المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فقه العطور

مالك مسعد الفرح

صفحة ١ من ٣

7/7/2009م

عدد الصفحات ١

2 تقريظ ما ساقه الشيخ أعني مالك اليمني في الطيب ما سيق في الماضي من الزمن جزءٌ صغيرٌ ولكـــن في دلالتـــه ومحتــواه كبــيرٌ لا يُمَـــلُّ سَنِــــي فاقَ التصانيف في استيعاب مبحثه وفي الوضوحِ وفي أسـلوبه الحســـنِ إذا تصفّحتـــه تملفِي مســائلــه قـد أم صلـت كله ـا بالآي والسُّ ـنَ ـنِ فيه مسائل كان الشيخ أسندها عن كل عدل صحيـح النقل مؤتَ ـن لا زلتَ تمبصر ما تهوى وتسمع ما يَ سم ــرُّ يا شـيخنـا بالعـينِ والأذنِ وعشتَ عمراً قريرَ العينِ م غتبطاً بالنفـسِ والأهلِ والأولادِ والوطـنِ صلى وســلَّم ربّ العالميـن على طــه الحبيب الشفيع الهاشـمي المدني. بقلم: الشيخ عبد الله الشيخ محمد الحسني الشنقيطي القائم بشؤون الوعظ والفتوى بمكتب أوقاف الذيد بالشارقة

عدد الصفحات ٢

3 المقدمة الحمد لله خالق العطور، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على مر العصور، وأصلي وأسلم على الطيب الزكي الطهور محمد بن عبد الله، وآله كل طيب وشكور، وعلى من سار على دربه إلى يوم النشور، وبعد: حب الرائحة الطيبة فطرة كل إنسان، ودليل ذلك وجود علاقة حميمة بينهما على مر الدهور، وقد حرص المرء أن يقت ني الطيب ولو كلفه أثماناً باهظة؛ لأنه حبيب غال ، و لقد كان الطيب صديقاً للإنسان ملتصقاً به، منذ خلق آدم وإلى يومنا هذا، وسيظل الطيب قريناً للمسلم حتى تنتهي الدنيا، ثم يصحبه في قبره، وبعد ذلك يخلد معه في جنات النعيم. ولا يخفى على كل من يتصفح كتب البشرية حاض رها أو ماضيها، ما للطيب من نصيب وافر، حيث تنوعت الكتابة فيه بأقلام ملونة: قديُة وحديثة ، مسلمة وغير مسلمة، غير أني سأكتب بطريقة خاصة لا يهمني وافقت هذه العلاقة الوثيقة تبين أهمية الطيب بالنسبة للإنسان المسلم، وهذا بدوره يوضح أهمية الكتابة في هذا الموضوع. أ و خالفت فيها غيري ممن كتب في الطيب، معتمداً في ذلك على كتاب الله و سنة رسوله ، جاعلاً نصب عيني ما ورثه سلف هذه الأمة من آثار وأخبار لأصوغ منها عقداً فريداً ؛ ليكون ذكرى للمتقين وأنساً للطيبين وسميته - فقه العطور-. وقمت بتفصيل الكتاب إلى خمسة فصول كل فص ل يحتوي على سؤال وإجابته، فكان هذا الكتاب مفصلاً كما يلي: - الفصل الأول: لماذا نتطيب؟ - الفصل الثاني: متى نتطيب؟ - الفصل الثالث: ماذا نطيب؟ - الفصل الرابع: متى يحرم الطيب؟ - الفصل الخامس: متى يكره الطيب؟ آملاً من ربي أن يجعل عملي خالصاً صواباً نافعاً إنه سميع مجيب. كتبه: مالك مسعد الفرح الإمارات – الشارقة – الند 7/7/2009 م

عدد الصفحات ٣

4 الفصل الأول لماذا نتطي ب؟ غالبية الناس يتطيبون في أوقات كثيرة، فما الذي يدفعنا للتطيب؟ ومن خلال تتبعي للآثار وإعمال العقل وجدت إجابات لهذا التساؤل منها: 1) نتطيب لأن الله طيبٌ يحب الطيب: قال :" إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود"(1). التطيب عند المسلم عبادة يؤجر عليها ويثاب؛ فالله يحب الطيب، والمسلم يحب ما يحبه الله، ويتطيب لكي يحبه الله. 2) نتطيب لأن رسول  يحبالطيب: قال :"حبب إلى من الدنيا النساء والطيب"(2). وكان  يكثرمنه، وإذا مشى بالليل يعرف بريح الطيب (3)، وكان لا يسلك طريقاً فيتبعه أحدٌ إلا عرف أنه قد سلكه؛ من طيب عرقه (4)، وكان له وعاءٌ يتطيب منه (5). وكان يستجمر بالعودة الصافية وبالعودة لوطة بغيرها من الطيب (6). وكان يبا لغ في التطيب حتى قبل إحرامه بالحج، قالــــت زوجته عائ شة رضي الله عنها: طيبت رسول الله  عندإحرامه ، فرأي ـت الطيب في مفرق رأس ــــه بعد ثلاث وهو محرم (7)، ولكثــرة تطي ـب النبي  يُ لمـت حتى احمر شــعرهم (8). هذا اهتمامه بالطيب رغم أنه  لم يكن محتاجاًإليه؛ لأنه  كان طيباً بنفسه، قال عنه خادمه أنس بن مالك  :" ما شــممت مسكـــة ولا عنبرة أطيب من ريح عرق رسول الله  "(9). _______________ (1) الترمذي5/111، رقم 2799. (2) النسائي7/61 رقم3939. (3) الدارمي1/45 رقم65،66. (4) الدارمي1/45 رقم65،66. (5) أبو داود2/475 رقم4162. (6) مسلم4/1766 رقم2254. (7) ابن حبان9/84 رقم3768. (8) البخاري3/1302 رقم3354. (9) ابن حبان14/212 رقم6304.

عدد الصفحات ٤

5 بل كانت أم أنس تجمع العرق من فراش الن  وتجعله في قوارير الطيب (1)، فرآها النبي  فقال:" ما هذا؟" فقالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو أطيب الطيب (2). وعندما مات أنس أوصى أن يجعل في حنوطه من شعر وعرق الن  الذي جمعتهأمه (3). هذا هو النبي محمد وعرقه أطيب الطيب، ومع ذلك كان يكثر من الطيب ويحبه، فمن أحب النبي  أحب ما يحب قال :" لا يؤمن أحدكم ح تى يكون هواه تبعاً لما جئت به "(4)، فحب التطيب مما جاء به النبي  ، فينبغي لكل مسلم أن يحبه، وأن يكثر منه؛ لتكون محبته للنبي  كاملة. 3) نتطيب لأن التطيب سنة كل المرسلين عليهم الصلاة والسلام: قال :" أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح" (5). فالرسل قدوة البشر، والتعطر من سننهم، فينبغي للمسلم أن يتعطر، وأن يجعله سنة من سننه الملازمة لحياته؛ لأنه يُشي على نهج الأنبياء، و لأن المسلم قدوة للناس، وشاهدٌ عليهم. 4) نتطيب لأنه فطرة البشر فكل نفس سوية تحب الطيب وتكرهم الجيفة، ولا ينكر الإ نسان دافع الفطرة بداخله، التي تجذبه نحو الروائح الطيبة وتباعده عن الر وائح الخبيثة، فحب الطيب علامة على سلامة الفطرة أو مرضها، فلا يحب الطيب إلا إنسان صحيح، ولا يكرهه إلا مريض . 5) نتطيب تشبهاًبالصالحين: كان النبي  يأمر أصحابه بالنظافةوالتطيب، و ينهاهم عن ضد ذلك؛ مما أثر في نفوسهم فصاروا نموذجاً واضحاً في النظاف ة والتطيب، بهم نقتدي وعلى خطاهم نمشي، قال عمر بن الخطاب  :)لو كنت تاجراً ما اخترت على العطر شيئاً إن فاتني ربحه ما فاتني ريحه( (6) . وقالت سرية بنت ذكوان:( كنا نأتي عمر بن الخطاب بالغالي والذريرة في ذلك المسك، فيبدأ يخضب لحيته بالخلوق، ويضمخ لحيته بالغالية، ويتذرر ويستجمر ((7)، وكان نعيم بن عبد الله المجمر مولى عمر بن الخطاب  يَُِّر المسجد، ويحمل المجمرة قدام عمر إذا خرج إلى الصلاة في _______________ (1) ابن حبان14/212 رقم6305. (2) مسلم4/1815 رقم2331. (3) البخاري5/2316 رقم 5925. (4) الأربعون النووية الحديث رقم41. (5) الترمذي3/391 رقم1080. (6) إصلاح المال1/81 رقم251. (7) عبد الرزاق4/320 رقم935.

عدد الصفحات ٥

6 شهررمضان (1). وعبد الله بن عمر  كان يتبخرلعـود ويقـــول:" كان رســول الله  يفعلهكذا" (2)، وكان يجمر ثيابــه ك ـل جمعة (3). بل من الصحابة مَ ن كان إذا مرَّ بطريق عم رِ ف أنه قد مشى منه، كما روي ذلك عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وأبي قتادة وأبي أسيد الساعدي (4)، وكان عبد الله بن جعفر يسحق المسك ويضعه على رأسه (5). واستمر الطيب رفيقاًللصالحين من بعد الصحابة فهذا الإمام الزهري كان يكثر من الطيب، وسئل عنه ابن أخيه هل كان عمك الزهري يتطيب؟ فقال: كنت أشم ريح المسك من سوط دابته (6). وكان أبو جعفر محمد بن علي يدعو نفراً من المسلمين كل جمعة فيطعمهم ويطيبهم ويبخرهم، ثم يروحون إلى المسجد من بيته (7). وأئمة الدين المتبعون أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ،كلهم قدوة في التزين والتطيب : فأبو حنيفة كان يكثر من العناية بثيابه ، مكثراً للطيب ، حسن الهيئة ، جميل المنظر ، ومثله بقية الأئمة : فكان الإمام مالك إذا أراد أن يحدث الناس ، اغتسل ولبس أجمل الثياب وتطيب بأجود الطيب ، ثم يجلس يحدث الناس ومجامر العود تعبق بالطيب حتى ينتهي المجلس ، فسئل عن ذلك فقال : إكراماً لحديث رسول الله  (8) ، وقال الإمام الشافعي : (من نظف ثوبه قل همه ، ومن طابت ريحه زاد عقله )(9) ، وكان الإمام أحمد يحب الطيب كثيراً ، و كان له صينية يضع فيها مرآة ومكحلة ومشط ، فإذا فرغ من قراءة حزبه نظر في المرآة واكتحل وامتشط (10). فهؤلاء الأئمة أجمعت الأمة على جواز تقليدهم واتباع مذاهبهم، وقد كانوا قدوة للناس في النظافة والتطيب؛ لأنهم ورثة الأنبياء و خلف صحابة النبي الكريم، فينبغي لنا أن نتشبه بهم لنفلح كما أفلحوا: وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبـــه بـالكـــرام فــلاح. _______________ (1) تهذيب التهذيب10/414. (2) مسلم 4/1766 رقم2254. (3) ابن أبي شيبة 1/481 رقم5548. (4) ابن أبي شيبة5/304 رقم62329. (5) ابن أبي شيبة 5/304 رقم62335. (6) حلية الأولياء3/371. (7) الإخوان23711 رقم203، مكارم الأخلاق1/100 رقم314. (8) الشفاء2/37، فقه العبادات– حنفي 1/7. (9) الإحياء1/181. (10) المغني 1/106، الشرح الكبير 1/133.

عدد الصفحات ٦

7 ولله الحمد والمنة يزال علماء الأمة وصلحاؤها هم أنظف الناس ثياباً وأطيبهم ريحاً إلى يومنا هذا. 6) نتطيب إكراماً للملائكة: قال  :"من أكل البصـل والثوم والكـراث فلا يقربـن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم "(1). وكما يحب الإنسان الطيب فالملائكة تحبه، بل قال العلماء أن الطيب للملائكة كالغذاء (2)، قلت: و لعله الشيء الوحيد من أمور الدنيا الذي تشتهيه الملائكة، وقد روي أن سلمان الفارسي  لما حضرته الوفاة أمر زوجته أن تنضح المكان بالمسك فقالت له لم ذلك؟ فقال:( إنه يحضرني خلق من خلق الله لا يأكلون الطعام ويجدون الريح ( (3). فالمسلم يتعطر ليحسن إلى جيرانه منالملائكة، فله بذلك أجر وثواب من الله؛ لأنهم عباد الله المكرمو ن الذين لا يعصون الله ويفعلون ما يؤمرون. ومـــن المعلـــوم أن الملائكـــة لا تفـــارق الإ نســـان إلاَّ عنـــد الخـــلاء والجمـــاع ، فلـــزم إكـــرامهم بالطيـــب دائماً قال تعالى:             (4). 7) نتطيب لنطردالشياطين: فالشياطين لا تحب الطيب، بل تحب الر ائحة الكر يهة، وتسكن أماكن النتن والأوساخ قال  :" إن هذه الحشوش– أماكن الخلاء – محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث"(5). والخبث هم ذكور الشياطين والخبائث إناثهم، قال  : " لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الـر جس الـنجس الخبيـث المببـث الشـيطان الـرجيم " (6). فـيفهم مـن هـذا أن الشـياطين يعشـقون الـريح الخبيثـة، إذ لكـل روح مـا يناسـبها، قـال _______________ (1) مسلم1/394 رقم564. (2) فيض القدير3/456 رقم 3958. (3) ابن أبي شيبة2/461 رقم11037. (4) الانفطار آية رقم: 10،11 و12. (5) أبو داود1/49 رقم6. (6) ابن ماجة1/109 رقم299.

عدد الصفحات ٧

8 تعا:  الخخَبِيثِات         (1) قال ابنالقيم:( وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر منه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الخبيثة، وكل روح تيل إلى ما يناسبها( (2)، فالمسلم حينما يتطيب يؤذي الشيطان فيبتعد عنه، ومن يحارب الشيطان يكو ن من أولياء الله و له بذلك ثواب من عند الله، فالمتطيب ممعاد للشيطان، والله أمرنا بعداو ة الشيطان فقال:         (3). 8) نتطيب صدقةً وإحسانا إلى الآخرين ودفعاً للأذى عنهم: فالطيب من المعروف "وكل معروف صدقـــة"(4)، ومن يتطيب، فقد تصَ دَّ ق بالريح الطيبة على كل من يشـمه، وكـــما أن الذي لا يتنظف يؤذي الملائك ـــة وبني آدم، فالمتطيب يحس ـن إليهم ويدخل الس ر و ر إلى قلوبهم، ومن يتطيب يكف أذاه عن الملائكة والناس، وكــف الأذى عن الآخرين صدقة وإحسان. 9) نتطيب للتداويوالعلاج: قال :"عليكم بهذا العود الهندي؛ فإن فيه سبعة أشفيه: يستعط به من العذرة، وي لد به من ذات الجنب"(5)، فطيب العود شفاء لسبعة أمراض منها: التهاب الحلق واللوزات والتهاب الرئة المصحوب بسعال وحمى. وروي عنه  أنه قال:" اكتحلوا بالإثمد المطيب فإنه يجلو البصر وينبت الشعر"(6). ويحكى عن الإمام علي بن أبي طالب  أنهقال:(تشمموا النرجس ولو في العام مرة ، فإن في قلب الإنسان حالة لا يزيلها إلا النرجس (, وعن الأحنف بن قيس  أنهقال:(إن شم رائحة المسك يحي القلب( (7). _______________ (1) النور آية رقم 26. (2) زاد المعاد 4/256. (3) فاطر: 6. (4) البخاري5/2241 رقم5675، مسلم2/697 رقم1005. (5) البخاري5/2155 رقم5368. (6) أحمد476 رقم15947. (7) المستطرف2/64.

عدد الصفحات ٨

9 10) نتطيب لقوة البدن الظاهرةوالباطنة: قال ابن القيم:(الرائحة الطيبة غذاء الروح ، والروح مطية القوى ، والقوى تزداد بالطيب، وهو ينفع الدماغ والقلب وسائر الأعضاء الباطنة، ويفرح القلب ويسر النفس، و يبسط الروح ((1). ولا يخفى على أحد ما يحدثه الطيب من نشاط وحيوية في البدن والروح 11 )نتطيبلقوة الشهوة وقضاء الوطر: قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "كنت أطيب رسول الله  ، ثم يطوف على نسائه، ثم يصبح محرماً ينضح طيباً "(2) .أخذ بعض العلماء من هذا الحديث استحباب التطيب قبل الجماع . قال ابن بطال: (السنة اتخاذ الطيب للرجال والنساء عند الجماع ، وكانوا يتطيبون عند الجماع لأجل النشاط) (3). وقال أبو قاسم البغدادي:( الطيب من أعظم لذات البشر، وأقوى الدواعي للوطء وقضاء الوطر (4). وقالالمناوي: (ومن محاسن الطيب، أنه مقو للدماغ، محرك لشهوة الجماع ) (5). فالتطيب يثير الشهوةويقويها، كما أن الريح الخبيثة تيتها أو تضعفها. فليحرص المتزو جو ن على هذه السنة؛ دواماً للمحبة، وكمالاً للرغبة. 12) نتطيب لأنه من نعيمالجنة: قال :"إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده فإنه خرج من الجنة"(6). وروي عن علي بن أبي طالب أنهقال:(أطيب الريح في الأرض الهند، أهبط الله بها آدم، فعلق شجرها من ريح الجنة ((7). فآدم عليه السلام نزل من الجنة، و نزل الطيب منها كذلك، فينبغي التزود من الطيب والإكثار منه، فهو من نعيم الجنة فلا يـم رَ د، ولا سرف فيه، وقد كان النبي "لا يرد الطيب"(8). و"ما عم رض على النبي  طيب قطفرده " (1)، ونهى النبي  أمته أن ترد _______________ (1) زاد المعاد4/256. (2) مسلم2/849، رقم1192. (3) عمدة القارئ3/220. (4) فيض القدير6/15 رقم8253. (5) فيض القدير 5/185 رقم6890. (6) الترمذي5/108 رقم2791. (7) المستدرك2/592 رقم3995. (8) البخاري5/2216 رقم5585.

عدد الصفحات ٩

10 الطيب أو الريحان فقال : "من ع رض عليه ريحان فلا يرده؛ فإنه خفيف المحمل، طيب الريح"(2). ورواية: "من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه طيب الريح، خفيف المحمل"(3). وروي عنه  : "اقبلواالكرامة ، وأفضل الكرامة الطيب"(4). وقال :"ثلاث لا ترد: الوسائد والدهن - الطيب – واللبن"(5). فائـدة: أشياء إذا عرض ت على المسلم، يكره أن يردها منها: الطيب والوسائد واللبن، وتتبعها بعض العلماء فقال: عن المصطفى سبع يم سَ نُّ قبولها إذا ما بها قد أتحف المرءَ خلان دهان وحلوى ثم درٌّ وسادة وآلة تنظيف وطيب وريحان (6) وقال آخر قد كان في سنة خير الورى صلى عليــه الله طـول الزم ن ألا يردّ الطيب ولا المتك والتمر واللحم كذاك اللبن (7). 13) نتطيب ونكثرمنه؛ لأنه لا إسراف فيه: بدى جلياً مما سبق، أن التطيب فطرة وعبادة؛ لذا فلا إسراف فيه، بدلالة هذه الآثار: * قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:" كنت أطيب رسول الله  بأطيبما يجد، حتى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أحمد3/226 رقم13388. (2) مسلم4/1766 رقم2253. (3) أبو داود2/477 رقم4172. (4) الأوسط للطبرا6/239 رقم6289. (5) الترمذي5/108 رقم2790. (6) فيض القدير 1/69 رقم 34. (7) النور السافر 1/137.

عدد الصفحات ١٠

11 أجد و بيص الطيب في رأسه ولحيته" (1). أي ترى لمعانه وبريقه لكثرته * وتقول أيضاً: "كنا نخرج مع النبي  إلى مكة فنضمد جباهنا بالس ك المطيب عند الإحرام ، فإذا عرقت إحدانا، سال على وجهها ، فيراه النبي  فينهانا" (2). * وقال أبوالضحى:( رأيت عبد الله بن الزبير  و ر أسه ولحيته من الطيب وهو محرم ، ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال( (3). * لما تزوج ا مام علي فاطمة الزهراء رضي الله عنها، أمر ه النبي  أن يجعل ثلثي مهرها الطيب، وثلثاً في الثياب، وقال له:" أكثروا لفاطمة من الطيب؛ فإنها امرأة من النساء" (4). * وقال داود بن أبي هند للحسن البصري :(يا أبا سعيد، أرأيت لو اشتريت لامرأتي عطراً بعشرين درهم اً أسرف هو؟ فقال: لا( (5). * وكان أقران عمر بن عبد العزيز  يعطون الذي يغسل ثيابه الدراهم الكثيرة؛ ليغسل ثيابهم على إثر ثياب عمر من كثرة الطيب فيها (6). * وكان لأبي عمرو بن العلاء غلة كل يوم فلسان، وكان يشتري بأحدهما كوزاً يشرب فيه يومه، ثم يتصدق به في المساء، ويشتري بالآخر ريحاناً فيشمه يومه، فإذا أمسى أمر جاريته أن تجففه ليكون غسولاً للأيدي بعد الطعام (7). فتبين مما سبق أن الإكثار من التطيب لا إسراف فيه، وكيف يكون التطيب إسر افا! وهو: صدقة وإحسان، ودفع أذى عن الآخرين ، وهو خلق سيد المرسلين  ، وهو من لذات جنات النعيم. _______________ (1) البخاري5/2214 رقم5579. (2) أبو داود1/568 رقم1830. (3) ابن أبي شيبة3/206 رقم13488، البداية والنهاية8/339. (4) أبو يع1/290 رقم353، سنن البيهقي الكبرى7/254 رقم14248. (5) العيال2/564. (6) الأغا 9/300 عمر بنعبد العزيز. (7) شعبالإيمان 5/218 رقم6425.

عدد الصفحات ١١

12 الفصل الثا متى نتطي ب يصاحب الطيب الإنسان منذ وجوده على الأرض حتى يغادرها، والأصل مصاحبة الطيب للمسلم إلا في حالات نادرة، والمسلم يشرع له التطيب في مواطن عدة على وجه الخصوص، من تلك المواطن ما يأتي: 1) نتطيب عند الولادة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي، خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه ، فقال النبي  : "اجعلوا مكان الدم خلوقا "(1). فدين الإسلام نظافة وطهارة ؛ يمضَمَّخ رأس الص بي بالعطور بينما في الجاهلية يلطخ بالدماء، فالإسلام يريد من الطفل أن ينشأ طيباً نظيفاً على فطرة الله التي فطر الناس عليها، فينبغي لنا أن نمتثل هذه السنة؛ ابتغاء مرضاة الله، و اتباعاً لأمر رسول الله . 2) نتطيببعد الاغتسال: قال بعض العلماء:( عادة الناس إذا اغتسلوا أو لبسوا ثياباً جديدة أو نظيفة أن يتجمروا بالطيب والعود( (2)، ولا يزال الناس إلى يومنا هذا يح بون التطيب عقب الغسل ولبس الجديد، ومن يتأمل نصوص السنة وشروحها سيجد علاقة بارزة بين الطيب والاغتس ال. 3) نتطيب للصلاة: قال الله تعالى:          (3). أي عند كل صلاة، يقول ابن كثير في تفسيره:(ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة، يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، ويستحب الطيب؛ لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تام ذلك( (4). وروي عن النبي  أنهقال:" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك والطيب عند كل _______________ (1) ابن حبان12/124 رقم5308. (2) المغني2/331، الشرح الكب2/336. (3) الأعراف آية رقم31. (4) تفسير ابن كث2/281.

عدد الصفحات ١٢

13 صلاة"(1). ولأن المصلي يقابل ربه، ويخالط الملائكة، ويجتمع مع إخوانه؛ فيستحب التطيب لذلك كله. والتطيب للصلاة يندب للرجال والن ساء عموماً، إلا إذا خرجت ا لمرأة من بيتها فلا تقرب الطيب و إلاَّ لم تقبل صلاتها؛ حتى تغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة. 4) التطيب يومالجمعة: يوم الجمعة يوم العطور والبخور في الدنيا، كما هو يوم العطور والبخور في الجنة 2، وهو يوم عيد للمسلمين؛ لذا يستحب التطيب فيه والنظافة، قال  :"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن – يتسوك – وأن يمس طيباً إن وجد" (3) فالتطيب يوم الجمعة مندوب على سبيل التوكيد، بل إن أبا هريرة كان يوجب التطيب، و افقه على هذا بعض علماء الظاهرية، وهو رأي قوي له حجته (4). وكان الن  يؤكد عل ى التطيب يوم الجمعة ولو لم يجد المسلم إ لا طيب النساء قال  :"غسل يوم الجمعة على كل مسلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه ولو من طيب المرأة "(5). وأخبر الن أن غفران الذنوب يوم الجمعة مشروط بشروط منها: التطيب حيث قال  : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (6). بل كان بعض السلف يرى أن التطيب يوم الجمعة يغني عن الغسل (7). فيوم الجمعة يوم عيد يجتمع فيه المسلمون، وما زال الناس يحت فلون بيوم الجمعة ويم طيبون فيه أبدانهم وثيابهم و مساجدهم وبيوتهم. 5) التطيب لقيام الليل: كان تيم الداري  إذا قام بالليل يتهجد يتطيببالغالية. وقال مجاهد: كانوا يكرهون أكل الثوم _______________ (1) فيض القدير5/340 رقم7512. 2 لحديث إن لأهل الجنة سوقاً يأتونها كل جمعة، فيها كثبان المسك، فإذا خرجوا إليها هبت الريح فتملأ وجوههم وثيابهم وبيوتهم مسكاً، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيأتون أهليهم فيقولون لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، ويقولون لهن وأنتم قد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً . (3) البخاري1/300 رقم840، مسلم2/581 رقم846. (4 )فتح الباري2/362. (5) مسلم2/581 رقم 846. (6) البخاري1/301 رقم843. (7) الاستذكار1/365، فتح الباري2/363، فيض القدير4/412 رقم5801.

عدد الصفحات ١٣

14 والبصل والكراث؛ للقيام من الليل، وكانو ا يستحبو ن أن يُس الرجل عند قيامه من الليل طيبا (1). 6) التطيب عند قراءة القرآن قراءة القرآن يجب لها الطهارة ، ويحرم على المحدث حدثاً أكبر أن يُس القرآن ، واستحب الفقهاء أن يكون القارئ متوضئاً متسوكاً متطيباً، قال قتادة: ما أكلت الكراث منذ قرأت القرآن (2). 7) التطيب لمجالس الذكر وطلب العلم: مجالس العلم والذكر تحفها الملائكة، والملائكة تحب الطيب؛ فيستحب إكرامهم بذلك، كم ا أن ذكر الله وطلب العلم من شعائر الله، فوجب تعظيمها، وسبق أن ذكرنا عن الإمام مالك أنه كان إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله  اغتسل ولبس أحسن حلة وتطيب بأجود طيب، ثم أمر بالمجامر تفوح بالعود حتى ينتهي من الدرس، ولما سئل عن ذلك قال:( إكراماً لكلام رسول الله  ((3). 8) التطيب عند كل اجتماع حينما يجتمع الناس وخاصة عند كثرتهم قد تتغير روائحهم، فيندب التطيب؛ لئلا يؤذى بعضهم بعضاً ، يقول الإمام الشافعي:(أحب للرجل الطيب في كل عيد وآمره به، وأحبه في كل صلاة جماعة وآمره به، وأحبه في كل أمر جامع للناس وإن كنت له في الأعياد من الجمع وغيرها أشد استحباباً؛ للسُّ نَّة، وكثرة الحاضرين ((4). 9) التطيب في العشر الأواخر منرمضان: العشر الأواخر موسم عظيم للعبادة، فيندب التهيؤ لها بالنظافة والتطيب، وقد كان السلف يستحبون الاغتسال كل ليلة من ليالي العشر، منهم الإمام النخعي، ومنهم من كان يغتسل في الليالي التي يرجى فيها إدراك ليلة القدر، وكان أنس بن مالك  في ليلة أربع وعشرين يغتسل ويتطيب ويلبس حلّة إزاراً ورداء ، فإذا أصبح طواهما إلى العام المقبل لنفس تلك الليلة، وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، ويلبس ثوبين جديدين ويستجمر، وكان ثابت البناني وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيبان وي طيبون المسجد في الليلة التي _______________ (1) شعب الإيمان2/382. (2) شعب الإيمان2/382. (3) سبق ص19 (4) الأم1/337.

عدد الصفحات ١٤

15 ترجى فيها ليلة القدر (1). 10) التطيب يو م العيدين: يستحب التنظف والتزين يوم العيدين؛ إظهاراً لنعمة الله، وفرحاً بشعائره ، ومن التزين التطيب؛ تطييباً للأرواح والأبدان، وتأليفاً لقلوب المسلمين، وهذا هو دأب الصالحين، قال الحسن بن علي  :"أمرنا رسول  في العيدين أن نلبس أجود مانجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد..." (2). وسئل نافع كيف كان ابن عمر يصنع يوم العيد؟ فقال:( كان يشهد صلاة الفجر مع الإمام، ثم يرجع إلى بيته فيغتسل غسله من الجنابة، ويلبس أحسن ثيابه، ويتطيب بأطيب ما عنده، ثم يخرج إلى المصلى( (3). قال الإمام مالك:( سمعت أهل العل م يست حبون الطيب والزين ة في كل عيد، والإمام أحق بذلك؛ لأنه المنظور إليه من بينهم ((4). 11) التطيب لدخول مكةوالمدينة: استحب بعض الفقهاء لمن أراد أن يدخل مكة أو المدينة أن يغتسل ويتطيب؛ تعظيماً لهما وإجلالاً، قال الله تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنهامن تقوى   (5). 12) التطيب عند الإحرام يستحب للمسلم إذا أراد أن يحرم بالحج أو العمرة أن يغتسل ويتطيب، و أن يبالغ في الطيب، رجلاً كان أو امرأة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "طيبت رسول الله  عندإحرامه ، فرأيت الطيب في مفرق رأسه بع د ثلاث وهو محرم " 6)، ولحديثها أيضاً قالت:" كنا نخرج مع النبي  إلى مكة فنضمد جباهنا بالسُّ ك المطيب عند الإحرام ، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها ، فيراه النبي  ف ينهانا "(7). ولكن يجب على المرأة أن تجتنب الرجال الأجانب، وأن تتطيب بطيب خاص بالنساء وهو _______________ (1) الطبقات الكبرى7/232، لطائف المعارف1/207. (2) المستدرك4/256 رقم7560، المعجم الكبير 3/90 رقم2756. (3) زوائد الهيثمي1/323 رقم 207. (4) المغني2/228. (5) الحج آية رقم32. (6) سبق ص14. (7) سبق ص29.

عدد الصفحات ١٥

16 ما ظهر لونه وخفي ر ه كما بينه النبي  وسيأ معنا في الفصل الرابع. 13) التطيب عند التحلل الأول منالحج: لحديث السيدة عائشة رضي الله عنه قالت:" كنت أطيب رسول الله  لإحرامه ح يحرم ، ولحِِ لِّ ه قبل أن يطوف بالبيت " (1). أي قبل طوافالإفاضة، ويكون هذا التحلل يوم النحر، بعد أن يرمي الحاج جمر ة العقبة و يحلق وينحر. 14) التطيب عند تغير الرائحة كان أصحاب النبي  عمالأنفسهم، وكان يكون لهم روائح، فقال لهم رسول الله  :"لو اغتسلتم "(2). فالاغتسال يزيل الروائح الكريهة ، ويحسن الطيب بعدهم؛ لتطيب رائحة الإن سان فلا يتأذى منه ملَك ولا إنسان. 15) التطيب عند الزوا ج: الزواج عشرة عمر، ولابد لطولها من حصول ملل أحياناً ، لذلك يحرص الزوجان على ما يقوي العشرة ويزيد في الألفة، ومن ذلك: النظافة، والزينة. وكانت عادة العرب أن تربي نساءها على النظافة والتطيب، وكان م ن وصايا الأمهات للبنات:( إياك أن تقع عين زوجك على شيء لا يستملحه، أو يشم منك ما يستقبحه( (3)، وأوصت أمٌ ابنتها ليلة الزفاف بوصية جامعة وكان مما قالته لها: (واحفظي له خصالاً عشراً ؛ يكن لك ذخرا : أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة : فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح ( (4). ورأ ت السيدة عائشة رضي الله عنها زوجةَ عثمان بـن مظعـون  غمتخضبة ولا متطيبة، فأنكرت عليها ذلك ! فأجابتها بأنها تشـكو من زه ـد زوجها عنهـا، وعــن الدنيا، فعلـم النبي  :فزجره عن ذلك، وأمره بالوس طية والاعتدال، وإعطاء كل ذي حق حقه (5). _______________ (1) البخاري1/104 رقم264، مسلم2/849 رقم1192. (2) البخاري2/730 رقم1965. (3) فيض القدير3/147 رقم 2971. (4) فقه السنة 1/621. (5) أد 6/106 رقم24797.

عدد الصفحات ١٦