المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير سورة الأنفال

محمد فريد

صفحة ١ من ٣

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 1 إسمها الأنفال : و هو أشهرها ذلك لأن السورة افتتحت بالسؤال عن الأنفال تسمى أيضا بسورة بدر و الذى سماها ذلك ابن عباس رضى الله عنهما و سميت بذلك لأن هذه السورة تتكلم عن أحداث بدر و تؤرخ لها و تبين ما وقع فيها و كيف تم نصر الله تعالى لعباده المؤمنين و تبين تلك الواقعة و ما كان فيها من معوقات للنصر و كيف أنها ذُللت بفضل الله تعالى و تبين أيضا لنا مبادئ النصر و مقوماته و تبين أسباب الفشل و أسباب الهزيمة حتى يحذرها أهل الإيمان. و تسمى بسورة الجهاد كما ذكر ذلك البقاعى رحمه الله في نظم الدرر و سميت بهذا الإسم لأنها تتحدث عن الجهاد و تبين أحكامه و تبين أحكام السلم و أن المسلمين عندهم مبادئ في حربهم و في سلمهم و تبين المقصد منه و الغاية التي شرع لأجلها و تبين كيف أن المسلمين مع ضعفهم و قلة عددهم و عدتهم كيف ينتصرون و كيف يكون جهادهم فتحث الفئة المؤمنة على أن تجاهد و على أن تستمر في ذلك و لذلك كان بعض السلف يستحسن قراءة هذه السورة على المجاهدين في سبيل الله سبحانه و تعالى . سورة الأنفال : مدنية نقل ( ابن الجوزى ) الإجماع على ذلك و حكى ( ابن العباس ) أن فيها سبع آيات مكية تبدأ من قوله تعالى : ( وَإِذْ يمَْ كُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) و أكثر أهل العلم على أنها مدنية. و نقل عن قتادة قوله أن كلها مدنية إلا قول الله تعالى : ( وَإِذْ يمَْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يقَقْتقُلُوكَ أَوْ ُُْرِجُوكَ وَيمَْكُرُونَ وَيمَْكُرُ اللََُّّ وَاللََُّّ خَيقْ رُ الْمَاكِرِينَ ) قال أنها مكية لأنها تذكر واقعة حدثت في مكة . و هذا الأمر الصحيح أن كلها مدنية و لا مانع أن تأتى الآية لتذكر بشىء حدث في مكة لتبين أن فضل الله و منته على عبده و على المؤمنين مقصد هذه السورة : تتحدث عن الجهاد و عوامل النصر و الهزيمة من خلال أحداث غزوة بدر و تتكلم على كيف يكون حال المؤمنين إذا دخلوا إلى المعركة من إنكسار حالهم لله تعالى و تفويضهم الأمر له و الإنكسار بين يديه و معرفة أن النصر من عنده لا من غيره و أن الأخذ بالأسباب على حسب المستطاع و ليس هو الجاذب للنصر و ليس القوة التي تغ لب ســـــــــــورة الأنفـــــال

عدد الصفحات ١

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 2 و ليس الإستعداد الذى ينجز ما أرادوا و ليس العدد و الكثرة هو ما يحصل المطلوب .. كل هذه أسباب و النصر الحقيقى من عند الله جل و علا . بسم الله الرحمن الرحيم ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للََِِّّ وَالرَّسُولِ فَاتقَّقُواْ اللَََّّ وَأَصْ لِحُواْ ذَاتَ بقَيْ نِكُمْ وَأَِِيعُواْ اللَََّّ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) من هم : السورة لم تتعرض لذكرهم لأن العبرة ليست بالواقعة إنما العبرة ما يُؤخذ من الواقعة . يسألونك : فيها دلالة على أن بعض المسلمين سأل النبى صلى الله عليه و سلم عن حكم الأنفال أو ِلب استعطائها منه . و لم يُذكر فلان و فلان و كأن السائل بعض المسلمين و البعض الآخر كان يحتاج هذا السؤال . الأنفال : اختُلف في تفسيرها ما هي الأنفال ؟ فقيل أن الأنفال هي الغنيمة و قيل أنها الفىء و هو ما حصل المسلمون عليه بغير قتال . و قيل الأنفال هي الأسلاب التي تدفع إلى الغزاة زائدة على سهامهم و قيل الأنفال أي الخمس سألوه عنه هذه الأقوال خلاصتها في قولين قويين : القول الثانى : ( شيء زائد يعطيه الإمام لمن شاء من الغزاة ) شيء زائد لأنها سميت أنفالا فكلمة الأنفال معناها الشىء الزائد و لذلك نحن نقول الصلاة فرض و نفل ، نفل يعنى زائد على الشىء المفروض ، فالأنفال شيء زائد على الفرض أو على الأصل . و قالوا أن هذا يعضده و كذلك مثل قوله جل و علا في شأن إبراهيم : ( وَوَهَبقْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيقَعْقُوبَ نَافِلَة وَكُلاّ جَعَلْنَا صَالحِِينَ ) قالوا يعقوب نافلة لأن إبراهيم سأل الولد فأُعطى الولد و ولد الولد زيادة على ِلبه ، فقالوا أن الأنفال زيادة على الغنيمة . القول الأول : ( الغنيمة ) هذا هو الأقرب لعدة أمور منها : - أن هذه السورة كما ذكر ابن عباس و سماها غزوة بدر فتتحدث عن غزوة بدر و هذا السؤال جاء في أعقاب تلك الغزوة و الذى حصل في هذه الغزوة هو قتال و حصول على الغنائم ، فسميت غنيمة ، فهى غنيمة في حقيقتها . لكن يرد هنا السؤال ... لماذا لم يقل الله تعالى يسألونك عن الغنائم و قال يسألونك عن الأنفال ؟ قيل سر التسمية بالأنفال لأنها زيادة على ما شُر ع له الجهاد ، الجهاد شُرع أصالة لماذا ؟ لتكون كلمة الله هي العليا فهذا هو المقصد الأول و تكون الغنيمة شيئا زائدا على الأصل من مشروعية الجهاد فجاز تسميتها بالأنفال .

عدد الصفحات ٢

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 3  و قال بعض أهل العلم أيضا و هو قول متجه أن الغنائم كانت محرمة على الأمم قبلنا ثم أُحلت لنا ، فيقال أن الله نفلها لنا ، أي أن الله زادنا هذه الغنائم و لذلك في الحديث : ((فضلتُ على الأنبياء بخمس، بعثتُ إلى الناس كافة، وادخرتُ شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرا أمامي، وشهرا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدا وِهورا، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي ). ، فالغنيمة أُحلت لنا فهى شيءٌ زائدٌ أحله الله جل و علا لنا .  نرجح أن قول الله تعا : ( يسألونك عن الأنفال ) : أن الأنفال هي الغنائم ، كيف قسمتها و على من تكون القسمة ، فأجابهم الله جل و علا . ( قل الأنفال لله و الرسول ) أي حكم الأنفال لله جل و علا و رسوله يقسمها على وفق حكم الله جل و علا لما في ذلك من المصلحة .قُلِ الأَنفَالُ للََِِّّ وَالرَّسُولِ : أى استسلمو ا أنتم و انقادوا و ليس لكم سؤال عن هذا بل الله سيحكم و رسوله صلى الله عليه و سلم يتولى قسمتها فلا تشغلوا أنفسكم بذلك ، إنما اشغلوا أنفسكم بما سيأتى . فَاتقَّقُواْ اللَََّّ : التقوى بإمتثال الأمر و اجتناب النهى . وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بقَيْنِكُمْ : وجود مثل هذه المسألة و هي السؤال عن الغنيمة و كيفية تقسيمها سيحدث منها خلاف فالصحيح أن تقطع مادة الخلاف بإرجاع ذلك إلى الله و رسوله للحكم في هذه المسألة و أما أنتم فاشغلوا أنفسكم بإصلاح ذات بينكم ، و فيها دلالة على أنه إذا بدرت بادرة قد ينشأ منها فساد ذات البين أننا مأمورون شرعا بإِفائها و إصلاح ذات بيننا و لذلك قال جل و علا ( و أصلحوا ذات بينكم و أِيعوا الله و رسوله ) فقدم إصلاح ذات البين على ِاعة الله و رسوله في الذكر و ذلك لأنه لن تحدث ِاعة مع الشقاق ، إذا كان هناك خلاف و تصادم و نفرة و تشاحن و تباغض بين المسلمين فلن تتحقق الطاعة لله و لرسوله ، و لذلك هذا السر في سؤال العلماء قدر الله ليوسف أن يترك بيت يعقوب ليُنشأ في قصر العزيز مع أن بادى الرأي أن تكون التنشئة مع نبى كق ( يعقوب علي ه السلام ) كان هو الأولى في نظرنا ، و لكن الله الحكيم يعلم أن الإنسان لا يكمل في وسط فيه بغضاء و حسد ، بل سيظل دائما يقع في مسألة قد مُكر به فيها ثم يقوم فيقع في غيرها ، أين يتفرغ لإكمال نفسه و لإعلائها و لسعة صدره و لشفافية نفسه ؟ لن يوجد ، و لذلك كان الأولى الفرار من هذا و لذلك بيتٌ ليس فيه حب لا ُرج منه إنسان سليم نفسيا و عقليا ، إنما الحب منبع الفضائل ، في الأسرة و المجتمع و الناس إذا شعر به الإنسان سينطلق ، سيكون محبا لنفسه و لمجتمعه عاملا للخير على عكس الشقاق . و أصلحوا ذات بينكم : هذا أمر و الأمر للوجوب و نحن مأمورون أولا : لا نفعل ما يجلب الشقاق و إذا وقع علينا أن نقوم بالوصل و الصلح و ألا ندع مجالا للشقاق بيننا . وَأَِِيعُواْ اللَََّّ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ : هم مؤمنين أم ليسوا بمؤمنين ؟ هم خير مؤمنين بل هم الصفوة .

عدد الصفحات ٣

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 4 و مع ذلك يُقال لهم إن كنتم مؤمنين ، فتركإذا التي تفيد التحقيق و ذكر إن التي تحتمل الشك ، شكٌ في ماذا ؟ كأن الله جل و علا يحذرهم ، يقول لهم إن خالفتم هذه الأوامر الثلاثة ، كانت هذه المخالفة ، تحملكم على الشك في الإيمان أو تنتهى بكم إلى زوال الإيمان عياذا بالله . ( تقوى الله – إصلاح ذات البين – ِاعة الله و رسوله ) من المسائل المهمة جدا ، أن تحافظ عليها و تعض عليها بالنواجذ . ( إِنمََّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللََُّّ وَجِلَتْ ققُلُوبقُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَ ادَتقْهُمْ إِيمَان ا وَعَلَى رَبههِِمْ يقَتقَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمَِِّا رَزَققْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّا لهَُّمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبههِِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِ زْقٌ كَرِيٌ (4) ) أُوْلَئِكَ هُمُ الْ مُؤْمِنُونَ حَقّا : لماذا أتى بحقا ؟ دلالة على إكتمال إيمانهم ، أنك إذا أردت أن تعرف الإيمان على حقيقته فاعرفه في هذه الخمسة صفات . ما هذه الخمس صفات ؟ الصفة الأولى : الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللََُّّ وَجِلَتْ ققُلُوبقُهُمْ بمعنى : ذُكر الله فتذكروا عظمته و قدرته و قَدروه حق قدره ، ماذا يحدث ( وجلت قلوبهم ) بمعنى خافت قلوبهم و هذا الخوف هو أقرب ما يكون إلى الخشية و لكنه مع فرار من المرهوب مِا ُافون لأن الوجل هو خوف مع فرار لماذا يفرون ؟ لأنهم يعرفون عاقبة مخالفة أمر الله عز و جل ، يعلمون عاقبة كيف ان لم يمتثلوا لأمر الله ، كيف سخطه و غضبه و عقابه فساعتها يحدث هذا الوجل ، و هذا الوجل الذى عند أهل الإيمان هو وجلٌ مِلوء بطمأنينة أيضا ، أي ليس وجلٌ فقط إنما وجل مع ِمأنينة ، فهم يوجلون أي ُافون الله و في نفس الوقت يطمأنون لوعده و يطمأنون لرحمته و يطمأنون لكرمه ، فهم يعيشون بين الخوف و بين الرجاء و تحدوهم المحبة إلى الله جل و علا . من إذا ذُكر الله خاف هل ُالف ؟ لا يمكن ُالف إلا إذا ضعف الوجل في قلبه من الله و الخشية لله جل و علا هنا تقع المخالفة . الصفة الثانية : وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُ هُ زَادَتقْهُمْ إِيمَان ا يزدادون إيمانا بتلاوة الآيات ، نلاحظ أن الله جل و علا ذكر الفعل بصيغة المبنى للمجهول و هو ما لم يسمى فاعله ، ( إذا تليت ) مبنى لما لم يسمى فاعله .. لماذا ؟ لكى يقول لك أنه إذا تليت الآيات أو ذُكر الله من أي ذاكر و من أي تال و قع التأثير ، فالآيات لها وقع و تأثير في السامع يزداد بها إيمانا أيا كان من يتلوها ، و هذه

عدد الصفحات ٤

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 5 خاصيتها . و لذلك في قول الله جل و ع( إِنَّ فيِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ ققَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُ وَ شَهِيدٌ ) ، قالو أن وجود المؤثر المقتضى ، و هذا موجود ( القرآن ) و المحل القابل ( و هو القلب الحى ) و وجد الشرط ( و ألقى السمع و هو شهيد ) و انتفت الموانع : وقع التأثير . و لذلك بعض الناس في رمضان و كل رمضان يبحث عن المسجد الذى يتأثر فيه خلف الإمام ، و التأثر يقع بأى قارىء إذا كان يحسن الق راءة ، نعم نداوة الصوت و ِلاوته شيء جيد و لكن لا يحتاج إلى البحث لأن الآيات مؤثرة و لو أنه استحضر الآيات لبكى خلف أي إمام و تأثر بتلك الآيات . فبمجرد تلاوة الآيات و تدبر المعنى يزداد المرء إيمانا ، فأول أشياء زيادة الإيمان هي تلاوة الآيات ( القرآن ) مدارسته و تدبره و تعلمه .. تزيد الإيمان و ترفعه ، و لذلك لماذا كان النبى ص لى الله عليه و سلم أجود ما يكون في رمضان ؟ و هو أجود الناس على كل حال و لكن لما وقعت المدارسة مع جبريل يتأثر ، يزداد إيمانا ، إيمانه مستحب و يزداد استحبابا فوق استحبابا ، كذلك نحن ت رى الإنسان في رمضان مدفوع للخير معان عليه ( يقرأ و يصلى و يقوم الليل ) و كأنه معان على هذه الأمور . السؤال ليس كم ختمة ختمت في رمضان ؟ كم إيمانك الذى ازداد هل صرت أخشى لله ؟ الصفة الثالثققققققققققققققققققققة : وَعَلَى رَبههِِمْ يقَتقَوَكَّلُونَ و هنا القاعدة التي مرت معنا كثيرا فتقدم هنا الجار و المجرور للتخصيص و قصر ذلك التوكل على الله جل و علا و لذلك لا يشرع أن يقول أحد توكلت على الله ثم عليك ، هذا لا يجوز لأن التوكل عبادة محضة لله جل و علا لا يشركه معه غيره . فالتوكل على الله وحده ، و لذلك في الآية الأ خرى : (وَتقَوَكَّلْ عَلَى الحَْيِه الَّذِي لا يمَُوتُ) فالتوكل و هو صدق الإعتماد القلبى على الله تعالى في جلب المنافع و دفع المضار مع الأخذ بالأسباب و لا يكون إلا لله ، و من ثمراته الإستعانة ، أنك تعلم أنه ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن و إن شاءه النا س يتوكلون : بالفعل المضارع الذى يفيد التجدد و الإستمرار الصفة الرابعققققققققققققققققققققققققققققققة : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ فهم ملازمون بأدائها بأركانها و شروِها في أوقاتها على الوجه الذى يرتضيه الله جل و علا بخشوعها و ِمأنينتها . الصفة الخامسققققققققققققققققققققة : وَمَِِّا رَزَققْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ينفقون : بصيغة المضارع تفيد الإستمرارية مِا : ما من ألفاظ العموم أي من كل شيء رزقناهم ينفقون ، فإذا رزقناهم مالا أنفقوا من أموالهم ، سواء كانت نفقة واجبة كالزكاة أو كانت نفقة مستحبة ، كذلك الصحة رزق فيساعدون المحتاج و يعاونون غيرهم و هذا أيضا من الإنفاق ، كذلك أيضا تنفق من جاهك فإذا ِلب منك رجلٌ شفاعة فتشفع له إن كانت الشفاعة حسنة فيكون لك نصيب من أجرها .

عدد الصفحات ٥

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 6 و أيضا ينفقون من علمهم فالعلم رزق بل الإيمان و العلم هما أولى رزق يُرزَقه العبد و أوفى رزق لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ) .، و لم يؤت أحد بعد الإيمان بالله تعالى أفضل من العلم ، فهو أيضا ينفق من علمه و لا يبخل به بل يعين الناس و يسد حوائجهم . مِا رزقناهم : يا من تبخل بما رزقناك إنما أعطيته منا فلا تبخل بالإمتناع ، لو أنفقت رزقناك و أعطيناك مرة أخ رى . أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّا المتصفون بهذه الخمسة أوصاف هم أهل الإيمان الحقيقى ، الكمل في إيمانهم . لهَُّمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبههِِمْ : أي في الجنة وَمَغْفِرَةٌ : مغفرة لما بدر منهم من ذنوبهم ، و المغفرة بمعنى ستر الذنوب و التجاوز عنها فلا يحاسبون بها . وَرِزْقٌ كَرِيٌ : أي يُرزقونه في الجنة ، و كلمة كري : هو ما كمل حسنه في هذا المقام ففي الآخرة الرزق كري و ال كرم في أي شيء دليل على إكتمال صفة الحسن فيه .فلذلك الجنة فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر . الآيات انتقلت مباشرة من ذكر الأنفال و الحديث عنها إلى ذكر صفات أهل الإيمان. لماذا هذه النقلة السريعة ؟ يقول أهل العلم العدول بهم عن حديث الأنفال لحديث الإيمان إيماءٌ بما يجب أن يشغلهم و تنبيه إلى ما يجدر بهم . ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بقَيْتِكَ بِالحَْقهِ وَإِنَّ فَرِيق ا مهِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)) كما أن الله انتزع منكم قسمة الغنائم بعد إختلافكم في قسمتها و تنازعكم فيها و جعلها إليه و إلى رسوله صلى الله عليه و سلم ، كذلك أمرك ربك بالخروج من المدينة ل لقاء المشركين بوحى أنزله عليك مع كراهة ِائفة من المؤمنين لذلك كان خروجه بالحق : أي بأمر الله جل و علا و بوحيه . وَإِنَّ فَرِيق ا مهِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ هذه الكراهة كراهة ِبع و ليست كراهة لأمر الله . فهى كراهة للقتال و فيه إزهاق للنفوس و سيحدث سفر و تعب و هم يكرهون ذلك . فهى كراهة ِبيعية . كما في قوله تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْ هٌ لَّكُمْ ) وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ : و هو الضمير يعود على القتال ، فالمفعول قد يكون مكروها للنفس و قد يكون فيه ألم شديد لها فهى تكرهه لذلك ، أما الكتابة فلا كراهة بل نحب أمر الله تعالى و نحب ما كتبه الله من قدر .

عدد الصفحات ٦

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 7 (يجَُادِلُونَكَ فيِ الحَْقهِ بقَعْدَمَا تقَبقَينََّ كَأَنمََّا يُسَاقُونَ إِلىَ الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) ) الحق الذين تبين ماذا ؟ الذى أُمر النبى به و هو القتال اتضحت الأمور فلم يعد أمام المسلمين إلا الحرب . كَأَنمََّا يُسَاقُونَ إِلىَ الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ : كأنما رجل يُساق إلى الموت ، فالحسابات الأرضية تقول بقلة العدد و العدة و العتاد بالقياس للكفار فتعنى موتهم ، و لكن كان هناك حسابات أخرى ، نفذ الصحابة الأمر مع إحساسهم بأنه م سيُقتلون . ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللََُّّ إِحْدَى الطَّائِفَتقَينِْ أَنقَّهَا لَكُمْ وَتقَوَدُّونَ أَنَّ غَيقْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللََُّّ أَن يحُِقَّ الحَْقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيقَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7 )) قبل غزوة بدر علم النبى صلى الله عليه و سلم بمقدم أبى سفيان من الشام و معه عير قريش عليها أموالهم فقال النبى صلى الله عليه و سلم لأصحابه : إن عير أبى سفيان قد أتت فاخرجوا حتى تستردوا بعض ما سُلب منكم في مكة .، فهم قد خرجوا للعير و هذه العير ليس معهم عسكر و لا جند يدافع عن ها ، إذا هم سيخرجون بأقل سلاح يحصلون على الغنائم و يعودا ثانية للمدينة ، الذى حدث أن أبا سفيان علم بإستعداد النبى صلى الله عليه و سلم و الصحابة للخروج إليه فأرسل رجلا يسمى ( عمرو بن ضمضم الغفارى ) إلى مكة ليأتيه بالمدد ، فذهب عمرو إلى مكة و نادى على الكفار أن أدركوا أموالكم و عيركم ، و أخذ أبو سفيان ِريق الساحل و هو ِريق لم يكونوا معتادين السير فيه ، و خرج المسلمون ليكون المسلمون بالعدوة الدنيا بقرب المدينة في جانب الوادى و هم بالعدوة القصوى و يأتي الجند . إذا العير ذهبت و أصبحت أقرب إلى مكة منهم و لم يعد أمام المسلمين إلا القتال و هم خرجوا و قد وعدهم الله إحدى الطائفتين إما العير و إما النفير و قد كانوا في قرارة أنفسهم يريدون العير و لو كان النفير إبتداء ما خرجوا ، و قد أمر الله النبى بالقتال ساعتها ، لو تُرك الأمر للمسلمين ما قاتلوا . تودون : ترغبون و تحبون غير ذات الشوكة : الشوكة : الحد و السلاح ، فغير ذات الشوكة العير ، و ذات الشوكة : تعنى الحرب و يريد الله : هم أرادوا شيئا و ودوه و أحبوه و الله أراد شيئا هم يكرهونه ، يكرهون القتال ، و القاعدة ( و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم ) ، فهم يكرهون ذلك مع أن هذه النقلة الأولى في حياة الدولة الإسلامية فهى أول معركة و سيأتى بعدها تغير كبير جدا في أوضاع المسلمين ، هذه هي البداية الحقيقية لإقامة الدولة و لذلك سميت معركة الفرقان ، فرقت بين الحق و الباِل و فرقت بين عهدين و قد بدأت الدولة تتضح معالمها . و يقطع دابر الكافرين : أي يستأصلهم جميعا .، و لذلك في هذه المعركة قُتل صناديد المشركين

عدد الصفحات ٧

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 8 الصناديد جمع صنديد و هو القوى الشجاع الشديد ، و لذلك يجوز أن يقال عن المسلم صنديد . ( لِيُحِقَّ الحَْقَّ وَيقُبْطِلَ الْبَاِِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8 )) لِيُحِقَّ الحَْقَّ : ليحق ما وعد في القرآن ، ليحق الحق بظهور الإسلام و يبطل الباِل : الشرك وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ : أي المشركون . فقد هيأ الله لهم أسباب القتال و أعانهم عليه . ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّهِ مُِِدُّكُم بِأَ لْف مهِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) ) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ : أي تطلبون الغوث و الحماية و اللجأ ، و قيل أن معناها تستنصرون : أي تطلبون النصر و الظفر على أعدائكم ، أو تستجيرون بطلب الخلاص من هذا الموقف . الإستغاثة : هي دعاءٌ و لذلك هي عبادة ، و الدعاء ِلب فهى ِلبٌ أيضا و لذلك ما تستدل به على أن الدعاء عبادة تستدل به على أن الإستغاثة عبادة . الإستغاثة مع ِلب رفع الشىء لأن هناك شيىء مكروه واقع فيحتاجون رفعه . الإستعانة : ِلب العون اللياذة : ِلب فعل الخير إِذْ تَسْتَغِيثُ ونَ : هل هذا على سبيل المدح أم على سبيل الذم ؟ مدحهم الله عز و جل أنهم يستغيثون الله عز و جل لأن الإستغاثة عبادة فنحن نستدل على أن الفعل عبادة بطريقين : الأمر الأول : إما أن يكون هناك دليل خاص يدل على أن هذا الفعل عبادة مثل ( الدعاء هو العبادة ) الأمر الثانى : أن الله جل و علا يذكره مادحا لفاعله أو راضيا عنه فهذا يدل على أنه عبادة لأن العبادة عبارة عن ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال و الأعمال الظاهرة و الباِنة الدليل على أنه عبادة : في قول الله تعالى : ( يدعوننا رغبا و رهبا ) و الدليل هنا لأن الله مدح فاعله ، و إذا مدح الفاعل فقد رضى عنه و أثنى عليه و ما أحبه الله و رضى عنه فهو عبادة . إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ : الإستغاثة للرب ، فلم يقل تستغيثون الله ... لماذا ؟ لأن إجابة الدعاء من لوازم الربو بية . و لذلك العلماء يقولون : إذا دعوت الله فقل يا رب ، و كره مالك أن يُقال يا سيدى ، و قال عندما سُأل : ما تقول فيمن يقول با سيدى ، قال : ادعو بما دعت به الأنبياء . الأنبياء في القرآن كانوا يقولون : ( ربنا – يا رب ) لم يقولوا يا سيدى . فَاسْتَجَابَ لَكُمْ : الفاء هنا للسرعة .و كلمة فاستجاب تدل على أ ن الإستغاثة دعاء ، لأن الدعاء يُستجاب له . أَنّهِ مُِِدُّكُم بِأَلْف مهِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ : سيمدهم بألف من الملائكة مردفين

عدد الصفحات ٨

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 9 مردف متتابعين أو ينزلون فرقة بعد فرقة في تتابع ( وَمَا جَعَلَهُ اللََُّّ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ ققُلُ وبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللََِّّ إِنَّ اللَََّّ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (01) ) و ما جعل هذا الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم ، و لتطمئن به قلوبكم وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ : إسلوب إستثناء و حصر يدل على أن النصر ليس له إلا ِريق واحد ، من عند الله ، فتأخذ بالأسباب المستطاعة كلها و في النهاية النصر من عند الله . نصر : عند البحث عن الكلمة في المادة في اللغة تدل على المسيل للماء الذى يروى غيره ، فكأن مصدره لله جل و علا و واصلٌ إليك و الله هو الذى يمدكم و ينصركم سبحانه و تعالى . إِنَّ اللَََّّ عَزِيزٌ حَكِ يمٌ : فالله عزيزٌ ، عز فغلب ، لأن من صفات العزيز أنه الغالب ، و عز فقهر ، و عز فامتنع ، فلا يصل إليه و لا إلى أولياؤه أحد . حَكِيمٌ : يضع الشىء في موضعه ( إِذْ يقُغَشهِيكُمُ النقُّعَاسَ أَمَنَة مهِنْهُ وَيقُنقَزهِلُ عَلَيْكُم مهِن السَّمَاء مَاء لهِيُطَههِ رَكُم بِهِ وَيُذْ هِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيقَرْبِطَ عَلَى ققُلُوبِكُمْ وَيقُثَبهِتَ بِهِ الأَقْدَامَ (00) ) الموقف رهيب هم لم يستعدوا للقتال و الكفار مستعدون و ليس معهم أسلحة و الكفار معهم أسلحةو هم يقفون في موِن لا يصلح للوقوف لأنه ليس ثابتا و ليس عندهم ماء لأنهم وقفوا في جهة يحتاجوا إلى الماء ، و عطشو ا ، و الكفار في الناحية الأخرى عندهم بئرٌ فيه ماء ، فالأمور كلها مواتية للكفار ، و ليست مواتية للمؤمنين ، فوقع الخوف ، و ساعتها بعث الله النعاس – و هو مقدمة النوم – و الخائف لا ينام ، فالإنسان إذا تملكه الخوف و رُعب لا ينام ، فالنعاس دلالة على الطمأنينة . إِذْ يقُغَشهِيكُمُ : التغشية بمعنى التغطية ، كأنه مغطى عليهم ، فليس هناك شيىء ُشونه . وَيقُنقَزهِلُ عَلَيْكُم مهِن السَّمَاء مَاء : هم كانوا يحتاجوا إلى الماء ، و الله حكيم يرى أولياءه و يعطيهم ، فقد أمرهم بالخروج و يه يىء لهم الأسباب . لذلك إذا أُمرت بشىء فاستعن بالله ، فستعان عليه بإذن الله . لهِيُطَههِرَكُم بِهِ : إحتاجوا إلى الماء للوضوء ، و الإستنجاء ، و ذهاب الأوساخ و غيرها ، فهذه أول فائدة للماء . وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ: الرجز بمعنى الوساوس ، لأن الشيطان أتى فأوقع في قلوبهم ألما ، أنهم لن يستطيعوا النصر على الكفار ، التخويف المستمر ( إنما ذلكم الشيطان ُوف أولياؤه ) . وَلِيقَرْبِطَ عَلَى ققُلُوبِكُمْ : يربط أي يثبت تلك القلوب بمشاهدة منح الله جل و علا ، لأن مشاهدة المنن تقو ى القلب و تستشعر فضل الله جل و علا عليه .

عدد الصفحات ٩

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 11 وَيقُثَبهِتَ بِهِ الأَقْدَامَ : الأرض كانت رملية فلما نزل الماء على هذا الرمل ثبت فلا يحتاجون إلى مجهود ، بل الأرض تكون ثابتة و مستقرة . ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلىَ الْمَلائِكَةِ أَنّهِ مَعَكُمْ فقَثَبهِتُواْ الَّ ذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فيِ ققُلُوبِ الَّذِي نَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فقَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنقْهُمْ كُلَّ بقَنَان (02) ) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلىَ الْمَلائِكَةِ : بمعنى يُلهم الملائكة أَنّهِ مَعَكُمْ فقَثَبهِتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ : هذه معية خاصة ، أنى معكم . كيف يقع هذا التثبيت ؟ هنا أِلق فالتثبيت يقع بأمور كثيرة جدا ، منها تبشير الملائكة للمؤمنين بالنصر ، من ها الإعانة بأنهم يقُقَتلوا معهم ، منها تقتيل الكفار و إرعابهم . سَأُلْقِي فيِ ققُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ : و هذا ما يُنصر به من أشد جند الله في النصر ، و لذلك قال الرسول صلى الله عليه و سلم : ( نُصرت بالرعب مسيرة شهر ) ... ما معنى مسيرة شهر ؟ أن النبى صلى الله عليه و سلم ُرج بجيشه فيرُعب العدو على مسيرة شهر ، و هذا من جند الله جل و علا . لماذا أُلقى الرعب في قلوبهم ؟ لكفرهم فَاضْرِبُواْ فقَوْقَ الأَعْنَاقِ : هذه أول معركة فكان لابد فيها من الإثخان ، فلابد أن ترهب هؤلاء و لا تبقى أسيرا ، لأنه لو لم تيق أسيرا يتحدث الناس بأنه لا يبقى أسيرا فيخافون من مقاتلته مرة أخرى ، و لذلك عاتب الله النبى صلى الله عليه و سلم في اتخاذه أسرى بعد ذلك . الإثخان : بمعنى التقتيل الشديد . فَاضْرِبُواْ فقَوْقَ الأَعْنَاقِ : هذه ِريقة القتال معهم وَاضْرِبُواْ مِنقْهُمْ كُلَّ بقَنَان : البنان هي المفاصل ، و سمُيت البنان بهذا الإسم من قولهم : أبنا بالمكان أي أقام فيه . البنان : هو كل ما يُ عمل به للاقامة والحياة، ولذلك هو مأخوذ من قولهم ابنَّا بالمكان أى أقمنا، والبنان يُطلق على اِراف أصابع اليد والقدمين والمفاصل فيقول : اضربوا فى هذه الأجزاء حتى ترهبوهم ارهابا شديدا . لماذا هذه العقوبة ؟ ( ذَلِكَ بِأَنقَّهُمْ شَاقُّواْ اللَََّّ وَرَسُو لَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَََّّ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَََّّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (03) ) كل هذه العقوبات لأنهم شاقوا الله و رسوله : خالفوه و خالفوا رسوله ، وَمَن يُشَاقِقِ اللَََّّ وَرَ سُولَهُ فَإِنَّ اللَََّّ شَدِيدُ الْعِقَابِ شاقوا : أى عادوا وخاصموا وخالفوا الله ورسوله فكانوا فى شِق والله ورسوله فى شق (جانب) آخر .

عدد الصفحات ١٠

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 11 (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (04 )) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ : أي هذا العذاب الدنيوى وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ : فليس العذاب فقط بالتقتيل و الرعب و لكن هناك عذاب أقوى و أبقى و هو عذاب النار . لماذا أمد الله المسلمين بألف من الملائكة ؟ ألم يكن كافيا أن يُرسل جبريل فيقتلعهم بريشة من جناحه ؟ سُأل السبكى عن الحكمة في قتال الملائكة في بدر مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه ؟ فقال : وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبى صلى الله عليه و سلم و أصحابه ، و تكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش ، رعاية لصورة الأسباب و سنتها التي أجراها الله تعالى في عباده . ( يَا أَيقُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفا فَلاَ تقُوَلُّ وهُمُ الأَدْبَارَ ) إذا قابلتم المشركين وهم كثرة يمشون بثقل فى الحركة وتقارب فى الخطى ، لكثرة عددهم . الزحف : المشى بثقل فى الحركة وتقارب الخطى ،لأن الجيش إذا كان عدده كبير فتراه من بعيد كأنه يتحرك ببطء وثقل ،فإذا لقيتموهم كذلك فلا تولوهم الأدبار ، أى لات نهزموا عنهم لأن تولية الظهر معناه أن ينهزم عنه ويفر . ( وَمَن يقُوَلههِِمْ يقَوْمَئِذ دُبقُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرهِفا لهِقِتَال أَوْ مُتَحَيهِزا إِلىَ فِئَة فقَقَدْ بَاء بِغَضَب مهِنَ اللََِّّ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) يوم يقبل عليكم المشرك ين زحفا متقاربين بثقل فليس لكم أن تفروا إلا فعلين : الأول : "إلا متحرفا لقتال" أى منعطف لقتالهم بأن يُريهم الفر مكيدة منه ولكنه يحيد عنهم حتى يوقعهم ،كما يفعل المسلمون كأن تنسحب المقدمة للمؤخرة والميمنة للميسرة ويظهرون كأنهم يفرون حتى يدخلوا العدو فى وسطهم فيقلوهم. الثانى :"متحيزا إلى فئة" ينعطف إلى فئة فى احتياج إليهم لأنه فقد من معه أو هم فى احتياج إليه ليعينهم على أمر ما. فمن ولى دبره فى غير هذين الأمرين فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير، فهذا فعل كبيرة لأنه تولى يوم الزحف وقد ذكر النبى –صلى الله عليه وسلم- أن التولى يوم الزحف من الموبقات الكبيرة التى تهلك ص احبها. الجمهور على أن الآية عامة لا تختص بمقاتلى بدر ولا بالغزوة فقط لأن بعض أهل العلم قالوا أن تحري التولى يوم الزحف كان خاصا بيوم بدر ، لماذا قالوا بالخصوصية ؟ قالوا : لأن الله –جل وعلا- قال : "ومن يولهم يومئذ" فقالوا : يومئذ أى يوم بدر.

عدد الصفحات ١١

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 12 والصحيحُ أن التنوين فى يومئذ عِوض عن جملة مضافة محذوفة تقديرها : يومئذ تلقونهم زحفا،فلا ذكر لبدر فى الآية وكذلك استدلوا بخصوصية بدر، قالوا لأن هذه أول معركة يلتقى فيها الكفار والمؤمنين فلا يمكن أن يتولى ا لمؤمنون وإلا بعد ذلك صارت وصمة عار واستجرأ عليهم الكفار ، وكذلك من الخصوصية أن الملائكة معكم فكيف تولى الدبر يومها ، فقالوا أن هذه خاصة ببدر ، والصحيح أن الآيات نزلت كلها بعد الغزوة فلا معنى لأمر المقاتلين فى بدر ألا يفروا من المعركة بعد أن انتصروا فيها، ف الصحيح أن الآية عامة. التنوين قد يكون عوضا عن كلمة /عن جملة/عن حرف: *عوض عن حرف مثل : جوار وغواش ، أصلها جوارى وغواشى *عوض عن كلمة مثل : كل و بعض ، "كلٌ إلينا راجعون" أى كل الخلق وكل عبد، "بعضٌ من بعض " أى بعض القوم من بعضِ . * عوض عن جملة : كما معنا فى هذه الآية وفى قوله تعالى:" فقَلَوْلاَ إِذَا بقَلَغَتِ الحُْلْقُومَ ( 83) وَأَنتُمْ حِينَئِذ تَنظُرُونَ أى حين بلغت الحلقوم تنظرون فهو عوض عن جملة . وهنا عوض عن جملة مضافة محذوفة تقديرها :"يومئذ تلقونهم زحفا" فلا ذكر لبدر فى الآية الأمر الآخر : أن الآيات نزلت كلها بعد المعركة فلا ذكر لبدر. مسألة النسخ فى الأنفال : كثير جدا من المفسرين يقولون نسختها آية القتال ، نسختها آية السيف وهكذا . الواقعة الوحيدة الصحيحة فى النسخ فى النسخ المتعلق بالتخفيف فى قوله تعالى :" الآَْنَ خَ فَّفَ اللََُّّ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يقَغْلِبُوا مِائقَتقَينِْ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يقَغْلِبُوا أَلْفَ ينِْ بِإِذْنِ اللََِّّ وَاللََُّّ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿66﴾ نسخت الآية :" إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يقَغْلِبُوا مِ ائقَتقَينِْ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يقَغْلِبُوا أَ لْف ا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنقَّهُمْ ققَوْمٌ لاَ يقَفْقَهُونَ ﴿65﴾" شيوخ أهل التأويل وجمهور المفسرين من بعدهم متفقون على أن الآيتين المنسوخة والناسخة تتحدثان عن وجوب الثبات وتحري الفرار أمام الكفار . الآية " يَا أَيقُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفا فَلاَ تقُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ " تتحدث عن عدم الفرار، ولكن هذه الآية مطلقة لم تُقيد متى يجوز الفرار ولا يكون عقاب ، أما هاتين الآيتين تحدثتا عن الشروط الواجبة للثبات فأتت الآيات مقيدة بالعدد فهاتين الآيتين تنهيان أولاهما عن الفرار بإِلاق "فلا تولوهم الأدبار " وتأمر الثانية بالثبات دون قيد "فاثبتوا واذكروا الله لعلكم تفلحون"

عدد الصفحات ١٢

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 13 أما هاتان الآيتان فتخصان المؤمنين على القتال وعدم الفرار مقيدا ، وقد كان القيد فى أولاهما ألا ي تجاوز المقاتلون من الكفار عشرة أمثال المقاتلين من المؤمنين ثم نُسخت هنا تخفيفا من الله عنهم ورحمة لهم فصار القيد فى الآية الناسخة ألا يتجاوز الكفار المثلين من المؤمنين . *الشافعى –رحمه الله- يقول بعد أن يورد الرواية عن ابن عباس وأخرجه البخارى فى الصحيح بهذ ا الطريق وبطريق عكرمة أيضا ، يقول الشافعى :"وهذا كما قال ابن عباس ان شاء الله ،وقد بين الله فى هذه الآية وليست تحتاج إلى تفسير فالآية واضحة جدا بالنسخ ونقول هذا لان هناك من قال بعدم النسخ" فبعض الناس يقول ان الآيتان متجاورتان فى المصحف، لان النسخ هو رفع حكم ثابت بحكم آخر متراخى عنه بدليل . الآيتان متجاورتان فى المصحف فليس بينهما فاصل زمنى يسمح بنسخ الثانية للأولى . الرد على ذلك :أولا :أن التجاور فى المصحف ليس دليلا على أن نزولهما كانا معا فإن ءايتى الصدقة بين يدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- نسخت ثانيتهما الأولى مع أنهما أيضا متجاورتان فى المصحف فى سورة قد سمع . ثانيا : أنه قد ورد فى الآثار الصحيحة :"لما نزلت عشرون صابرون منكم يغلبوا مائتين" شق ذلك على المسلمين حين فُرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف ، فقال :" لْق َقٰنَ خَفَّفَ ٱللََُّّ عَنكُمْ وَعَ لِ مَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْف ۭ ا" قال ابن عباس: فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من النصر بقدر ما خفف عنهم،فهذا الأثر واضح جدا أيضا أن الثانية نسخت الأولى اى انه كان هناك وقت وعُمل بالآية الأولى فشق عليهم فانتقلوا الى الآية الثانية. يقول كذلك : لا يقال ان الحكم الأول لا يرفع بدليل أن من شاء من المؤمنين أن يثبت أمام عشرون من الكفار فله ذلك. نقول :الذى رُفع هو وجوب الثبات أمام عشرة أمثال المسلمين لا جوارزه ، وإنما الواجب ألا يفر من اثنين ، وثانيا : إنا نرى لهذا نظيرا وهو نسخ قيام الليل فإن هذا لا يعنى أن المسلمين قد حظر عليهم قيام الليل بل يعنى أنه أصبح نافلة بعد أن كان فريضة فلمن شاء من المسل مين أيقوم من الليل حظر. ** وقد انفرد الامام الظاهرى أبو محمد على بن حزم بمذهب فى المراد بالآية وفى ادعاءه أنها محكمة ،قال ابن حزم :" وقد ادعى قوم في قوله تعالى{ :اللََُّّ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفا فَإِن يَكُنْ مِهنكُمْ مِهئَةٌ صَابِرَةٌ يقَغْلِبُواْ مِئَتقَ ينِْ وَإِن يَكُن مِهنكُمْ أَلْفٌ يقَغْلِبُواْ أَلْفَينِْ بِإِذْنِ اللََِّّ وَاللََُّّ مَعَ الصَّابِرِينَإنه نسخ لقوله تعالى{ :ضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِهنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يقَغْلِبُواْ مِئَتقَينِْ وَإِن يَكُنْ مِهنكُمْ مِهئَةٌ يقَ غْلِبُواْ أَلْفا مِهنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنقَّهُمْ ققَوْمٌ لاَّ يقَفْقَهُونَ }ولا فيه بيان نسخ، ولا نسخ عندنا في هذه الآيات أصلا ، وإنما هي فرض البراز للمشركين، وأما بعد اللقاء فلا يحل لواحد منا أن يولي دبره جميع من على وجه الأرض من المشركين إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ... والعجب مِن يقول: إن هذه الآية مبيحة لهروب واحد

عدد الصفحات ١٣

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 14 أمام ثلاثة فليت شعري من أين وقع لهم ذلك؟ وهل في الآية التي ذكروا فرارا أو تولية دبر بوجه من الوجوه، أو إشار ة إليه ودليل عليه؟ ما في الآية شيء من ذلك البتة، وإنما فيها أخبار عن الغلبة فقط، بشرط الصبر، وتبشير بالنصر مع الثبات. ولقد كان ينبغي أن يكون أشد الناس ح ياء من الاحتجاج بهذه الآيات في إباحة الفرار عن ثلاثة: أصحاب القياس المحتجين علينا بقول الله تعانْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَ ار يقُؤَدِههِ إِلَيْكَ وَمِنقْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَّ يقُؤَدِههِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُ مْتَ عَلَيْهِ قَآئِما ذلِكَ بِأَنقَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيقْنَا فيِ الأُمِهيِهينَ سَبِيلٌ وَيقَقُولُونَ عَلَى اللََِّّ الْكَذِبَ وَهُمْ يقَعْلَمُونَ جعلوا ههنا ما فوق الاثنين، بمنزلة الاثنين ولكن هكذا يفعل الله بمن ركب ردْعه واتبع هواه وأضرب عن الحقيقة جانبارص ابن حزم على اتباع الدليل ولكن تظهر شدته على المخالف فهذا كلام ابن حزم لأئمة وجمهور السلف وأما نحن فلو رأينا في الآيات المذكورة ذكر إباحة فرار لقلن ا به، ولسلمنا لأمر ربنا، ولكنا لم نجد فيها لإباحة الفرار أثرا ولا دليلا بوجه من الوجوه، وإنما وجدنا فيها أننا إن صبرنا غلب المائة منا المائتين، وصدق الله عز وجل، فليس في ذلك ما يمنع أن يكون أقل من مائة أو أكثر من مائة يغلبون العشرة آلاف منهم وأقل وأكثر، كما قال تعا كَم مِهن فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللََِّّ وَاللََُّّ مَعَ الصَّابِرِينَ تعالى ونصره عز وجل لمن صبر منا فتلك الآية التي فيها أن المائة منا تغلب المائتين، وهي إخبار عن بعض ما في الآية التي فيها أن المائة منا تغلب الألف، وهاتان الآيتان معا هما إخبار عن بعض ما في الآية التي فيها كَثِيرَة بِإِذْنِ اللََِّّ وَاللََُّّ مَعَ الصَّابِرِينَم ُص في هذه الآية عددا من عدد، بل عمَّ عموما تامها . فإن قال قليل التحصيل: فأي معنى لتكرار ذلك وما فائدته؟. _ *نحن لا نوافقه على انكاره، فإن فى الآية الأولى أمرا للرسول–صلى الله عليه وسلم- بتحريض المؤمنين على القتال ،حيث ذكر هذا الأمر فالمفهوم منه الثبات فى المعركة أوهذا على الأقل أولى مِا فهمه هو ونعنى البراز للمشرك ين ،وكذلك لا نوافقه على ما قرره بصيغة الحصر من أن الآية اخبار على الغلبة فقط بشرط النصر فإنها وان كانت بلفظ الجر إنما أريد بها الأمر لسببين : أحدهما: أنها لو كانت خبرا محضا للزم وقوع المخبر به وهو محال لأنه من الممكن ان يحدث هزيمة ولذلك الأخبار لايدخلها النسخ والا كانت كذبا،لكن النسخ فى الأمر والنهى،وكذلك قوله لقياس :"ان تأمنه بقنطار "فإن كان قنطار ونصف فهذا أولى أن يؤدى : هذا ليس بقياس أصلا ولا يقول به أحد. وأيضا من المغالطات يقول : أن تلك الآية ان المائة تغلب مائتين هى اخبار عن بعض ما فى الآية التى فيها ان المائة تغلب الاألف وهاتان اخبار عن بعض ما فى الآية الثالثة ..

عدد الصفحات ١٤

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 15 الصحيح فى الآية النسخ " فقَلَمْ تقَقْتقُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَََّّ ققَتقَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَََّّ رَمَى وَلِيُبْلِيَ ا لْ مُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَن ا إِنَّ اللَََّّ سمَِيعٌ عَلِيمٌ ﴿07﴾ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَََّّ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴿08﴾ يبين الله تعالى فضله على أهل بدر ويقول لهم أنتم لم تقتلةهم على الحقيقة ولكن الله من قتلهم لأن الله –جل وعلا- أعانكم عليهم وأرسل اليكم الملائكة فقاتلت معكم فالله جل وعلا هو الذى قتلهم " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَقٰكِنَّ ٱللَََّّ رَمَىٰ" وذلك أن النبى –صلى الله عليه وسلم- أخذ كفا من ح صى ثم قذفهم فى وجوه القوم ،كان عددهم أكثر من ألف فالله عزوجل هو من أوصلها لعين كل واحد منهم ، ولذلك قال :"وما رميت إذ رميت" رمى فى الظاهر كن الذى فعل ذلك على الحقيقة هو الله عز وجل وهذا امر بقَينهِ ولذلك قال :"وما رميت إذ رميت" ولذلك لم يقل فى الأول :"فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ولكن الله قتلهم" لأن قتلهم الكفار هذا أمر ظاهر وأثره قد يكون مضمونا وبالغا فنفاه الله بالكلية ،إنما الرمية الكل يعرف أنها لاتؤثر بالكلية فقال هنا وما رميت إذ رميت فأثبت له الرمى ظاهرا حتى لا ينفى عنه فعله "وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا" البلاء : يأتى بمعنى الاختبار ، بمعنى اختبارهم بنصرهم على عدوهم وتأتى بمعنى بلاء حسنا (بمعنى نعمة) أى أن الله أنعم عليهم بذلك مع قلة عَددهم وعُددهم . إِنَّ ٱللَََّّ سمَِيعٌ عَلِيمٌ : يسمع أقوالكم ودعاءكم ويعلم أعمالكم ويعلم ما يصلحكم . " ذَ لِكُمْ وَأَنَّ ٱللَََّّ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَقٰفِرِينَ " ذلكم أى نصره لكم ، إعطؤه تلك النعم مع غلبكم فى العدد والعُدة وكذلك أيضا من أسباب هذا النصر أن الله أضعف كيد الكافرين ( إِن تَسْتقَفْتِحُواْ فقَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتقَهُواْ فقَهُوَ خَيقْرٌ لَّكُمْ وَإِن تقَعُودُواْ نقَ عُدْ وَلَن تقُغْنَِ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئ ا وَلَوْ كَثقُرَتْ وَأَنَّ اللَََّّ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) " اختلف أهل العلم فى هذه الآية الى قولين : أن الخطاب للمشركين اى ان هذا من باب الالتفات من خطاب الله –جل وعلا- (للمؤمنين ثم للمشركين ثم للمؤمنين) لأن معانيها تدور حول التهكم بالكافرين وتوبيخهم فالمشركين استنصروا الله –جل و علا- فبعض الروايات تقول أنهم تمسكوا بأستار الكعبة حين خروجهم إلى بدر ودعوا الله قالوا :"اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين" وروى كما عند النسائى من حديث عبدالله بن ثعلبة بن صُعير قال : كان المستفتح يوم بدر أبو جهل ، وإنه قال يوم التقى القوم:"اللهم أيُنا أقطع للرحم وأتى بما لا نعرف فافتح الغد" افتح : انصر واحكم، و كان ذلك استفتاحه فأنزل الله "إن تستفتحوا" ولكن هذا حديث مرسل . لأن عبدالله بن ثعلبة له

عدد الصفحات ١٥

معهد شيخ الإسلام العلمى ( الفرقة الثانية) تفسير (سورة الأنفال) الشيخ / محمد فريد 16 رؤية ولكن لايثبت له سماع ، ولكن هذا عليه جمهور المفسرين، وان تستفتحوا اى تطلبوا الحكم والفصل فقد جاءكم حكمنا بنصر المؤمنين، فى بعض الروايات :"اللهم أيُنا ..فاحنه الغد" "وإن تنتهوا" : اى عن شرككم فهو خير لكم "وإن تعودوا" فسوف نعود مرة أخرى لنصر المؤمنين "ولن تغن عنكم فئتكم": أى جماعتكم شيئا ولو كثرت ، ووا ضح أن هذه الآية منسجمة مع هذا القول ، وهو كما قال جمهور المفسرين أنه من باب الاستهزاء والتهكم –ِلبتم النصر والقضاء أتينا به- فهذا استهزاء بهم. القول الثانى : يرى أن الخطاب للمؤمنين قالوا : لأن السياق كله للمؤمنين يعززه أن السابق واللاحق حديثعن أهل الايمان ، ويكون معنى الآية : أنتم يا معاشر المؤمنين ِلبتم القضاء بينكم وبين هؤلاء ودعوتم الله –جل وعلا- "ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق " فأتاكم الحق "وإن تنتهوا فهو خير لكم" أى لأنهم ذهبوا الى بدر وهم كارهون وكذلك أيضا تلاحوا فى مسألة الأنفال فانتُزعت منهم ، فيقول :"إن تنتهوا فهو خير لكم عن المنازعة فى الغنائم" (وهى كراهة ِبع ما تؤمرون به وليست كراهة الأمر) كراهة الأثر والشئ الواقع عليهم "وإن تعودوا نعد" أى وإن عدتم فإن الكفار سيقفون لكم بالمرصاد مرة أخرى كما قال تعالى :"وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا" فسيخر لكم عداء هؤلاء مرة أخرى حتى تفيقوا. قال تعالى :" وَلَن تقُغْنىَِ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْقئا وَلَوْ كَثقُرَتْ " فلا تعتدوا بكثرتكم وأنها ليست بشئ وأن الله مع المؤمنين ، فمن حقق الايمان كان الله معه. ** جمهور المفسرين على القول الأول وأن الآية نزلت للالتفات . وعلى سبيل التهكم بالمشركين ...لماذ ا لم يستجبالله لدعاء الكفار "وقال ربكم ادعونى استجب لكم" ؟ دعاء الكفار متعلق بمشيئة الله –عز وجل- ولذلك قال فى سورة الأنعام "بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون أليه إن شاء وتنسون ما تشركون" ولكن دعاء المؤمنين يستجيب الله له . ( يَا أَيقُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَِِيعُواْ اللَََّّ وَرَسُولَهُ وَلاَ تقَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ) أمر بطاعة الله عز وجل وِاعة رسوله والنهى عن التولى عنه وأنتم تسمعون. ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سمَِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ) سمعوا بآذانهم ولكنهم لم يسمعوا سمع التدبر والاتعاظ فلم ينتفعوا به، كما ذكرنا القاعدة: عدم الانتفاع بالشئ كأنه ليس موجود، ولذلك وصفهم الله- جل وعلا- فى أكثر من آية بأنهم صم بكم عمى. ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِه عِندَ اللََِّّ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يقَعْقِلُونَ )

عدد الصفحات ١٦