المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أحمد الحداد

غير معروف

صفحة ١ من ٣

الدورة الحادية والعشرون لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي 5341هـ- 3154م التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد إعداد الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشئون الإسلامية والعمل الخيري بدبي

عدد الصفحات ١

1 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل الدين خالصا لله رب العالمين، وأكرم به من أحبه من العالمين، وجعل الدعوة إليه عامة للناس أجمعين، وجعل الجهاد قامعا للمعتدين، وخص به من اصطفاه من المسلمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، من جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وعلى آله الغر الميامين، وصحابته المجاهدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعـد :فإن الجهاد شريعة ماضية، وفريضة لازمة إلى يوم القيامة؛ لما روى البخاري ترجمة فقال: ( باب): الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " 1وهو من أسهم الإسلام الثمانية2 وقد خاب من لا سهم له. وحيث إنه كذلك؛ فلا بد له من فقه تأصيلي، وفهم تفصيلي، لتعرف أحكامه، حتى لا يدعيه مدع وهو ليس من أهله، فيكون قد لبَّس على نفسه، وغرر غيره، فضل وأضل، وذلك هو الضلال البعيد، والفساد العريض . وقد أحسن مجمع الفقه الإسلامي الدولي صنعا بجعل هذا الموضوع أحد موضوعاته المهمة المدرجة في هذه الدورة - الحادية والعشرين – فإنه حديث الساعة الذي يخوض فيه كثير من الناس، وقد أصبح المدَّعون له كُثر، من غير بينة ولا برهان، ولا مسوغ أو استبيان . وقدطلب مني مشكورا أن أسهم بالبحث فيه، فأعملت فيه فكري ورأيي، ولم أل جهدا في البحث ولا ادخرت وسعا بالتحرير والترتيب على وجه الاختصار، فكانت هذه الورقات الموجزة بالدلائل المتميزة . والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه . * * * 1 صحيح البخاري (4 /82 )قال الحافظ ابن حجر: هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بنحوه أبو داود وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا عن أبي هريرة ولا بأس برواته إلا أن مكحولا لم يسمع من أبي هريرة وفي الباب عن أنس أخرجه سعيد بن منصور وأبو داود أيضا وفي إسناده ضعف. فتح الباري لابن حجر (6 /66 )والحديث رواه البخاري في الجهاد والس برقم : 8176 عن عروة بن أبي الجعد البارقي رضي الله تعالى عنه . 2 كما جاءعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: « الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والحج سهم، وصوم رمضان سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له » رواه البزار كما في المطالب العالية للحافظ ابن حجر العسقلاني، كتاب ا ان والتوحيد باب علامات الإيمان، حديث رقم : 8717 .

عدد الصفحات ٢

2 تعريف الجهاد لغة: الجهاد مأخوذ من الجهد – بضم المعجمة وفتحها - وهو الوسع والطاقة، مصدر جَهد في الأمر جَهْدا من باب " نفع " إذا طلب حتى بلغ غايته، في الطلب1 . قال ابن فارس: ( جهد ) الجيم والهاء والدال أصله المشقة ثم يحمل عليه ما يقاربه، يقال :جهدت نفسي وأجهدت، والجهد الطاقة قال الله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يََِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ﴾ ]التوبة:172 [. وقال القينوي في أنيس الفقهاء3 :الجهاد مصدر جاهدت العدو إذا قابلته في تحمل الجهد، أو بذل كل منكما جهده أي طاقته في دفع صاحبه، ثم غلب في الإسلام على قتال الكفار كذا في المُغرب4. و الصحاح5 :الجهد والجهد بالفتح والضم الطاقة، الجهاد بالفتح الأرض الصلبة، وجاهد في سبيل الله مجاهدة وجهادا، والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود .اهـ. قال الراغب الأصفهاني: الجهاد والمجاهدة؛ استفراغ الوسع في مدافعة العدو. ويقال له :السِّيرَ بكسر السين وفتح المثناة التحية، جمع سيرة وهي الطريقة . قال الرافعي: يقال : إنها من سار يسير، وترجموه بكتاب السير؛ لأن الأحكام المذكورة فيه متلقاة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته، ومقصودهم به الكلام في الجهاد وأحكامه وترجمه بعضهم بكتاب الجهاد6. و أنيس الفقهاء :السير جمع سيرة وهي الحالة من السير، كالجِلسة والرِّكبة للجلوس والركوب، ثم نقلت إلى معنى الطريق والمذهب، ثم غلبت في لسان الشرع على أمور المغازي؛ لأن أول أمرنا السير إلى العدو، وأن المراد بها سير الإمام ومعاملاته مع الغزاة والأنصار ومع العداة والكفار" . تعريف الجهاد شرعا: يعرف الجهاد في لسان الفقهاء بأنه : قتال الكفار لإعلاء كلمة الله7. 1 المصباح المنير ص788. 2 مقاييس اللغة(7 /426.) 3 أنيس الفقهاء(7 /727.) 4 لناصر بن عبد السيد أبى المكارم ابن على، أبو الفتح، برهان الدين الخوارزمي المُطَرِّزِىّ (المتوفى: 676هـ) وانظر (7/71 )منه 5 لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارا (المتوفى: 373هـ) وانظر (8/466.) 6 المفردات في غريب القرآن (7 /767.) تهذيب الاسماء(3 /767.) 7 الفواكه الدوا(8 /818.)

عدد الصفحات ٣

3 وهذا التعريف أجمع التعاريف؛ لأنه التعريف الذي نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أن رجلاا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما القتال في سبيل الله؟ ...قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل 1. ويقال أيضا هو : قتال الكفار لنصرة الإسلام، ويطلق أيضا على جهاد النفس والشيطان2. ويقال أيضا : هو : قتال الكفار خاصة3. زاد البهوتي: بخلاف المسلمين من البغاة وقطاع الطريق وغيرهم، فبينه وبين القتال عموم مطلق4. أي يَتمعان في كون كل منهما قتال، ويفترق كل واحد منهما في مقصده وأحكامه. تقسيم الجهاد: ينقسم الجهاد إلى قسمين: الأول :جهاد النفس والهوى والشيطان. الثاني :قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى. القسم الأول: جهاد النفس والهوى والشيطان: يدخل مصطلح الجهاد في معركة النفس والشيطان والهوى؛ لما في محاربة هذه الأمور من الجهد والمشقة، ولو لم يفعل المرء ذلك لهلك، وقد قسم ابن القيم رحمه الله تعالى الجهاد إلى أربع مراتب فقال« فالجهاد أربع مراتب :جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين، ثم ذكر لكل مرتبة مراتب في نفسها5. ويشهد لكون مجاهدة الشيطان والنفس من الجهاد؛ ما أخرجه البيهقي في الزهد 6 بسند ضعيف7 عن عن جابر رضي الله عنه قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة، فقال صلى الله عليه وسلم: " قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". قالوا : وما الجهاد الأكبر؟ قال : مجاهدة العبد هواه : 1 البخاري في العلم برقم : 788، ومسلم في الإمارة برقم : 3676. 2 حاشية الجمل على شرح ا نهج (6 /717.) 3 شرح منتهى الإرادات (7 /671.) 4 كشاف القناع (3 /38.) 5 انظر زاد المعاد في هدي خير العباد (3 /7.) 6 فصل في ترك الدنيا ومخالفة النفس والهوى حديث رقم : 326 . 7 كما بينه السيوطي في الجامع الصغ(8/76 )مع التيسير للمناوي.

عدد الصفحات ٤

4 ولذلك قال سفيان الثورى : " ليس عدوك الذى إن قتلته كان لك به أجر، إنما عدوك نفسك التى بين جنبيك، فقاتل هواك أشد مما تقاتل عدوك 1. و ريب أن النفس تحتاج إلى مجاهدة حتى تستقيم على الحق والهدى، وإلا كانت أمارة بالسوء، كما قال سبحانه : ﴿ إِنَّ النـَّفْسَ لأََمَّارَة بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبيِّ إِنَّ رَبيِّ غَفُور رَحِيم ﴾ ]يوسف: 63[ . و تخرج حتى تكون لوامة أو مطمئنة إلا بعد مجاهدة تامة، كما قال بعضهم: والنفس كالطفل إن تهمله شب على حـب الرضــاع وإن تفطمه ينفطم وقد سمى القرآن الكريم من نجح في مجاهدتها مفلحا كما قال سبحانه : ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نـَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ ]الحشر: 7[ . ولذلك قال الباجي وغيره :جهاد النفس فرض كفاية على المسلمين البالغين العقلاء ليرقى بجهادها في درجات الطاعة وتطهير ما استطاع من الصفات الرديئة 2. وكذلك الشيطان؛ فإنه لا انفكاك للمرء من إغوائه ومكره وإضلاله إلا بمجاهدة تامة، فهو يَري من ابن آدم مجرى الدم كما صح في الحديث3 وهو عدو لدود للإنسان، أخذ على نفسه العهد بإغواء بني آدم حتى حتى يكونوا معه في الجحيم، كما حذرنا الله تعالى من عداوته ومكره في آيات كثيرة من كتابه الكريم منها قوله سبحانه : ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُو فَاتخَِّذُوهُ عَدُوًّا إِنمََّا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ ]فاطر: 6[ .وأرشدعباده إلى طريق اتقاء عداوته ومكره، وذلك بالاستعاذة منه كما قال سبحانه : ﴿ وَإِمَّا يـَنـْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نـَزْغ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سمَِيع عَلِيم ﴾ ]الأعراف : 866[. وإ عدم اتباع خطواته وطرقه؛ كما قال جل شأنه : ﴿ وَلاَ تـَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّ ــيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُو مُبِين ﴾ ]البقرة : 762[ .وقال ســــــــبحانه : ﴿ يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تـَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يـَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ ]النور: 87[ . وخطواته هي طرقه، أي لا تَسْلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه4 لأنه سيوردكم موارد الهلاك كما عهد بذلك لربه سبحانه بقوله :﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأَُغْوِيـَنـَّهُمْ أَجمَْعِينَ .إِلاَّ عِبَادَكَ مِنـْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ ]ص: 28،23[ . 1 شرح صحيح الب خارى لابن بطال (76 /876.) 2 التيسير شرح الجامع الصغير للمناوي (8/776.) 3 أخرج البخاري في مواضع منها كتاب الاعتكاف باب : هل يدرأ المعتكف عن نفسه، حديث رقم : 7767 ومسلم، كتاب السلام باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة وكانت زوجته حديث رقم : 4734 من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. 4 معاني القرآن وإعرابه للزجاج (7 /847.)

عدد الصفحات ٥

5 و ينجو المرء من كيده ومكره وشر عداوته إلا بمجاهدة شديدة، وذلك بمعرفة مداخله، وطرق إغوائه، فإنه لا يأمر بخير أبدا كشأن كل عدو. وكذلك الهوى فإنه يضل عن سبيل الله، وإذا ما سيطر على المرء أصمَّه عن سماع الحق وعن اتباعه؛ لأنه يحسن القبيح ويقبح الحسن ويزين الباطل والمنكر، وقد حذر الله تعالى العباد من اتباعه؛ لأنه يضل عن سواء السبيل، كما قال سبحانه : ﴿ فَلاَ تـَتَّبِعُوا الهَْوَى ﴾ ]النساء: 736[ .وقال عز شأنه :﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ممَِّنِ اتـَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِْ هُداى مِنَ اللَّهِ ﴾ ]القصص: 66[ .والمع :لا أحد أضل منه، كما قال سبحانه : ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ممَِّنِ اتـَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِْ هُداى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يـَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ ]القصص: 66[ . والهوى مسيطر على الإنسان فلا يتخلص منه إلا بمجاهدة شديدة حتى يكون تبعا لما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعندئذ يحقق صريح الإيمان وصحيحه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "1. فمجاهدة النفس والشيطان والهوى شديدة وشاقة لملازمتها المرء مدة حياته، بخلاف مجاهدة العدو الخارجي الذي يكون وقتا دون وقت، وقد يتهيء للمرء مجاهدته، وقد يُكفى بغيره، وقد لا يكون بالمرة كهذه الأيام، لفقد شروطه كما سيأتي، بخلاف هذه الثلاثة فإنها محدقة بالمرء، فإن سلم من واحدة تلقفته آخرى، فلا ينفك إلا بكمال المجاهدة والمراقبة لله رب العالمين، وفلاحُه ونجاحه وفوزه في الدنيا والآخرة متوقف على مجاهدتها، فكان جهادها من الجهاد الأكبر بحق وحقيقة، فإن الجهاد هو بذل ما فيه جهد مشقة، كما تقدم في تعريفه، وأي مشقة أكبر من هذه المشاق الملازمة؟ ! وإن لم يكن صاحبها بدرجة المجاهدين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فيِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالهِِمْ وَأَنـْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةا عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ ]التوبة: 86[ . وقال في شأنهم : ﴿ لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيـْرُ أُوليِ الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالهِِمْ وَأَنـْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالهِِمْ وَأَنـْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُْسْنىَ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراا عَظِيماا ﴾ ]النساء: 76[ . وكونه أفضل الأعمال بعد الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بالله والجهاد في سبيله"2 وكون المجاهدين في أعلى درجات الجنة كما قال صالى الله عليه وسلم: 1 السنة لابن أبي عاصم، باب ما يَب أن يكون هوى المرء تبعا لما جاء به حديث رقم : 74 والبيهقي في المدخل إ السنن الكبرى، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس في موضع النص حديث رقم : 741 من حديث عبد ا بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، والبخاري في جزء رفع اليدين برقم : 43 من حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه. 2 صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، حديث رقم : 744 من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه .

عدد الصفحات ٦

6 " إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في ســــبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض... " 1. لكنه من المجاهدة التي أمر الله تعالى بها بمثل قوله : ﴿ وَجَاهِدُوا فيِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ ]الحج: 12[ . قال القرطبي رحمه الله تعالى قيل : عنى به جهاد الكفار . وقيل : هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظَّلَمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم " 2. والقول الثاني هو الأظهر؛ لأن الأمر بالجهاد في ساحات الوغى لا يكون إلا بعد مجاهدة النفس على الصبر في هذه المواقف، فالآية تدل على ما هو أعم من ذلك، ومن تحلى بهذه المجاهدة كان من أهل قول الله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنـَهْدِيـَنـَّهُمْ سُبـُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ العنكبوت: 67[ كما قال سفيان بن عيينة لابن المبارك رحمهما الله تعالى : إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، فإن الله يقول ﴿ وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنـَهْدِيـَنـَّهُمْ سُبـُلَنا ﴾3 ولذلك قال ابن عطية عن هذه الآية : فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته 4. وقال أبو سليمان الداراني :ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر5. القسم الثاني: وهوقتال الكفار لإعلاء كلمة الله : يقسم الفقهاء هذا النوع من الجهاد قسمين: الأول: جهاد طلب لمن وقف ضد الإسلام، أو منع الناس من الدخول فيه، أو منع الدعوة إليه ونحو ذلك. فهؤلاء يقاتلون لكف شرهم عن الخلق كما قال الله تعالى : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتىَّ لاَ تَكُونَ فِتـْنَة وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتـَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ ]البقرة : 773[؛ لأنهم يصدون عن السبيل، ويحاولون أن 1 صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير باب درجات المجاهدين في سبيل ا ، حديث رقم : 8666 صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات، حديث رقم : 3621 من حديث أ هريرة ومن حديث سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما 2 تفسير القرط (78 /77.) 3 المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (4 /386.) 4 المرجع السابق وانظر تفسير القرط (73 /364.) 5 تفسير القرط (73 /366.)

عدد الصفحات ٧

7 يطفئوا نور الله بأفواههم وسنانهم، ومن حق الناس أن تصلهم الحقيقة، وأن يسمعوا من غيرهم، فمن منع عنهم هذه الحقيقة كان ظالما لهم، ومن حق أهل الهدى وحملة الرسالة أن يمنعوا الظلم عن الناس. ولكن محل هذا هو حينما لا يكون هناك سبيل للتبليغ بالإسلام إلا عن طريقه، فإن وجدت وسائل دعوية إعلامية أو غيرها يمكن من خلالها إيصال رسالة الإسلام فذلك يغني عن جهاد الطلب1. وهذا ما هو متاح اليوم في كل بلاد الله الواسعة الأرجاء التي تسمح بحرية الأديان، فإن المسلمين اليوم في تلك البلاد يصولون ويَولون في الدعوة ويفتحون المساجد، ويشترون الكنائس ويحولونها مساجد، ويقيمون المراكز الإسلامية والأنشطة الدينية، ويقيمون الجمع والجماعات، حتى أصبح الإسلام في بعض الدول - كفرنسا - دينا رسميا بعد المسيحية، وأصبحت الدول تسهم مع الجاليات الإسلامية في بعض أنشطتها، على شكل عطايا خاصة أو تسهيلات نظامية معتبرة، فلم يبق على المسلمين ولا سيما الجاليات هناك إلا حسن عرض الإسلام بالشكل العملي والتطبيقي القائم على المكارم الخلقية والإحسان في الدعوة والرحمة للناس، كما أمر الله تعالى بذلك بقوله جل وعز :﴿ادْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِْكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَْسَنَةِ وَجَادِلهُْمْ بِالَّتيِ هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ]النحل: 786[ . وقوله عز شأنه :﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناا ﴾ ]البقرة : 23[ . وسيدخل الناس في دين الله أفواجا، كما حدث في البلاد الوثنية في القرون الأولى، كشرق آسيا، فإنها لم تفتح بسيف ولا سنان، بل الدعوة بالحسنى وحسن عرض الإسلام، من قبل التجار الدعاة إلى الله بسلوكهم وأحوالهم من السادة الحضرميين قبل نحو ثمانمائة سنة، فغدت اليوم ديار إسلام، بل أصبحت أندنوسيا أكبر الدول الإسلاميا عددا ومساحة. يقول الدكتور عبد الوهاب خلاف : أما الأمة غير الإسلامية التي لم تبدأ المسلمين بعدوان، ولم تعترض لدعاة الإسلام، وتركتهم أحراراا يعرضون دينهم على من يشاءون، ويقيمون براهينهم بما يريدون، لا تقاوم داعياا ولا تفتن مدعوا، ولم ترسل إليها بعثة من الدعاة؛ فهذه لا يحل قتالها ولا قطع علاقتها السلمية، والأمان بينها وبين المسلمين ثابت، لا ببذل أو عقد، وإنما هو ثابت على أساس أن الأصل السلم، ولم يطرأ ما يهدم هذا الأساس من عدوان على المسلمين أو على دعوتهم2. الثا: جهاد دفع للعدو الذي هجم على بلاد المسلمين، واستباح ديارهم وأموالهم وأعراضهم . وهذا النوع واجب شرعا على كل من قدر على حمل السلاح من رجل وامرأة وصغير وكبير وحر وعبد، فورا من غير استئذان، فعندما يحس المسلمون بمداهمة العدو بلدهم ووطنهم، فيجب التصدي له من كل قادر من الأمة القاطنين في البلد، ويسمى النفير العام لحماية بيضة الإسلام، وصون الأوطان والنساء والولدان، 1 انظر الجهاد والقتال في السياسة الشرعية للدكتور محمد خير هيكل (7/676.) 2 السياسة الشرعية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية (ص: 23.)

عدد الصفحات ٨

8 وذلك لعدم جواز الاستسلام لغير المسلم؛ لما فيه من الهوان والذلة، وقد قال الله تعالى ﴿ وَلَنْ يََْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاا ﴾ ]النساء: 747[ . لذلك أمر الله تعالى المؤمنين بالنفير العام في مثل هذه الحالة.كما قال سبحانه : ﴿ انْفِرُوا خِفَافاا وَثِقَالاا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنـْفُسِكُمْ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيـْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تـَعْلَمُونَ ﴾ ]التوبة: 47[ . وقال جل شأنه: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةا كَمَا يـُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةا وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ ]التوبة: 36[ . وقال الله تعالى: ﴿ وَاقـْتـُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتـْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تـُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الحَْرَامِ حَتىَّ يـُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتـَلُوكُمْ فَاقـْتـُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ 191) فَإِنِ انتـَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُور رَّحِيم ﴾ ]البقرة : 777-778[ . وهو واجب وطني يشترك فيه المسلمون وغيرهم ممن للوطن عليهم ذمة وحق، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهد طوائف أهل المدينة من عرب ويهود على حماية المدينة مما يداهمها من الأعداء، يستوي في ذلك المسلمون وغيرهم، فقد جاء في تلك المعاهدة: " هذا الكتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم، فلحق بهم، فحل معهم وجاهد معهم :أنهم أمة واحدة دون الناس والمهاجرون من قريش ... "1. وهذا النوع مما كفلته المواثيق الدولية ويستوي فيه جميع الناس على مختلف ديانتهم، والفارق الوحيد فيه أن المسلمين يَب عليهم ذلك وإلا أثموا، ولهم أجر المجاهدين، ومنزلة الشهداء الصادقين . وأهم ما يحتاج بحثه هنا هو القسم الأول، وهو جهاد الطلب، أي جهاد الدعوة إلى الله تعالى لأنها غايته ومراده، فلا يتأتى للمرء السعي فيه وإليه حتى يحقق شروطا، وإلا كان على غير هدى من الله، وكان فتنة وفسادا في الأرض، يتعين منعه وكف الباغين له. شروط جهاد الطلب: أن يكون مع غير المسلمين. أن يقصد به وجه الله لإصلاح عباده. أن يكون تحت راية الإمام. أن يسبقه دعوة إلى الله. أن تكون للمسلمين قوة ومنعة. 1 الأموال للقاسم بن سلام،كتاب افتتاح الأرضين صلحا وأحكامها وهذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خزاعة، حديث رقم : 443 .

عدد الصفحات ٩

9 وتفصيل ذلك بما يلي: الشرط الأول: أن يكون مع غير المسلمين: لأن الجهاد إنما فرض لتبليغ رسالة الله للناس ليدخلوا في دينه القويم وصراطه المستقيم، كما قال الله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتىَّ لاَ تَكُونَ فِتـْنَة وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انـْتـَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ ]البقرة : 773[ . وقال سبحانه : ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتـَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فيِ الدِّينِ وَنـُفَصِّلُ الآْيَ اتِ لِقَوْم يـَعْلَمُونَ ﴾ ]التوبة: 77[ . والآيات كثيرة في ذلك، وكلها تدل على أن الجهاد لم يشرع إلا مع غير المسلمين. أما المسلم فإن الله تعالى قد حرم دمه وماله وعرضه، وأعطاه من الحقوق مثل ما عليه من الواجبات، فمن انتهك أخوة الإسلام فقد أتى إثما كبيرا وجُرما عظيما، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَنْ يـَقْتُلَ مُؤْمِناا إِلاَّ خَطَأا وَمَنْ قـَتَلَ مُؤْمِناا...﴾ ]النساء: 78[ .ثم قال جل شأنه: ﴿ وَمَنْ يـَقْتُلْ مُؤْمِناا مُتـَعَمِّداا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباا عَظِيماا ﴾ ]النســـاء : 73[ . وقل عز من قائــــــل : ﴿ قُلْ تـَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناا وَلاَ تـَقْتـُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق نحَْنُ نـَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تـَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنـْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تـَقْتـُلُوا النـَّفْسَ الَّتيِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَْقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تـَعْقِلُونَ ﴾ ]الأنعام: 767[ . بل جعل قتل نفس معصومة واحدة كقتل الناس أجمعين كما قال سبحانه: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبـْنَا عَلَى بَنيِ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قـَتَلَ نـَفْساا بِغَيرِْ نـَفْس أَوْ فَسَاد فيِ الأَْرْضِ فَكَأَنمََّا قـَتَلَ النَّاسَ جمَِيعاا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنمََّا أَحْيَا النَّاسَ جمَِ يعاا ﴾ ]المائدة: 38[ . وهذه مبالغة في تعظيم أمر القتل ظلما، وتفخيم لشأنه، والمعنى :كما أن قتل جميع الناس أمر عظيم القبح عند كل أحد، فكذلك قتل الواحد يَب أن يكون كذلك1. ورتب على ذلك إثما عظيما كما في آية النساء الآنفة الذكر، وكما في قوله سبحانه : ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهَاا آخَرَ وَلاَ يـَقْتـُلُونَ النـَّفْسَ الَّتيِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَْقِّ وَلاَ يـَزْنُونَ وَمَنْ يـَفْعَلْ ذَلِكَ يـَلْقَ أَثَاماا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يـَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيخَْلُدْ فِيهِ مُهَاناا .إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاا صَالحِاا فَأُولَئِكَ يـُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتهِِمْ حَسَنَات وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراا رَحِيماا ﴾ ]الفرقان : 62-16[ . 1 الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي(8 /744.)

عدد الصفحات ١٠

11 فقد قرن جرم قتل النفس المعصومة بالشرك بالله تعالى، وهو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم، حين سئل عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، فقال : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال : قول الزور، أو قال :شهادة الزور " 1. ولما كان المسلم معصوم الدم فقد أوجب الله فيه القصاص؛ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والجروح قصاص كما قال سبحانه: ﴿ يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فيِ الْقَتـْلَى الحُْرُّ بِالحُْرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُْنـْثَى بِالأُْنـْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتـِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِكَ تخَْفِيف مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحمَْة فَمَنِ اعْتَدَى بـَعْدَ ذَلِكَ فـَلَهُ عَذَاب أَلِيم ﴾ ]البقرة : 712[ . وقال عز شـــــــأنه : ﴿ وَلاَ تـَقْتـُلُوا النـَّفْسَ الَّتيِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَْقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماا فـَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناا فَلاَ يُسْرِفْ فيِ الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراا ﴾ ]الإسراء : 33[ . لما في القصاص من حماية النفس البشرية من العدوان كما قال تعالى : ﴿ وَلَكُمْ فيِ الْقِصَاصِ حَيَاة يَا أُوليِ الأَْلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تـَتـَّقُونَ ﴾ [البقرة 179] أي يحمل الناس على الحياة، فإن مُريد القتل إن علم أنه سيقتل قصاصا فإنه سيكف عن القتل، فيكون قد أحيا نفسه وأحيا غيره، كما كانت العرب تقول : القتل أنفى للقتل. والذي أوجب ذلك الإثم وما يترتب عليه من قصاص، هو كونه مسلما معصوم الدم والمال، فلا تنتهك له نفس ولا يستباح له عرض ولا مال كما قال صلى الله عليه وسلم: " فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه " 2. وقال أيضا: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا، عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله " 3. أي أن المسلم معصوم الدم والمال والعرض، وذلك بمجرد أن يشهد أن لا إله إلا الله كما قال صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه الذي هو حِبُّه وابن حِبِّه : " يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟!" قال أسامة : كان متعوذا، فما زال يكررها، قال أسامة : حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم »4 و رواية قال له: " أقال لا إله إلا الله وقتلته؟! " قال : قلت : يا رسول الله، إنما قالها خوفا من 1 صحيح البخاري، كتاب الأدب باب : عقوق الوالدين من الكبائر، حديث رقم : 6637 وصحيح مسلم، كتاب الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم : 763 من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. 2 صحيح البخاري، كتاب العلم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : « رب مبلغ »، حديث رقم : 61 صحيح مسلم، كتاب الحج باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم : 8878 . 3 صحيح مسلم، كت اب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، حديث رقم : 62 من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. 4 صحيح البخاري، كتاب المغازي باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى، حديث رقم : 4633 .

عدد الصفحات ١١

11 السلاح، قال: " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! " فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ " 1. قال ذلك لما قتل رجلا في الجهاد كان قد سمع منه النطق بالشهادة، فظن أنه إنما قالها متعوذا من السيف لما رأى بريقه فوق رأسه، فأنكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الإنكار الشديد، مع أنه كان قد اجتهد وله مسوغ . وكما أنكر على خالد بن الوليد رضي الله عنه لما أرسله إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا، فجعلوا يقولون :صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل أسيره، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبره، رفع يده فقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين " 2. فهكذا يعصم الإسلام الإنسان، وأنه ليس لأحد بعد ذلك الـتأويل لاستباحة دمه وماله وعرضه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته " 3. المخالفة الفكرية أو السياسية أو الجغرافية لا تقتضي الجهاد: فليس لأحد بعد ذلك أن يتجرأ على قتل المسلم باسم الجهاد لكونه مخالفا، سواء كانت المخالفة فكرية أو سياسية أو جغرافية، أو كان خلافا على مال أو عدوانا على نفس أو عرض أو مال... بل أي خلاف يَري بين المسلمين فإنه لا يكون مبررا لجهاد، لخروج مصطلح الجهاد عنه، فإنه كما تقدم : " قتال الكفار لإعلاء كلمة الله" أما هذا فيسمى : قتالا بين المسلمين، جُرمه خطير وإثمه كبير. وقد كان أول قتال بين المسلمين ما قصه الله تعالى علينا من حال ابني آدم الذي كان من أحدهما وهو قابيل عدوان سافر على أخيه هابيل، إذ همّ بقتله ظلما وعدوانا وحسدا وبغيا؛ لأن الله تعالى لم يتقبل صدقته، بينما تقبل صدقت أخيه هابيل، فكان إثمه عظيما فكأنما قتل الناس جميعا، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، وذلك لأنه أول من سن القتل "4. 1 صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا، حديث رقم : 766 من حديث أسامة رضي الله تعالى عنه . 2 صحيح البخاري، كتاب المغازي باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى، حديث رقم : 4673 . 3 أخرجه البخاري في مواضع منها، كتاب الصلاة أبواب استقبال القبلة، باب فضل استقبال القبلة يستقبل بأطراف رجليه، حديث رقم : 321 من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. 4 صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، حديث رقم : 3718 صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات باب بيان إثم من سن القتل، حدي ث رقم : 3863 .

عدد الصفحات ١٢

12 - فالخلاف في الرأي يحُل بالحجة والبرهان، فإن نفعت وإلا كان التحاكم لله رب العالمين، بالرجوع إلى شرعه في الدنيا وإلى حسابه في الأخرى كما قال سبحانه : ﴿ فَاللَّهُ يحَْكُمُ بـَيـْنـَهُمْ يـَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يخَْتَلِفُونَ ﴾ ]البقرة : 773[ . وكما قال جل شأنه : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يـَفْصِلُ بـَيـْنـَهُمْ يـَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يخَْتَلِفُونَ ﴾ ]السجدة: 86[ . ثم إن الخلاف الفكري يعتبر سنة بشرية، فلا مجال لتوحيد أفكار بني آدم عقيدة أو دونها، فللناس مشارب ومذاهب متفاوته، وقد خلق الله تعالى عباده على تلك الشِّية التي لا مجال لتغييرها، كما قال سبحانه : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لجََعَلَ النَّاسَ أُمَّةا وَاحِدَةا وَلاَ يـَزَالُونَ مخُْتَلِفِينَ .إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ]هود: 772، 777[ . وقال لحبيبه ومصطفاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فيِ الأَْرْضِ كُلُّهُمْ جمَِيعاا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتىَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ]يونس: 77[ . والن صلى الله عليه وسلم أخبر أن أمته ستختلف ولم يَعل هذا الاختلاف موجبا للقتال، فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين : ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة " 1. فسماهم أمته ولم يبح دماءهم لمقتضى الاختلاف. - وإذا كان الخلاف سياسيا فإنه لا يوجب الاقتتال، وسبيل حله التفاهم والتقارب لا التقاتل والتهاجر، فإن الإسلام قد عصم دم المسلم مهما كان مخالفا، والقتال من أجل ذلك هو من العدوان والظلم الذي حرمه الله بين العباد، ويقيم فيه العدل بالقسط، فلا يَوز التداعي له ولا الاستجابة له، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات مِيْتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عِمِّيَّة يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقِتْلة جاهلية، ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها ، ولا يتحاشى من مؤمنها ، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولســــت منه " 2. ولذلك يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: وليس لبعضهم أن يقاتل بعضا بمجرد الرياسة والأهواء" 3. 1 سنن أبي داود، كتاب السنة باب شرح السنة، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، حديث رقم : 4668 . والترمذي من حديث عبد الله بن عمر بن العاص برقم : 8638، وقال: حديث غريب . 2 صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن و تحذير الدعاة إلى الكفر، حديث رقم : 3686 . 3 لفتاوى الكبرى(4 /362.)

عدد الصفحات ١٣

13 وإذا ابتليت الأمة بذلك فإنها لا تخرج عن دائرة الإسلام، وما يَري بينها لا يسمى جهادا، ولا يكون مبررا شرعا، فإن الشرع لم يخرج المتقاتلين من الإسلام والإيمان مع ما هم فيه من جرم المعصية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" 1. فسماهما مسلمين مع كونهما يتقاتلان، وقتالهما يوجب لهما النار، القاتل لقتله، والمقتول لحرصه على قتل صاحبه، إلا أن يستحل أحدهما دم الآخر فعند ئذ يكون قد خرج من رِبقة الدين لاستحلاله أمرا محرما معلوما من الدين بالضرورة، كما قالوا: ومـن لمـعـلـوم ضـرورةا جـحـد من دينـنـا يقتل كفـراا ليس حــد فإن لم يعتقد ذلك فهو مسلم عاص كما قال سبحانه : ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقـْتَتـَلُوا فَأَصْلِحُوا بـَيـْنـَهُمَا فَإِنْ بـَغَتْ إِحْدَاهمَُا عَلَى الأُْخْرَى فـَقَاتِلُوا الَّتيِ تـَبْغِي حَتىَّ تَفِيءَ إِلىَ أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بـَيـْنـَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يحُِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ ]الحجرات : 7[ . فسمى الطائفتين المتقاتلتين مؤمنتين، وكما قال علي رضي الله تعالى عنه وقد سئل عن حكم الخوارج الذين قاتلوه، وقيل له :مَن هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفار هم؟ قال: " من الكفر فروا " قيل : فمنافقون؟ قال: "إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله كثيرا " قيل : فما هم؟ قال: " قوم أصابتهم فتنة، فعموا فيها وصموا " 2. و رواية قيل له : أمشركون هم؟ قال : من الشرك فروا، قيل : أمنافقون هم؟ قال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قيل :فما هم؟ قال :إخواننا بغوا علينا3. - والخلاف على المال أو الصيال على النفس أو العرض، لا يقتضي القتال، بل للمرء استرداد ماله بما يقدر عليه، وله الدفاع عنه بالأخف فالأخف إن لم تطب نفسه بماله وهو الأفضل؛ صونا للدماء كما فعل سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه، وإن حصل قتال فإنه لايسمى جهادا، بل هو من الموبقات التي توجب لصاحبه النار. - والصائل على النفس أو العرض يدفع بالأخف فالأخف، فإن لم يقدر على دفعه إلا بقتله جاز لدفع الضرر عن نفسه، وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بمِِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ 1 صحيح البخاري، كتاب الإيمان باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فسماهم المؤمنين، حديث رقم : 37 صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، حديث رقم : 6841 من حديث نفيع بن الحارث رضي الله تعالى عنه . 2 مصنف عبد الرزاق الصنعاني، كتاب اللقطة باب ما جاء في الحرورية، حديث رقم : 71721 . 3 مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجمل وصفين والخوارج في مسير عائشة وعلي وطلحة والزبير، حديث رقم : 31763 ، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب القسامة كتاب قتال أهل البغي، باب الدليل على أن الفئة الباغية منهما لا تخرج بالبغي عن حديث رقم : 76647 .

عدد الصفحات ١٤

14 وَاتـَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ ]البقرة : 774[ .وقوله جل شأنه: ﴿ وَإِنْ عَاقـَبْتُمْ فـَعَاقِبُوا بمِِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبـَرْتُْ لهَُوَ خَيـْر لِلصَّابِرِينَ ﴾ ]النحل: 786[ .و ريب أن تحقيق المثلية عسير، ولذلك حبَّذ الله تعالى الصبر والعفو، فإن لم يصبر ويحلم فله أخذ حقه، فقد جعل الله تعالى له سلطانا، وقد : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: " فلا تعطه مالك " قال : أرأيت إن قاتلني؟ قال: " قاتله " قال : أرأيت إن قتلني؟ قال: " فأنت شهيد "، قال : أرأيت إن قتلته؟ قال: " هو في النار " 1. فهذه أحوال قتال المسلمين في الغالب الأعم، وكلها ليست من الجهاد في شيء، بل هي من الفتن التي توجب التوبة، وقد تنقلب حسنة إن كانت توبة نصوحا بأن صدق في توبته ونيته كما قال الله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاا صَالحِاا فَأُولَئِكَ يـُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتهِِمْ حَسَنَات وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراا رَحِيماا ﴾]الفرقان : 16[ . الشرط الثاني. أن يقصد به وجه الله لإصلاح عباده: لأن الجهاد عبادة عظيمة، فلا يكون إلا بإخلاص القصد لله تعالى، ولا يكون له غرض من أغراض الدنيا أو حظوظ النفس . وحيث كان كذلك فلا بد أن تصحبه نية صالحة في ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، كما قال صلى الله عليه وسلم " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله عز وجل " 2. وإذا طبق هذا الشرط في واقع مدعي الجهاد اليوم فستجده مفقودا البتة، فإنه إما قتال لعصبية، أو قتال لدنيا مؤثَرة وحطام فانية، فلم يعد موضع بحث في مفهوم الجهاد بمعناه الاصطلاحي. ولذلك لم يكن ماجرى في صدر الإسلام من فتن وقتال من الجهاد في شيء، ولم يسمه أحد من أهل العلم جهادا، فقد جرى مع أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه في وقعة الجمل ومعركة صفين، وما جرى له ولغيره من الأمراء والملوك من قتال الخوارج، وكل ذلك لم يكن جهادا، إنما هي فتن كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسميها ويحذر منها ويقول: " ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به " 3. 1 صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق، حديث رقم : 881 من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . 2 تقدم تخريَه ص : 6 . 3 صحيح البخاري، كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم : 3486 صحيح مسلم، كتاب الف وأشراط الساع باب نزول الفتن كمواقع القطر، حديث رقم : 6844 من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه .

عدد الصفحات ١٥

15 بل سمى بعض أحداثها وكشف حقيقتها فقال صلى الله عليه وسلم: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار " فكان عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه يقول : " أعوذ بالله من الفتن " 1. فلم يسم ذلك جهادا مع أنه قد شخص القتال وسمى إحدى طائفتيه " باغية " أي خارجة عن الطاعة، والطرف المقابل على الحق والهدى، فلم يكن ذلك جهادا، لأنه كان بين مسلمين، ولأنه لم يرد به وجه الله تعالى والدار الآخرة، فلم ينطبق عليه وصف الجهاد. الشرط الثالث.أن يكون تحت راية الإمام: والمراد بالإمام هو الحاكم العام للمسلمين، أي الخليفة أو الملك أو الأمير، أو الرئيس الذي بيده مصلحة الأمة، وهو مسئول عن الحفاظ على مصالحها الدينية والدنيوية . ويقال في تعريفه اصطلاحا :" هو الذي له الرياسة العامة في الدين والدنيا جميعا " 2. ومن أهم مهماته؛ الجهاد في سبيل الله والصلح بين المسلمين وغيرهم، فلا يكون إلا عن أمره ونهيه؛ لما في ذلك من وجوب رعاية المصلحة المراد تحقيقها، ودفع المضار التي يخشى وقوعها، يقول إمام الحرمين : " وأما الجهاد فموكول إلى الإمام، ثم يتعين إدامة النظر فيه .. فيصير أمر الجهاد في حقه بمثابة فرائض الأعيان، والسبب فيه أنه تطوَّق أمور المسلمين، وصار مع اتحاد شخصه كأنه المسلمون بأجمعهم " 3. وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى : فإذا ثبت هذا – يعني كونه فرض عين حين يهاجم العدو البلد - فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكول إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم، ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين ، إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يَب استئذانه، لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليه " 4. والذي يَري فيما يسمى اليوم جهادا، لا يصدر عن إمام عام، بل عن عصابات وجماعات تعتبر منشقة عن جماعة المسلمين، وخارجة عن منهجهم، فهي تفقد أهم شروط الجهاد، فلا يصح أن يكونوا مجاهدين ولا يسمى فعلهم جهادا. 1 صحيح البخاري، كتاب الصلاة أبواب استقبال القبلة، باب التعاون في بناء المسجد حديث رقم : 432 . 2 التعريفات للجرجاني ص 36. 3 الغياثي ص76. 4 المغني لابن قدامة(7 /873.)

عدد الصفحات ١٦