المعيار34 جانفي8102 118 القراءة الفينومينولوجية للنص القـرآني -عرض ونقد- أ. ريمة عسكراتني طالبة دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة ملخص: تتناول الدّراسة بالتّحليل والنّقد القراءة الفينومينولوجية للنّصّ القرآني؛ كإحدى القراءات المعاصرة الحديثة التي انتشرت بشكل هستيري في أوساط المثقفين المسلمين خلال الآونة الأخيرة، وذلك بهدف إعطاء الطّالب المتخصّص نظرة عامّة حول أحد المناهج المتداولة حديثا في مجال الدّراسات القرآنيّة، والآليّات المعتمدة في مقاربة النّص الدّيني بالتّحديد. ولتحقيق هذا الغرض سأحاول تجنّب التّعقيد في العبارات، وتبسيط الأفكار الفلسفيّة قدر الإمكان، مع الاكتفاء بالحدّ الأدنى من التفاصيل حتى تتجلّى الصورة وتتضح معالم هذه القراءة . Résumé : L’étude porte sur l’analyse et la critique de la lécturePhénoméno logique du texte Coranique, come l’une des léctures modernes qui s’est propagée térriblement dans les milieux des musulmans intellectuels dérnièrement, et cela pour but de donner à l’étudiant spécialiste une idée générale sur l’une des méthodes qui se déroulent actuellement au niveaux des études Coranique, et les mécanismes agrées dans l’approche du texte religieux spécialement. Et pour réaliser ce but, j ’ai essayé d’éviter le complexe dans les paroles, et simplifier les idées philosophiques on gardant le minimum de détaille pour éclaircir les repères de cette lecture.
عدد الصفحات ١المعيار34 جانفي8102 119 مقدمة: مع تتالي الفتوحات المعرفيّة، الفلسفيّة والعلميّة في الغرب، ازداد التركيز على التّجديد في حقل الدّراسات الإسلاميّة، من أجل الإفادة من المنجزات المعاصرة والدّفع بعجلة النّمو نحو الأمام، إلاّ أنّ هذا الاندفاع نحو الآخر الغربي لم يكن في جميع أحواله انصياعا أعمى يتجاوز التخوم الفاصلة بين الحضارات، بل كان في ترنّح بين التّطبيق الحرفي للنظريّات الغربيّة على نصوص القرآن والسّنّة في بعض الأحيان، وبين محاولات جادّة لتبيئة المنهج المستورد وتطويعه بما يتلاءم مع نمط التفكير الإسلامي ومصدريّة القرآن ومرجعيّته الحاكمة حينا آخر. ولقد كان قوله صلى الله عليه وس لّم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"1،الحافز الأكبر لمثل هذه المحاولات، خاصّة مع وضوح الحديث في انتفاء الإثم على المخطئ، والتّبشير بالأجر حتى وإن باءت المحاولة بالفشل. كما أنّ حياة الرّسول صلى الله عليه وسلم كانت موضع الاستدلال في هذا المقام؛ فقد كان يجتهد فيما أنزل من القرآن من عام ومجمل، ويشرك الصّحابة رضوان الله عليهم فيما لم ينزل فيه وحي، ودأب يدرّبهم على التنزيل السليم للنّصوص على أرض الواقع. وإذا كانت اجتهاداته صلى الله عليه و سلم مدعمة بتصحيح القرآن لكلّ خطأ قد يرد؛ فإنّ اجتهادات القارئ المعاصر رغم أنّّا لا ترقى إلى اجتهادات الأنبياء والرسل، تظلّ موقع نقد وتقييم من قبل المجتهد نفسه أو من معاصريه أو ممن يأتون بعده بسنين أو قرون، حتى يثبت التّصحيح مع الدّليل أو الترّك مع العلّة. بهذا فسح المجال لتجديد الفهم الديني، وطرح رؤى معاصرة على المستوى المنهجي والتطبيقي، ولم يعد للماضي -من ثمّ - أولويّة على الحاضر، ولا للمتقدّم أحقيّة في التأويل على المتأخّر، بل صارت النّصوص مدار الحديث، والجهود مصطفة على بساط النقد والتقييم، متساوية الحظوظ في إمكان الخطأ والصّواب، لا يتعالى طرف على الآخر، ولا تثبت أفضليّة إلاّ داخل الإطار الزّماني والمكاني؛ أي بالنظر إلى المقدّمات التي بحوزة المجتهد مقابل النتائج المتحصّل عليها في الوقت الذي عاش فيه. هكذا لم يعد الوعي التاريخي من منظور القارئ المعاصر في حالة تردّ وتراجع، أي في حركة سلبيّة تنائيا عن عصر التنزيل، بل أضحى الوعي التاريخي في حركة إيجابيّة تقدّما إلى الأمام، نظرا لاتساع الأفق المعرفي وارتفاع الكمّ المعلوماتي، وعمق الكشوفات العلمية والفلسفيّة الرّاهنة. 1 محمد بن اسماعيل البخاري : صحيح البخاري، ترقيم وترتيب : محمد فؤاد عبد الباقي، تقديم: أحمد محمد شاكر، الناشر: دار التقوى (مصر)، ط: الأولى (2102م)، كتاب (69 :) الاعتصام بالكتاب والسنة،باب (12:) أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ح: 2531، ص: 669.
عدد الصفحات ٢المعيار34 جانفي8102 120 وأمام هذا الوضع الخطير الذي يزجّ بالنّصوص الدينيّة داخل دوّامة غير منتهية من المناهج النّقديّة التي لا تفصل بين البشري والإلهي المقدّس، يتساءل الباحث في العلوم الإسلاميّة عن مدى نجاعة القراءات المعاصرة للدين في تحقيق النّقلة المرجوّة نحو عصرنة الفهم، ومقاربة المقدّس بشكل جديد ينسجم مع معطيات الواقع الحالي دون تخطّ ل لحدود الحمراء . فما المقصود بالقراءة الفينومينولوجية بالتحديد؟ و كيف طوّع عبد المجيد الشرفي هذه القراءةفي سياق تقديم مقاربة تفسيريّة جديدة لآيا فرض صوم شهر رمضان الكريم؟ و ما مدى مقبوليّة قراءة الشّرفي في ميزان الطرح الفينومينولوجي؟ وما هي فرص وآفاق الاستفادة من الفينومينولوجيا في حقل الدراسا القرآنية مستقبلا؟ تعرّف القراءة حاليّا في مجال الدّراسات الإسلاميّة المعاصرة بكونّا نشاطا فكريّا لغويّ ا مولّدا للتّباين، منتجا للاختلاف؛ فهي تتباين بطبيعتها عما تريد بيانه، وتختلف بذاتها عما تريد قراءته، وشرطها بل علّة وجودها وتحقّقها أن تكون كذلك، أي مختلفة عما تقرأ فيه، ولكن فاعلة منتجة في الوقت نفسه. فليست القراءة إذن مجرّد صدى للنّص؛ إنّّا احتمال من بين احتمالاته الكثيرة. وفحوى القول؛ إنّ النّص يشكّل كونا من العلامات والإشارات يقبل دوما التفسير والتّأويل، ويستدعي أبدا قراءة ما لم يقرأ فيه من قبل.1 وهي بهذا التعريف تحمل في طيّاتها فكرا غير مكتمل، يعتريه النّقص ويحتاج دائما لمن ينقّحه، يسدّد خطاه ويثري نتاجه. وقد ظهر المثقّف كممارس لفعل القراءة بدلا من التّأويل عند المفسّر والاجتهاد عند الفقيه، وتأسيس الدّليل عند المختص؛ وأصبح للمثقف الديني دور مزدوج؛ يتمثّل أحدهما بمزاولته لفعاليّة النظر في الأدلّة الشّرعيّة، والآخر يتصل بما يقوم به من اجتهاد.2 وقد ظهر تبعا لذلك جملة من الدّراسات في المدوّنة الإسلاميّة المعاصرة تتغيّّ طرح نظرة جديدة للفهم الديني، وفيما يلي تعريف بإحدى القراءات التي انتشرت بشكل هستيريّ في أوساط المثقّفين العرب والمسلمين خلال الفترة الأخيرة من الزمن. الفينومينولو جيا دلالة المصطلح وخطوا البحث: تطلقالفينومينولوجيافي صورتها العامّة ويقصد بهاالعلم المختصّ بـــ "دراسة الظواهر المتجليّة لأوّل وهلة أمام الوعي، والمقدّمة كما هي قصد تحليلها وتتبّع خصائصها، من خلال ما يعرف بقاعدة التوجّه نحو الأشياء نفسها بعيدا عن الأحكام الذّاتية أو النّظرة المسبقة التي من شأنّا أن تحول دون بلوغ حقيقة الأشياء ".3 بدأتفي القرن التاسع عشر كمشروع فلسفي قاده إدموند هوسرل Edmund Husserl (9581-9195م)للخروج من أزمة العلوم الأوربية المتمثّلة في عجز الماديّة المطلقة والسّيكولوجيّة المتطرّفة عن خلق علوم معياريّة تهتمّ بثراء المعنى المتضمّن في الواقع، وانتهى بها الأمر كمنهج من أهم المناهج المعاصرة في دراسة الدين في الغرب على يد شنتوبي دولا سوساي Chantepie de la Saussaye (9585-9191م). 1علي حرب : نقد الحقيقة، الناشر: المركز الثقافي العربي (لبنان/المغرب )، ط: الأولى (0991م)، ص: 5/6. 2يحيّ محمد : القطيعة بين المثقف والفقيه، الناشر: مؤسسة الانتشار العربي (لبنان- بيروت)، ط: الثانية (2115م)، ص: 8/9. 3Jean François lyotard : La Phenomenologie Que sais-je ?, p : 5.
عدد الصفحات ٣المعيار34 جانفي8102 121 وكان روّاد الفينومينولوجيا الدّينيّةيرون أنّ الدين لم يحظ بمنهج مستقلّ يفيه حقّه دراسة وتنقيبا، وأنّ المناهج الخاصة بالعلوم الطبيعيّة والإنسانيّة قاصرة عن فكّ خيوط لغز المقدّس ؛لأنّ دراسة الدين من منظور واحد سواء كان أنثروبولوجيّا، اجتماعيّا، نفسيّا أو تاريخيّا يفقده السمة الأكثر جوهريّة فيه؛ ومن ثمّ لا يجب اختزال التجربة الدينيّة في منهج محدّد أو رؤية معيّنة، بل لابد من العمل على تجاوز الاهتمامات الخاصّة في المكان والزمان والظروف المختلفة إلى الاهتمام بجوهر الظواهر وحقيقتها.بالإضافة إلى ذلك؛ اتفقت كلمتهم على إرجاء أو تعليق الحكم حول كلّ ما يعنيه المقدّس في الفكر الديني التراثي والفكر العلماني الغربي المعاصر، من أجل تكريس الجهود لخدمة الرؤية العلمية التجريبيّة للدين، حيث يفسح المجال فقط للمتديّنين للتعبير عن تجاربهم الذاتيّة مع ما هو مقدس دون إقحام أيّة رؤية من الخارج.وفي هذا السياق كانت المهمة الأساسيّة للفينومينولوجيا تكمن في وصف الظواهر الدينيّة كما تتجلى في الخبرة المباشرة للإنسان، و كان موضوعها الأساسي هو الماهية الجوهريّة الحقيقيّة للظاهرة أو المعطى الديني. لكن خارج هذه الدّائرة، لم يتفق الفينومينولوجيون على طريقة موحّدة في خوض غمار البحث بل أبدع كلّ واحد منهم أسلوبا فريدا لنفسه، فقد بحث و.ب.كرستنسنعلى سبيل المثال عن الدّلالة العميقة للدين في مختلف النّصوص، بينما اهتمّ رودولف أوتو ببنية التجربة الدينيّة المتعلّقة بالمقدس والمتعالي، وحاول فان داولوو تشييد منهج تجريبي للكشف عن الخبرة المباشرة والتجربة المعيشة للإنسان المتديّن، أما جوكو بليكر فقد طرح ثلاثة أنماط للفينومينولوجيا الدينيّة؛ فهناك ظاهريّات وضعيّة، وظاهريّات نماذجيّة تبحث عن الأنواع التي يتجلى فيها المقدّس وعلاقتها بالإنسان المتديّن، وظاهريّات نقديّة تقترن فيها محاولة استشعار الظاهرة الدينيّة بمحاولة فهمها، حيث يتولى الباحث تنظيم الأشياء بهدف الوصول إلى معانيها ودلالاتها عبر عمليّة تأويليّة.1 وسعيا للربط بين هذه الجهود والأنماط المتعدّدة من البحث الفينومينولوجي، يمكن إجمال خطوات المنهج الظاهراتي في المراحل الآتية: 9. تسمية الظّواهر: حتى لا تختلط التّصوّرات بجوهر الأشياء وماهيتها، ويغدو للاسم سحر ا أخّاذا يفوق محمولاته، سعى الفينومينولوجي جاهدا إلى متابعة الأسماء ومدلولاتها الحقيقيّة، فسمى ظاهرة ما قربانا، وأخرى تطهّرا، وثالثة صلاة.. وهكذا يقوم بإدخال الظّاهرة ضمن صنف معينّ من الظواهر الدينيّة التي تتمتّع بخصائص مشتركة .2 9. إدماج الظواهر في حياتنا الخاصّة: في مرحلة ثانية يجب إخضاع هذه الظّواهر للتجربة المعيشة بحثا عما يظهر نفسه باستخراج البنى وتأسيس العلاقات بين مختلف النّماذج. وعندما تدخل الظاهرة في حياة الشّخص، ويتداخل الموضوع مع الذّات، وبعد الاندماج في حياة الآخرين، وإذابة التّجربة الذّاتيّة في التجارب المعيشة للسّابقين يغدو الفينومينولوجي مخوّلا للوصول إلى تفسير ما يظهر له.3 9. تعليق الحكم: لأنّه يستحيل معانقة الحقيقة المطلقة بشكل نّائي ومحسوم، يفضّل البحث الفينومينولوجي التريّث في إصدار الأحكام، إذ تبقى النّتائج المتحصّل عليها محلّ تقي يم متواصل حسب المعط يات الجديدة . وهذا ما يعرف بـ 1عارف مراد : القراءة الفينومينولوجية للأديان وأثرها في الفكر الإسلامي المعاصر (رسالة ماجستير )، إشراف: حسن المناعي، جامعة: الزيتونة (تونس)، كلية : أصول الدين، نوقشت: عام 2101م، ص: 11. 2 المصدر نفسه. 3 انظر، المصدر نفسه.
عدد الصفحات ٤المعيار34 جانفي8102 122 'الإبوخيّة' époche،وهي بالعبارة الإغريقيّة الحاملة لما فيها من السّلب والوقف والإحجام تدلّ على وضع كلّ معرفة موضع سؤال بما في ذلك المعرفة الأولى التي يعطيها نقد المعرفة بادئ الأمر، والامتناع عن استصلاح أي معطى سابق في الوجود وفي الإدراك .1 8. الإيضاح: الإيضاح في جوهره هو طريق للتمييز، يقوم أساسا على منع الوقوع في الخطأ؛ وهو ثلاثة أنواع : التوضيح Clarification، الكشف Elucidation، ثم الشرح Explication، فالإيضاح يتم في اللغة عن طريق التمييز ب الألفاظ المحكمة والألفاظ المتشابهة، في حين التوضيح يكون بين الأشياء، أما الكشف فيتم في الشعور، ومهمته استكشاف مناطقه ليصل في النّهاية إلى الشرح والبيان، أي إخراج مضمون الشعور إلى حيّز الرّؤية الواضحة.2 8. الفهم: بعد القيام بوصف الظاهرة المدروسة وتصنيفها وربطها بالمفاهيم الدّينيّة القريبة منها مع تعليق الحكم على صدقها أو زيفها وكذبها، يتشكّل فعل الفهم بحيث تصبح الوقائع المشوّشة والثّابتة حاملة لروابط منطقيّة ومعرفيّة تعبرّ عن تواصلنا معها ومعرفتنا لها .3 6. العمليّة التّأويليّة: يهدف التّأويل هنا إلى تجاوز وصف الظّواهر كما هي معطاة لنا حسيّا إلى تلمّس جوهرها الخفيّ، وغير الخاضع لظرفي الزّمان والمكان، إنّه بحث عن البنية الظّاهرة الدّاخليّة ونموذجها المثالي.4 مظاهر التأثّر بالفينومينولوجيا الدينيّة في الفكر الإسلامي المعاصر: منذ منتصف القرن العشرين ظهرت الفينومينولوجيا الدينيّة في العالم العربي والإسلامي بقوة، وتجلى الاهتمام بها في مظاهر عدة منها ترجمة الكتب الأصلية للغة العربية، ومنها التعريف بمضمون المنهج والتبشير بأهميّته في دراسة التجربة الدينيّة والأسطورة والمقدّس، ومنها الاقتباس والتطويع المنهجي في دراسة الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية والأديان بصفة عامة، بالإضافة إلى المنزع النقدي الذي وجه تارة للمنهج الفينومينولوجي تحديدا، و تارة أخرى للقراءات والممارسات التي توسلت بهذا المنهج في مشاريعها التجديد ية في فهم الإسلام.وفيما يبرّر البعض سرّ هذا الاهتمام بمحاولة فهم الأبعاد الرمزيّة لأساطير حضارة ما بين النهرين والحضارة السومريّة القديمة، يعتقد آخرون أنّ اختبار الأطروحات الدينيّة التقلي ديّة يتطلّب عُدّة منهجيّة جديدة توائم التطورات العلمية والكشوفات المعرفيّة التي يطرحها مفكّر و وفلاسفة الغرب . ومن أبرز المؤلفات التي عكست صورة المماثلة في استخدام الفينومينولوجيا على منوال الرواد الغربيّين؛ 'دين الإنسان' و'مغامرة العقل الأولى' لفراس السوّاح الذي اعتمد ثنائيّة المقدّس والمدنّس في تعريفه للدين على نّج دوركايم Durkheim(9585-9191م) 1إدموند هوسرل : فكرة الفينومينولوجيا، ترجمة : فتحي إنقزو، الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت-لبنان)، ط: الأولى (2112م)، ص: 98. 2حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، الناشر: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع (لبنان-بيروت)، ط: الرابعة (0991م)، ص: 259. 3 عارف مراد : المصدر السابق، ص: 12. 4 المصدر نفسه، ص: 11.
عدد الصفحات ٥المعيار34 جانفي8102 123 ومرسيا إلياد ؛ 'التراث والتجديد' لحسن حنفي الذي استغلّ فيه فلسفة هوسرل الأصليّة وطعّ مها بالنقد التاريخي على طريقة سبينوزا SpinozaBaruch(9699-9611م)، وكتاب 'الوحي والقرآن والنّبوّة ' لهشام جعيّط وصف في طيّاته الفينومينولوجيا بـ "المنهج العقلاني التّفهّمي"1 الذي في وسعه أن يقدم دراسة علمية بحتة للدين بعيدا عن التلوينات الأيديولوجيّة والتّحيّزات الذاتيّة، وعبد المجيد الشرفي في مؤلّفه 'الإسلام بين الرسالة والتاريخ' الذي تميّز بالاقتباس من أعمال مرسيا إلياد، إلى جانب الاستفادة منالفينومينولوجيا الفلسفيّة المتأخ رة التي قدّم لها الالماني هيدغر MartinHeidegger(9551-9116م)والفرنسي ريكور Paul Ricœur(9199-9118م)لمسة تأويليّة خاصّة. نموذج تطبيقي:الصوم كظاهرة دينيّة من منظور عبد المجيد الشّرفي: عبد المجيد الشرفي متخصص في الفكر الإسلامي، من مواليد 9189م بصفاقس- تونس، تحصّل على دكتوراه دولة في الآداب بتونس سنة 9151م، وأخرى في الدراسات الإسلامية . تقلّدالعديد من المهام في الهياكل العلمية والتربوية، فكان عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بتونس 9159-9156م، وباحث بمعهد الدراسات المتقدمة ببرلين 9111-9111م، وكذا مدير س لسلة 'معالم الحداثة' الصادرة عن دار الجنوب، تونس .2 ساهم في تفعيل مراكز البحث والمؤسسات العلمية التونسية منها والعربية والعالمية، ونشر ت له عشرات المقالات والبحوث؛ منها : 'تحديث الفكر الاسلامي'3،'الثورة والحداثة والإسلام '4،'المسلم في التاريخ '5، هذا وقد ترجمت بعض أعماله إلى لغات مختلفة من أهمها الفرنسية والفارسية . يهدف الشرفي إلى تطبيق مناهج العلوم الإنسانيّة ونتائج علم الأديان على نصوص القرآن والسّنّة؛ لأنّ الإسلام يشترك مع غيره من الأديان السّماويّة والوضعيّة في الخضوع لنفس القوانين والسّنن، من ثم وظّف في مشروعه التّجديدي توليفة منهجية بدء بالمنهج التاريخي، اللغوي، النّقدي، التأويلي والفينومينولوجي، ويقول مبرزا أهميّة هذا الأخير: "إلاّ أنّ النّظرة التّاريخيّة والظّواهريّة تقودنا إلى عدد من الاعتبارات التي تلقي أضواء جديدة على الإسلام تؤدّي بنا إلى تجاوز النّظرة التّقليديّة الضيّقة"6 .وفعتقودالفينومينولوجيا إلى طريقة مميّزة في التفكير، حيث يجب التخلص من كلّ الحواجز الحائلة دون تحقيق التفكير النقدي، وأولى هذه الحواجز هي عادات التفكير السّائدة التي توقف عقولنا عن التقييم الفعلي للمواضيع، وتسلب منا قوة الملاحظة، والاستيعاب الدّقيق لإيحاءات الدّلائل، ولا تخلو حياتنا اليوميّة من هذه العادات؛ و لكن تحتاج الدراسات الأكاديمية، خلافالذلك، إلى إعمال العقل في المسلّمات والبديهيّات، حيث يجب التّخلّص من عادات التفكير إذا كنا نرغب في تبني المنحى النقد ي. من ثمّ ما هو معلوم من الدين بالضرورة ليس له وجود، والصوم الذي يمثّل ركنا من أركان الإسلام، وفرضا من فرائضه الخمس ، سجّل من خلال تاريخ تشريعه ومراحل الالتزام به نقطة محرقيّة تستدعي البحث والتنقيب من قبل الشّرفي. 1 هشام جعيط : الوحي والقرآن والنبوة، الناشر : دار الطليعة (لبنان- بيروت)، ط: الثانية (2111م)، ص: 02 . 2انظر ترجمة مفصلة له في كتابه مرجعيات الإسلام السياسي، الناشر : التنوير للطباعة والنشر والتوزيع (تونس/بيروت/القاهرة )، ط: الأولى (2102م)، ص: 011-012م. 3 دار المدار الإسلامي/بيروت،الطبعة الثانية 2119م. 4دار الجنوب/ تونس، الطبعة الثانية 2102م. 5مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، المغرب 0999م. 6 عبد المجيد الشر: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار: الطليعة (بيروت-لبنان)، ط: الثانية (2118م)، ص: 02.
عدد الصفحات ٦المعيار34 جانفي8102 124 وبعد استدعاء جملة من المعطيات التاريخيّة المقتبسة من كتب علوم القرآن، السيرة النبويّة ومؤلفات التفسير والفقه، استخلص الباحث أنّ فرض صوم رمضان لم يتمّ حسب المرجّح بداية من السنة الثانية للهجرة بنصّ قرآني، وإنمّا كان بأمر نبويّ مرن، اتّسع العمل به شيئا فشيئا حتى نزلت بع د فتح مكة الآيات التي تعلّقت به، وأنّ التّخيير بين الصّوم والإفطار مع الإطعام كان قائما طيلة عهد النبوّة، ولم يعتبر منسوخا أو تتأوّل العبارة الخاصّة به اتجّاه تخصيصها إلاّ بعد جمع القرآن في المصحف العثماني، وفي نطاق توحيد مظاهر العبادة والسلوك الذي قامت به الأجيال الإسلاميّة الأولى، لاسيما بعد الفتنة الكبرى وما نشأ عنها من اهتزاز الأمّة الإسلاميّة في أعماقها، وبعد دخول العديد من العناصر والأجناس في الدين الإسلامي. كما تبرز –حسب الباحث- القراءة المتأنيّة للآيات الخمس من سورة البقرة [959-951] أنّ النّص القرآني في حدّ ذاته لا يقتضي إبطال التخيير بين الصوم والإطعام، وأنّ الأصل الثاني من أصول التّشريع وهو السنّة خال كذلك من النّصّ الصّريح عليه ، ولذلك قُدِّم الأصل الثالث وهو الإجماع على تأويل من التّأويلات الممكنة.1 من هنا؛ "يبقى الصّوم دوما أفضل من الإفطار، ولكنّ الإفطار مع 'الفدية' من الرّخص التي من المفروض أن يتمتّع بها المسلم من غير شعور بالذّنب أو بالتّفريط في القيام بواجبه.."2. وفي الحقيقة ما من نقد موضوعي يمكن صياغته للقراءة السّابقة دون الرّجوع إلى منظومة التّفكير التي يتبنّاها عبد المجيد الشّرفي؛ لأنّنا عندما ننطلق في الرّدّ من القبليّات المعرفيّة التي نرتضيها سنكون أمام صدى صوتنا، نقنع أنفسنا ولا نقنع الآخر أو حتى نحاول مدّ جسر التّواصل مع آرائه، والاهتمام بما يكتبه، خاصّة وأنّ الآخر ينقض الأسس التي تنبني عليها أدلّتنا . من ثمّ سنحاول النّ ظر إلى الصوم من الخارج، أي من منظ ور حيادي عوض النّظر إليه من الدّاخل، من الزاوية الإيمانيّة أو الزاوية التقليدية المتوارثة ؛ وتحقيقا لأدنى مراتب التفاهم سنزل عند رغبة الباحث؛ "كلّ ما نرجو بشيء من الإلحاح من القارئ ألاّ ينقد الآراء والمواقف بالاستناد إلى أقوال القدماء والعلماء وأحكامهم، فنحن نجلّهم ونقدّر جهودهم، إلاّ أنّنا لا نعتبر أنفسنا ملزمين بها إلاّ في حدود موافقتنا على محتواها، واستجابتنا لما يمليه الفهم السّليم والمنطق والعقل والواقع"3. تشترطالفينومينولوجيا كما سبق الذكر ضرورة معايشة /ملامسة تجارب الآخرين عن قرب، وتمثّل أسلوب تعاملهم مع نفس الظاهرة التي نحياها في عالمنا الحاضر، لكنّها للأسف لا تجيبنا عن سؤال جوهريّ؛ كيف يمكننا أن نتقمّص تجربتهم، وأن نسافر إلى عالمهم بكلّ موضوعيّة؟ تمّ ت الإجابة لاحقا على هذا السّؤال في أعمال غادامير فيما يعرف بـانصهار الآفاق "Fusion of horizons"4؛ حيثيحاول القارئ الاقتراب من أفق النص سعياوراء إعادة بنائه من منظور الحاضر، أي ينظر إلى الماضي بعين اللحظة الراهنة شريطة أن يفسح المجال لمقولات النّصّ، ولا يحجبها كليّا بذاتيّته. وعبر انصهار الآفاق/التحام العوالم يدعو غادامير إلى ضرورة تجنّب الذّاتيّة العمياء، ويدعو أكثر إلى وجوب التخلّص من فكرة الموضوعيّة المطلقة؛ لأنّ فكرة المعنى الواحد الصحيح منتفية تماما مع تباين القبليّات 1 عبد المجيد الشر: لبنات، الناشر: دار الجنوب (تونس)، ط: (0992م)، ص: 028-080. 2 مراد هوفمان و عبد المجيد الشر : مستقبل الإسلام في الشرق والغرب، ترجمة : إبراهيم يحيّ الشّهابي، الناشر: دار الفكر (بيروت-لبنان)، ط: الأولى (2118م)، ص: 50. 3 المصدر نفسه، ص: 21. 4 See, JosefBleicher : Contemporary hermeneutics, p: 112.
عدد الصفحات ٧المعيار34 جانفي8102 125 المعرفيّة للذوات القارئة، وتزايد الفجوة الفاصلة بين الحاضر المعاش والماضي المنقضي . وعلى أهميّة العودة للوراء تبقى العمليّة الارتداديّة للمادّة الترّاثية حبلى بممكنات لا متناهية، وستبقى الملفات الماضية مفتوحة للتحقيق دائما، ولن تغلق أبدا . ولوجناعالم التنزيل عبر الرواية الحديثيّة –إذن- خطوة لا تتمتّع بالموضوعيّة المطلقة، و قراءتنا لتجارب السابقين قراءة نسبيّة قابلة للتعديل لاحقا، إنّّا تأويل من بين تأويلات لا متناهية، غير منقطعة إلى قيام الساعة. وهو سبب كاف –من منظور الشرفي- لطرح مسألة فرض الصوم على بساط التحقيق من جديد، بهذا نفسّر تعليق الحكم على كلّ الرّوايات؛ ففي المثال السابق لم تلعب الأحاديث أبدا دور الموجّه للتّأويل نحو الصّحة، بل كانت مجرّد شاهد على صورة الواقع الأول لنزول آيات الصوم، كما كانت كل التفاسير المعروضة بين قوسين في انتظار الرّد الفينومينولوجي بعد إتمام دورة كاملة حول التجارب البشريّة المصاحبة لتطوّر 'الظاهرة '. بهذا يطبّق الباحث الإيبوخيّةعن طريق استبعاد كلّ الآراء و الافتراضات المسبقة التي تراكمت لديه بوصفه كائن ا تاريخيا، وعن طريق حذفالعرف والعادة من قاموس التفكير. نعم يظلّ البحث والتّنقيب في الذاكرة الجمعيّة مطلبا لا استغناء عنه، قد يعود على المستوى التّطبيقي بتحقيقات في مسائل جذريّة، ويقلب مفاهيم ربما صارت بمثابة مسلمات، وهي ليست سوى نسيجا حاكته خيوط خفيّة، ثم زرع شيئا فشيئا داخل الذّاكرة وتلقّاه الناس بالقبول في زمن ما، ليظهر زيفه لاحقا. مع ذلك؛ لم تختلق مسألة نسخ الإطعام في عهد الخلافة، ولم يكن الهدف هو توحيد المظاهر الشّكليّة للعبادة والسلوك، بل غاية ما في الأمر الامتثال للأمر الإلهي الثابت عبر تدرّج الحكم وفقا لتغيرّات الواقع؛ فنحن أمام بيئة صحراويّة، الصوم فيها مجهد للغاية، والإنسان العربي لم يتعوّد على الصوم لفترة طويلة مع تتالي الأيام، فأهل الجاهليّة كانوا يعرفون يوم عاشوراء، وكان المسلمون يصومونه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، وكلّها أيّام متفرّقة وقليلة بالنّظر إلى توحّد الجميع في الصوم والإفطار. ولقد نزل القرآن ليحفظ العادات الجيّدة، ويقوّم السيّئة منها، ولم ينزل أبدا ليفرض شريعة خاصة تقضي على السّائد و تفرض المناقض له، بل من الحكمة الإلهية أن تنز ل الآيات لتشارك الناس حياتهم وتتقاسم معهم العادات الحسنة التي نمت وكبرت مع أجيالهم . وإذا كان الصوم عادة محمودة وسنّة مرغوبة لدى البعض؛ فإنّه عند البعض الآخر "غير مألوف لهم ولا معتاد، والطباع تأباه، إذ هو هجر مألوفها ومحبوبها"1، ولذلك يتطلّب الامتثال لفرض صوم شهر كامل بتتالي الأيّام دون انقطاع جرعات لاستكمال الأمر ح يستوعب الحكم، ويتعوّد على أداء الفريضة بشكل صحيح . وإذا كانت الفلسفة المعاصرة تحتفي بالتّاريخيّة، حيث لكلّ واقعة إحداثيّة زمانيّة ومكانيّة تحتويها، بينما يخضع الأمر لتغيرّات الواقع ومتطلّبات الحياة وشروطها؛ فالأولى هنا أن تحمل آيات الصّوم على تدرّج في التّشريع، أين يراعي القرآن مقتضى حال المخاطبين، ويتنزّل عليهم بفروضه شيئا فشيئا وليس دفعة واحدة، شأ ن الصوم في ذلك شأن العديد من التّشريعات كتحريم الرّبا والخمر .و حتى لو علّ قنا الحكم على كلّ الرّوايات الحديثيّة سنحصل على نفس النتيجة؛ كون التخيير بين الصوم والفدية كان قائما مستمرا لفترة زمنيّة لا يعني بقاء الحكم إلى الآن، فقد انقضى وزال الحكم نّائيا بالنسبة لمن لا عذر له بنزول قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُ مُ الشَّهْرَ فـَلْيَصُمْهُ ﴾ (البقرة : 958)، وللاستدلال نتابع ثلاثة مصادر، تفسح لنا المجال للإطلال على عالم النّص: 1 ابن القيم: مفتاح دار السّعادة، دار: الكتب العلمية (بيروت-لبنان)، ط: (0209/0998م)، ج: 2، ص: 122.
عدد الصفحات ٨المعيار34 جانفي8102 126 9- يقولابن عباسفي قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينن ﴾ (البقرة : 958) :"ليست بمنسوخة ،هوالشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعمان مكان كلّ يوم مسكينا"1 .وفي رواية أخرى له؛ رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما كل يوم مسكينا ولا قضاء عليهما ثم نسخ ذلك في هذه الآية:﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فـَلْيَصُمْهُ ﴾ وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافت ا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينا 2. 9- وفي حديثمعاذ بن جبل:أما أحوال الصيام فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام و صيام يوم عاشوراء ثم إن الله فرض عليه الصيام فأنزل الله ﴿يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قـَبْلِكُمْ ﴾إلى هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينن ﴾فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزى ذلك عنه ، ثم إنّ الله أنزل الآية الأخرى : ﴿شَهْرُ رَ مَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْ آنُ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾إلى قوله تعالى:﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فـَلْيَصُمْهُ ﴾فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح و رخص فيه للمريض وللمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام. فهذان حالان... الحديث3. 9- يقولسلمة بن الأكوع : "لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينن ﴾كان من أراد أن يفطر ويفتدي [فعل]ح نزلت الآية التي بعدها فنسختها "4. بسبب اختلاف الروايتين عن الصحابي الجليل ابن عباس–رضي الله عنه - حول وقوع النسخ من عدمه بدا مشهد الصوم باهتا قبل نزول قوله تعالى﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فـَلْيَصُمْهُ ﴾،فلا نجد جوابا هل كان التخيير قائما بين الصوم والفدية للمقيم الصحيح أم لا؛ لكنّ الرواية الثانية عنه دون أن تناقض الأولى تقول بثبوت حكم الإفطار مع الإطعام لأربع لا يطيقون الصوم : للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والحبلى والمرضع، بمعنى أنّ الآية ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فـَلْيَصُمْهُ ﴾دليل على فرض الصوم على الشيخ الكبير والعجوز اللذان يطيقانه فما بالك بالصحيح المقيم ممن لا عذر له. أما الروايتان المتبقيّتان فبالإضافة إلى تأكيدهما على ثبوت فرض الصوم بالآية السابقة، تسقطان الستار عن المشهد السابق عن نزول الحكم النهائي، وتصوّران بوضوح تام ثبوت التخيير ابتداء للجميع دون استثناء. وقد تم تداول الأحاديث السابقة داخل المنظومة الإسلاميّة دون تغطية للوقائع أو تعمية للأصل، فيجد الواحد في كتب متون وشروح الحديث، والطبقات والتراجم، والناسخ والمنسوخ وغيرها .. خلاف السلف مبثوثا حول قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ 1 البخاري : صحيح البخاري، ك (65 :)التفسير، ب(25:)﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَات ﴾، ح: 2515، ص: 169. 2 محمد بن جرير الطبري : جامع البيان عن تأويل القرآن، تحقيق : محمود محمد شاكر، الناشر: مكتبة ابن تيمية (القاهرة -مصر)،د.ط، م: 1، ح: 2252، ص: 225. 3 الحاكم النيسابوري : المستدرك على الصحيحين، ك : التفسير، ج: 2، ص: 110 .وأحمد بن حنبل: المسند، ج: 16، ص: 218 .وأورد الألباني؛ قال الحاكم: صحيح الإسناد، وافقه الذهبي، ولكن فيه نظر فإن المسعودي كان اختلط ثم إنه منقطع ، وبه أعله البيهقي فقال عقبه: هذا مرسل عبد الرحمن لم يدرك معاذ بن جبل ،وبذلك أعله الدارقطني والمنذري . محمد ناصر الدين الألباني: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الناشر: المكتب الإسلامي (بيروت-لبنان)، ط: الثانية (0985م)، ج: 2، ص: 20.
عدد الصفحات ٩جبل ،وبذلك أعله الدارقطني والمنذري . محمد ناصر الدين الألباني: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الناشر: المكتب الإسلامي (بيروت-لبنان)، ط: الثانية (0985م)، ج: 2، ص: 20. 4 البخاري : صحيح البخاري، ك (65 :)التفسير، ب(26 :)﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾، ح: 2512، ص: 121.
عدد الصفحات ٩المعيار34 جانفي8102 127 طَعَامُ مِسْكِينن ﴾هل هي محكمة أم منسوخة على قولين ؛ الجمهور على أنّّا منسوخة بقوله تعالى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فـَلْيَصُمْهُ ﴾، على قراءة "يُ طِ يقُ ونَ ه" بكسر الطاء وضمّ القاف.بينما يرى ابن عباس أنّّا محكمة والإطعام لكلّ يوم مسكين يعود للشيخ الكبير والمرأة العجوز، وذلك على قراءة "يُ طوَّ قونه" بالواو المشدّدة.1وبغضّ النّظر عن الخلاف حول وقوع النّسخ من عدمه، لم يقل أحد قطّ ببقاء حكم التّخيير بعد نزول قوله تعالى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فـَلْيَصُمْهُ ﴾؛ لأنّ الأمر هنا دالّ على التّكليف، يفيد الوجوب لمن توفّرت فيه شروط الصوم، إنمّا وقع اللّبس للباحث عندما ظنّ أنّ الخلاف حول النّسخ مدعاة للقول باستمرار التّخيير وبقاء حكم الفدية وذلك خطأبينّ لما أوردناه سابقا. وبدلالة المسكوت عنه في الفلسفة المعاصرة، يغدو من غير المعقول عدم إبطال ال نبيّ صلى الله عليه وسلم التخيير بين الصوم والفدية وكلامه صريح في كفّارة الإفطار العمد دون عذر؛ ففي حديث أبي هريرة "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكينا "2 .وكان من المفترض أن يجد الباحث تفسيرا منطقيّا لأحاديث الكفارة حتى مع تعليق الحكم على صحّتها، فهي شاهد على العصر وتحتاج لتفسير مقنع. ثم ليس الرسول صلى الله عليه وسلم من شرّع صوم شهر رمضان ابتداء بل هو أمر إلهي محض، دلّ على ذلك القرآن بقوله تعالى ﴿يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قـَبْلِكُمْ ﴾ (البقرة : 959)، والمصدر الآمر واحد هو الله جلّ شأنه في الشرائع السابقة قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا بعد تك ليفه بتبليغ رسالة الإسلام . وقد دلّت على ذلك الرّوايات الحديثيّة في غير ما موضع عن طر يق المغايرة الفعليّة كقولهم: 'لما فرض شهر رمضان ' بصيغة الفعل المبني للمجهول والسّياق حول أوامر الرسول ونواهيه صلى الله عليه وسلم، وعن طريق المغايرة المقاميّة كقولهم 'ينزل، نزل، إلخ ..'. ولعلّه قد تبينّ الوجه الذي بني عليه الإجماع في اعتبار الصوم فرضا من فرائض الله وركنا من أركان الإسلام، إذ النّصّ صريح في وجوب الصوم، ناطق بذاته لا يحتمل تأويل الواحد ولا تأويل الجماعة، ولا دسائس واختلاقات تدوم عهودا طويلة دون أن تكتشف. وقد غاب عن الشرفي وهو يردّ الرّوايات الصحيحة أنّ الأثر الذي اعتمده في الزعم بنزول آيات الصوم بعد فتح مكة لا يخلو من علة قادحة في محتواه،تشكّك في وثوقيّة الخبر وإن ارتضى هو المضمون؛ ففي قول مجاهد: "هذه الآية نزلت في مولاي قيس بن السائب﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَ عَامُ مِسْكِينن ﴾فأفطرَ وأطعمَ لكل يوم مسكينًا "3. نجد قيس بن السائب4 فعلا قد أسلم بعد فتح مكة، ولكن الشّكّ قائم في كتب التراجم حول ما إذا كان مولى مجاهد قيس بن السائب أم عبد الله بن السّائب . فضلا عن ذلك، 1 بدر الدين العي: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، ك : الصيام، ب:﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين ﴾، ج: 00، ص: 50.قراءة"يُطوَّقونه":ذكر ها الطبري في تفسيره،وقال رويت عن ابن عباس وهي من القراءات الشاذة. انظر، جامع البيان، المرجع السابق، ج: 1، ص: 208/218 .وعند العكبري: دون نسبة. أبو البقاء العكبري: إعراب القراءات الشواذ، م: 0، ص: 210 .وعند ابن خالويه: ابن عباس وجماعة. ابن خالوية: في مختصر الشواذ، ص: 09 .وعند ابن ج: ابن عباس بخلاف. عثمان بن جني: المحتسب في بيان وجوه شواذّ القراءات والإيضاح عنها، ج: 0، ص: 008. 2 مسلم: صحيح مسلم، ك(01 :)الصيام، ب(02 :)تغليظ تحريم الجماع في نّار رمضان على الصائم، ح : 2599، ص: 856. 3 محمد ابن سعد: الطبقات الكبير، ج: 6، ص: 96/92.
عدد الصفحات ١٠يضاح عنها، ج: 0، ص: 008. 2 مسلم: صحيح مسلم، ك(01 :)الصيام، ب(02 :)تغليظ تحريم الجماع في نّار رمضان على الصائم، ح : 2599، ص: 856. 3 محمد ابن سعد: الطبقات الكبير، ج: 6، ص: 96/92. 4 قيس بن السائب بن عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وقيل عبد الله بن عمر بدل بن عمران . انظر الخلاف حول صلته بمجاهد، عز الدين ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق وتعليق: علي محمد معوض وعادل عبد الموجود، دار : الكتب العلمية (بيروت-لبنان)، د.ط، ج: 2، ص: 212/211.
عدد الصفحات ١٠المعيار34 جانفي8102 128 لا يصحّ من الناحية الفينومينولوجية الاستدلال بخبر مجاهد لأنّه تابعي لم يحضر الحدث، ولم يعش تجربة التنزيل بل نحن في حاجة إلى شاهد عيان من الصحابة، إلى شخص عايش المجريات حتى تكون إطلالتنا على العصر سليمة وأحكامنا أكثر مصداقيّة. وإذا رام الباحث استخراج الجوهر الخفيّ للصّوم غير الخاضع لظرفيّ الزّمان والمكان، متحليّا بالموضوعيّة والحياديّة سيكتشف جوانب روحيّة تغذّي الروح البشريّة دون استثناء لمتقدّم أو متأخّر؛ إنّّا الشّفقة والرحمة، التكفير عن الذّنوب، الإحساس بالرّقابة، ضبط رغبات الذات، تحقيق المساواة بين الفقراء والأغنياء، تعلّم الصبر وتحمّل المشاقّ، والشّعور بالنّعمة ، غضّ البصر وحفظ الجوارح، إلخ .. وسيكتشف من الناحية الصحيّة روائع؛ فبفضل الصوم يتخلّص الدّم من الكولسترول، وتطلق الرّئة السموم، وتنظّف المعدّة والأمعاء نفسها، ويطلق الكبد مادّة ثانويّة للطّاقة، كما يقوم الجسم بمضاعفة نسبة الاوكسجين ويتخلّص من الخلايا الميّتة، إلخ..، وكما أكّدت الدراسات بأن صيام يوم واحد يطهّر الجسم من الفضلات المتراكمة لأكثر من عشرة أيام، فإن صيام شهر رمضان يخلّ ص أجسامنا من فضلات وسموم عام كامل 1. وفي هذا الشهر الكريم الذي تكثر فيه الفوائد وتتضاعف الطاقة ويزداد النشاط نفهم تجربة السلف حيث وقعت العديد من الفتوحات والغزوات؛ غزوة بدر (9هـ)، فتح مكة (5هـ)، فتح الأندلس (19هـ)، فتح عمورية (999هـ)، معركة الزلاقة (811هـ)، معركة حطين (858هـ)، معركة عين جالوت (685هـ). ونفهم إلى جانب ذلك، أنّ الحكمة من الصوم واحدة رغم طول الزمان ورغم اختلاف الشّرائع؛ لهذا انتشرت مراكز الصوم العلاجي بشكل ملفت بعد قصة أتو Dr. Otto Buchingerjun،الذي أصيب بالتهاب في المفاصل،فلم يجد له حلاّ سوى الصوم. لتبنى فكرة المراكز على هذه الحادثة العجيبةفي أستراليا، بلغاريا ،كرواتيا، فرنسا ، ألمانيا، أمريكا وكندا .2بهذا يمكننا إذابة التجربة الذاتية في تجربة الآخر (المتقدم والغربي )،ويمكننا استخراج الجوهر الخفيّ الحقيقي للصوم؛ وهكذا فقط ننتقل من واقعة التنزيل الخاصة إلى الماهية البشريّة العامّة، ونقفز بأنفسنا من الوعي الساذج بالصوم إلى الوعي الخالص به، إلى ما هو يقيني بصورة مطلقة ونّائيّة. في الأخير نوافق الشرفي فيما ذهب إليه "لا توجد قراءة بريئة تماما "،وهذا ينطبق على قراءته أوّلا؛ لأنّ أيديولجيّة الباحث حجبت عنه الرؤية، فلم يتفاعل مع النّصوص، ولم يجهد نفسه في بلورة قراءة تفهّميّة تجعل الوقائع المشوّشة (الرّوايات المتضاربة والأحاديث الصّحيحة) حاملة فعلا لروابط منطقيّة ومعرفيّة، فحتى ظاهرة الصوم قد أفرغت من محتواها في مثل هذا التأويل المتعسّف للنّص. أما على المستوى القرائي العامّ و أمام هذا الاجتياح الواسع للنّتاج الغربي ساحة التّفكير الإسلامي، أصبح من غير الممكن التراجع عن محاولة تقييم المستورد وتسليط الضوء على مكنوناته بل حتى مضمراته؛ ذلك أنّ الخلفيّات التي تنبني عليها هذه القراءات 1 وسام الديلمي: صيام رمضان يخلص الجسم من فضلات وسموم عام كامل ، النسخة الإلكترونية من صحيفة الرياض اليومية الصادرة عن مؤسسة اليمامة الصحفية، نشر بتاريخ : 81/70/ 4782م، http://www.alriyadh.com/953608 . 2Hittisau Pension Engel ,DrEmilova's Wellness Clinic, Anti -Aging Center, Centre Nature et Vie, Fasten-Wander- Zentrale, Saint Augustine, FL - Mayr Therapy, Eastman, Qc - Centre de santé .See, Parent House of the Buchinger Method, http://www.buchinger.de/lang-en.
عدد الصفحات ١١المعيار34 جانفي8102 129 في كثير من الأحيان تتعارض مع مقومات التفكير الإسلامي، وتتصادم مع قداسة القرآن، الأمر الذي يستلزم الحفر العميق نحو اكتشاف الجذور والبواعث التي انطلقت منها كلّ قراءة تدّعي التّجديد. وهذه في الحقيقة خطوة لاكتشاف الإيجابي في خطاب الآخر قبل فضح السّلبي فيما يعرضه، إذ لا يعدم أيّ نتاج من عناصر يمكن الاستفادة منها، مقابل أخرى لا بدّ من طرحها، وهذه هي طبيعة البشر؛ كلّ في حاجة إلى تقوية خبرته عن طريق إضافة خبرات الآخرين إلى مخزونه، ورفع مستوى كفاءته في التّعامل مع المشاكل التي تعترض طريقه كلّ يوم. وككلّ المنا هج النقديّة المعاصرة، تتمتّع الفينومينولوجيا بإيجابيّات يمكن الاستفادة منها وتعاني أيضا من سلبيّات تحتاج للمعالجة، وفيما يلي إبراز لأهمها : إيجابيّا الفينومينولوجيا: - اتفقالفينومينولوجيون على اعتبار الدّين طبيعة متأصلة في كلّ إنسان، وهم في ذلك يلتقون مع السنة النّبويّة التي تقول بفطريّة التّديّن.1 - تفرّق الفينومينولوجيا بشكل حاسم بين النص في حدّ ذاته وبين فهم النص وتصور معناه؛ وبالتالي لا يتحرّج روّادها من إخضاع الممارسة التاريخيّة للإسلام للنقد والمراجعة والتقييم، بل هم على وعي بأنّ القداسة التي أضفاها الزمن على هذه الممارسة ينبغي أن لا تحجب طبيعتها البشريّة وما تتسم به من نقص ومحدوديّة، وحتى من زيغ وانحراف عن المبادىءالتي أرادت أن تكون لها وفيّة.2 - البحث في المشترك البشري عبر التعمق في كنه essenceالظواهر الدينيّةوبنياتهاstrasturesالخاصّة في كلّ شر يعة، يؤسّس لتعايش الأديان ويقضي على الشحناء والبغضاء والعنف بين مختلف الطو ائف والمذاهب داخل الدين الواحد؛ إذ تبحث الفينومينولوجيا في الإسلام "باعتباره مجموعة من القيم والمعايير والأخلاق، أهمها قيمة الرحمة مقابل قيمة المحبّ ة في الدين الإسلامي"3. - تفتح قضيّة الفهم المسبق آفاقا جديدة للبحث في مجال التّكامل المعرفي بين العلوم الدّينيّة والعلوم الأخرى، فقد غدا المجتهد مطالبا أكثر من أيّ وقت سابق بأن يكون مطّلعا على علوم ومعارف العصر، ضليعا في العلوم الدّينيّة، متحكّما في نظامه المعرفي حتىّ يتمكّن من الوصول إلى تفسير واقعي للنّصوص دون تكلّف ولا تعسّف، لكنّ تعثّر الفكر الموسوعي بسبب تفرّع التّخصّصات وكثرتها، يجعلنا نتساءل عن طبيعة التّكامل المطلوب من المجتهد وسبل تحقيقه. 1انظر،عارف مراد : المصدر السابق، ص: 22. 2 عبد المجيد الشر: الإسلام والحداثة، الناشر: الدار التونسية للنشر (تونس)، ط: الثانية (0990م)، ص: 09. 3عارف مراد : المصدر السابق، ص:65.
عدد الصفحات ١٢المعيار34 جانفي8102 130 سلبيّا الفينومينولوجيا: - يضع الفينومينولوجي نفسه موقع المتديّن ليحاول فهم الظاهرة دون إقحام آرائه المسبقة ودون فرض أيّ رؤية خارجيّة، وهذا يعني أنّ صدق أو كذب مضمون الظاهرة يقع خارج اهتمام الفينو مينولوجيا، فهي لا تحاول أبدا التمييز بين الحقيقي والزّائف بل تهتم فقط بدراسة الظواهر التي توصف بأنّّا دينيّة، في وقت يستمدّ هذا الوصف من تجارب الناس وخبراتهم وليس للمقدّس أهميّة في حدّ ذاته ؛ وفي حالتنا هذه يصبح الدين مجرّد إفراز بيئوي أسطوري أو مجرّد ميل للقلب نحو المقدّس أونزع ة عميقة لمعرفة الله، ومن ثم لا وجو د لأيّ حقيقة دينيّة سوى الشعور الذاتي بالإيمان، فكل واحد على حق طالما يحضر المقدّس في وعيه على نحو ما.وفساد ذلك بينّ ظاهر؛ ليس فقط لتلافي الحدود الفاصلة بين الأديان الوضعيّة والأديان السّماويّة بل لانتفاء المفاضلة حتى بين هذه الأخيرة. - إنّ الله في الطرح الفينومينولوجي الغربي ليس متميّزا بصفاته وأفعاله بل هو كسائر الموضوعا التي يتناولها الفكر على بساط النقد دون تحرّج أو حرمة، ومنذ أن تم تناوله كموضوع حالّ في الشعور لم يعد بينه وبين المخلوقات فارق في التحليل والتأويل ؛ فهو "الموضوع الشعوري المتغيرّ الذي يتمّ بناؤه في الإحساس الداخلي بالزمان ، موضوع من خلق الشعور ومن بنائه، موضوع من ملء الشعور لقصده "1. ومثل هذا التصوّر الذي أنتجته'الإبوخيّة' تفاديا لإقحام الفهوم الذاتية والمسبقة في دراسة الظواهر، هو ذاته شكّل خيط البداية لتكوين أيديولوجيّة أصحاب القراءة المعاصرة في الفكر الإسلامي ، فمن هنا بدأ الشّك حول تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الحدوث، وبدأ الشك في حقيقة الوحي والنبوّة، وانقلب الإسلام إلى دين واحد ومتعدّد في نفس الوقت، بل أصبح عبارة عن مجموعة من القيم والمعايير والأخلاق العاكسة لمسار الممارسة التاريخيّة لفرديّة التديّن، ثم تعالت الدعوات لإلغاء الشعائر والعبادات والمواريث والحدود ؛ لأنّ جوهر الإسلام هو الخضوع الباطني المرن الذي يحقق الغاية والحكمة السريّة للشريعة، وهو الإذعان للتعاليم الإلهية دون فرض القيود الشّ كليّة. - ثم إنّ إفراغ الظاهرة من محتواها بتعليق الحكم على جميع المعطيات يوازيه النّظر إلى النّص كفاقد للقصديّة، وهذا يؤدّي إلى تأويل فاسد مفرط يغفل مراد الشّارع؛ وآنذاك تنقلب الأدوار فيعلو الجانب البشري على الجانب الإلهي، وترجح كفّة حاجات القارئ على حساب التّعاليم الإلهيّة، بل يؤوّل كلّ واحد كيفما شاء، ليصبح الحلال حراما والحرام حلالا بغير ضابط أو موجه للفهم، وهذا مردود بكون الشريعة نزلت بغرض الفهم والتفهيم وليس بغرض التعمية والتلغيز؛ وهذا ما تقتضيه العدالة الإلهيّة ومصلحة المكلّف فعلا، فلا يقع ثواب ولا عقاب إلاّ بإعلام يصاحبه قدرة على الفهم؛ 1حسن حنفي: المصدر السابق، ص: 220 .
عدد الصفحات ١٣المعيار34 جانفي8102 131 بدليل قوله تعا:﴿وَمَا كَانَ رَ بُّ كَ مُهْلِكَ الْقُرَ ىٰحَتىَّٰ يـَبـْعَثَ فيِ أُمِّهَا رَ سُولاً يـَتـْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَ ىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ (القصص: 81)، وقوله:﴿مَّنْ عَمِلَ صَالحًِا فَلِنـَفْسِهِ ۚ وَمَنْ أَسَاءَ فـَعَلَيـْهَا ۚ وَمَا رَ بُّكَ بِظَلاَّمن لِّلْعَبِيدِ ﴾(فصلت: 86.) كما أنّ السّبب الوحيد لنزول القرآن هو القصد والإرادة الإلهيّة، وليس العبث–تعالى الله عن ذلك- ونحن نرجع إلى القرآن كما يقول سيّد قطب–رحمه الله -: "بشعور التلقي للتنفيذ والعمل، لا بشعور الدراسة والمتاع، نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منّا أن نكون، لنكون. إنّ هدفنا الأول أن نعرف: ماذا يريد منّا القرآن أن نعمل؟ ما هو التّصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور؟ كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله؟ كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة؟ ".1فلا جدوىإذن من تتبّع أيّ موضوع ديني في منأى عن قصد الشارع . خاتمة إنّ الفهم عمليّة معقّدة لم يعد مجديا التّعامل معها بتلك النّظرة الحاسمة والجزميّة المطلقة؛ فالعمليّة هنا تنأى بنفسها أن تكون بمثابة معادلة رياضيّة سهلة الحلّ، وتقرب إلى أن تكون لغزا يحتاج في فكّ خيو طه إلى عقل أكثر انفتاحا على الآخر، وأكثر هضما لمنجزاته، لا لسبب أكثر من أنّ هذا اللّغز معروض على السّاحة الإنسانيّة، ومطروح على كلّ البشر رغم تعدّد المعتقدات واختلاف التّوجّهات والمجالات. ومع تعدّد المدارس الفلسفيّة صار الباحث في الدّراسات القرآنيّ ة يواجه عدّة تحدّيات؛ من استيعاب الكمّ الهائل للتفاصيل وأطراف الموضوع في النّسخة الغربيّة، إلى متابعات التّطبيق والتّطويع داخل دائرة الفكر الإسلامي، وصولا إلى التّقييم وبيان نقاط الضّعف من القوة، وإمكانات الاستفادة من انعدام فرصها. هذا ويتطلّب الموقف وعيا كاملا بالخلفيّات والمرجعيّات التي تتأسّس عليها كلّ قراءة جديدة من أجل تمحيص وغربلة المحتوى تقبّلا لما يتوافق مع طبيعة القرآن، طرحا لما يناقض قداسته واستدراجا لما يمكن أن يقلب في صياغة تلائم كياننا ولا تتنكّر لمعتقداتنا وحضارتنا. وإذا كان هذا البحث قد انتهى إلى أنّ ما يتم تبنّيه من مبادئ مقنّعة بتفكير لاهوتي يمسّ بقداسة النص القرآني، ويتغاضى عن مصدريّته، بل يجاوز الخطوط الحمراء لهثا وراء القفز إلى دائرة اللاّ مفكّر فيه؛رغم ذلك، لا تمثّل هذه النتيجة إلاّ خطوة في مجال نقد القراءات المعاصرة للدين، ولا تمثّ ل أبدا رفضا مجملا لكلّ ما أتى به مشروعالشرفي تحديدا، أوما نظّرت له الفينومينولوجيا خصوصا من مبادئ وأساسيّات تحكم عمليّة الفهم؛بالعكس من ذلك كله، إنّ تلافي القراءة المعاصرة للعيوب والأخطاء المذكورة 1سيد قطب: معالم في الطريق، الناشر: دار الشروق (بيروت/القاهرة )، ط: السادسة (9911هـ/9191م)، ص: 91.
عدد الصفحات ١٤