المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أحمد الحداد

غير معروف

صفحة ٢ من ٣

16 الشرط الرابع. أن يسبقه دعوة إلى الله تعالى: ذلك أن الجهاد إنما هو لإدخالهم في الدين، ولا يكون ذلك إلا بعرضه عليهم عرضا يفهمونه، كما أمر الله تعالى بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم فقال له : ﴿ ادْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِْكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَْسَنَةِ وَجَادِلهُْمْ بِالَّتيِ هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بمَِنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ ]النحل: 786[ . [وقال سبحانه : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلىَ اللَّهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتـَّبـَعَنيِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ]يوسف: 762[ . وهو ما كان ينهجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان يشرع في قتال حتى يدعو إلى الله تعالى، فكان إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: " اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يَري عليهم حكم الله الذي يَري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يَاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " 1. ولما أعطى عليا رضي الله تعالى عنه الراية يوم خيبر، فقال علي : يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يَب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من أن يكون لك حمر النعم " 2. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: " ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم إلى الإسلام " وقد فعل ذلك بنفسه حتى مع من نقضوا العهد وخانوا الأمانة وأرادوا استئصال بيضة الإسلام كيهود بني قريضة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يبدأهم بقتال حتى عرض عليهم الإسلام كما قال سعيد ابن المسيب رحمه الله تعالى: " إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل بني قريظة حتى دعاهم إلى الإسلام، فأبوا فقاتلهم " 3. 1 صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، حديث رقم : 3342 . 2 صحيح البخاري، كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب القر شي الهاشمي أبي الحسن رضي، حديث رقم : 3677 صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي ا عنه، حديث رقم : 4681 . 3 مصنف عبد الرزاق الصنعاني، كتاب الجهاد باب دعاء العدو، حديث رقم : 7731 .

عدد الصفحات ١٧

17 فدل ذلك على أن الدعوة إلى الله قبل القتال شرط أساس، فإن خلى القتال عنها كان قتالا لغير وجه الله والدار الآخرة، وكان ذلك حراما يوجب الضمان، قال الشافعي رحمه الله تعالى: " ومن لم تبلغهم الدعوة فلا يقاتلون حتى يُدعوا إلى الإيمان، فإن قتل منهم أحد قبل ذلك فعلى من قتله الدية" 1. وقال الشيرازي رحمه الله تعالى : ( فصل ) وإن كان العدو ممن لم تبلغهم الدعوة لم يَز قتالهم حتى يدعوهم إلى الإسلام؛ لأنه لا يلزمهم الإسلام قبل العلم والدليل عليه قوله عز وجل : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتىَّ نـَبـْعَثَ رَسُولاا ﴾ ]الإسراء: 76[ . [و يَوز قتالهم على ما لا يلزمهم، وإن بلغتهم الدعوة فالأحب أن يعرض عليهم الإسلام لما روى سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى كرم الله وجهه يوم خيبر: " إذا نزلت بساحتهم فادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يَب عليهم فيه من الحق، فوالله لأن يهدى الله بهداك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " 2. وكان مالك يقول : الدعاء أصوب، بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم، إلا أن يعجلوا المسلمين أن يدعوهم، وقال عنه بن القاسم :لا تبييت حتى يُدعوا3. وقال السرخسي رحمه الله تعالى: " فإن كانوا يقاتلون قوما لم تبلغهم الدعوة فلا يحل قتالهم حتى يدعوا لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتىَّ نـَبـْعَثَ رَسُولاا ﴾ ]الأنعام: 76[ . وقال بن عباس رضي الله عنهما :ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم إلى الإسلام، وهذا لأنهم لا يدرون على ماذا يقاتلون فربما يظنون أنهم لصوص قصدوا أموالهم، ولو علموا أنهم يقاتلون على الدعاء إلى الدين ربما أجابوا وانقادوا للحق، فلهذا يَب تقديم الدعوة " 4. فالدعوة قبل الجهاد في سبيل الله شرط، فكيف يَاهد من هو من أهل الدعوة والإسلام؟ اللهم إلا أن يدعو إلى مذهبهم ومشربهم، وذلك ليس من باب الجهاد، بل من باب نشر الفكر بالقوة كما كانت تفعله بعض الفرق المتسلطة والمتنفذة عند بعض الخلفاء كالمعتزلة في فرض الاعتزال والقول بخلق القرآن، ولكن لم يلبث هذا الفكر أن اندرس؛ لأنه قام على الفرض والقهر، فما أن هلك أدعياؤه حتى ذهب كأن لم يكن. 1 مختصر المز(7 /818.) 2 المهذب(8 /837 .)والحديث أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده برقم : 1361. 3 الاستذكار (6 /743.) 4 المبسوط للسرخسي (76 /6.)

عدد الصفحات ١٨

18 الشرط الخامس. أن تكون للمسلمين قوة ومَنَعة: وهذا شرط أساس في القتال في سبيل الله، والقوة هي العدد والعدة التي أمر الله المسلمين بإعدادها لحماية أنفسهم وبلدانهم، كما قال تعالى : ﴿ وَأَعِدُّوا لهَُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قـُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الخَْيْلِ ﴾ ]الأنفال: 66[ . فإن لم يكن لدى المسلمين قوة مكافئة كانوا في محل العفو، بل يكون القتال مع ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة، وهو منهي عنه شرعا كما قال سبحانه : ﴿ وَلاَ تـُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلىَ التـَّهْلُكَةِ ﴾ ]البقرة : 776[ . ولذلك يَب عليهم الفرار في هذه الحالة كما نقله الإمام النووي عن إمام الحرمين فقال: وقال الإمام : إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية، وجب الفرار قطعا، وإن كان فيه نكاية فوجهان . قال الإمام النووي :هذا الذي قاله الإمام هو الحق، وأصح الوجهين -من حالة ما إذا كان في ذلك نكاية - أنه لا يَب، لكن يستحب . والله أعلم1 . قال ابن جُ زي الكلبي رحمه الله تعالى: " ولو زاد الكفار على الضعف وإن علم المسلمون أنهم مقتولون فالانصراف أولى، وإن علموا مع ذلك أنهم لا تأثير لهم في نكاية العدو وجب الفرار، وقال أبو المعالي لا خلاف في ذلك " 2. وقد عفا الله تعالى المجاهدين إذا كان فيهم ضعف عن منازلة العدو كما قال سبحانه : ﴿ الآْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَة صَابِرَة يـَغْلِبُوا مِائـَتـَينِْ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْف يـَغْلِبُوا أَلْفَينِْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ ]الأنفال: 66[. والواقع أن من يدعو إلى الجهاد اليوم لا يملك شيئا من مقومات القوة، عددا أو عُدة، فكيف يقاتل من يملك الطائرات النفاثة، والصواريخ العابرة، والمدرعات المجنزرة، فضلا عن امتلاك الأسلحة الذرية والدمار الشاملة، التي تهلك الحرث والنسل؟ بينما هو لا يملك إلا نفسه أو سلاحا خفيفا أو حزاما ناسفا يودي به قبل غيره، وذلك من قتل النفس بغير حق الذي نهى الله تعالى عنه بقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تـَقْتـُلُوا أَنـْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماا﴾ ]النساء: 87[ . [وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " 3. 1 روضة الطالبين وعمدة المفت(76 /847.) 2 القوانين الفقهية(ص: 72.) 3 صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه برقم : 723 .

عدد الصفحات ١٩

19 و الحديث الصحيح " كان برجل جراح ، فقتل نفسه، فقال الله :بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة " 1. فالقتال باسم الجهاد مع هذا الحال هو انتحار بلا شك، ولا يقف عند حد المنتحر، بل يتعداه إلى أهل بلده وعشيرته وأقربائه، وذلك هو الفساد العريض الذي نهى الله تعالى عنه بمثل قوله: ﴿ وَلاَ تـُفْسِدُوا فيِ الأَْرْضِ بـَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ ]الأعراف : 26[ . [ورتب على ذلك جزاءا رادعا، لم يكن في الإسلام أشد منه، بينه بقوله : ﴿ إِنمََّا جَزَاءُ الَّذِينَ يحَُارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فيِ الأَْرْضِ فَسَاداا أَنْ يـُقَتـَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تـُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَف أَوْ يـُنـْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ ذَلِكَ لهَُمْ خِزْي فيِ الدُّنـْيَا وَلهَُمْ فيِ الآْخِرَةِ عَذَاب عَظِيم ﴾ ]المائدة: 33[ . [ فكم جرَّت أحداث 11سبتم التي ادعي فيها الجهاد، كم جرت على المسلمين من ويلات؟ !فأبيدت دول، ومزقت شعوب، وأزهقت أرواح لا تزال دماؤها تنزف إلى اليوم! ومن نجى من أولئك من القتل أو الأسر المهين هم اليوم يختبئون في جحور، بطن الأرض معها خير لهم من ظهرها، وسبب ذلك هو عدم أهلية أولئك للجهاد بفقدهم كل شروطه ومقوماته، وما حملهم على ذلك إلا الجهل بالدين، والخروج عن جماعة المؤمنين، وقد قال الله تعالى : ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بـَعْدِ مَا تـَبـَينََّ لَهُ الهُْدَى وَيـَتَّبِعْ غَيـْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نـُوَلِّهِ مَا تـَوَلىَّ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراا ﴾ ]النساء: 776[. [وقد وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفا كاشفا، بقوله: " يأتي في آخر الزمان قوم، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يَاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة " 2. فلسفة الجهاد في الإسلام: بعد أن عرفنا حقيقة الجهاد، وشروطه، فلا يصح أن يسمى جهاداا حتى تكون متوفرة، علينا بعد ذلك أن نعرف أن الجهاد لم يشرع في الإسلام لذاته، حبا في إراقة الدماء وإزهاق الأرواح، والإثخان في القتل، بل شرع رحمة في العباد ليدخلوا في رحمة الله تعالى الواسعة، ونوره المبين، ومنهاجه القويم الذي بعث به الأنبياء والمرسلين، فالإسلام جاء برسالة السلام والأمان، ونادى نداءا صريحا يقول : ﴿ يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فيِ السِّلْمِ كَافَّةا وَلاَ تـَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُو مُبِين .فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بـَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبـَيـِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيز حَكِيم ﴾ ]البقرة : 862،867[ .[، أي: ادخلوا في المسالمة لتتعايشوا بغير قتال كما رجحه 1 صحيح البخاري، كتاب الجنائز باب ما جاء في قاتل النفس، حديث رقم : 7367 من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه . 2 صحيح البخاري، كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم : 3436 من حديث علي رضي الله تعالى عنه.

عدد الصفحات ٢٠

21 الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى إذ قال :" المراد بالسِّلم المسالمة وهو دين المسلمين كما يقتضيه الخطاب ب ﴿ يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الذي هو كاللقب للمسلمين، والمعنى :أمرهم بالدخول في المسالمة دون القتال، كما تقتضيه صيغة الأمر في (ادخلوا )من أن حقيقتها طلب تحصيل فعل لم يكن حاصلا، أو كان مفرطا في بعضه. " ا.هـ1. وهو ما عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعوثه ومراسلاته، كما قال لعلي رضي الله تعالى عنه لما بعثه لخيبر: " على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يَب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم " 2. وقال لمعاذ رضي الله تعالى عنه لما بعثه لليمن: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم " 3. ويقول أيضا: " وإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، ثم ادعوهم إلى التحول منها إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبروهم أنهم كأعراب المسلمين، يَري عليهم حكم الله الذي يَري على المؤمنين، وليس لهم من الفيء والغنيمة نصيب، وإن أبوا فادعوهم إلى إعطاء الجزية، فإن قبلوا ذلك فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، وإن لم يقبلوا ذلك فقاتلوهم " 4. ولما خاطب هرقل ملك الروم قال له: " سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين » ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " 5. 1 التحرير والتنوير (8 /816.) 2 صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام والنبوة، حديث رقم : 8264 . 3 صحيح البخاري، كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، حديث رقم : 7348 . 4 الآثار لأبي يوسف، باب الغزو والجيش حديث رقم : 264 . 5 أخرجه البخاري في بدأ الوحي من حديث صخر بن حرب بن أمية برقم 1 وفي الجهاد والسير باب: هل يرشد المسلم أهل الكتاب من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، حديث رقم : 8177.

عدد الصفحات ٢١

21 فهذه الأدلة صريحة في أن الأصل في الدعوة الإسلامية أنها دعوة سلام ووآم، وتعايش بين الأنام كما قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيـُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنـْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباا وَقـَبَائِلَ لِتـَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتـْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيم خَبِير ﴾ ]الحجرات : 73[ . وأن القتال لا يكون إلا عند تعذر إيصال رسالة الإسلام للناس، حتى لا يظلموا بعدم وصول الحق إليهم، وقد خلقهم الله تعالى لتوحيده وعبادته، وأرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين، فليس من حق أحد أن يحجب عنهم معرفة الله التي يحتاجونها، والنور الذي بعثه الله تعالى لعباده، فهو إذا قتال رحمة يرتكب فيه أخف الضررين لدفع أكبرهما وهو الشرك والوثنية التي يراد فرضها على الناس بحكم العادة أو العصبية الشعوبية، كما قال سبحانه : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتىَّ لاَ تَكُونَ فِتـْنَة وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انـْتـَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ ]البقرة : 773[ . [وقال عز شأنه : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتىَّ لاَ تَكُونَ فِتـْنَة وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انـْتـَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بمَِا يـَعْمَلُونَ بَصِير .وَإِنْ تـَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلىَ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ ]الأنفال: 37،46[ . أي أن قتالهم شرع لئلا يكون شرك ووثنية بين العباد. قال القرطبي : " فجعل الغاية عدم الكفر " 1 فليس هو قتال لأجل القتال، بل لإيصال رسالة الإسلام للناس، فإذا بلغتهم فإما أن يسلموا وهذا هو المراد، أو يكفوا عنا أذاهم ويذعنوا لحكم الإسلام من غير مناوأة، وبرهان ذلك إعطاء الجزية، التي هي تعبير عن الولاء ومساعدة الدولة للقيام بواجبها نحوهم بما توفره من أمن ومصاح ومرافق . قال العلامة الدهلوي :الرحمة في حقهم – أي غير المؤمنين بالله تعالى - أن يقهروا؛ ليدخل الإيمان عليهم على رغم أنفهم بمنزلة إيَاد الدواء المر، ولا قهر إلا بقتل من له منهم نكاية شديدة وتمنع قوي، أو تفريق منعتهم وسلب أموالهم حتى يصيروا لا يقدرون على شيء، فعند ذلك يدخل أتباعهم وذراريهم في الإيمان برغبة وطوع، ولذلك كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر " فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين " 2 وربما كان أسرهم وقهرهم يؤدي إلى إيمانهم، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: " عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل " 3 وأيضا فالرحمة التامة الكاملة بالنسبة إلى البشر أن يهديهم الله إلى الاحسان، وأن يصلح ارتفاقاتهم وتدبير منزلهم وسياسة مدينتهم، فالمدن الفاسدة التي يغلب عليها نفوس السبعية، ويكون لهم تمنع شديد إنما هو بمنزلة الأكلة في بدن الإنسان لا يصح الإنسان إلا بقطعه، والذي يتوجه إلى إصلاح مزاجه وإقامة طبيعته لا بد له من القطع، والشر القليل إذا كان مفضيا إلى 1 تفسير القرطبي (8 /364.) 2 تقدم تخريَه قريبا . 3 يشير لحديث هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عجبت لأقوام يقادون إلى الجنة بالسلاسل »وفي رواية« وهم كارهون »رواه ابن الأعرابي في معجمه حديث رقم : 7767.

عدد الصفحات ٢٢

22 ا الكثير واجب فعله، وقد كان هنالك عبدة بقريش ومن حولهم من العرب كانوا أبعد خلق الله عن الاحسان وأظلمهم على الضعفاء، وكانت بينهم مقاتلات شديدة، وكان بعضهم يأسر بعضا، وما كان أكثرهم متأملين في الحجة ناظرين في الدليل فجاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم وقتل أشدهم بطشا وأحدهم نفسا حتى ظهر أمر الله، وانقادوا له، فصاروا بعد ذلك من أهل الإحسان، واستقامت أمورهم، فلو لم يكن في الشريعة جهاد أولئك لم يحصل اللطف في حقهم " 1. مفاسد دعوى الجهاد في قتال المسلمين: يترتب على دعوى الجهاد في قتال المسلمين مفاسد كثيرة ومنها: 7- تحريف مصطلح الجهاد عن وضعه الشرعي . 8- استحلال حرمات المسلمين وإزهاق أرواحهم بغير حق. 3- حصول الاضطراب والفوضى في ديار الإسلام. 4- حصول الضعف والهوان أمام أعدائهم. 6- انشغال الدولة عن واجبها نحوشعبها في الأمن والتنمية. تحريف مصطلح الجهاد: مصطلح الجهاد في الإسلام مصطلح عظيم، قدسه الشارع الحكيم، وجعله من مراتب الإيمان كما قال سبحانه: ﴿ لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيـْرُ أُوليِ الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالهِِمْ وَأَنـْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالهِِمْ وَأَنـْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُْسْنىَ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْ قَاعِدِينَ أَجْراا عَظِيماا ﴾ ]النساء: 76[ .وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: " إيمان بالله ورسوله » قيل :ثم ماذا؟ قال« جهاد في سبيل الله " قيل : ثم ماذا؟ قال: " حج مبرور " 2. وهو معاملة خاصة مع الحق سبحانه كما قال سبحانه : ﴿ يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تَِِارَة تـُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم . تـُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَُِاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنـْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيـْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تـَعْلَمُونَ .يـَغْفِرْ لَكُ مْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّات تَِْرِي مِنْ تحَْتِهَا الأَْنـْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةا فيِ جَنَّاتِ عَدْن ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تحُِبُّونـَهَا نَصْر مِنَ اللَّهِ وَفـَتْح قَرِيب وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ]الصف: 76-73[ . فالجهاد تِارة رابحة مع ذي الجلال والإكرام، وكما قال في آية أخرى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتـَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنـْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهَُمْ بِأَنَّ لهَُمُ الجَْنَّةَ يـُقَاتِلُونَ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ فـَيـَقْتـُلُونَ وَيـُقْتـَلُونَ وَعْداا عَلَيْهِ حَقًّا فيِ التـَّوْرَاةِ وَالإِْنجِْيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفىَ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبـَيْعِكُمُ الَّذِي بَايـَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾]التوبة: 777[ . 1 حجة الله البالغة(8 /466.) 2 صحيح البخاري، كتاب الحج باب فضل الحج المبرور، حديث رقم : 7461 .

عدد الصفحات ٢٣

23 ومن عامله فيها كان ظافرا بنعيم لا ينفد، وسعادة لا تدرك، كما قال سبحانه : ﴿ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراا عَظِيماا . دَرَجَات مِنْهُ وَمَغْفِرَةا وَرَحمَْةا وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراا رَحِيماا ﴾]النساء: 76،76[، والنبي صلى الله عليه وسلم بين درجات المجاهدين عند الله تعالى: " إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض " 1 وب عليه الصلاة والسلام أن أجر الجهاد لا يعدله شيئ من الأعمال، فقد سأل الصحابة رضي الله تعالى عنهم :عما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال: " لا تستطيعونه "، قال :فأعادوا عليه مرتين، أو ثلاثا كل ذلك يقول: " لا تستطيعونه "، وقال في الثالثة :" مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام، ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى " 2. و رواية أن : رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: "لا أجده " قال: " هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ "، قال :ومن يستطيع ذلك؟3. وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله، وتصديق كلمته، بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، مع ما نال من أجر أو غنيمة " 4. فمثل هذا المصطلح العظيم لا يَوز شرعا أن يطلق على غير وضعه الحقيقي؛ لما يترتب عليه من فضل وأحكام فقهية لا يصح تطبيقها على غير مدلولها الشرعي، فكيف يكون من يقاتل المسلمين مجاهدا، وهو ظالم لنفسه ومستحل دم أخيه المسلم لسبب أو غيره؟! إن هذا من التحريف للحقائق الشرعية ووضعها في غير مواضعها، وذلك من التلاعب بالدين الذي لا يَوز أن يكون بين المسلمين . استحلال حرمات المسلمين: 1 تقدم تخريَه ص : 76.. 2 صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث رقم : 3627 من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. 3 صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير باب فض ل الجهاد والسير، حديث رقم : 8667 من حديث أبي هريرة رضي ا تعالى عنه. 4 صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، حديث رقم : 3616 .

عدد الصفحات ٢٤

24 حرمات المسلمين عظم الله شأنها لتكون مصونة من غير اعتداء ولا تنقص؛ لأن الإسلام قد عصمه بكلمة الشهادة، فأوجبت له الحماية والنصرة، فمن انتهك حرمته فقد ضل ضلالا بعيدا، وتعدى حدا كبيرا، ولذلك نفى الله تعالى أن يكون ذلك من المؤمنين كما قال سبحانه : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَنْ يـَقْتُلَ مُؤْمِناا إِلاَّ خَطَأا ﴾ ]النساء: 78[: أي لا يصح ذلك ولا يكون؛ لأنه يتنافى مع أخوة الإيمان التي هي أخوة وحدة وحبة ونصرة . قال القرطبي رحمه الله تعالى : هذه آية من أمهات الأحكام .والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، فقوله: ( وما كان ) ليس على النفي وإنما هو على التحريم والنهي، كقوله : ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تـُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴾1. وكم نهى الله تعالى عن قتل النفس المحترمة في محكم كتابه كما في قوله : ﴿ قُلْ تـَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناا وَلاَ تـَقْتـُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق نحَْنُ نـَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تـَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنـْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تـَقْتـُلُوا النـَّفْسَ الَّتيِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَْقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تـَعْقِلُونَ ﴾ ]الأنعام: 767[ .وقوله سبحانه : ﴿ وَلاَ تـَقْتـُلُوا النـَّفْسَ الَّتيِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَْقِّ ﴾ ]الإسراء: 33[ . فمن يقتل المسلم يكون قد قتل النفس التي حرمها الله، وتعدى حدا كبيرا من حدود الله، يوجب له الخلود في نار جهنم إن لم يتب توبة نصوحا، كما قال تعالى ﴿ وَمَنْ يـَقْتُلْ مُؤْمِناا مُتـَعَمِّداا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباا عَظِيماا ﴾ ]النساء: 73[ . وليس هناك ذنب بعد الشرك بالله تعالى أعظم من هذا الذنب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما " 2 وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: " إن من ورطات الأمور، التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله " 3 ولذلك كان جرم القتل أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة كما روى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء " 4 وسئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عمن قتل مؤمنا متعمدا ثم تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، قال : ويحه، وأنى له الهدى؟ سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: " يَيء القاتل والمقتول يوم القيامة متعلق برأس صاحبه يقول : رب سل هذا لم قتلني؟ " والله لقد أنزلها الله عز وجل على نبيكم، ثم ما نسخها بعدما أنزلها " 5. 1 تفسير القرط (6 /377.) 2 صحيح البخاري، كتاب الديات باب قول الله تعا : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجز اؤه جهنم، حديث رقم : 6428 . 3 صحيح البخاري، كتاب الديات باب قول الله تعا : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، حديث رقم : 6423 . 4 السنن الصغرى، كتاب تحريم الدم تعظيم الدم، حديث رقم : 3741 . 5 سنن ابن ماجه، كتاب الديات باب هل لقاتل مؤمن توبة، حديث رقم : 8671 .من حديث ابن عباس رضي ا تعالى عنهما.

عدد الصفحات ٢٥

25 حصولالاضطراب والفوضى في ديار الإسلام: من أبرز مظاهر دعوى الجهاد ممن ليس له صفة فيه ولا هو من أهله، ما يحدث جراء ذلك من اضطراب وفوضى لا تقف عند حد، تُزهق باسمه أرواح بريئة، وتنتهك باسمه أعراض، وتسلب بسببه أموال، وتعود الحياة فوضى هرجا ومرجا، وذلك إيذان بخراب الديار، وتفاني الأعمار، ومنهج الإسلام هو وجوب وأد هذه الفتنة كلما أطلت برأسها، فقد حذر المصطفى صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد تحذير، فقال " إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان " 1. فترى كيف أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم من يريد الفتنة بأي مسمى كان ما دام يؤدي إلى شقاق بعيد وفوضى عارمة، كما هو حاصل الآن، وكما حصل في كل تاريخ الإسلام، ابتداء من الخروج على أمير المؤمنين سيدنا عثمان ذي النورين رضي الله عنه، الذي كانت الفتنة عليه فتقا في الإسلام لم ينسد إلى ايومنا هذا . وروى حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، فقال :كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت :يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال« نعم » قلت :وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: " نعم، وفيه دخن " قلت : وما دخنه؟ قال: " قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر " قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها " قلت : يا رسول الله صفهم لنا، قال: " هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا " قلت :فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " 2. 1 صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، حديث رقم : 3637 من حديث عرفجة رضي الله تعالى عنه . 2 صحيح البخاري، كتاب الفتن باب : كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم : 6676 وصحيح مسلم،كتاب الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، حديث رقم : 3683 .

عدد الصفحات ٢٦

26 حكم الخروج على ولي الأمر المسلم : إن من أسباب دعوى الجهاد ارتكاب معصية الخروج عن طاعة ولي الأمر، مع ما ورد في منع ذلك من نصوص شرعية صريح الدلالة، بأن طاعة ولي الأمر المسلم من طاعة الله تعالى ومعصيته معصية له سبحانه كما عز وجل : ﴿ يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوليِ الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تـَنَازَعْتُمْ فيِ شَيْء فـَرُدُّوهُ إِلىَ اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تـُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيـَوْمِ الآْخِرِ ذَلِكَ خَيـْر وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاا ﴾ ]النساء: 67[ . وأولو الأمر هم الأمراء كما رواه الطحاوي وغيره1 وحكاه القرطبي 2 عن أبي هريرة وابن عباس وغيرهم رضي الله تعالى عنهم والجمهور وصححه، ونقل عن سهل بن عبد الله التستري قوله :أطيعوا السلطان في سبعة : ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد . قال سهل : وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإن أفتى فهو عاص، وإن كان أميرا جائرا . قال : وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته .اهـ. قال العلامة السعدي في تفسيره : وأمر بطاعة أولي الأمر وهم : الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال رحمه الله تعالى : ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية3. وقد حذر المصطفى صلى الله عليه وسلم من تراوده نفسه الخروج عن طاعة من أو جب الله طاعته، وهو ولي أمر المسلمين، كما روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية " 4. ولما قال صلى الله عليه وسلم: " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم "، فقيل له يا رسول الله، أفلا ننابذهم 1 مشكل الآثار للطحاوي، باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث رقم : 7387 تفس سنن سعيد بن منصور، كتاب التفسير تفسير سورة النساء، قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها حديث رقم : 683 . 2 تفسير القرط (6 /867.) 3 تيسير الكريم الرحمن (ص: 723.) 4 صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، حديث رقم : 3636 .

عدد الصفحات ٢٧

27 بالسيف؟ فقال: " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة " 1. بل من إن من مقتضيات الإيمان إجلال السلطان المقسط؛ لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط " 2. ولذلك كان سهل بن عبد الله رحمه الله يقول : لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم.اهـ 3. وهذا ما يشير إليه حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مررت ببلدة ليس فيها سلطان فلا تدخلها، إنما السلطان ظل الله في الأرض، ورمحه في الأرض " 4. وهذا كله يشير إلى ما يَب لولي الأمر من الطاعة والاحترام والتوقير؛ لما في ذلك من صلاح حال الناس في دينهم ودنياهم، ولما في الخروج على ولي الأمر بأي اسم يثير الاضطراب من فتن تهلك الحرث والنسل، وهو الفساد الذي نهى الله تعالى عنه بقوله : ﴿ وَلاَ تـَبْغِ الْفَسَادَ فيِ الأَْرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يحُِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ ]القصص: 11[ .ووصف من يسعى لذلك بأنه من أهل الفساد كما في قوله سبحانه : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لهَُمْ لاَ تـُفْسِدُوا فيِ الأَْرْضِ قَالُوا إِنمََّا نحَْنُ مُصْلِحُونَ .أَلاَ إِنـَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ ]البقرة : 77، 78[. والفساد الذي يترتب على الخروج هو فساد عريض، وقد كان سلمان الفارسي ضي الله تعالى عنه يرى أن من يزعمون الإصلاح ويحصل بزعمهم فســـــاد أنهم من المفسدين في الأرض ، وكان يقول في قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لهَُمْ لاَ تـُفْسِدُوا فيِ الأَْرْضِ قَالُوا إِنمََّا نحَْنُ مُصْلِحُونَ .أَلاَ إِنـَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ ]البقرة : 77،78[،يقول: " ما جاء هؤلاء بعد" 5. 1 صحيح مسلم، كتاب الإمار ة باب خيار الأئمة وشرارهم، حديث رقم : 3636 . 2 سنن أبي داود، كتاب الأدب باب في تنزيل الناس منازلهم، حديث رقم : 4884 من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. 3 تفسير القرط (6 /866.) 4 السنن الكبرى للبيهقي، كتاب القسامة كتاب قتال أهل البغي، باب فض ل الإمام العادل حديث رقم : 76423 . 5 جامع البيان في تفسير القرآن للطبري، سورة البقرة - القول في تأويل قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا، حديث رقم : 367 .

عدد الصفحات ٢٨

28 قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى :يحتمل قول سلمان عند تلاوة هذه الآيــــة : " ما جاء هؤلاء بعد : " أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خبرا منه عمن هو جاء منهم بعدهم ولما يَئ بعد، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن هذه صفته أحد " 1. ولذلك كان منهج أهل السنة والجماعة أنهم لا ينزعون يدا من طاعة، ولا يفرقون الجماعة، ولا يخرجون عن ولي الأمر كما قال اللَّقاني رحمه الله في الجوهرة . ولم يَـز في غـير محـض الـكـفــر خـروجـنـا عـلى ولـي الأمــــر ويقول الإمام الطحاوي رحمه الله في عقيدته : ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة )اهـ واستدل له الشارح بقوله تعالى : ﴿ يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْليِ الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ ]النساء: 67[ .و الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني " 2. و الحديث أيضا: " اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة " 3 و رواية أخرى : " اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حمُِّلوا وعليكم ما حمُِّلتم " 4. وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ البيعة على ذلك كما قال عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه :دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا: " أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأَثَرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله " قال: " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " 5. 1 جامع البيان ت شاكر(7 /827.) 2 شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (8 /646 .)والحديث أخرجه البخاري في الجهاد والسير برقم : 8272، ومسلم الإمارة برقم : 3666، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . 3 صحيح البخاري، كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، حديث رقم : 6148 من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. 4 صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق، حديث رقم : 3688 .من حديث وائل الحضرمي . 5 صحيح البخاري، كتاب الفتن باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : « سترون بعدي، حديث رقم : 6666 صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، حديث رقم : 3676 .

عدد الصفحات ٢٩

29 ومع وجود ذلك البرهان فإنه لا يسمى جهادا، وإنما عدم وجوب طاعته إذا أمر بما يعارض الشارع الحكيم، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف " 1 أي الذي عرفه الشرع وأقره، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: " السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة " 2. فإن لم يأمر بمعصية فطاعته واجبة؛ لأن ذلك مما يحقق للناس مصلحة الاجتماع عليه والتعاون على صلاح الدين والدنيا، وقد أناط الشارع به فعل كل ما يحقق مصلحة الناس بما لا يتعرض مع ثوابت الإسلام، بما يسمى بالسياسة الشرعية التي مناطها تحقيق المصالح ودفع المضار، وتنطلق من مصادر المصلحة المرسلة والعرف وسد الذرائع عن المحرمات وفتحها للواجبات والمطلوبات . حصول الضعف والهوان أمام أعدائهم: الوحدة الإســـــــــلامية فريضة شـــــــرعية ؛ لما لها من أثر عظيم في استقامة أمر الأمة وزجر أعدائها وحماية بيضة الإسلام ، لذلك فقد أوجب الله تعالى على الأمة أن تحافظ على وحدتها وتماســــــــكها فقال سبـــــحانه : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بحَِبْلِ اللَّهِ جمَِيعاا وَلاَ تـَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءا فَأَلَّفَ بـَينَْ قـُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ فَأَنـْقَذَكُمْ مِنـْهَا كَذَلِكَ يـُبـَينُِّ اللَّهُ لَ كُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تـَهْتَدُونَ ﴾]آل عمران : 763[. وحبل الله هو الجماعة كما قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فيما رواه الطبري بسنده3. قال القرطبي 4 :روي عنه وعن غيره من وجوه، والمعنى كله متقارب متداخل، فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة . ورحم الله ابن المبارك حيث قال: إن الجماعة حبـل الله فاعتصمـوا منـه بعـروتـه الوثقى لمن دانــا وهذا المعنى هو ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم :أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم : قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال " 1. 1 رواه البخاري في المغاز ي باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي، حديث رقم : 4674 صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، حديث رقم : 3673 من حديث علي رضي الله عنه. 2 صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب السمع والطاعة للإمام، حديث رقم : 8276 وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، حديث رقم : 3678 من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعا عنهما. 3 تفسير الطبري(6 /644.) 4 في تفسيره(4 /767.)

عدد الصفحات ٣٠

31 فجعل الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق قرين عبادته جل شأنه، وعدم الإشراك به سبحانه؛ لما في ذلك من وحدة الصف وتحقيق الإخاء الذي هو من مقتضيات الإيمان كما قال سبحانه :﴿ إِنمََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة ﴾ ] الحجرات : [10 ومقتضى الأخوة التماسك والتناصر والتآزر، لا التناحر والتخاذل، المؤدي إلى الوهن والضعف، فإن الله تعالى قد حذر من ذلك بقوله عز شأنه : ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تـَنَازَعُوا فـَتـَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبرُِوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال46] فأوجب الاتفاق وحرم التنازع، معللا سببه أن فيه الهوان والذلة، ويكون ذلك سببا للإدالة على الأمة، وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض " 2 ،وأهدر دم من يسعى لهدم بنيان الجماعة، فقال صلى الله عليه وسلم: " إنها ستكون هنات وهنات وهنات، فمن جاءكم يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه كائنا ما كان " 3. وحصول الضعف والهوان للأمة بسبب التنازع يشهد له التاريخ الإنساني، عامة والإسلامي خاصة، فما تفككت الخلافة الإسلامية في الأندلس وذهبت أدراج الرياح إلا بسبب التنازع على الدنيا الذي ولد الضعف، ومكن الأعداء من الانقضاض على البقية الباقية، والإجهاز على الدول المتفرقة واحدة واحدة، حتى أتى العدو على آخرهم، وما انقرضت الدولة الأمية ثم العباسية إلا بسبب ذلك، وهكذا العصر الحديث ما استبيحت دول وتهدمت أخرى وانهارت أنضمة وتحطمت أساطير إلا بسبب الاختلاف الذي ولد الضعف، وكل ذلك مما نعاه الإسلام على أهله، وحذر منه كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟ أفشوا السلام بينكم " 4. 1 صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، حديث رقم : 3388 .من حديث أ هري رة رضي الله تعالى عنه . 2 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء، حديث رقم : 786 صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب « لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض »، حديث رقم : 784 من حديث ابن عمر ومن حديث جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم. 3 مستخرج أ عوانة، مبتدأ كتاب الأمراء، بيان وجوب نصرة الخليفة إذا بويع لغيره، حديث رقم : 6141 من حديث أسامة بن شريك أو عرفجة رضي الله تعالى عنهما . 4 سنن الترمذي الجامع الصحيح، الذبائح أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب حديث رقم : 8474 .من حديث الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه .

عدد الصفحات ٣١

31 وكان الواجب أن يكونوا كما وصفهم الله ﴿ أُمَّةا وَاحِدَةا ﴾ متناصرين متعاونين وكما حثهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " 1. انشغال الدولة عن واجبها نحوشعبها في الأمن والتنمية: قيام الدولة بواجباتها نحو شعبها وبلدها أنسانا وأرضا، دينا ودنيا، تعليما وتطبيبا.. مرهون باستقرار وضعها، وتوفير طاقاتها لذلك، فإن لم يتوفر لها الأمن ووحدة الصف فإنها لا تقدر أن تفعل شيئا، فالإمكانيات المادية والفكرية ستصرف في أولويات الأمن والحماية، وعند ئذ سيبقى الفرد في إهمال وضياع، وتخلف عن ركب الحضارة المنشودة، فلا يتحقق له الأمن ولا يأتيه الرخاء، ولا يحلم بتقدم حضاري أو تكنلوجي كما ينبغي، وسبب ذلك هو التناحر والتنازع الذي يدعى فيه الصلاح والإصلاح... . والشواهد على ذلك لا تحصى، فبلدان الفتن والثورات والنعرات الجاهلية، هي في تأخر مستمر عن ركب الحضارة الإنسانية، والحقوق الاجتماعية، فلا صناعة ولا زراعة ولا بنى تحيتية ولا تعليمية ولا صحية .. بل حقوق الإنسان الأساسية البسيطة في ضياع تام، فالدماء تراق على أتفه الأسباب، ولا ناصر ولا وازع، والحقوق المادية قائمة على المغالبة .. وهكذا كل حال. وسبب كل ذلك عدم قدرة الدولة عن القيام بواجبها مهما أوتيت من مال لانشغالها بأولويات الأمن، ولو خلت عن الفتن لكانت مجارية لغيرها في ركب الحضارة المعاصرة، ولكن هذا ما يسعى إليه رؤؤوس الفتن وأتباعهم، وهذا ما منعه الشارع الحكيم بتحذيره من الفتن وأهلها بما تقدم ذكره، فإذا كان ذلك بمسمى شرعي كالجهاد فهو من تلبيس الباطل بالحق، ومن تزوير الحقائق وتسميتها بغير أسمائها .والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين. وكان الفراغ من تحريره في الرابع من ذي القعدة الحرام 1434هـ، الموافق التاسع من شهر سبتمبر 2013م. وكتبه الفقير إلى عفو الله تعالى د .أحمد بن عبد العزيز الحداد عفا الله تعالى عنه صيغة مقترحة لقرار المجمع 1 صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث رقم : 4176 من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما .

عدد الصفحات ٣٢