1 اٌزٕغ١ُ فٟ اٌمشآْ اٌىش٠ُ - دساطــــح صٛر١خ – تأليف الدكتورة سناء حميد البياتي جبِؼخ ثغذاد / ِشوض إد١بء اٌزشاس اٌؼٍّٟ اٌؼشثٟ العراق جبِؼخ وبِجشط / ِشوض اٌذساعبد الإعلاِ١خ ٚاٌؾشق أٚعط١خ أستاذ زائر /2007
عدد الصفحات ١2 بسم الله الرحمن الرحيم المغة العربية لغة موسيقية : مف المعمكـ أف المغة تتألؼ مف عناصر صكتية متنكعة ، كمف المعمكـ أيضان أف المكسيقى تصدر عف أصكات ذات نغمات متنكعة ، كبىذا فإف المغة تشترؾ مع المكسيقى في الكحدات الجزئية المككّنة لكؿ منيما ، كىذه الكحدات المشتركة ىي ( الأصكات ) لذلؾ يمكننا القكؿ إف كؿ لغة تحمؿ صفة تنغيمية أك مكسيقية خاصة بيا ، كربما تتفكؽ لغة مف المغات في ىذه الصفة التنغيمية كما ىك الحاؿ في المغة العربية ع ندما تنتظـ كمماتيا بطريقة خاصة يقصد منيا التأثير في السامعيف كليس الإفياـ فحسب. كلمتنغيـ أثر عجيب في النفس البشرية ، ككاف العربي بطبيعتو ميالان إلى النغـ كالإيقاع فشغؼ بحسف التكزيع ، تكزيع الأصكات في الكممات ، كتكزيع الكممات في الجمؿ كتكزيع الجمؿ في سياؽ كلامو ، ذلؾ التكزيع المتقف عمى فترات زمنية متساكية في أغمب الأحياف ، مستجيبان بذلؾ لكؿ ما يتحسسو في حياتو مف إيقاعات سببيا الانتظاـ أك التعاقب عمى فترات زمنية محددة ، فضربات القمب تشكؿ إيقاعان متعاقبان منتظمان ، ككحدات التنفس تتعاقب بانتظاـ ، كالميؿ كالنيار يشكلاف إيقاعان ثنائيان ، كالفصكؿ الأربعة تشكؿ إيقاعان رباعيان منتظمان كتحسس العربي كؿ ىذا ففـت عنده الحاسة الإيقاعية ، كتكلع بيا ، كأخذ يدرب الأبنا ء عمييا فقد سئؿ الخميؿ بف أحمد الفراىيدم ، رحمو الله تعالى : " ىؿ لمعركض أصؿ عند العرب ؟ قاؿ نعـ، مررت بالـ دينة حاجان ، فرأيت شيخان يعمـ غلامو ، يقكؿ لو : قؿ : ( نعـ لا . نعـ لا لا . نعـ لا . نعـ لا لا . نعـ لا . نعـ لا لا . نعـ لا . نعـ لا لا ) فقمت لو : ما ىذا الذم تقكلو لمصبي ؟ فقاؿ : عمـ يتكارثكنو عف سمفيـ يسمكنو ( التنعيـ ) لقكليـ فيو : نعـ قاؿ الخميؿ فرج عت بعد الحج . فأحكمتيا " 1 كفي ركاية أخرل كردت ىذه الكممة ( التفعيـ ) بالغيف المعجمة أم ( التنغيـ ) 2 كسكاء أ كانت الكممة ( التنعيـ ) أك ( التنغيـ ) فلا يخفى ما في ذلؾ الحدث مف إشارة إلى التدريب المبكر للأبناء عمى الإحساس بالإيقاع . كاإ ذا كضعنا نصب أعيننا أف العربي يعيش في بيئة خاصة شحذت خياؿ ة لحب التنغيـ كالترنـ ، فصحراؤه كاسعة مترامية الأطرؼ ، كالطبيعة جميمة أخّاذة بمناظرىا الساحرة ، تمد الشمس خيكطيا الذىبية نياران لتملأ الككف نكران كبياء ، كتتناثر النجكـ ليلان كالجكاىر كسط الظلاـ 1 دراسات في عمـ العركض كالقافية – ص 13 2 ينظر: العركض كالقافية – دراسة في التأسيس كالاستدراؾ – ص 38
عدد الصفحات ٢3 كفيىذه الأجكاء عشؽ العربي النغـ كالإ يقاع ، كتفاعمت نفسو مع تفاصيؿ الحياة كإيقاعاتيا .. حتى مع خطكات الجمؿ السريعة حينان كالبطيئة أحيانان أخرل فعمدت إلى تنسيؽ بعض العبارات كمنحتيا صفة إيقاعية اتضحت في المراحؿ الأ كلى لنظـ الشعر. كقد حاكؿ بعض الباحثيف تكضيح الجكانب المكسيقية في المغة العربية فأشاركا إلى أمثمة كثيرة تدؿ عمى التناسب الصكتي كالتقابؿ المكسيقي في تركيب الكممات كترتيب الحركؼ .. فالأصكات في المغة العربية كاسعة الأفؽ ، كاممة في مدرجيا الصكتي ، حسنة التكزيع في ىذا المدرج متميزة المخارج ، ثابتة الصفات عبر القركف ، يتكارثيا جيؿ بعد جيؿ ، متنكعة الكظائؼ في بنية الكممة مع تناسؽ بيف أصكات المغة، كأصكات الطبيعة ، كتكافؽ بيف الصكرة المفظية كالصكرة المعنكية المقصكدة مما يدؿ عمى أف العربية ابنة فطرة الطبيع ة لما بينيا كبيف الطبيعة مف تقابؿ صكتي كتكافؽ في الجرس حكى عنو ابف جني في كتابو ( الخصائص ) ، كما نستطيع القكؿ مف غير تردد إف للأصكات في المغة العربية إيحاء خاصان ، فيي إف لـ تدؿ دلالة قاطعة عمى المعنى ، تدؿ دلالة اتجاه كاإيحاء ، كتثير في النفس جكان يويئ لقبكؿ المعنى كيكجو إليو كيكحي بو. كالعربية لـ تكتس ب ىذه الخصائص إلا لككف جميع ألفاظيا ترجع الى نماذج مف الأكزاف المكسيقية في كحدتيا الصكتية كالتركيبية ككحدة الانسجاـ ، كالتكفيؽ في الجرس كالنغمة كالإ يقاع كما يلائميا مف تأليؼ كحدة فنية كنفسية 1 كقد أشار الجاحظإلى ذلؾ – أم إلى المكسيقي في المغة العربية – عفد تعميمو لصعكبة ترجمة حكمة العرب في قكلو : " لك حكّلت حكمة العرب لبطؿ ذلؾ المعجز الذم ىك الكزف " 2 كمما يدؿ عمى مكسيقية المغة العربية ما ركم لنا مف مآثر الجاىمييف في صكرة خُطب ككصايا بُنيت عمى مكسيقى المفظ ككجيت كؿ العناية إلى الأصكات كالسجع فغمرت المعاني ، كأصبح مف الـ ألكؼ التعبير عف المعنى القميؿ بألفاظ كثيرة استدلا لان لممكسيقى كما في نصيحة ذم الإصبع العدكاني لأبنو :" ألِفْ جانبؾ لقكمِؾَ يحبكؾ ، كتكاضع ليـ يرفعكؾ ، كابسط ليـ كجيؾ يطيعكؾ " فيذه كأمثاليا مف العبارات المتقاربة في المعنى تفيد في خمؽ جك نغمى يؤثر في السامعيف كيُييئ نفكسيـ لتقبؿ المعاني . " كمف مظاىر المكسيقية في نثر المغة العربية تمؾ العبارات الكثيرة التي تشتمؿ عمى ما يُسمى بالازدكاج أك المزاكجة ـثؿ : ( حسف بسف ) ، ( شيطاف نيطاف )،( عفريت نفريت ) كنحك ىذا مف عبارات تنتيي بكممات لا معنى ليا ك لا تستعمؿ مستقمة كاإنما جئ بيا لتقكية البنية 1 ينظر: خصائص العربية – ص 25 2 الحيكاف– ج1/75
عدد الصفحات ٣4 فيما يسبقيا مف كممات بترديد الأصكات المتماثمة ، كاإف لـ تفد معنى جديدان في غالب الأحياف كقد جمع ابف فارس في كتيب صغير أمثاؿ تمؾ العبارات كسمى كتابو بالإ تباع كالمزاكجة "1 نخؿص مف ذلؾ كمو إلى أف خصائص الأصكات كالأ لؼاظ كالعبارات في العربية جعمتيا تتمتع بجرس كتنغيـ ك إيقاع مكسيقي مضافان إلى ذلؾ حركة المغة الذاتية كمركنتيا المتمثمة في طكاعية مفرداتيا طكاعية تتدرج بيا تحت قكانيف صكتية مطردة كتنطكم بيا تحت قياسات منتظمة تناسب مقاصد التعبير ، كتجاكب اتجاىات المعنى 2 ...كؿىذا كغيره يضعنا أماـ حقيقة : ىي إف المغة العربية لغة مكسيقية ، كتتميز عف غيرىا مف المغات بصفتيا التنغيمية العالية ، كيقكؿ في ذلؾ أحد المستشرقيف " التركيب العربي غني بالكقع المكسيقي "3 ، كمف الباحثيف مف يذىبإلى أنؾ لك حاكلت نقؿ أم كلاـ عربي أك صفحة مف كتاب إلى رمكز مكسيقية كأكزاف لكجدتو يتركب مف كحدات تتشابو كتختمؼ كتتكرر كتتناظر ، كيتألؼ مف مجمكعيا قطعة مكسيقية "4 كلقد استثمر الأدباء ىذه الخصائص المكسيقية في المغة العربية كساعدتيـ عمى الإبداع حيث يتفؽ ليـ مالا يتفؽ لغيرىـ مف المكازنة بيف جرس الكممات كنغـ ة المفردات مف جية كالأحداث المصكوَّ رة أك الأفكار المعبر عنيا مف جية أخرل . أىمية التنغيم في القرآن 1 دلالة الألفاظ– ص 204 2 ينظر: مقاؿ ( البيئة التي نشأ فييا الشعر الجاىمي كتياراتو الكبرل ) د. نجيب محمد البوبيتي – مجمة كمية الآداب – جامعة فؤاد الأكؿ المجمد الرابع عشر – الجزء الأكؿ – مايك 1952 ص90 3 آراء في العربية – ص37 4 خصائص العربية ، ص 38
عدد الصفحات ٤5 قيؿ في المكسيقى: إنيا غذاء النفس ، تبتيج النفس لسماعيا ، كتحف إلى تأليؼ أكضاعيا كقد نطقت الحكمة بعمك منزلة المكسيقى بيف الفنكف ، كقيؿ أيضان : مف فيـ الألحاف استغنى عف سائر المذات1 . كماىية ايقاع ، كدقائؽ تمكجاتو مُ ترؾ لمنفس كمدل إدراكيا لخفاياه ، كُ يترؾ أيضان لمحس النفسي بالمكسيقى ، فأىؿ ىذا الفف يصركف عمى أف ىناؾ حاسة سادسة تكلد مع الطفؿ بيا يدرؾ ما في الصكرة مف جماؿ ، كما في المكسيقى مف سحر ، كما يتذكؽ بيا ما في الشعر مف حسف الخياؿ كجكدة التصكير ، كقد تساعد البيئة عمى نمك ىذه الحاسة كاإرىافيا ، اك قد تعمؿ عمى ذبكليا كا فكماشيا ، فالطفؿ الذم يكلد في بيئة تُعنى بالمكسيقى ينشأ كىك أكثر استعدادان لتذكؽ المكسيقى كفيـ جماؿ الإيقاع فييا مف طفؿ آخر لـ تتح لو الظركؼ نفسيا2 . كليسأدؿ عمى تأثير المكسيقى في النفس مف استجابة الطفؿ للإيقاع ، تمؾ الاستجابة التي تتمثؿ في نكع مف التمايؿ أك الرقص البسيط عمى إيقاع الأنغاـ 3 . كاإذا كانت المكسيقى في حد ذاتيا تؤثر في نفس الإنساف فيظير تأثير الإيقاع عمى حركاتو ، كتأث ير النغمات عمى إطلاؽ خيالو ، فإف المغة الغنية بالمكسيقى يفكؽ سحرىا كتأثيرىا سحر المكسيقى كتأثيرىا ، لأف المغة معاني مؤثر ة أكلا فإذا انتظمت بطريقة تنغيمية أك مكسيقية صار التأثير مضاعفان لكجكد عامميف مؤثريف : المعاني أكلان ، كالتنغيـ ثانيان، كالكلاـ الذم يتكفر فيو الإيقاع كالتنغيـ م ثير في السامع انتباىان عجيبان لما فيو مف تكقع لمقاطع تنسجـ مع ما سبؽ سماعو ، فتتحفز النفس ، كتتييأ لاستقباؿ المعاني كالاستجابة ليا أيان كانت تمؾ المعاني. كقد أدرؾ العر بي ذلؾ السر الكامف في المغة ، فعمد إلى السجع في كلامو ، كعمد إؿل الأكزاف كالقكافي في شعره، ك أظير تفكقان كبراعة في حسف استخداـ المغة ، كاستغؿ إمكانات المغة كافة في الإيقاع كالتنغيـ ، كنستطيع القكؿ بأف السبب في ىذا الاىتماـ الكبير بمكسيقى المغة يعكد إلى أف العرب لـ يككنكا أىؿ كتابة كقراءة بؿ أىؿ سماع كاإنشاد كأدبيـ أدب أ ذف لا أدب عيف، فمجأكا إلى الأصكات ، كالأ نغاـ ، كالإيقاع ، في إظيار البراعة ، كاعتمدكا عمى مسامعيـ في الحكـ عمى النص المغكم ، كبمركر الزمف اكتسبت تمؾ الآذاف المراف ، كالتمييز بيف الفركؽ الصكتية الدقيقة ، كأصبحت مرىفة تستريح إلى كلاـ لحسف كقعو كاإيقاعو ، كتأب ل آخر لنبكه ، ككما تمرّف الآذاف في بيئة كيذه ، تمرّف الألسنة أيضان ، فتنطمؽ مف عقاليا كقد اكتسبت صفة 1 ينظر: محيط الفنكف ( المكسيقى العربية ) ص 11 2 مكسيقى الشعر– ص 5 3 التعبير المكسيقي– ص 20-21
عدد الصفحات ٥6 الذلاقة ، فلا تتعثر كلا تزؿ أثناء النطؽ ، كتتعاكف الأذف مع المساف في مثؿ تمؾ البيئة عمى إيثار العناصر المكسيقية في المغة ، كنفي العناصر النابية كالتخمص منوا1 . كفي تمؾ البيئة نزؿ القرآف الكريـ فاندىشت نفكس العرب كبيتت عقكليـ ، لأنيـ إنما سمعكا مف خلالو ضربان مف المكسيقى المغكية لا قبؿ ليـ بيا، لانسجامو كاطراد نسقو ، كجماؿ ألفاظو ، كسمك معانيو ، كائتلاؼ حركاتو كسكناتو ، كمدّاتو كغُناتو ، كاتصالاتو كسكفاتو كنغماتو الصادرة عف فكاصمو ، كاتزانو عمى أجزاء النفس مقطعان مقطعان ، كنبرة نبرة .. فأسترعى الأسماع ، كاستيكل القمكب كالنفكس بطريقة لا يمكف أف يصؿ إلييا أم كلاـ مفظكـ أك منثكر كيرل دارسك المكسيقى أف " الرسالة الأكلى لمديف ىي السمك بالركح كالنزكع بالحياة البشرية إلى تخميصيا مف النزكات الجسدية كالارتفاع بيا إلى النكر السماكم بما يسمك بيا مف عالـ المادة إلى عالـ الركح ، كما ميمة المكسيقى – في أسمى مناحييا – إلا أداء ىذه الرسالة كالتعبير عنيا بإيقاظ المشاعر كاإرىاؼ الحس كالسمك بالعاطفة ، كانتزاع النفس انتزاعان مف محي طيا الدنيكم المؿمء بالمطامع كالدنايا للانطلاؽ في فضاء اللانياية كالتخمص مف شكائب المادة "2 كقد جمع القرآف الكريـ بيف مكسيقى الشعر حيث نغمة الكزف كالاىتزاز النفسي ليا – كما ىك بشعر – كمكسيقى النثر حيث الإيقاع العميؽ الذم يحدّثو حسف التكزيع بيف الحركؼ ذاتيا ، كالكممات كالعبارات .. كمكسيقى الحس حيث مشاركة الحكاس لاىتزازات النفس مف تأثير تمكجات المكسيقى .. كمكسيقى الركح حيث النشكة اليادئة النابعة مف مجمكع أنك اع المكسيقى التي سبؽ ذكرىا ، فالقرآف اكتماؿ لنماذج مكسيقية حيّة في تراكيب خالدة لمغة العربية 3 . ليذا رأ ينا الخشكع يغمر مف يقرأ القرآف أك يستمع إليو يكـ سرت تلاكة القرآف الكريـ بالصكت الجميؿ سرياف العافية في الجسـ السميـ ، كمف إعجاز القرآف نظمو المكسيقى الرائع الذم يسيطر عمى مستمعيو كلك كانكا غير مسمميف حتى قيؿ فيو :" قكانيف المكسيقى قد لحظت في القرآف تامة ؾ اممة "4 . كؿ ىذهالأمكر ، كأمكر أخرل كثيرة ، جعمت القرآف الكريـ معجزة فقاؿ الله تعالى : " لً ٌئٓ اجزّؼذ الإٔظ ٚاٌجٓ ػٍٝ أْ ٠ؤرٛا ثّضً ٘زا اٌمشاْ لا ٠ؤرْٛ ثّضٍٗ ٌٚٛ وبْ ثؼضُٙ ٌجؼع ٙ١شااً " ( الإسراء 88 ) كليس أدؿ عمى إعجاز القرآف في أُ سمكبو كانبيار العرب كده شتيـ لذلؾ التنغيـ في التنظيـ، أم تنظيـ الأصكات كالكممات كالعبارات أف مف عارضو كمسيممة الكذّاب جنح في 1 ينظر: دلالة الألفاظ – ص 195-196 2 محيط الفنكف– المكسيقى العربية – ص 62 3 ينظر: الإعجاز الفني في القرآف – ص 222 4 ينظر: محيط الفنكف – المكسيقى العربية – ص 62
عدد الصفحات ٦7 خرافاتو إلى حسبو نظمان مكسيقيان أك بابان منو ، فصبّ اىتمامو عمى مكسيقى العبارة ، كطكل عما كراء ذلؾ مف التصرؼ في المغة كأساليبيا كمحاسنيا ، كدقائؽ التركيب ا لبياني ، ككأنو فطف إلى أف الصدمة الأكلى لمنفس العربية ، إنما ىي في مكسيقى القرآف ، في أكزاف الكممات كأجراس الحركؼ ، دكف ما عداىا1 . كدليؿ آخر عمى ما في القرآف مف تنغيـ معجز ذلؾ الأثر الذم أكقعو في نفكس القاسية قمكبيـ مف أىؿ الزيغ كالإلحاد ، كمف لا يعرفكف لله آية في الآفاؽ ، كلا في نفكسيـ فلانت قمكبيـ ، كاىتزت عند سماعو ، لأف فييـ طبيعة إنسانية تتأثر لمتنغيـ ، ككاف الكليد بف المغيرة كاحدان مف الذيف لانكا لمقرآف كرقّكا لو بعد مكابرة كعناد ، فقاؿ فيو قكلتو المشيكرة يرد عمى الكفار مف قكمو : " فك الله ما فيكـ رج ؿ أعمـ بالشعر مني ، لا برجزه كلا بقصيده كلا باشعار الجف ، كالله ما يُشبو الذم يقكؿ شيئان مف ىذا ، كالله إفّ لقكلو الذم يقكلو لحلاكة ، كاإفّ عميو لطلاكة ، كاإنو لمثمر أعلاه ، مُغدؽ أسفمو، كاإنو ليعمك كما يُعمى ، كاإنو ليحطّـ ما تحتو ". فالحلاكة التي يقصدىا الكؿيد ىي : المكسيقى التي نتحدث عنيا، فقد أعطيت الألفاظ أكصاؼ المياه كالطعكـ مف حلاكة أك مرارة ، كجرل ذلؾ عمى السنة النقاد فيما بعد فقد قاؿ ابف الأثير :" كمف لو أدني بصيرة يعمـ أف للألفاظ في الأذف نغمة أكتار .. كأف ليا في الفـ أيضان حلاكة كحلاكة العسؿ، كمرارة كمرارة الحنظؿ ، كىي عمى ذلؾ تجرم مجرل النغمات كالطعكـ "2 . إف تمؾ الحاسة المرىفة التي امتمكيا العربي في تذكؽ المغة تجعمنا نقكؿ مف غير تردد : إف لمتنغيـ في القرآف الكريـ دكران كبيران في تكييؼ عقؿ السامع، كتييئتو لتمقي الدعكة كاستقباؿ ما جاء بو مف معاف سامية ، كاإف التنغيـ في القرآف يقع في مقدمة ما جذب العرب إلى القرآف . كلذلؾ عدّ الرافعي في كتابو تاريخ آداب العرب التجكيد كالترتيؿ الإيقاعي مف مظاىر الإعجاز المكسيقي في القرآف الكريـ 3 سٚافذ اٌزٕغ١ُ فٟ اٌمشآْ اٌىشَٞ: ليس بجديد قكلنا : إفّ في القرآف إيقاعا مكسيقيان متعدد الأنكاع ، يتناسؽ مع الجك الدلالي ، كيؤدم كظيفة أساسية في البياف ، كاإف المكسيقى القرآنية إشعاع لمنظـ الخاص في كؿ مكضع. 1 ينظر: إعجاز القرآف كالبلاغة النبكية – ص 214 2 المثؿ السائر ج1/15 3 ينظر: تاريخ آداب العرب ج 2/22 ،227
عدد الصفحات ٧8 كنتحسس التنغيـ في القرآف في كؿ مشيد كقصة ، كفي كؿ مطمع كختاـ ، ؼ أُ سمكبو إيقاعي غني بالمكسيقى ، مميء بالنغـ المنحدر مف الحركة ، كمف الحركؼ ، كمف المفظ المفرد ، كمف التركيب ، فتُمقي كؿ آمة ظلاليا بجرسيا كبنغميا حتى لنكاد عند قراءتو أك تلاكتو نسمع أصكات الأحداث غير المسمكعة ، كنرل المشاىد غير المنظكرة 1 . كلا تفاضؿ بيف السكر كالآيات في ىذه الظاىرة ، كعندما نشير إلى التنغيـ في نظـ معيف ، إنما نقرر مف خلالو ظاىرة تنغيمية بارزة نؤيدىا بالشاىد . كعمى الرغـ مف صعكبة احتكاء ركافد التنغيـ كافة في القرآف الكريـ ، لأنيا متنكعة تنكّع مكسيقى الكجكد في أنغامو ك ألحانو ، إلا أنني سأحاكؿ الكقكؼ عند بعض الركافد التنغيمية البارزة في القرآف الؾ ريـ ، كأىميا : أولاً : جرس الألفاظ الجرس ىك الصكت المترنـ بو ، كبما أف الألفاظ تبنى مف الأصكات ، فيي إذف تمتمؾ جرسان ، كتتصؼ بصفة نغمية ، ككؿ لفظة ليا جرسيا الخاص الذم تحدده صفات الأصكات المؤلفة منيا كلا يفكتنا ىنا أف نذكر أف كؿ لفظة ليا كجياف : كجو الصكت أم الجرس ، ككجو الدلالة ، كلا يمكف استعماؿ المفظة بإحدل الصفتيف دكف الأ خرل ، كما لا يمكف فصؿ كجيي الكرقة عف بعضيما . كقبؿ أف نتطرؽ إلى علاقة أصكات الألفاظ بمعانييا لابد مف ذكر تقسيمات عمماء المغة للأصكات فقد قُسمت أصكات المغة إلى قسميف رئيسيف ىما : الصكامت ، كالصكائت . كأساس ىذا التقسيـ ىك الطبيعة الصكتية لكؿ قسـ فالصفة الصكتية الجامعة لمقسـ الأكؿ أف مجرل اليكل يعُترض في حالة النطؽ بالأصكات الصامتة كميان أك جزيئان أما الصفة الصكتية الجامعة لمقسـ الثاني ىك أف اليكاء يندفع حالة النطؽ بالصكائت في مجرل مستمر ، خلاؿ الحمؽ كالفـ كالأنؼ دكف أف يككف ثمّة عائؽ يعترض مجرل اليكاء اعتراضان كميان أك جزئيان . والصوامت في العربية أنواع : 1- الصكامت الانفجارية كىي : الباء، التاء ، الداؿ ، الطاء ، الضاد، اؿؾاؼ ، القاؼ ، ىمزة القطع 2- الصكامت الغناءأك الأنفية كىي : الميـ ، النكف . 3- الصكامت المنحرفة كيمثميا : حرؼ اللاـ 4- الصكامت المكررة كتتمثؿ في : حرؼ الرّاء 1 ينظر: مباحث في عمكـ القرآف الكريـ – ص 334
عدد الصفحات ٨9 5- الصكامت الاحتكاكية كىي: الفاء ، الثاء، السيف ، الصاد ، الشيف ، الخاء ، الحاء ، الياء ، ككميا ميمكسة ، الذاؿ ، الظاء ، الزام ، الغيف ككميا مجيكرة . 6- الصكامت الانفجارية الاحتكاكية أك ( المركبة ) كىك : حرؼ الجيـ الفصيح 7- أشباه الصكائت كىما صكتاف : الكاك ، المراد بيا كاك ( كَجد ) كأمثاليا كالياء المراد بيا ياء ( يَزف ) كأمثاليا. أما الصوائت في الفصحى فنوعان: 1- صكائت قصيرة كىي : الفتحة كالكسرة كالضمة . 2- صكائت طكيمة كىي : الألؼ الممدكدة في ـثؿ : (قاؿ) ، كالياء الممدكدة في مثؿ ( بديع ) كالكاك الممدكدة في مثؿ : ( ركح ) 1 كصُنفت الأصكات تصنيفان آخر يتخذ الكتريف الصكتييف أساسان لو: 1- المجيكر: ىك الصكت الذم تصحب نطقو ذبذبة في الأكتار الصكتية. 2- الموـكس : ىك مالا تصحب نطقو ىذه الذبذبة 2 كفي الأصكات اؿ ميمكسة ينفرج الكتراف الص كتياف مفسحيف مجالان لمنفس أف يمرّ خلاليما دكف أف يجابو أم اعتراض كفي الأصكات المجيكرة يتضاـ الكتراف الصكتياف بشكؿ يسمح لميكاء المندفع خلاليما أف يفتحيما كيغمقيما بانتظاـ كبسرعة فائقة . كىذا يسمى تذبذب الكتريف الصكتييف ، ىذه الذبذبة تحدث نغمة مكسيقية ىذه النغمة الصكتية تسمى في الاصطلاح الصكتي ( الجير ) ، كما تسمى الأصكات التي تصحبيا ىذه النغمة ، الأصكات المجيكرة . كالأصكات الموـكسة ىي : الياء ، الحاء ، الكاؼ ، الشيف ، السيف ، التاء ، الصاد ، الثاء ، الفاء كما تبقى مف الأصكات فيي مجيكرة. إف معرفة صفات الأ صكات كطبيعة جرسيا قد يعيف عمى معرفة مدل التكاشج بيف صكت المفظة كمدلكليا فيذه القضية شغمت عمماء المغة- كذىب بعضيـ إلى القكؿ بأف الألفاظ جرت محاكية لأصكات الطبيعة – كعصؼ الريح ، كخرير الماء، كىدير البحر كغيرىا ، كما ىذه الأصكات إلا لألفاظ تعبر عف معناىا بجرس تحاكي بو ذلؾ الصكت فػ ( القد ) ك(الطرؽ ) كأمثمة أخرل ، ألفاظ تحكي الصكت الذم تعبر عنو، كمثميا ( العكاء ) ك ( المكاء ) ك ( الثغاء ) .. الخ. كيعد ابف جني رائدان في الحديث المفصؿ عف ىذه القضية فنقؿ رأم الخميؿ بف أحمد الفراىيدم الذم مفاده " إنو مكضكع شريؼ لطيؼ – تقكؿ العرب ( صرّ الجندب ) ك ( صر 1 ينظر: عمـ المغة – 148،184 باختصار 2 مناىج البحث في المغة– ص88
عدد الصفحات ٩10 صر البازم ) كأنيـ تكىمكا في صكت الجندب استطالة فقالكا ، ( صر صريران ) كتكىمكا في صكت البازم تقطيعان فقالكا : صر صر "1 ككاف سيبكيو قد تطرؽ إلى ىذا المكضكع في ( الكتاب ) في حديثو عف ( المصادر ) اؿتي جاءت عمى كزف ( فَعلاف ) ، فيي تأتي للاضطراب كالحركة ( الغمياف ) لأنو زعزعو كتحرؾ ، كمثمو ( الغثياف ) لأنو تجيش نفسو كتثكر ، كمثمو ( الخطراف ) ك ( الممعاف ) لأنو ىذا اضطراب كتحرؾ، بمعنى أف حركات المثاؿ ( أم البناء ) تكالي حركات الأفعاؿ . كقد تمقؼ ابف جني ىذه الفكرة ، ففصؿ القكؿ فييا كذكر أف صيغة ( الفَعلاف ) تفيد الاضطراب كالغمياف كالفكراف ، ك أف صيغة ( الفعممة ) تفيد التكرير مثؿ ( القرقرة ) ك ( الزعزعة ) ك ( الجرجرة ) كمنو (صرصر الجندب ) أم كرر في تصريره . كأف صيغة ( الفُعمى ) تفيد السرعة مثؿ : الشبكى كالجمزل ، الكلقى ، كما ذىب إلى أف تكرير العيف في البناء دليؿ عمى تكرير الفعؿ فقالكا : كسّر ، كقطّع ، كفتّح ، كغمّؽ فقد جعمكا تكرير العيف دليلان عمى قكة المعنى المحدث بو ىك تكرير الفعؿ كىذا أيضان مف مساكقة الصيغة لممعاني2 كقرر ابف جني أف الزيادة في المعنى يتبعيا زيادة في المبنى كمثؿ لذلؾ بصيغة ( استفعؿ ) نحك استقدـ ، استصرخ ، استسقى ... الخ. كيتحدث ابف جني عما نريده في ىذه الدراسة مف ملاحظة صفات الأصكات كجرسيا كمف ثـ علاقة ذلؾ بالمعنى فيؤكد مناسبة الحركؼ في المفظ لصكت الحدث ، مثؿ ( قضـ ) حيف يُقارف بالفعؿ ( خضـ ) فتجد أف الأكؿ ( قضـ ) يستعمؿ في أكؿ اليابس في حيف أف الثاني ( خضـ ) يستعمؿ في أكؿ الرطب كيقر ر أف ىناؾ صمة كثيقة بيف القاؼ الشديدة كالصكت الناشئ عف أكؿ اليابس ، كالخاء الرخكة كالصكت الف اشئ عف أكؿ الرطب – فكأنيـ اختاركا الخاء لرخاكتيا لمرطب – كالقاؼ لصلابتيا لميابس حذكان لمسمكع الأصكات عمى محسكس الأحداث 3 كمف ذلؾ أيضان " قكليـ ( النضح ) لمماء كنحكه ، ك ( النضخ ) أقكل مف ( النضح ) قاؿ تعالى : " ف١ٙب ػ١ٕبْ ٔضبخزبْ " ( الرحمف 66 ) فجعمكا( الحاء ) لرقتيا لمماء الضعيؼ ، ك ( الخاء ) لغمظيا لما ىك أقكل "4 كمف امثمة التي يضربيا ابف جني ليؤكد حجة ما ذىب إليو قكلو تعالى: " أٌُ رش أٔب أسعٍٕب اٌؾ١بط١ٓ ػٍٝ اٌىبفش٠ٓ رؤصُّ٘ أصا " ( مريـ 83 ) 1 الخصائص– ج2/152 2 الخصائص– ج2/155 3 ينظر: الخصائص ج2 /157 ..كما بعدىا 4 الخصائص ج2 /158
عدد الصفحات ١٠11 أم تزعجيـ كتقمقيـ ، فيذا في معنى : تيزىـ ىزّا كاليمزة أخت ( الياء ) فتقارب المفظاف لتقارب المعنييف ككأنيـ خصكا ىذا المعنى باليمزة لأنيا أقكل مف ( الياء ) كىذا المعنى أعظـ في النفكس مف اليمزة ، لأنؾ قد تيز مالا باؿ لو ، كالجذع كساؽ الشجرة كنحك ذلؾ "1 كيذىب ابف جنيإلى أكثر مف ذلؾ حيف يحاكؿ أف ينظر في ترتيب أصكات المفظة المفردة كدلالة كؿ صكت عمى جزء مف المعنى الذم تعبر عنو المفظة ، كيقصد بترتيب الأصكات : تقديـ ما يضاىي أكؿ الحدث ، كتأخير ما يضاىي آخره كتكسيط ما يضاىي كسطو ، سكقان لمحركؼ عمى سمت المعنى المقصكد كالغرض المطمكب ، كذلؾ قكليـ : ( بحث ) فالباء لغمظيا تشبو بصكتيا خفقة الكؼ عمى الأرض ، كالحاء لص حؿىا تشبو مخالب الأسد كبراثف الذئب كنحكىا ، إذا غارت في الأ رض ، كالثاء لمنفث كالبث في التراب ، كىذا أمر تراه محسكسان محصلان 2 . أما عبد القاىر الجرجاني فقد كاف لو ر أم آخر في الأؿفاظ يُفيـ مف قكلو :" إف الألفاظ لا تتفاضؿ مف حيث ىي ألفاظ مجردة كلا مف حيث ىي كمـ مفردة ، ك إف الألفاظ تثبت ليا الفضيمة كخلافيا مف ملاءمة معنى المفظة لمعنى التي تمييا أك ما أشبو ذلؾ مما لا تعمؽ لو بصريح المفظ"3 كيرم الجرجاني أف كاضع المغة لك كاف قد كضع ( ربض ) مكاف ( ضرب ) في الدلالة عمى الضرب لما كاف في ذلؾ مما يؤدم إلى فساد ، كيؤكد أف النظر إلى الألفاظ ينبغي أف يككف مف خلاؿ السياؽ فأنؾ ترل الكممة تركقؾ كتؤنسؾ في مكضع كتثقؿ عميؾ تكحشؾ في مكضع آخر كيضرب مثلان لذلؾ لفظو ( الأخدع ) فيي ثقيمة مكحشة في بيت أبي تماـ يا دىر قكّـ مف أخدعيؾ فقد أضججت ىذا الأناـ مف خُرقِؾْ كىي ( أم لفظة الأخدع ) رائقة سا ئغة في بيت الصمة بف عبد الله القشيرم : تمفت نحك الحي حتى كجدتني كَجِعتُ مف الإصغاء ليتان كأخدعا كفي ىذه الدراسة نأخذ بر أم ابف جني عندما ننظر إلى المفظة ذاتيا ، إلى جرسيا كنغميا ، كما في أصكاتيا مف إيحاء بالمعنى فقد يككف المفظ بمفرده قادران عمى أف يرسـ في الذىف صكرة المعني كذلؾ مف خلاؿ جرسو الذم يمقيو في الآ ذاف كنأخذ برأم الجرجاني أيضان ، عندما نرل المفظة المفردة مييأة بجرسيا كنغميا لمتعبير عف الدلالة ، كعندما يحتكييا السياؽ كتنتظـ فيو، 1 الخصائص ج2 /146 2 الخصائصج2 /163 3 دلائؿ الإعجاز– ص 38-40
عدد الصفحات ١١12 تتدفؽ تمؾ الممحات المضيئة كتتفجر تمؾ الطاقات الإيحائية الكامنة فيالمفظة كلا تقاطع بيف الرأييف . إف اختيار الألفاظ في النظـ القرآني يتـ بدقة معجزة كنقؿ السيكطي قكؿ ( البازرم ) في كتابق ( أنكار التحصيؿ في أسرار التنزيؿ ) :" اعمـ اف المعنى الكاحد قد يخبر عنو بألفاظ بعضيا أحسف بعض ، ككذلؾ كؿ كاحد مف جزأم الجممة ، كقد يع بر عنو بأفصح ما يلائـ الجزء الآخر ، كلابد مف استحضار معاني الجمؿ أك استحضار جميع ما يلائميا مف الألفاظ ثـ استعماؿ أنسبيا كأفصحيا ، كاستحضار ىذا متعذر عمى البشر في أكثر الأحكاؿ ، كذلؾ عتيد حاصؿ في عمـ الله تعالى، فمذلؾ كاف القرآف ، أحسف الحديث كأفصحو "1 كلكي نمقي الضكء عمى بعض ألفاظ القرآف الكريـ نقرأ كنتحسس أثناء القراءة قكلو تعالى : " ٠ب أ٠ٙب اٌز٠ٓ إِٓٛا ِبٌىُ إرا ق٠ً ٌىُ أفشٚا فٟ عج١ً الله اصّب قٌزُ " ( التكبة 38 ) اثّاقمتـ ، أم تباطأتـ كتقاعستـ . يتصكر الخياؿ ذلؾ الجسـ المتثاقؿ ، يرفعو الرافعكف في جيد ، فيسقط مف أيدييـ في ثقؿ " فكأف في ىذه الكممة طنان عمى الأقؿ مف الأثقاؿ كلك أنؾ قمت : ( تثاقمتـ ) كىي متساكية لمفظة القرآنية ( اثّاقمتـ ) في عدد الحركؼ ، لخؼ جرسيا كلضاع الأثر المنشكد كلتكارت الصكرة المطمكبة التي رسميا ىذا المفظ كاستقؿ برسميا 2 . كعند ما نقرأ قكلو تعالى : " أٍٔضِىّٛ٘ب ٚأٔزُ ٌٙب وبس ْ٘ٛ " ( ىكد 28 ) نحسأف لفظة ( نُمِزمكمكىا ) تصكر جك الإكراه بإدماج كؿ ىذه الضمائر كشد بعضيا إلى بعض مما يسبب ثقلان كصعكبة في النطؽ فالضمائر دُمجت بإكراه كما يدمج الكارىكف مع ما يكرىكف كيشدكف إليو كىـ مف ق نافركف كبذلؾ تككف ىذه المفظة الثقيؿة ىي المفظة الفضمى في سياقيا إذ عبّرت بجرسيا عما لا تغني عنيا أخرل – كلنتأمؿ قكلو تعالى : " فىجىجٛا ف١ٙب ُ٘ ٚاٌغبْٚٚ " ( الشعراء 94 ) تُصكر لنا لفظة( كبكبكا ) بجرسيا كنغميا أكلئؾ المجرميف ككيؼ يكبّ كف عمى كجكىيـ ، كيُرمكف عمى بعضيـ ميمميف ، فنتخيؿ في ىذه المفظة جرسان يحدث صكت الحركة التي يتـ بيا فعؿ ( الكبكبة ) كىك جرس يسمعنا صكت دفعيـ كسقكطيـ بلا انتظاـ كقاؿ الزمخشرم في ىذه الآية " 1 الإتقاف في عمكـ القرآف – ج4/22 2 التصكير الفني في القرآف الكريـ – ص 76
عدد الصفحات ١٢13 إف الكبكبة: تكرير الكب ، جعؿ التكرير ( في المفظ ) دليلان عمى التكرير في المعنى ، ككأنو إذا القي في جينـ ( ينكب ) كبة مرة بعد أخرل حتى يستقر في قعرىا "1 "ُٚ٘ ٠صطشخْٛ ف١ٙب " ( فاطر 37 ) إف لفظة( يصطرخكف ) بجرسيا الغميظ ترسـ في الخياؿ صكرة غمظ الصراخ المختمط المنبعث مف كؿ مكاف كمف حناجر مكتظة بالأصكات الخشنة كما نستشؼ مف النسؽ الذم انتظمت فيو ىذه المفظة ظؿ الإىماؿ ليذا الاصطراخ الذم لا يجد مف ييتـ بو كبذلؾ يككف جرس ىذه المفظة قد ساعد عمى إيصاؿ صكرة ذلؾ العذاب الغميظ الذم ىـ فيو يصطرخكف 2 كلنتأمؿ لفظة( زُحزح ) في قكلو تعالى : " فّٓ صُدضح ػٓ إٌبس ٚأدخً اٌجٕخ فمذ فبص " ( آؿ عمراف 185 ) فميس ثمة لفظة أنسب مف لفظة( زُحزح ) في ىذا السياؽ فيي بجرسيا تصكر مشيد الإبعاد كالتنحية بكؿ ما يقع في ىذا المشيد مف أصكات : فصكت ( الحاء ) المكررة ك ( الزام ) المكررة ترسـ صكرة لتكرير الحدث ، كما أف لفظة ( زحزح ) تستعمؿ لمشيء الثقيؿ حتى تحركوُ قميلان قميلان ، فكاف حجـ الذنب يجعمو ثقيلان في ميزاف الله تعالى كيقرب المذنب مف النار قربان يكاد يشؾ معو أنو قادر عمى الإفلات منيا كاإذا برحمة الله ( تزحزحو ) عنيا كتدخمو الجنة . كليس ىناؾ أفضؿ مف لفظة ( تحيد ) في قكلو تعالى : " ٚجبءد عىشح اٌّٛد ثبٌذك ، رين ِب وٕذ ِٕٗ رذ١ذ " ( ؽ 19 ) إذ يُحس السامع بالرىبة في صدره حيف سماعو( الداؿ ) المنذرة المتكعدة مسبكقة بالياء المشبعة المديدة في لفظة ( تحيد ) كلا يتممكنا الشعكر بتمؾ الرىبة مع لفظة أخرل مثؿ ( تنحرؼ ) أك ( تبتعد ) إذا ما جاءت بدلان مف لفظة ( تحيد ) 3 كفيقكلو تعالى " " ٚإْ ِٕىُ ٌّٓ ٌَ١ُجطئَٓ " ( النساء 72 ) ترتسـ صكرة ( التبطئة ) مف خلاؿ جرس العبارة كبخاصة في جرس ( ليبطئف ) فيحس القارئ أف المساف يكاد يتعثر فيعمد إلى البطء في التمفظ حتى يصؿ إلى نيايتيا ، كبذلؾ تتماثؿ ىذه الأصكات بجرسيا كتتطاب ؽ مع الدلالة تطابؽ كجيي الكرقة مع بعضيما . كعندما نتأمؿ قكلو تعالى : " ٚلبٌٛا : اٌذّذ اٌزٞ أر٘ت ػٕب اٌخَ صَ ْ" ( فاطر 34 ) 1 الكشاؼ ج3 /253 2 ينظر: التصكير الفني في القراف الكريـ – ص 73 3 ينظر: مباحث في عمكـ القرآف – ص 335
عدد الصفحات ١٣14 نحسأف الفتحات المتتابعة عمى أحرؼ لفظة ( الحَزَف) تضفي عمى جرسيا خفة كسيكلة تتناسب مع الجك الحاني الرحيـ الذم منحو الله تعالى لو ـ. ىذه الآيات الكريمة شكاىد عمى مماثمة جرس الألفاظ كنغميا لمدلالات ك إيحائيا بالمعاني كمناسبتيا لمسياؽ .. كىذا قميؿ مف كثير كلكنو يدؿ عمى أف اختيار الألفاظ في النسؽ القرآني اختيار ( معنى كجرس ) مما يجعؿ مف المحاؿ عمى أية لفظة في المغة أف تحؿ محؿ المفظة الؽرآنية كأف تؤدم ما تؤديو لما تحممو مف دقة في المعنى كمف إيحاء في الجرس كالنغـ . ثانياً : التكرار التكرار ظاىرة لغكية كاضحة في القراف الكريـ ، كىي فيو خالية مف التكمؼ ، تساير مقتضيات التعبير الفني كتأخذ أشكالان متعددة ، تارة في آية كاممة ، كثانية في جزء مف العبارة ، كثالثة في الكممة المفردة ، كرابعة في حرؼ كاحد أك أكثر مف حرؼ عمى امتداد النسؽ ، ىذا فضلان عف الجناس الذم تطرؽ السمع فيو أصكات مكررة كلكنيا تبنى في ألفاظ مختمفة المعنى . كيعكد النغـ في كؿ ما ذكرناه مف أنكاع التكرار إلى الأصكات المكررة ، فعندما تت كرر الآية يصدر نغـ مف جرّاء ترديد أصكاتيا كإيقاع مف تساكم زمف النطؽ بيا ، كعندما تتكرر الكممة تتكرر الأصكات المؤلفة منيا فتضفي عمى النظـ نغمان متزايدان يضاؼ إلى التككيد الذم يُراد مف ذلؾ التكرار كسنتناكؿ ىنا نكعيف مف التكرار لأىميتيما : 1- تكرار الصوت نفسو : يتخذ النظـ القرآني أحيانان مف الصكت المتكرر كسيمة لتصكير المعنى كتجسيمو ، كالإيحاء بما يدؿ عميو ، معتمدان في ذلؾ عمى ما تتمتع بو الأصكات مف خصائص كصفات في الجرس كالنغـ ، فيي تشيع بجرسيا الصكتي نغمان يُسيـ في إبراز المعنى المراد ، فالصكت المفرد يختار بعناية كتصاحبو أصكات قد تككف متقاربة المخارج متماثمة الصفات إف احتاج المكقؼ ذلؾ ، كقد تككف متباعدة المخارج متباينة الصفات إف كاف التباعد أدؿ عمى المراد كأكثر تصكيران لو ، لنتأمؿ النغـ المنبعث مف الجرس الصكتي لحرؼ ( السيف ) في قكلو تعالى : " لً اػٛر ثشة إٌبط ، ٍِه إٌبط ، إٌٗ إٌبط ، ِٓ ؽش اٌٛعٛاط اٌخٕبط ، اٌزٞ ٠ٛعٛط فٟ صذٚس إٌبط ، ِٓ اٌجٕخ ٚإٌبط " (الناس1-6 ) فصكت( السيف ) الذم تكرر عشر مرات صكت صامت ميمكس احتكاكي ، تمتقي الأسناف السفمى بالأسناف العميا عند النطؽ بو كلا يمكف للإنساف أف ينطقو كىك مفتكح الفـ ، كىك أدؿ بجرسو الصكتي الاحتكاكي اليامس عمى تصكير حالة اليمس الخفي التي يخافت بيا أىؿ الجرائـ كالمكائد ، كبذلؾ يصكر جرس الأ صكات جك الكسكسة كما يفعمو الشيطاف حيف يمقي في
عدد الصفحات ١٤15 ركع الإنساف ما يزيف لو ارتكاب المعاصي ، كقد أسيـ صكت ( الصاد ) الذم يشبو صكت ( السيف ) في صفتو كجرسو عمى زيادة النغـ المكحي بالمعنى 1 . كلنتأمؿ جرس صكت ( القاؼ ) في قكلو تعالى : " لً أػٛر ثشة اٌفٍك ، ِٓ ؽش ِب خٍك ، ِٚٓ ؽش غبعك ارا ٚلت ، ِٚٓ ؽش إٌفبصبد فٟ اٌؼمذ ، ِٚٓ ؽش دبعذ إرا دغذ " ( الفمؽ 1-5 ) فصكت القاؼ المتكرر في السكرة الكريمة ، صك ت انفجارم شديد ، كىك بجرسو اقدر عمى تييئة النفس للانفجار عمى الشركر كعمى كؿ ما يؤذم في ىذا الككف ،كيخمؽ ىذا الصكت بجرسو القكم نكعان مف اليقظة كالتنبو ، كذلؾ ما يستدعيو المعنى ، كتساند ( القاؼ ) في الجرس أصكات أخرل تمتمؾ الصفة نفسيا التي يمتمكيا صكت القاؼ ك ىي ( الباء ) في كقب ، ( الداؿ ) في العقد كقد انتظمت ىذه الأصكات في الفكاصؿ لتزيد مف قكة الجرس ككضكح النغـ . كلنلاحظ تكرار صكت ( الراء ) في قكلو تعالى : "٠َٛ رشدجف اٌشاجفخ، رزجؼٙب اٌشادفخ، لٍٛة ٠ِٛئز ٚاجفخ" (النازعات 6-8 ) إف تكرار صكت ( الراء ) يساعد عمى تجسيـ صكرة الحدث المكر ر ، فجرس الراء مكرر ، كفي نطقو تتابع طرقات المساف عمى المثة تتابعان سريعان حتى يكاد يصكر بجرسو الحركة المتتابعة السريعة عند الر جؼة أحسف تصكير ، كيساعد تكرار صكت ( الجيـ ) كصكت ( التاء ) كصكت ( الفاء ) عمى تصكير الأحداث كتأمُّؿ السامع ليا ، ككاف تكرارىا بطريقة متناكبة مما يجعميا ترسؿ نغمان ككأنيا المكسيقى التصكيرية التي تصحب المشاىد كبذلؾ تساعد ىذه الأنغاـ عمى تثبيت الصكرة في المخيمة ، كاستقرارىا في الذىف . ثـ لنقرأ كلنتحسس أيضان تكرار الأصكات في قكلو تعالى : " ولا إرا دُوذ ااسر دوباً دوباً " ( الفجر 21 ) إف جرس الأصكات في ىذه الآية يكاد يجعؿ المنظر مرئيان كالأصكات المنبعثة مف المشيد مسمكعة ، كقد ساعد عمى رسـ ىذه الصكرة في الخياؿ ، صكت ( الداؿ ) المكرر ، كصكت ( الكاؼ ) المكرر كالمشدّد ، ككلاىما صكتاف انفجارياف ، ينحبس معيما اليكاء فترة مف الزمف ثـ ينفجر، كىك ما إف ينحبس كينفجر مع صكت ( الداؿ ) حتى ينحبس كينفجر مرة أخرل مع صكت ( الكاؼ ) كىذه المرة بشدة أكبر ، لأف صكت مشدّد. إف جرس الأصكات المكررة ىنا يكاد يرسـ صكرة حسيّة لإطباؽ قدرة الله تعالى عمى الأرض ، كالإ حاطة بيا ، كتكالي الدؾّ كالضغط عمييا ، حتى لا يبقى منيا شيء كتفنى. 1 ينظر: لغة القرآف الكريـ في جزء عـ – ص 348.
عدد الصفحات ١٥16 كيمكف ملاحظة ما لجرس الأصكات المكررة في النسؽ القرآني مف أثر في تصكر المعاني كتجسـ المكاقؼ في الآيات الكريمة الآتية : " فصتّ ػٍ١ُٙ سثه عٛط ػزاة ، إْ سثه ٌجبٌّشصبد " ( الفجر 13،14 ) "ٚإرا اٌٛدٛػ دؾشد " ( التككير 5 ) "اٌمبسػخ ِب اٌمبسػخ ِٚب أدسان ِب اٌمبسػخ " ( القارعة 1-3 ) كما عمى القارئ إلا أف يتحسس جرس الأصكات ، ك اؿنغـ المتحدّر مف النسؽ عند تأممو في المعاني كبعدىا لا يتردد في الإقرار بما لجرس الأصكات المكررة مف أثر كبير في تصكّر المعاني كتجسيدها في صكر محسكسة ككأنيا مشاىد تنبعث منيا أصكات مسمكعة . 3- تكرار الآية أو أأُ سموبيا عند الحديث عف النغـ الصادر عف تكرار الآية الكاممة لابد مف الإشارة إلى التنغيـ الذم يكتنؼ الأساليب ، لأف لكؿ آية أسمكبان خاصان ، كالتنغيـ في الأساليب قسماف: الأكؿ : ينتيي بنغمة ىابطة ، كيكثر استعماؿ النغمة اليابطة في التقرير لإفادة انتياء الجممة كتماـ المعنى . كالثاني : ينتيي بنغمة صاعدة كغالبان ما يككف في أسمكب الاستفياـ 1 كفي سكرة الرحمف تتكرر الآية " فبأم آلاء ربكما تكذباف " إحدل كثلاثيف مرة ، كنغمة إيقاعيا تتنكع بتنكع السياؽ كيمتاز التكرار في سكرة الرحمف في أف جمو يأتي عقب آية قصيرة ليا نغمة خاصة تخاطب الركح كالعقؿ يسكدىا تارة تيديد كتخكيؼ كما في قكلو تعالى " سنفرغ لكـ أييا الثقلاف فبأم آلاء ربكما تكذباف " كتارة تسكد النغمة نبرةُ التأمؿ كالتبصر كما في قكلو تعالى : " كؿ مف عميق فاف ، كيبقى كجو ربؾ ذك الجلاؿ كالإكراـ ، فبأم آلاء ربكما تكذباف " كتارة ثالثة تسكد النغمةَ ركحُ التحدم كما في قكلو تعالى :" يا معشر الجفّ كالإنس إف استطعتـ أف تنفذكا مف أقطار السمكات كالأرض فانفذكا ، لا تنفذكف إلا بسمطاف ، فبأم آلاء ربكما تكذباف " إلى غير ذلؾ مف أنكاع النغـ كالإيقاع الذم يحدثو التكرار في قكلو تعالى " فجؤٞ آلاء سثىّب رىزثبْ". كاإذا أضفنا إلى ىذا التنغيـ العاـ الذم يحدثو أسمكب الاستفياـ في الآية " فبأم آلاء ربكما تكذّباف " أضفنا النغـَ الذم يصدر عف تكرار كؿ صكت فييا كالإيقاع الناتج عف تساكم زمف النطؽ بيا في كؿ مرة ، أدركنا مقدار النغـ كالإيقاع الذم اشتممت عميو سكرة الرحمف في ىذا الجانب فقط فضلان عف جكانب نغمية أخرل كالفاصمة كغيرىا مما سنشير إلييا في المكاضع المناسبة مف ىذا البحث . كفي سكرة النمؿ يتكرر أسمكب الاستفياـ بنغمتو المميزة الخاصة في قكلو تعالى: 1 ينظر: الدلالة الصكتية في المغة العربية – ص 149.
عدد الصفحات ١٦