله ا لرأي والظن، لا ما كان سبيله الجزم، فإنه مما قاله شرعا. الوجه الثالث: أن هذا العموم الذي ادعاه هؤلاء معارض بالنصوص الكثيرة المتواترة التي تدل على أن التشريع النبوي يشمل مختلف أمور الدنيا ومجالاتها. وهذه النصوص منها ما هو عام وخاص، فالعام ما ورد من وجوب طاعته وامتثال أمره ونهيه، والتحذير من مخالفتهما، ووجوب الأخذ بكل ما جاء عنه، والرد إليه عند التنازع، وأن لا يكون للعبد خيرة فيما اختار له رسوله  وقضاه سواءً من أمر الدنيا أو الدين قال تعالى: (ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ) [32]،(ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ) [56]، (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ) [64]، وقال: (ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ) [63]،وقوله (أمره) مفرد مضاف، فيعم كل أنواع أمره وقال: (ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ) [59]،وقال: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ) [36]،(ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ) [7]، وكقوله  :«ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (1)، فعلق الأمر على الاستطاعة لا على نوعية المأمور به. وأما الخاص: فمنه ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله  أريد حفظه. فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول ا ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتاب. فذكرت ذلك لرسول ا  فقال«اكتب فو (1 )رواه البخاري (7288) ومسلم1337.)

عدد الصفحات ١٦