المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإساءة كما يصورها القرآن الكريم دراسة موضوعية

حذيفة مجدى المصري

صفحة ١٠ من ١٣

140 كالله تعالى لا ييحبُّ شيئان إلا كفيو الخير لنا، فيك عفكٌّ يي حبي العفكى ، كلذلؾ فيذه الصفة لابي د أف تأتي بالخير عمى مف يتحم ى بيا، كالله تعالى أعطى عباده الأمؿ بالعفك عف الذنكب: يقكؿ تعالى: (وَىُوَ ال ذِي يَقْبَلُ الت وْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ الس يِّنَاتِ وَيَعْمَمُ مَا تَفْعَمُونَ ) [الشكرل : ِٓ]. ولمعفو عن الناس ثوابٌ عظيمٌ ومنزلةٌ عاليةٌ عند الله تعالى سنتناول منيا ما يمي: ٔ- إف العفكى عف الناس كصيةه رب انيةه : حثنا الله تعالى في كتابو العزيز عمى العفك عف المخطئيف، كذلؾ في مكاضع عديدة، كسكؼ نذكر بعضيا فيما يمي : قاؿ الله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا وَيْرًا أَوْ تُوْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِن ال م وَ كَانَ عَفُو ا قَدِيرًا) [النساء:ٜٗٔ]. قاؿابف كثير عند تفسيره ليذه الآية الكريمة: "ءإف تيظيركا - أيُّيا الناس - خىيٍران مف طاعةو، كبر ، كقكؿو حسفو، كفعؿو حسفو ، أك تيخٍفيكهي أم: تخفكا ىذا الخير بأفٍ تعم مكه سران أىكٍ تىعٍفيكا عىفٍ سيكءو بأف تصفحكا عمف أساء إليكـ ، ييكافئكـ المٌو - تعالى- عمى ذلؾ مكافأةن حسنةن ، كيتجاكز عف خطاياكـ ، (فَإِن الم وَ كانَ عَفُو ا قَدِيراً ) أم: كثير العفك عف العصاة مع كماؿ قدرتو عمى مؤاخذتيـ كمعاقبتيـ فاقتدكا بيذه الصفات الحميدة لتنالكا محبة المٌو كرضاه)"ءُ). كقاؿ سبحانو: (وَجَزَاءُ سَيِّنَةٍ سَيِّنَةٌ مِثْمُيَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْمَحَ فَ َجْرُهُ عَمَى الم وِ إِن وُ لا يُحِب الظ الِمِينَ ) [الشكرل :َْ]، قاؿ ابف جرير الطبرم عند تفسيره ليذه الآية: "فمف عفا عمف أساء إليو، إساءتو إليو، فغفرىا لو، كلـ يعاقبو بيا، كىك عمى عقكبتو عمييا قادر، ابتغاء كجو الله؛ فأجر عفكه ذلؾ عمى الله، كالله مثيبو عميو ثكابو) "ءِ). (1)تفسير القرآن االعظيم 2/444 . (2)جامع البيان20/526 .

عدد الصفحات ١٤٦

141 كقاؿ سبحانو لنبيو: )وُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاىِمِينَ )[الأعراؼ :ُٗٗ]، قاؿ ابف جرير: "خذ العفك مف أخلبؽ الناس، كاترؾ الغمظة عمييـ، كقد أيمر بذلؾ نبيُّ الله في المشركيف "ءُ). ٕ- جعؿ اللهي تعالى العفكى عف الناس أقربى إلى التقكل، فقاؿ سبحانو: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِمت قْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِن الم وَ بِمَا تَعْمَمُونَ بَصِيرٌ ) [البقرة :ِّٕ] . كقد ذكر الشعراكم في تفسيره حديثان جميلبن في معنى ىذه الآية، كىك ماجاء عف أبي ىريرة  قاؿ: قاؿ رسكؿ ا : "أمرني ربي بتسع: وشية الله في السر والعلبنية وكممة العدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى وأن أصِ لَ من قطعني وأُ عطي من حرمني وأعفو عمن ظممني وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً ونظري عبراً " ءِ)ءّ). ٖ- إف العافيف عف الناس ثكابييـ رضا الله تعالى، كدخكؿ الجن ة، كما قاؿ سبحانو: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن ر بِّكُمْ وَجَن ةٍ عَرْضُيَا الس مَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِد تْ لِمْمُت قِينَ *ال ذِينَ يُنفِقُونَ فِي الس ر اء وَالض ر اء وَالْكَاظِمِي نَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ الن اسِ وَالمّوُ يُحِب الْمُحْسِنِينَ *) [آؿ عمراف : ُّّ-ُّْ]. ْ- العفك عظيـ الأجر كالثكاب لمف عمؿ بو، قاؿ تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْمَحَ فَ َجْرُهُ عَمَى الم وِ إِن وُ لاَ يُحِب الظ الِمِينَ) [الشكرل : َْ]، كقد ضرب لنا النبيُّ  مثالان ييحتذل بو في العفك، كالتسامح كالأخلبؽ، فعف أنس  قاؿ: (كنت أمشي مع رسول الله  وعميو رداء نجراني غميظ الحاشية ف دركو أعرابي فجبذه بردانو جبذة شديدة فنظرت إلى صفحة عاتق النبي  وقد أثرت بيا حاشية الرداء من شدة جبذتو ثم (1)جامع البيان10/642 . (2) جامع الأصول لابن الأثير 11/687، ح9317 ، وحسَّنو ابن الأث (3) تفسير الشعراوي 1/272 .

عدد الصفحات ١٤٧

142 قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليو فضحك ثم أمر لو بعطاء) ءُ). ٓ- العفك طريؽ المغفرة، قاؿ تعالى :(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِب ونَ أَن يَغْفِرَ الم وُ لَكُمْ وَالم وُ غَفُورٌ ر حِيمٌ ) [النكر: ِِ]، ك عف عبد الله بف مسعكد : كأنٍّي أنظري إلى النبي ، يحكي نبيان مف الأنبياء ضربو قكمي و فأدمكه، كىك يمسحي الد ـى عف كجيو كيقكؿ: (الميُ م اغْ فِ رْ لقَ ومِ ي فإن يم لا يَ عْ مَ مُ ون) ءِ). *** *** (4) رواه البخاري في صحيحو 7/146، ح5809، ومسلم في صحيحو2/730، ح1057 . (2) رواه البخاري في صحيحو 4/175، ح3477 .

عدد الصفحات ١٤٨

143 المبحث الثالث علبج القرآن الكريم للئساءة بالصفح عن الناس. كيشتمؿ عمى مطمبيف : المطمب الأكؿ: تعريؼ الصفح لغة كاصطلبحنا. المطمب الثاني: ثكاب الصفح عف الناس كفضمو.

عدد الصفحات ١٤٩

144 المطمب الأول: تعريف الصفح لغةً واصطلبحًا. الصفح لغةً: "ءصفح) الصاد كالفاء كالحاء أصؿه صحيحه مط رد يدؿُّ عمى عىرٍضءُ)، ك صفح الشيء عرضو كجانبو كصفحة الكجو كصفحة السيؼ كصفحة الحجر، كالصفح ترؾ التثريب كىك أبمغ مف العفك ؛ كلذلؾ قاؿ:(فاعفوا واصفحوا حتى ي تي الله ب مره )، كقد يعفكا الإنساف كلا يصفح قاؿ: (فاصفح عنيم وقل سلبم) – (فاصفح الصفح الجميل) – (أفنضرب عنكم الذكر صفحا) كصفحت عنو أكليتو منى صفحة جميمة معرضا عف ذنبو، أك لقيت صفحتو متجافيان عنو، أك تجاكزت الصفحة التي أثبت فييا ذنبو ءِ)، كقيؿ الصفح: ىك العفك كالجانب"ءّ). "كالصفح أصمو أف تنحرؼ عف الشيء فتكليو صفحة كجيؾ أم ناحيتو كذلؾ الإعراض كىك أف تكلي الشيء عرضؾ أم جانبؾ كلا تقبؿ عميو "ءْ). الصفح اصطلبحاً: "ىك إزالة أثر الذنب مف النفس، أك الإعراض عف المذنب بصفحة الكجو، كىك يشمؿ ترؾ العقاب كترؾ المكـ كالتثريب "ءٓ). *** *** المطمب الثاني: ثواب الصفح عن الناس وفضمو. إف الديفى الإسلبمي ديفه كامؿ كمتكامؿ؛ أنزلو الله تعالى ليسعد الخمؽ؛ فشرع الشرائع التي تضبط العلبقة بيف العبد كربو؛ ككذا العلبئؽ التي تككف بيف البشر بعضيـ ببعض؛ فكانت الأخلبؽ السامية؛ كالفضائؿ العالية التي جاء بيا الإسلبـ ىي مف أسمى الأخلبؽ التي عرفتيا البشرية نبلبن ككرمان كسماحةن. (1 )معجم مقاييس اللغة3/293. (2) الدفردات في غريب القرآن 1/282. (3 )الدعجم الوسيط لإبراىيم مصطفى 1/516 . (4 )الكليات1/18 . (5 )التفسير الدن1/269 .

عدد الصفحات ١٥٠

145 كا ف مف بيف الأخلبؽ الكريمة التي جاء بيا الإسلبـ: خمؽ الصفح، كالصفح ترؾ المؤاخذة، كتصفية القمب ظاىران كباطنان، كلقد دعا الله جؿ كعلب إلى الصفح ككصفو بالجميؿ، فقاؿ سبحانو كتعالى: (فَاصْفَحِ الص فْحَ الْجَمِيلَ ) [ٖٓ]، كىالص فٍحي الٍجىمًيؿي ىيكى ال ذًم لا عًتىابى مىعىو. كقد جاء الأمر بالصفح في عدة مكاضع مف القرآف الكريـ مقركنان بالعفك في بعضيا، كقد أمر الله سبحانو كتعالى نبيو محمدان  بالصفح عف مناكئيو قاؿ تعالى: (فَبِمَا نَقْضِيِمْ مِيثَاقَيُمْ لَعَن اىُمْ وَجَعَمْنَا قُمُوبَيُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَمِمَ عَنْ مَوَاضِعِوِ وَنَسُوا حَظّاً مِم ا ذُكِّرُوا بِوِ وَلا تَزَالُ تَط مِعُ عَمَى وَانِنَةٍ مِنْيُمْ إِلا قَمِيلبً مِنْيُمْ فَاعْ فُ عَنْيُمْ وَاصْفَحْ إِن الم وَ يُحِب الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: ُّ] . كقاؿ تعالى: (وَمَا وَمَقْنَا الس مَاوَاتِ والأرض وَمَا بَيْنَيُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَا ِن الس اعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الص فْحَ الجَمِيلَ) [الحجر:ٖٓ]. كقاؿ تعالى(فَاصْفَحْ عَنْيُمْ وَقُلْ سَلبمٌ فَسَوْفَ يَعْمَمُونَ ) [الزخرؼ :ٖٗ]. قال السعدي في تفسيره "أم اصفح عنيـ ما يأتيؾ مف أذيتيـ القكلية كالفعمية، كاعؼ عنيـ، كلا يبدر منؾ ليـ إلا السلبـ الذم يقابؿي بو أكلك الألباب كالبصائر الجاىميف" ءُ). كقد تمث ؿ النبيُّ  بيذا الخمؽ الكريـ أيما تمثؿ؛ بؿ كاف  مكصكفان بالصفح كالتجاكز؛ كما ركل الإماـ أحمد كغيره كأصمو في الصحيح أف عائشة رضي الله عنيا لمٌا سيئًمىت عف خميؽ رسكؿً الله  فقالت (لم يكن فاحِشًا ولا متفحِّشًا ولا صو ابًا في الأسواق ولا يجزِي بالسيِّنة السينة و لكن يعفو ويصفح)ءِ). (1) تيسير الكريم الرحمن 1/770 . (2) رواه أحمد في مسنده43/199، ح26091، وصححو الألباني في السلسة الصحيحة5/130 ، ح2095 .

عدد الصفحات ١٥١

146 كقد أعجبتنني أبيات شعرية ذكرىا القرطبي في تفسيره "سَ ُلْزِمُ نَفْسِيَ الص فْحَ عَنْ كُلِّ مُذْنِبٍ*** وَا ِنْ كَثُ ـــرَتْ مِنْ ـــوُ إلَي الْجَرَانِ ــــمُ فَمَ ـــا الن اسُ إلا وَاحِ ـــــدٌ مِ ـــــنْ ثَلبَثَ ـــةٍ *** شَرِيفٌ وَمَشْرُوفٌ وَمِثْلٌ مُقَاوِمُ فَ َم ـــــــا ال ـــــذِي فَوْقِ ــي فَ ــــ َعْرِفُ قَدْرَهُ *** وَأَتْبَ ــــعُ فِيوِ الْحَ ــق وَالْحَ ــــق لاَزِمُ وَأَم ـــــا ال ذِي دُونِي فَ َحْ ــــمُمُ دَانِ ـــــــــبًا *** أَصُونُ بِوِ عِرْضِي وَا ِنْ لاَمَ لاَنِمُ وَأَم ـــــا ال ذِي مِثْمِي فَإِنْ زَل أَوْ ىَفَا *** تَفَض مْتُ إن الْفَضْلَ بِالْفَوْرِ حَاكِمُ "ء1). *** *** (1) الجامع لأحكام القرآن 15/362.

عدد الصفحات ١٥٢

147 المبحث الرابع علبج القرآن الكريم للئساءة بالمغفرة لمناس. كيشتمؿ عمى مطمبيف: المطمب الأكؿ: تعريؼ المغفرة لغةن كاصطلبحنا. المطمب الثاني: ثكاب المغفرة لمناس كمنزلتيا .

عدد الصفحات ١٥٣

148 المطمب الأول: تعريف المغفرة لغةً واصطلبحًا. المغفرة لغةً: "ءغفر) الغيف كالفاء كالراء عيظٍـي بابًو الس تٍر، ثـ يشًذُّ عنو ما ييذكر، فالغىفٍر: الس تر. كالغيفٍراف كالغىفٍري بمعنىىن. يي قاؿ: غىفىر الله ذنبو غىفٍرن ا كمىغفًرةن كغيفرانن ا"ءُ). كالمغفرة : "ىي إسقاط العذاب الركحاني ، كىي تغطية الذنب بإيجاب المثكبة ءِ)، كأصؿ الغفر التغطية كالستر غفر الله ذنكبو أم سترىا "ءّ). المغفرة اصطلبحاً: "ستر الجي رـ صكنن ا عف عذاب التخجيؿ كالفضيحةءْ)، كقيؿ: أف يستر القادر القبيح الصادر ممف تحت قدرتو "ءٓ). المطمب الثاني: ثواب المغفرة لمناس ومنزلتيا. إف المغفرة لمناس مف الكسائؿ العلبجية التي يمتاز بيا المؤمف، كتجعمو قريبان مف الله تعالى، حيث إف لممغفرة منزلة عظيمة تجعؿ صاحبيا يصؿ إلى درجة الإحساف ، كىك الذم ييقابؿ الإساءة بالإحساف، كيناؿ مغفرة الله تعالى، كقد كردت آياته تدؿُّ عمى ثكاب المغفرة لمناس، كىي عمى النحك التالي: ُ- قاؿ تعالى: (وَلاَ يَ ْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالس عَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُيَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ الم وِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِب ونَ أَنْ يَغْفِرَ الم وُ لَكُمْ وَالم وُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [النكر:ِِ] . قال ابن كثير: "ىذه الآية نزلت في الصدٍّيؽ، حيف حمؼ ألا ينفع مًسٍطىح ابف أثاثة بنافعة بعدما قاؿ في عائشة ما قاؿ،... فمما أنزؿ الله براءةى أـٍّ المؤمنيف عائشة، كطابت النفكس المؤمنة كاستقرت، كتاب الله عمى مىف كاف تكم ـ مف المؤمنيف في ذلؾ، كأيقيـ الحدُّ عمى مىف أيقيـ عميو، شىرىع تبارؾ كتعالى، كلو الفضؿ كالمنة، ييعطٍّؼي الصدٍّيؽ عمى قريبو كنسيبو، كىك (1) معجم مقاييس اللغة4/385. (2)الفروق اللغوية1/363 . (3)لسان العرب 5/25 . (4)الكليات1/1001. (5)التعريفات1/286.

عدد الصفحات ١٥٤

149 مًسٍطىح بف أثاثة، فإن و كاف ابف خالة الصديؽ، ككاف مسكيننا لا ماؿ لو إلا ما ينفؽ عميو أبك بكر ككاف مف المياجريف في سبيؿ الله، كقد كىلىؽ كىلٍقىة تاب الله عميو منيا، كضيرب الحد عمييا. ككاف الصديؽ  معركفنا بالمعركؼ، لو الفضؿ كالأيادم عمى الأقارب كالأجانب، فمما نزلت ىذه الآية إلى قكلو : (أَلاَ تُحِب ونَ أَنْ يَغْفِرَ الم وُ لَكُمْ وَالم وُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أم: فإف الجزاء مف جنس العمؿ، فكما تغفر عف المذنب إليؾ نغفر لؾ، ككما تصفح نصفح عنؾ. فعند ذلؾ قاؿ الصديؽ: بمى، كالله إن ا نحبُّ -يا ربنا -أف تغفر لنا، ثـ رىجىع إلى مسطح ما كاف يصمو مف النفقة، كقاؿ: كالله لا أنزعيا منو أبدنا، في مقابمة ما كاف قاؿ: كالله لا أنفعو بنافعة أبدنا، فميذا كاف الصديؽ ىك الصديؽ  كعف بنتو"ءُ)ءِ). كيتبي في مف قصة أبكرو الصدٍّيؽ  أف المغفرة لمناس سببه في مغفرة الله تعالى، كأن و مف غفر لمناس غفر اللهي تعالى لو، كىذا ما فعمو الصدٍّيؽ  مع مًسٍطىح بف أثاثة، لكي يناؿ مغفرة الله تعالى ، فإف الجزاء مف جنس العمؿ . ِ- قاؿ تعال ى: (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَمَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ المّوُ لَكُمْ وَىُوَ أَرْحَمُ الر احِمِينَ) [يكسؼ:ِٗ] . ىذه الآية نزلت في نبي اللهً يكسؼ –- عندما قاؿ لإخكتو لا تثريب عميكـ، أم: "لا تعيير عميكـ اليكـ كلا عيب كلا عار عميكـ كأصؿ التثريب الإفساد ، كيي قاؿ: ثرب الأمر عمينا إذا أفسد، ثـ قاؿ: يغفر الله لكـ فيما فعمتـ كىك أرحـ الراحمي ف" ءّ). تضم نت ىذه الآيةي كؿ كسائؿ علبج الإساءة لسيدنا يكسؼ –- مف كظـو لمغيظ، ك عفكو، كصفحو، كمغفرةو، لذلؾ كاف مف المحسنيف كما قاؿ ربُّنا في أكاخر السكرة: (إِن وُ مَن يَت قِ وَيِصْبِرْ فَإِن المّوَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يكسؼ:َٗ] . (1) رواه البخاري في صحيحو 6/107، ح4757 . (2) انظر تفسير القرآن العظيم 6/31 . (3 )بحر العلوم2/209.

عدد الصفحات ١٥٥

150 كقد ظيرت مغفرة يكسؼ  لإخكتو مف خلبؿ ستره لجيرميـ خشية الفضيحة، ككذلؾ عفكه عنيـ الذم ييعتبر مف ضمف المغفرة ليـ، حيث دعا ليـ بأف يغفر الله تعالى ليـ. ّ- قاؿ تعالى: (وَال ذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَانِرَ الآثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَا ِذَا مَا غَضِبُوا ىُمْ يَغْفِرُونَ) [الشكرل:ّٕ]، أم: "قد تخم قكا بمكارـ الأخلبؽ كمحاسف الشيـ، فصار الحمـ ليـ سجية، كحسف الخمؽ ليـ طبيعة حتى إذا أغضبيـ أحده بمقالو أك فعالو، كظمكا ذلؾ الغضب فمـ ينفذكه، بؿ غفركه، كلـ يقابمكا المسيء إلا بالإحساف كالعفك كالصفح، فترت ب عمى ىذا العفك كالصفح، مف المصالح كدفع المفاسد في أنفسيـ كغيرىـ شيءه كثيره " ءُ). قيؿ: "نزلت في عمر حيف شتـ بمكة، كقيؿ : في أبي بكرو حيف لامى وي الناسي عمى إنفاؽ مالو كمو كحيف شتـ فحمـ، كعف عمي  قاؿ : اجتمع لأبي بكر ماؿ مرة ، فتصدؽ بو كمو في سبيؿ الخير؛ فلبمو المسممكف كخطأه الكافركف فنزلت : (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الد نْيَا وَمَا عِنْدَ الم وِ وَيْرٌ وَأَبْقَى لِم ذِينَ آمَنُوا وَعَمَى رَبِّيِمْ يَتَوَك مُونَ ) - إلى قكلو (وَا ِذَا مَا غَضِبُوا ىُمْ يَغْفِرُونَ )" [ّٕ]كقاؿ ابف عباس :"شتـ رجؿه مف المشركيف أبا بكر فمـ يرد عميو شيئا ؛ فنزلت الآية ، كىذه مف محاسف الأخلبؽ؛ يشفقكف عمى ظالميـ كيصفحكف لمف جيؿ عمييـ؛ يطمبكف بذلؾ ثكاب الله تعالى كعفكه"ءِ). *** *** (1) تيسير الكريم الرحمن 1/759 . (2 )الجامع لأحكام القرآن 16/35 .

عدد الصفحات ١٥٦

151 المبحث الوامس علبج القرآن الكريم للئساءة بالإحسان إلى الناس. كيشتمؿ عمى مطمبيف: المطمب الأكؿ: تعريؼ الإحساف لغةن كاصطلبحنا. المطمب الثاني: ثكاب الإحساف إلى الناس كمنزلتو .

عدد الصفحات ١٥٧

152 المطمب الأول: تعريف الإحسان لغةً واصطلبحًا. الإحسان لغةً: "الإحٍسىاف ضًدُّ الإساءة، كىك مصدر أحسف أم جاء بفعؿ حسف "ءُ). الإحسان اصطلبحاً: "الإحٍسىاف نكعاف: ُ- إحسان في عبادة الوالق: بأف يعبد الله كأن و يراه فإف لـ يكف يراه فإف الله يراه. كىك الجًدُّ في القياـ بحقكؽ الله عمى كجو النُّصح، كالت كميؿ ليا. ِ- إحسانٌ في حقوق الوَمْ ق: ىك بذؿ جميع المنافع مًف أم نكعو كاف، لأم مخمكؽ يككف، كلكن و يتفاكت بتفاكت المحٍسىف إلييـ، كحقٍّيـ كمقاميـ، كبحسب الإحٍسىاف، كعظـ مكقعو، كعظيـ نفعو، كبحسب إيماف المحٍسًف كا خلبصو، كالس بب الد اعي لو إلى ذلؾ". 2) وقال الراغب : "الإحساف عمى كجييف: أحدىما: الإنعاـ عمى الغير، كالثاني: إحساف في فعمو، كذلؾ إذا عمـ عممنا حسننا أك عمؿ عملبن حسننا "ءِ). *** *** المطمب الثاني: ثواب الإحسان إلى الناس ومنزلتو. إف الإحسافى أعمى مراتب العبادة، كىك طريؽه ييكصؿي صاحبو إلى درجة التقكل، كلذلؾ فإف الله تعالى كتب الإحساف عمى كؿٍّ شيء، كما قاؿ النبي : "إًف اللهى كىتىبى الإًٍحٍسىافى عىمىى كيؿٍّ شىيٍءو ..."ءّ)، كقد أمر اللهي -تعالى-بالإحساف أمران مطمقان عام ان، فقاؿ سبحانو:( وَأَحْسِنُوَاْ إِن المّوَ يُحِب الْمُحْسِنِينَ) [البقرة :ُٓٗ] ، كقاؿ أيضان(إِن المّوَ يَ ْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَا ِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْيَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَم كُمْ تَذَك رُونَ) [النحؿ:َٗ] . (1) الفروق اللغوية1/81 . (2) بهجة قلوب الأبرار للسعدي 1/200. (3 )رواه مسلم في صحيحو 3/1548، ح1955 .

عدد الصفحات ١٥٨

153 كأمر بالإحساف ميقيٌدان ميفصلبن، فأمر بالإحساف إلى الكالديف، كأمر بالإحسافً إلى الأقرباء كا لى الجار كالفقراءً كالضعفاءً، كبالإحساف إلى المنككبيف بككارثى ككنيٌة أك عدكٌ نازؿ، كبالإحساف إلى اليتامى كغيرىـ . كأجمعي الآياتً في كتابً اللهً -تعالى-التي تأمري بالإ حسافً إلى الن فس كالإحساف إلى الخمؽً قكلو تعالى: (وَاعْبُدُواْ المّوَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِوِ شَيْناً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالص احِبِ بِالجَنبِ وَابْ نِ الس بِيلِ وَمَا مَمَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِن المّوَ لاَ يُحِب مَن كَانَ مُوْتَالاً فَوُوراً) [النساء:ّٔ] . وللئحسان ثوابٌ عظيمٌ وثمراتٌ يجنوىا المُحسنُ في الدنيا والآورة ف م ا ثمرات الإحسان في الدنيا فمنيا: ٔ- محبة الله تعالى: ( وَأَحْسِنُوَاْ إِن المّوَ يُحِب الْمُحْسِنِينَ) [البقرة :ُٓٗ] . ٕ- الا نتفاع بالقرآن الكريم: (الم* تِمْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ *ىُدًى وَرَحْمَةً لِّمْمُحْسِنِينَ *) [لقماف:ُ-ّ]. ٖ- رحمة الله تعالى بيم: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلبَحِيَا وَادْعُوهُ وَوْفاً وَطَمَعاً إِن رَحْمَتَ المّوِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراؼ :ٔٓ] . ٗ- الت ييد والنصر من الله تعالى: (إِن المّوَ مَعَ ال ذِينَ ات قَواْ و ال ذِينَ ىُم م حْسِنُونَ) [النحؿ:ُِٖ] . ٘- العمم والحكمة: (وَلَم ا بَمَغَ أَشُد هُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِمْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [يكسؼ:ِِ] . وأم ا ثمرات الإحسان في الآورة فمنيا: ٔ- الفوز برضا الله تعالى: (وَالس ابِقُونَ الأَو لُونَ مِنَ الْمُيَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَال ذِينَ ات بَعُوىُم بِإِحْسَانٍ ر ضِيَ المّوُ عَنْيُمْ وَرَضُواْ عَنْوُ وَأَعَد لَيُمْ جَن اتٍ تَجْرِي تَحْتَيَا الأَنْيَارُ وَالِدِينَ فِييَا أَبَد اً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التكبة:ََُ]

عدد الصفحات ١٥٩

154 ٕ- عدم إضاعة الأجر: (إِن ال ذِينَ آمَنُوا وَعَمِمُوا الص الِحَاتِ إِن ا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلبً) [الكيؼ:َّ] . ٖ- دوول الجنات: (فَ َثَابَيُمُ المّوُ بِمَا قَالُواْ جَن اتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِيَا الأَنْيَارُ وَالِدِينَ فِييَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ) [المائدة:ٖٓ] . ٗ- الجزاء من جنس العمل: (ىَلْ جَزَاء الإحْسَانِ إِلاَ الإحْسَانُ) [الرحمف :َٔ] . ٘- النظر إلى وجو الله الكريم: (وُجُوهٌ يَوْمَنِذٍ ن اضِرَةٌ *إِلَى رَبِّيَا نَاظِرَةٌ ) [ِِ- ِّ] كعىفٍ صييىيٍبو  ، قىاؿى: قىاؿى رىسيكؿي الم وً :(إِذَا دَوَلَ أَىْلُ الْجَن ةِ الْجَن ةَ نُودُوا: يَا أَىْلَ الْجَن ةِ إِن لَكُمْ عِنْدَ الم وِ مَوْعِدًا لَمْ تَرَوْهُ فَقَالُوا: وَمَا ىُوَ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوىَنَا وَيُزَحْزِحْنَا عَنِ الن ارِ وَيُدْوِمْنَا الْجَن ةَ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ قَالَ: فَيَنْظُرُونَ إِلَيْوِ فَوَالم وِ مَا أَعْطَاىُمُ الم وُ شَيْنًا أَحَب إِلَيْيِمْ مِنْوُ ( ثُم قَرَأَ: )لِم ذِينَ أَحْ سَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ( [يكنس:ِٔ]ءُ) في النياية: إف ىذه الكسائؿ العلبجية ىي بمثابة الحياة لممسمميف لبناء مجتمعو قائـو عمى الأخلبؽ الحسنة، لذلؾ أقكؿ لكؿٍّ مسمـو إذا أردت أف تعرؼ مقامىؾ فانظر أيف أقامىؾ، إف عفكتى عفا عنؾ، كا ف صفحتى صفحى عنؾ، كا ف غفرتى غفرى لؾ، كا ف أحسنتى أحسفى إليؾ. أسأؿي اللهى تعالى أف أككف قد كيفٍّقت في كتابة ىذا المكضكع، كقد عاد عمى قارئيو بالنفع، كما أسألو تعالى الإخلبص في كؿٍّ كممة كتبتيا، كاللهي المكفٍّؽ. *** *** (1) رواه أحمد في مسنده39/347 ، ح23925، وصححو الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادتو1/152 ،ح239 .

عدد الصفحات ١٦٠

155 الواتمة وتشتمل عمى أىم النتانج والتوصيات: أولاً: النتانج: ُ-أف الأخلبؽ الحسنة، كالإلتزاـ بيا، كالإبتعاد عف الإساءة لممسمميف طريؽه ييكصؿي إلى الجنة، ككسيمةه لبناءً مجتمعو سميـو مف العيكب، كمتآلفة فيو القمكب، لمكصكؿ إلى ما ىك مطمكب. ِ-أف الإساءة جاءت في القرآف الكريـ بمعاني عديدة، كأساليب متنكعة دل ت عمى مفيكميا بحسب المكضع كالإستخداـ، حيثي أف ليا مشتقات كثيرة، كنظائر كفيرة، كأساليب غزيرة تدلٍّؿي عمى معنى الإساءة. ّ-تحذير القرآف الكريـ، كالسنة النبكية مف الكقكع في الإساءة لًما يترت بي عمييا مف آثاـ كآلاـ. ْ-حرص القرآف الكريـ كالسنة النبكية عمى مقابمة الإساءة بالإحساف. ٓ-خطكرة مف ييسيَ إلى ذات الله تعالى كأسمائو كصفاتو، مع كجكد كثير مف الفرؽ التي أساءت إليو، كالمعتزلة، كالأشاعرة، كالجيمية. ٔ-مماداة الييكد كالنصارل كالمشركيف في إساءتيـ لله تعالى قكلان كفعلبن، فمف الأقكاؿ مثلبن: قكؿ الييكد عزير ابف الله، كقكؿ النصارل المسيح ابف الله، كقكؿ المشركيف أف

عدد الصفحات ١٦١