العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 511 تنمية الوازع الذاتي في القرآن الكريم
عدد الصفحات ١العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 512 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حق حمده ، والصلبة والسلبم عمى خير خمقو سيدنا محمد وعمى آلو وصحبو . أما بعد : فمقد نجح الإسلبم نجاحاً منقطع النظير في سيطرتو عمى القموب ، وتوجيو سموك الناس وتصرفاتيم توجييا مثالياً غير مسبوق ، ذلك لأن الشرائع والقوانين الوضعية عجزت عن دفع الناس إلى التوافق مع القانون طواعية عمى الرغم من قوة ىذه القوانين بحكم القوة واليالة التي ترافقيا ، فيعمل الناس عمى الاحتيال عمييا ونقضيا ، مما يستدعي تطوير ىذه القوانين بين الحين والآخر لتلبفي الخمل الحاصل . والقرآن الكريم ربى ويربي النفس الإنسانية تربية طواعية عمى الفضيمة ، وصدق الإيمان ، وتحريك الوازع وتنميتو ، وا حياء الضمير ، فمم يعتمد عمى الأساليب القسرية اعتماداً كمياً إلا في حدود يراعي فييا المصمحة العامة ، وأن الأجيزة القضائية التنفيذية وسائل مساعدة في درع المعتدين . وىذا البحث الذي حمل عنوان ( تنمية الوازع الذاتي في القرآن الكريم ) يسمط الضوء عمى المنيج القرآني في تربية الوازع الذاتي عند الأفراد والجماعات ، ولصعوبة حصر الآيات جميعاً في بحث وجيز مثل ىذا ، لذا اقتصرت عمى دراسة بعض الآيات ، تنبيياً عمى إمكانية قيام دراسة موسعة موضوعية في ىذا الخصوص تتناول آيات القرآن الكريم جميعيا . وقد قسمت ىذا البحث عمى مقدمة وثلبثة مباحث :
عدد الصفحات ٢العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 513 المبحث الأول: تعريف الوازع في المغة والاصطلبح . المبحث الثاني : الوازع الطبعي في القرآن الكريم . المبحث الثالث : تنمية الوازع الشرعي في القرآن الكريم . وختمت بحثي بخاتمة بينت فييا أىم ما جاء فيو . سائلبً المولى تبارك وتعالى أن يتقبمو منا إنو سميع مجيب الدعاء . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . وصمى الله عمى سيدنا محمد وعمى آلو وصحبو وسمم تسميما . المبحث الأول تعريف الوازع
عدد الصفحات ٣العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 514 أولاً ـ الوازع في المغة : قال ابن فارس : " الواو والزا ي والعين : بناءٌ موضوعٌ عمى غير قياس ، ووَزَعْتو عن الأمر : كفَفْتو . قال الله فَيُممْ يُوزَ ُونَ (1) ، أي يحبَس أوّلُيم عمى آخِرِىم . وجمع الوازع وَزَعَة . وفي بعض الكلبم : ما يَزَعُ السُّمطانُ أكثَرُ مِمَّا يَزَعُ القرآن ، أي : إنَّ النَّاسَ لمسُّمطان أخْوَف ... ويقال : أوْزَعَ اللهُ فلبناً الشُّكرَ : ألْيَمَو إياه . ويقال : ىو من أُوزِعَ بالشَّيءِ إذا أُولِعَ بو ، كأنَّ الله تعالى يُولِعُو بشُكْرِه . وبيا أوزاعُ من النّاس ، أي : جماعات "( 2) . وقال أبو عبيد: " والوَزَعَة : جماعة الوازع . والوازع : الذي يكفّ الناس ويمنعيم من الشر ، يقال منو : وزعتو فأنا أزعو وزعاً "( 3) . وقال الجوىري : " وزعتو أزعو وزعا : كففتو ، فاتزع ىو ، أي : كف . وأوزعتو بالشيء : أغريتو بو ، فأوزع بو ، فيو موزع بو ، أي : مغرى بو . واستوزعت الله شكره فأوزعني ، أي : استميمتو فأليمني . والوازع : الذى يتقدم الصف فيصمحو ويقدم ويؤخر .وقال الحسن : لا بدّ لمناس من وازع ، أي : من سمطان يكفيم . يقال: وزعت الجيش ، إذا حبست أوليم عمى آخرىم . وا نما سموا الكمب وازعاً ؛ لأنو يكف الذئب عن الغنم . والتوزيع : القسمة والتفريق . ويقال : توزعوه فيما بينيم ، أي تقسموه . والمتزع : الشديد النفس "( 4) . (1 ) سورة النمل : من الآية 17. (2 ) مُعْجَم مَقَايِيس المُّغَة ، لأبي الْحَسَن أَحْمَد بن فارس بن زكريا ، ( ت 395 ىـ) ، تحقيق : عَبْد السلبم ىارون ، دَار الفكر ، بَيْرُوْت ، 1399ىـ ـ1979م : مادة ( وزع ) 6 /106. (3 ) غَرِيب الْحَدِيث ، لأبي عبيد القاسم بن سَلبَّمٍ اليروي ، ( ت 224 ىـ) ، تحقيق : د . مُحَمَّد عَبْد المعيد خان ، دَار الكِتَاب العَرَبِيّ ، بَيْرُوْت ، ط1 ،1396 ىـ : 3/228. (4 ) الصِّحَاح تَاج المُّغَة وصحاح العَرَبِيّة ، لإسماعيل بن حماد الجوىري ، ( ت 393ىـ) ، تحقيق : أَحْمَد عَبْد الغَفُوْر عطا ، دَار العمم لمملبيين ، بَيْرُوْت ، لَبْنَان ، ط2 ،1407 ىـ ـ1987م : مادة ( وزع ) 2/1297.
عدد الصفحات ٤العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 515 وقال ابن منظور: " الوَزْعُ : كَفُّ النفْسِ عن ىَواىا وزَعَو وبو يَزَعُ ، ويَزِعُ وزْعاً : كفَّو فاتَّزَعَ ىو ، أَي : كَفَّ ، وكذلك ورِعْتُو "( 1) . ولا تخرج تعريفات المغويين الأخرى عن ىذه المعاني ، ويتبين من ىذا أن معاني الوزع تنحصر في ما يأتي : الكف والحبس . التفريق والتقسيم . الإليام . الولع . الجماعة . فالوازع : ىو الكاف ، أو الزاجر ، أو المانع . ثانياً ـ الوازع في الاصطلاح : لم يعرّف العمماء الوازع تعريفاً اصطلبحياً ، ولا يخرج المعنى الاصطلبحي عندىم عن المعنى المغوي . وعمى ىذا يمكن تعريف الوازع بما نقل عن الميث : بأنو " كفّ النفس عن ىواىا "( 2) . وقد ودرت ىذه المفظة في القرآن الكريم في خمسة مواضع ثلبث منيا في سورة النمل ىي : وَحُشِرَ لِسُمَيمْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ المْجِنِّ وَالإنمْسِ وَالطَّيمْرِ فَيُم ( 1 ) لِسَان العَرَب ، لأبي الْفَضْل جمال الدِّين مُحَمَّد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري ، ( ت 711ىـ) ، دَار صادر ، بَيْرُوْت ، لَبْنَان ، ط1 ،1968م : مادة ( وزع ) 8/390 . (2 ) تَيْذِيب المُّغَة ، لأبي منصور مُحَمَّد بن أَحْمَد الأزىري ، ( ت 370 ىـ) ، تحقيق : أَحْمَد عَبْد العميم البردوني ، مراجعة : عمي مُحَمَّد البجاوي ، الدار المصرية لمتأليف والترجمة ، القاىرة ، مصر ، بلب تاريخ : 3 /99.
عدد الصفحات ٥العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 516 يُوزَ ُونَ (1) . فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنمْ قَومْلِيَا وَقَالَ رَبِّ أَومْزِ مْنِي أَنمْ أَشمْكُرَ نِعمْمَتَكَ الَّتِي أَنمْعَممْتَ َمَيَّ وَ َمَى وَالِدَيَّ وَأَنمْ أَ مْمَلَ صَالِحًا تَرمْضَاهُ وَأَدمْخِممْنِي بِرَحمْمَتِكَ فِي ِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (2) . وَيَومْمَ نَحمْشُرُ مِنمْ كُلِّ أُمَّةٍ فَومْجًا مِمَّنمْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَيُم يُوزَ ُونَ (3) . وَيَومْمَ يُحمْشَرُ أَ مْدَااُ المَّوِ إِلَى النَّارِ فَيُممْ يُوزَ ُونَ (4) . وَوَصَّيمْنَا الإنمْسَانَ بِوَالِدَيمْوِ إِحمْسَانًا حَمَمَتمْوُ أُمُّوُ كُرمْىًا وَوَضَعَتمْوُ كُرمْىًا وَحَممْمُوُ وَفِصَالُوُ ثَلاَثُونَ شَيمْرًا حَتَّى إِذَا بَمَغَ أَشُدَّهُ وَبَمَغَ أَرمْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَومْزِ مْنِي أَنمْ أَشمْكُرَ نِعمْمَتَكَ الَّتِي أَنمْعَممْتَ َمَيَّ وَ َمَى وَالِدَيَّ وَأَنمْ أَ مْمَلَ صَالِحًا تَرمْضَاهُ وَأَصمْمِحمْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبمْتُ إِلَيمْكَ وَا ِنِّي مِنَ المْمُسمْمِمِينَ ( 5) . وما تجدر الإشارة إليو أن العز بن عبد السلبم قسّم الوازع عمى قسمين ، ىما : الوازع الطبعي . والوازع الشرعي . فالوازع الشرعي ، ىو كف النفس عن المحظورات ابتاعاً لمشرع ، أما الوازع الطبعي ، فيو أن يكون سبب الكف طبع الإنسان نفسو ، مثل كفّ الأم الشر عن ابنيا ، أو أن يكف الإنسان الشيء عن نفسو دفعاً لضرره . ( 1 ) سورة النمل : الآية 17. (2 ) سورة النمل : الآية 19. (3 ) سورة النمل : الآية 83. (4 ) سورة فصمت : الآية 19. (5 ) سورة الأحقاف : الآية 15.
عدد الصفحات ٦العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 517 ويقرر العز بن عبد السلبم أنالوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي ( 1) . ومن المعموم أن الوازع الطبعي أعمّ وأوسع من الوازع الشرعي من حيث الكمّ والعدد ، لاشتراك جميع الناس فيو عمى خلبف الوازع الشرعي الذي يختص بو من يطبق الأحكام الشرعية أو من تنطبق عميو . ومن ناحية أخرى ، فمدى الوازع الشرعي أعمّ من مدى الوازع الطبعي ؛ لأنو يشمل الوازع الطبعي وأمور أخرى ىي مباحة عمى أصل الطبع ، ولكن جاء الشرع ليقيدىا ، فالطبع لا يمنع من أكل أو شرب بعض المحرمات ، ولكن الشرع قيدىا بالمنع ، مثل الميتة ، ولحم الخنزير والخمر . المبحث الثاني الوازع الطبعي في القرآن بين القرآن الكريم أن الوازع قد يكون طبعياً ، أو فطرياً ، قال تعالى : وَنَفمْسٍ وَمَا سَوَّاىَا(7) فَأَلمْيَمَيَا فُجُورَىَا وَتَقمْوَاىَا (8) قَدمْ أَفمْمَحَ مَنمْ زَكَّاىَا (9) وَقَدمْ خَابَ مَنمْ دَسَّاىَا (2) ، وىذا تصوير لقابمية طبع الإنسان لمتوجيو نحو خطين متضادين : التقوى والفجور ، وما يترتب عمييما من نتائج ، وفي ىذه الآية تصريح عمى قابمية الوازع الطبعي عمى تقبل الخير والتسامي ( 1 ) ينظر: قَوَاعِد الأَحْكَام فِي مصالح الأنام . لأبي مُحَمَّد عز الدين عَبْد الْعَزِِِيز بن عَبْد السلبم السُّمَمِيّ ، ( ت 660ىـ) ، دَار الكتب العممية ، بَيْرُوْت ، بلب تاريخ : 2 / 119. (2 ) سورة الشمس : الآيات 7 ـ10.
عدد الصفحات ٧العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 518 إليو ، وىو ما عبر عنو تعالى بقولو: قَدمْ أَفمْمَحَ مَنمْ زَكَّاىَا ، وىو دلالة عمى قدرة الإنسان عمى توجيو طباعو توجيياً نافعاً لنفسو وللآخرين ، والمراد بالتزكية ، أي : من أصمح نفسو بطاعة الله تعالى ، وطيرىا من الكفر ، والمعاصي ، والأخلبق الدنيئة ، والرذائل ، ومن ذلك أيضاً قولو تعالى : قَدمْ أَفمْمَحَ مَنمْ تَزَكَّى (1) . وىذا عمى خلبفو قولو تعالى: وَقَدمْ خَابَ مَن دَسَّاىَا ،فالدسّ يعني الخسران وخيبة النفس ، وعدم طمبو ، والتماسو ليا من الصلبح من دساىا ، يعني : من دس نفسو فأىمميا ووضع بخذلاتو إياىا من اليوى ، حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله( 2) . وفي ىذا السياق أقسم الله تعالى بالنفس الموامة في قولو تعالى: لاَ أُقمْسِمُ بِيَومْمِ المْقِيَامَةِ(1) وَلاَ أُقمْسِمُ بِالنَّفمْسِ المَّوَّامَةِ (3) . وىذه النفس عمى الراجح الصحيح من الأقوال : ىي التي تموم نفسيا عمى ما فات وتندم عمى الشر لم فعمتو ، وعمى الخير لمَ لمْ تستكثر منو ، فيي لم تزل لائمة ، وا ن اجتيدت في الطاعات ، فالمبالغة في الكيف باعتبار الدوام( 4) . (1 ) سورة الأعمى : الآية 14. (2 ) ينظر: جَامِع الْبَيَان عن تأويل آي الْقُرْآن المعروف بـ ( تَفْسِيْر الطَّبَري ) ، لأبي جعفر مُحَمَّد بن جَرِير بن يزَيْد بن خالد الطَّبَري ، ( ت 310ىـ) ، دَار الفكر لمطباعة والنشر ، بَيْرُوْت ، 1405ىـ 30 / 135 ، و تَفْسِيْر الْقُرْآن العَظِيم المسمى بـ( تَفْسِيْر ابن كَثِير ) ، لأبي الفداء عماد الدِّين إسماعيل بن عُمَر كَثِير القُرَشي الدَّمَشْقي ، ( ت 774ىـ) ، دَار الفكر لمطباعة والنشر ، بَيْرُوْت ، 1401ىـ : 4/516 ، و الدُّرّ المَنْثُور ، لعَبْد الرَّحْمَن بن الكمال جلبل الدِّين عَبْد الرَّحْمَن بن أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطي ، ( ت 911ىـ ) ، دَار الفكر لمطباعة والنشر ، بَيْرُوْت ، 1993م : 8/531. (3 ) سورة القيامة : الآيتان 1 ـ2 . (4 ) ينظر: جامع البيان : 29 /174، و مَعَالِم التَّنْزِيل المعروف بـ( تَفْسِيْر البغوي ) ، لأبي مُحَمَّد الحسين بن مسعود الفراء البغوي ، ( ت 516ىـ) ، تحقيق : خالد العك ، ومروان سوار ، دَار المَعْرِفَة ، بَيْرُوْت ، ط2 ،1407 ىـ ـ1987م : 6 /181، والْجَامِع لأَحْكَام الْقُرْآن والمبين لما تضمنو من السنة وآي الفرقان ، لأبي عبد الله شمس الدِّين مُحَمَّد بن أَحْمَد بن أَبِي بَكْرٍ بن فَرْح الأنصاري الخَزْرَجي القُرْطُبي ، ( ت 671 ىـ) ، تحقيق : أَحْمَد عَبْد العميم البردوني ، دَار الشعب القاىرة ، ط2 ،1372 ىـ : 10 /
عدد الصفحات ٨العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 519 أوىي النفس المتقية التي تموم النفوس يوم القيامة عمى تقصيرىن في التقوى والمبالغة بكثرة المفعول( 1) . ويتمثل الوازع الطبعي في فعل الخصال الحميدة المتعارف عمييا ، وانعدامو في ارتكاب بعض المحظورات التي يأنف منيا الطبع السميم ، من ذلك سموك بعض أىل الكتاب الذين خانوا الأمانة ، وامتينوا الكذب ، يقول تعالى : وَمِنمْ أَىمْلِ المْكِتَابِ مَنمْ إِنمْ تَأمْمَنمْوُ بِقِنمْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيمْكَ وَمِنمْيُممْ مَنمْ إِن تَأمْمَنمْوُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيمْكَ إِلاَ مَا دُممْتَ َمَيمْوِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّيُممْ قَالُوا لَيمْسَ َمَيمْنَا فِي ااُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ َمَى المَّوِ المْكَذِبَ وَىُممْ يَعمْمَمُونَ (2) ويقول سبحانو: وَا ِنَّ مِنمْيُممْ لَفَرِيقًا يَممْوُونَ أَلمْسِنَتَيُممْ بِالمْكِتَابِ لِتَحمْسَبُوهُ مِنَ المْكِتَابِ وَمَا ىُوَ مِنَ المْكِتَابِ وَيَقُولُونَ ىُوَ مِنمْ ِنمْدِ المَّوِ وَمَا ىُوَ مِنمْ ِنمْدِ المَّوِ وَيَقُولُونَ َمَى المَّوِ المْكَذِبَ وَىُممْ يَعمْمَمُونَ (3) . فياتان الآيتان صورّتا فعلبً حسناً ، وفعلبً مستقبحاً بكل المقاييس ، الدينية والوضعية ، فالقنطار والدينار معمومان من المفظ بمجرد النطق بو وحكميما ىو الأداء عند الائتمان . 70 ، والْبَحْر الْمُحِيط ، لأبي عبد الله أثِيْر الدِّين مُحَمَّد بن يوسُف بن عمي بن يوسُف بن حَيَّان الأَِْندَلُسيِ ، الشيير بابن حَيَّان وبأَبي حَيَّان ، ( ت 754ىـ) ، مطبعة السعادة ، مصر ، 1329ىـ : 8 /384 ، و المُبَابُ فِي عُمُومِ الكِتَابِ ، لأبي حفص عُمَر بن عمي بن عادل الدمشقي الحنبمي ، ( ت 880 ىـ) ، تحقيق وتعميق : عادل أَحْمَد عَبْد الموجود ، وعمي مُحَمَّد معوض ، شارك فِي تحقيقو : د . مُحَمَّد سعد رمضان حسن ، ود . مُحَمَّد المتولي الدُّسُوقي الحرب ، منشورات مُحَمَّد عمي ، دَار الكتب العممية ، بَيْرُوْت ، ط1 ،1419ىـ ـ1998م : 19 /545 ، والدر المنثور : 7 /343 . (1 ) ينظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمرو بن أحمد الزمخشري ، ( ت 538 ىـ) ، تحقيق : عادل عبد الموجود ، وعمي عوض ، مكتبة العبيكان ، الرياض ، ط 1 ،1418ىـ ـ1998م : 4 /659. (2 ) سورة آل عمران : الآية 75. (3 ) سورة آل عمران : الآية 78.
عدد الصفحات ٩العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 520 فتأويل الكلبم : " ومن أىل الكتاب الذي إنْ تأمنو ، عمى عظيم من المال كثير ، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيو ، ومنيم الذي إن تأمنو عمى دينار يخنْك فيو فلب يؤدِّه إليك ، إلاّ أن تمح عميو بالتقاضي والمطالبة "( 1) . فسموك بعض أىل الكتاب يعبر حقيقة عن انعدام الوازع الطبعي ، إذ يفعمون ما يحمو ليم في ظل غياب الرقيب من البشر ، أو أمن العقوبة والضرر ، فينسبون الكذب إلى الله تعالى ، ويخونون الأمانة ، عمى الضد ممن كان الوازع الطبعي باعثاً لو عمى فعل المحمودات . وقد يسمك الإنسان طريقاً بحكم المواكبة والتقميد يظنو صواباً ، أو لا يعتقد وجود طريقاً خيراً منو ، ولكنو إن صدمتو الحقيقة عاد إلى رشده وتحكم فيو الوازع الطبعي ، فينياه عن التوغل في الغي . إن الوازع الطبعي فضلبً عن ىدايتو الإنسان إلى فضائل الأعمال ، فيو ييديو أيضاً للئقرار بوجود يوم الحساب ، ففي قولو تعالى : وَيمْلٌ لِممْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكمْتَالُوا َمَى النَّاسِ يَسمْتَومْفُونَ(2) وَا ِذَا كَالُوىُممْ أَو وَزَنُوىُممْ يُخمْسِرُونَ (2) . فيذه الآيات نددت بسموك مخالف لموازع الطبعي ، والمتمثل بالتطفيف في الكيل والميزان . وىذا تيديد لممطففين وا نكار لفعميم( 3) . ومن ذلك ما جاء في قصة إبراىيم الخميل ـ عَمَيْوِ السَّلبم ـ حين حطم أصناميم ، وعمّق فاسو في رقبة كبيرىم ، قَالُوا أَأَنمْتَ فَعَممْتَ ىَذَا بِآَلِيَتِنَا يَا ( 1 ) جامع البيان: 3/318. (2 ) سورة المطففين : الآيات 1 ـ3. (3 ) ينظر: التسييل لعموم التَّنْزِيل ، لمُحَمَّد بن أَحْمَد بن جُزَي الكَمْبي الغَرْنَاطي المالِكي ، ( ت 741ىـ) تحقيق : مُحَمَّد عبد المنعم اليونسي ، وا براىيم عطوة عوض ، مطبعة حسان ، القاىرة ، بلب تاريخ : 3/294.
عدد الصفحات ١٠العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 521 إِبمْرَاىِيمُ(62) قَالَ بَلمْ فَعَمَوُ كَبِيرُىُممْ ىَذَا فَاسمْأَلُوىُممْ إِنمْ كَانُوا يَنمْطِقُونَ (63 ) فَرَجَعُوا إِلَى أَنمْفُسِيِممْ فَقَالُوا إِنَّكُممْ أَنمْتُمُ الظَّالِمُونَ(64) ثُمَّ نُكِسُوا َمَى رُاُوسِيِم لَقَدمْ َمِممْتَ مَا ىَؤُلاَاِ يَنمْطِقُونَ (1) ،وقولو : فَرَجَعُوا إِلَى أَنمْفُسِيِممْ ، أي : فتفكروا وتدبروا وتذكروا أن ما لا يقدر عمى دفع المضرة عن نفسو ، ولا عمى الإضرار بمن كسره بوجو من الوجوه يستحيل أن يقدر عمى دفع مضرة عن غيره ، أو جمب منفعة لو فكيف يستحق أن يكون معبوداً ( 2) ؟ وىذه النتيجة ىي التي ييدي إلييا الوازع الطبعي ، والفطرة السميمة ، ولكن بعض الناس تبعاً لغيره ، أو تأثراً بالمنافع الدنيوية يسدر في غيو ، فيعاند ويكابر ، كما ىو الحال مع قوم إبراىيم ـ عَمَيْوِ السَّلبم ـ إذ خالفوا الفطرة ، والمنطق السميم ، والوازع الطبعي قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانمْصُرُوا آَلِيَتَكُم إِنمْ كُنمْتُممْ فَا ِمِينَ (3) . وفي ىذا السياق ، سياق المكابرة ، ومجابنة الحق ، والعدول عن الفطرة والوازع الطبعي السميم يأتي قولو تعالى ناعياً عمى ىؤلاء : وَمِنَ النَّاسِ مَنمْ يُعمْجِبُكَ قَومْلُوُ فِي المْحَيَاةِ الدُّنمْيَا وَيُشمْيِدُ المَّوَ َمَى مَا فِي قَممْبِوِ وَىُوَ أَلَدُّ المْخِصَامِ (204) وَا ِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي اارمْضِ لِيُفمْسِدَ فِييَا وَيُيمْمِكَ المْحَرمْثَ وَالنَّسمْلَ وَالمَّوُ لاَ يُحِبُّ المْفَسَادَ (205) وَا ِذَا قِيلَ لَوُ اتَّقِ المَّوَ أَخَذَتمْوُ المْعِزَّةُ بِالإثمْمِ فَحَسمْبُوُ جَيَنَّمُ وَلَبِئمْسَ المْمِيَادُ (4) ، فقولو: أَخَذَتمْوُ المْعِزَّةُ بِالإثمْمِ ، أي : حممتو الأنفة وحمية الجاىمية عمى الإثم الذي نيى عنو ( 1 ) سورة الأنبياء : الآيات 62 ـ64. (2 ) ينظر: إِرْشَاد الْعَقْلِ السَّمِيمِ إلى مزايا الْقُرْآن الكريم . لأبي السعود مُحَمَّد بن مُحَمَّد العمادي ، ( ت 982ىـ) ، دَار إِحْيَاء التُرَاث العَرَبِيّ ، بَيْرُوْت ، بلب تاريخ : 5/26 ، و رُوح المَعَانِي فِي تَفْسِيْر الْقُرْآن العظيم والسبع المثاني ، لأبي الثَّنَاء شِياب الدِّين السيد محمود بن عبد الله الآلُوسي البَغْدَادي ، ( 1270ىـ) ، دَار إِحْيَاء التُرَاث العَرَبِيّ ، بَيْرُوْت ، بلب تاريخ : 17/66. (3 ) سورة الأنبياء : الآية 68. (4 ) سورة البقرة : الآيات 204 ـ206.
عدد الصفحات ١١العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 522 لجاجاً وعناداً ( 1) . ولا يقتصر الوازع الطبعي السميم عمى فضائل الخصال ، بل أنّو ييدي إلى الإيمان بالله تعالى ، والإقرار بوحدانيتو ، يقول تعالى : أَفَلاَ يَنمْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيمْفَ خُمِقَتمْ (17) وَا ِلَى السَّمَااِ كَيمْفَ رُفِعَت (18) وَا ِلَى المْجِبَالِ كَيمْفَ نُصِبَتمْ (19) وَا ِلَى اارمْضِ كَيمْفَ سُطِحَت (2) . إن الوازع الطبعي السميم يدعو الإنسان أي إنسان إلى معرفة عمة الأشياء ومسببيا ، فالإنسان أول ما يلبحظ نفسو وما فييا من عجائب تكوينو ، وىذا التساؤل عن سرّ ىذا الخمق العظيم المكنون بين الجوانح داعٍ لذوي الفطرة السميمة لمتوصل إلى وجود خالق مقتدر ، ومن ىذا الاستدلال عمى وجود الله تَعَالَى بالتفكر بالمخموقات ذات الصمة بالإنسان ، والتي يعاينيا صباح مساء ، أو كل حين . وا نما أنزلت ىذه الآيات عمى وجو التنبيو ، والاستدلال بالمخموقات عمى كمال قدرتو سبحانو ، فالقومُ كانوا أصحابَ البوادي لا يرون شيئاً إلا السماءَ والأرضَ والجبالَ والجِمالَ ، فأَمَرىم بالنظر في ىذه الأشياء . وفي الإبل خصائص تدلّ عمى كمال قدرتو وا نعامو جل شأنو ؛ منيا : ما في إمكانيم من الانتفاع بظيورىا لمحَمْلِ والركوب ، ثم بنَسْمِيا ، ثم بمحميا ولبنيا ووَبَرِىا ، ثم من سيولة تسخيرىا ليم ، حتى ليستطيع الصبيُّ أنْ يأخذَ بزِماميا ، فتنجرّ وراءه . والإبل تصبر عمى مقاساة العَطَش في الأسفار الطويمة ، وىي تَقْوَى عمى أن تحمِلَ فوق ظيورىا الكثير َِ من الحَمولات ، ثم حِرَانُيا إذا حقدت ، واسترواحُيا إلى صوتِ مَنْ يحدوىا عند الإعياء ( 1 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن : 3/ 19-20 ، وأَنْوَار التَّنْزِيل وأسرار التأويل المعروف بـ( تَفْسِيْر البَيُضَاوي ) ، لأبي سعيد ناصر الدِّين عبد الله بن عُمَر بن مُحَمَّد الشِّيُرَازي البَيُضَاوِي الشَّافِعِيّ ، ( ت 685ىـ) ، دار الفكر ، بيروت ، 1416ىـ ـ1996م : 1/491 ، وإرشاد العقل السميم : 1/211. (2 ) سورة الغاشية : الآيات 17 ـ20.
عدد الصفحات ١٢العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 523 والتعب ، ثم ما يُعَمِّل المرءُ بما يناط بيا من بِرِّىا( 1) . وىذا التعميل لمتفكر في الإبل وغيرىا ليس فيو قسر أو التكميف بما يطاق ، فيو يتوافق مع الوازع الطبعي لمعربي البسيط في البادية ، ولا يحتاج إلى كثير تأمل وتدبر . ويؤيد ىذا ما جاء في الأثر أن راعياً كان يسير في الصحراء فرأى بَعْراً في الطريق ، فقال : إذا كان البعر يدلّ عمى البعير ، والسير يدلّ عمى المسير ، أفلب يدلّ كل ىذا الكون عمى وجود المطيف الخبير( 2) ؟ والوازع الطبعي ييدي الإنسان إلى الإقرار بيوم الحساب ، قال تعالى : أَفَحَسِبمْتُم أَنَّمَا خَمَقمْنَاكُممْ َبَثاً وَأَنَّكُممْ إِلَيمْنَا لاَ تُرمْجَعُونَ (3) ، ف يمكن أن يكون ىذا الخالق صنماً يصنعو الإنسان بيديو ، أو يكون شيئاً من الأفلبك والنجوم ، أو الأشخاص ، أو المظاىر الطبيعية وغيرىا ؛ لاَنّ كل أُولئك محدود وموجود ومخموق وناقص ، ولاَن من الأُمور الفطرية التي فطِر الناس عمييا ىو النفور من النقص ، والاتجاه نحو الكمال ، لذلك ففنّ الإنسان ينفر من كلّ نقص وعيب . وىذه الآية تنفي أن يكون خمق الخمق لعباً وباطلبً لا لحكمة ، وىي تنكر عمى الكافرين إنكارىم ليوم الحساب ( 4) . (1 ) لطائف الإشارات (تفسير القشيري ) ، لأبي القاسم عبد الكريم بن ىوازن بن عبد الممك القشيري النيسابوري الشافعي ، ( ت 465 ىـ) ، وضع حواشيو وعمق عميو عبد المطيف حسن عبد الرحمن دار الكتب العممية ، بيروت ـ لبنان ، ط1 ،1420ىـ ـ2000م : 8/72. (2 ) ينظر: مَفَاتِيح الْغَيْب المعروف بـ( التَفْسِيْر الكَبِيْر ) ، وبـ( تَفْسِيْر الرازي ) ، لأبي عَبْد المَّو فَخْرالدِّين مُحَمَّد بن عُمَر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل الشَّافِعِيّ الْمَذْىَب الرَّازي ، ( ت 606ىـ) ، دار الكتب العممية ، بيروت ، ط1 ،1421ىـ ـ2000م : 2/91. (3 ) سورة المؤمنون : الآية 115. (4 ) ينظر: لُبَاب التَّأوِيل فِي مَعَانِي التَّنْزِيل المعروف بـ( تَفْسِيْر الخازن ) ، لعلبء الدِّين عمي بن مُحَمَّد بن إبْرَاىِيم البَغْدَادي الصوفي المعروف بالخازن ، ( ت 741 ىـ) ، مطبعة مصطفى البابي الحمبي ، مصر ، ط2 ،1955م : 4/477.
عدد الصفحات ١٣العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 524 إن الوازع الطبعي يجيز لمسيد أن يحاسب عبده إن أخطأ ، ولموالد أن يحاسب ولده ، ولمرئيس أن يحاسب مرؤوسو ، وىكذا ، فمم لا يجوز لمخالق أن يحاسب عبده ، والمشركون مقرون بوجود الخالق ، وَلَئِنمْ سَأَلمْتَيُممْ مَن خَمَقَ السَّمَوَاتِ وَاارمْضَ وَسَخَّرَ الشَّممْسَ وَالمْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ المَّوُ (1) ؟ ىذا خلبف الوازع الطبعي ، وخلبف المنطق السميم . من ىذه الشواىد القرآنية يتبين أن الوازع الطبعي السميم محمود يؤدي بصاحبو إلى سبيل الفلبح ، وأن مجانبتو تؤدي بصاحبو إلى سبل اليلبك . المبحث الثالث الوازع الشرعي في القرآن خمق الإنسان وخمقت معو الشيوات ، والإنسان تتنازعو قوتان إحداىما روحية تتطمع بو إلى تشوف المثل العميا والترقي إلى مصاف الملؤ الأعمى ، وقوة جسدية ليا أشواقيا في عالم الغريزة ، وميوليا إلى أصل النشأة وتمبية الحاجات الفطرية ، وتكامل الإنسان ليس بنزع الشيوات منو ، بل بالتوفيق بين القوتين ، والمزاوجة بينيما . إن النيج القرآني بتنمية الوازع الديني خمق حالة غير مألوفة في المجتمع المسمم ، استولى فيو العقل عمى الشيوات ، وسيطرت الدوافع الخيرة عمى النزوات ، فيو لم يمغِ الغرائز والشيوات ؛ لأن في إلغائيا طمس لملبمح الشخصية الإنسانية ، بل سخّرىا لخدمة ىذه الشخصية بصيغة تفاعمية تكاممية ، ولم يخنق ىذه الغرائز بل أطمق ليا العنان مقيدة بضوابط ( 1 ) سورة العنكبوت : من الآية 61.
عدد الصفحات ١٤العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 525 أخلبقية جديدة ؛ لأن خنقيا وكبتيا يؤدي إلى ردود فعل عكسية ، منيا فقدان الثقة بالنفس ، والانطواء ، وغيرىما . ونظراً لسعة الموضوع ، وكثرة شواىده ، ارتأيت الاقتصار عمى ما يتعمق بالجانب المالي لأىميتو في حياة الفرد والمجتمع . من الشواىد عمى تربية الوازع الشرعي لدى الإنسان ، وتوجيو القرآن لمغرائز ، قولو تعالى : وَا ِنَّوُ لِحُبِّ المْخَيمْرِ لَشَدِيدٌ (1) ، فيي تقررأنَّ النفس البشرية تحبُّ المال حباً جماً ، ويؤكد ىذا قولو تعالى : وَتَأمْكُمُونَ التُّرَاثَ أَكمْلاً لَمِّا(19) وَتُحِبُّونَ المْمَالَ حُبِّا جَمِّا (2) ، فيوسبحانو جعل في طبيعة الإنسان ىذه الغريزة المتأصمة ، وىي حبو لممال ، وىذا الحب ليس سيئاً عمى الدوام ، بل ىو ضروري كي يصبر الإنسان عمى تحصيل المال ، وسير الميالي بالعمل ؛ لأن العمل تكميف عبادي شرعي ، ولكي ينفذ وظائف الخلبفة ، مع الثقة بالنفس ، والاعتزاز بالكرامة . وفي ىذا النص مذمة حب المال ، وىو جبمة في الإنسان إلاّ من ىذبو الإسلبم ، إلا أن الذم ينصب عمى شدة الحب التي تحمل صاحبيا عمى ضياع الحقوق ، أو تعدي الحدود( 3) . وقد دبّت الخصومة بين قابيل وىابيل بشأن مسألة زواج ، أيّيما يتزوج الجميمة ؟ وأييما يتزوج الدميمة ؟ فاتفقا عمى أن يقدم كل منيما قرباناً ، فأكمت النار قربان ىابيل ، وتمك علبمة القبول فتمادى الطرف الآخر في خصومتو ، ونقميا من الإطار المعنوي إلى الإطار الحسي المادي المتمثل بالقتل وَاتمْلُ َمَيمْيِممْ نَبَأَ ابمْنَيمْ آدَمَ بِالمْحَقِّ إذمْ قَرَّبَا قُرمْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنمْ أَحَدِىِمَا ( 1 ) سورة العاديات : الآية 8. (2 ) سورة الفجر : الآيتان 19 ـ20 . (3 ) ينظر: أضواء الْبَيَان فِي إيضاح الْقُرْآن بالْقُرْآن ، لمُحَمَّد الأمين مُحَمَّد المُخْتَار الجكني الشنقيطي ، ( ت 1393 ىـ ) ، عالم الكتب ، بَيْرُوْت ، ط1 ، بلب تاريخ : 9/66.
عدد الصفحات ١٥العدد الخامس والثلاثون ممجل ددالل / 2009 526 وَلَم يُتَقَبَّلمْ مِنَ ااخَرِ قَالَ اَقمْتُمَنَّكَ قَالَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ المَّوُ مِنَ المُتَّقِينَ (1) . والشواىد كثيرة جداً ، وىذا يقتضي الانتقال السريع إلى التوجيو القرآني ليذا الوازع ، يقول تعالى : زُيِّنَ لِمنَّاسِ حُبُّ الشَّيَوَاتِ مِنَ النِّسَااِ وَالمْبَنِينَ وَالمْقَنَاطِيرِ المْمُقَنمْطَرَةِ مِنَ الذَّىَبِ وَالمْفِضَّةِ وَالمْخَيمْلِ المْمُسَوَّمَةِ وَاانمْعَامِ وَالمْحَرمْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ المْحَيَاةِ الدُّنمْيَا وَالمَّوُ ِنمْدَهُ حُسمْنُ المْمَآَبِ (2) . ففي ىذه الآية بيان لأنواع مختمفة من المطامع الإنسانية والرغبات البشرية ، وىي تعبر عن حقيقة الإنسان أصدق تعبير ، فالرغبة في التممك والاستحواذ تييمن عميو منذ نعومة أظفاره ، فالطفل الصغير يحب تممك كل ما من حولو ، يودّ تممك أبويو ويكره أن يراىما يؤثران غيره بالحبّ ، يود امتلبك كل ما لاح أمامو وتحرك ، ومنيم من يمسكو ، ومنيم من يتسرب الممل إليو فيتركو ، ويشب الإنسان وتشب رغبة الاستحواذ معو ، وتزداد شدة وضراوة ، وتنوعاً وتوسعاً . وخصّ ىذه الأمور المذكورة لأنيا أعظم شيوات الدنيا وغيرىا تبع ليا ، فمما زينت ليم ىذه المذكورات بما فييا من الدواعي المثيرات ، تعمقت بيا نفوسيم ومالت إلييا قموبيم ، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: القسم الأول : جعموىا ىي المقصود، فصارت أفكارىم وخواطرىم وأعماليم الظاىرة والباطنة ليا، فشغمتيم عما خمقوا لأجمو، وصحبوىا صحبة البيائم السائمة، يتمتعون بمذاتيا ويتناولون شيواتيا، ولا يبالون عمى أي: وجو حصموىا، ولا فيما أنفقوىا وصرفوىا، فيؤلاء كانت زادا ليم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب. والقسم الثاني: عرفوا المقصود منيا وأن الله جعميا ابتلبءً وامتحاناً لعباده، ليعمم من يقدم طاعتو ومرضاتو عمى لذاتو وشيواتو، فجعموىا وسيمة ( 1 ) سورة المائدة : الآية 27 . وينظر: أضواء الْبَيَان : 7/246. (2 ) سورة آل عمران : الآية 14.
عدد الصفحات ١٦