المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تلبيس مردود في قضايا حية تحميل PDF

صالح بن حميد

صفحة ٣ من ٤

تلبيس مردود في قضايا حية 33 الحضانة ما ورد في التساؤل من أنَّ للأب حقّ الوصايّة أو الولاّيّة على الأبناء دائمًا وإنّ كانّ الأطّفال في حضانة الأم فهذا غير سديّد وليّس من حكم الشريّعة وذلك لأمريّن أساسيّين: أولهما: ليّس في القرآنّ الكريم ولاّ في سنة الرسول  له نص عام يّنص ع لى تقديم أحد الأبويّن دائمًا ولاّ في تخيّير أحد الأبويّن دائمًا . ثانيهما: العلماء متفقونّ على أنَه لاّ يّتعين أحدهما مطلقًا . وقد ترتب على ذلك خلاف في المدارس الفقهيّة مبني على النظر في مصلحة الطفل وعلى صلاحيّة الأبويّن للحضانة والوصايّة وقدرتهما على القيّام بهذه المسئوليّة. وهم متفقونّ على أنَه لو كانّ أحدهما غير صالح لذلك فلا يجوز أنّ يّتولى الحضانة أو الوصايّة.

عدد الصفحات ٣٣

تلبيس مردود في قضايا حية 34 تعدد الزوجات جاء في التساؤلاّت أنَّ من مظاهر تفوق جنس على آخر قبول تعدد الزوجات مع تحريم تعدد الأزواج. وإيّضاح الموقف من جهتين: أولهما: أنَّ اختلاف الجنس ا لبشري إلى ذكرٍ وأنثى ترتب عليّه اختلاف في الطبائع والقدرات وهذا الاّختلاف الذي لاّ يّنكر لاّ يجوز أنّ يّكونّ دليّلًا على تفوق جنس على آخر كما قررناه في الكلام على المساواة. ثانيّهما: جاءت الشريّعة الإسلاميّة بإباحة تعدد الزوجات لأنَه منسجم مع مجموعة تعاليّمها وهو منسجم كذلك مع الطبيّعة البشريّة في كلٍ من الذكر والأنثى . أما أنه منسجم مع عموم تعاليّم الشريّعة فلأنها حرمت الزنا وشددت في تحريمه ثمّ فتحت بابًا مشروعًا من وجه آخر ألاّ وهو النكاح، وأباحت التعدد فيّه، ولاّ شك أنَّ المنع من تعدد الزوجات يّدفع إلى الزنا لأنَّ عدد النس اء يّفوق عدد الرجال ويّزداد الفرق كلما نشبت الحروب، وفي وقتنا الحاضر تنوعت الأسلحة بحيّث تقضي على المتحاربين بالعشرات بل المئات في هجمة واحدة أو طّلقة مدفعيّة واحدة بل يّنال ذلك حتى غير المتحاربين، فقصر الزواج على امرأة واحدة يّؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دونّ زواج وحرمانّ المرأة من الزواج وبقاؤها عانسًا يّنتج سلبيّات كبيرة من الضيّقّ النفْسي وبيّع الأعراض وانتشار السفاح وضيّاعّ النسل. ومن جهة أخرى فإنَّ الرجل والمرأة مختلفانّ من حيّث استعدادهما في المعاشرة، فالمرأة غير مستعدة كل وقت للمعاشرة ففي الدورة الشهريّة مانع قد يّصل إلى عشرة أيّام أو أسبوعين كل شهر وفي النفاس مانع هو في الغالب أربعونّ يّومًا والمعاشرة في هاتين الفترتين محظورة شرعًا وفي حال الحمل قد يّضعف استعداد المرأة في ذلك، أما الرجل فاستعداده

عدد الصفحات ٣٤

تلبيس مردود في قضايا حية 35 واحد طّوال الشهر والعام فإذا مُنِعَ الرجل من الزيّادة على الواحدة كانّ في ذ لك حمل على الزنا في أحوال كثيرة. وممّا سبقّ يّكونّ التشريّع قد قدَر الغرائز حقّ قدرها حسب الظروف من نقص الرجال وزيّادة عدد النساء والأحوال التي تعترض المرأة فتقلل من استعدادها واستجابتها. ومقصد آخر من مقاصد الزواج وهو حفظ النوعّ الإنساني واستمرار التناسل البشري وتكويّن الأسرة المستقرة فإذا تزوج امرأة عقيّما ولم يّبح له أنّ يّتزوج غيرها فقد تعطلت الوظيّفة عن أداء غرضها وتعطل الغرض من الزواج، وإذا كانّ ذلك كذلك فإنَّ بقاءها معه والإذنّ له بالزواج من أخرى خير من طّلاقها ليّتزوج أخرى ابتغاء الولد. ثمّ إنَّ قدرة الرجل على الإنج اب أوسع بكثير من قدرة المرأة، فالرجل يّستطيّع الإنجاب إلى ما بعد الستين من العمر أما المرأة فيّقف الإنجاب عندها في حدود الأربعين سنة، فلو حُرِمَ على الرجل الزيّادة على الواحدة لتعطلت وظيّفة النسل أكثر من نصف العمر . هذه هي النظرة في إباحة الشريّعة للتعدد جاءت لدفع ضرر ورفع حرج ولتحقيّقّ المساواة بين النساء ورفع مستوى الأخلاق. ونحن أهل الشريّعة نعلم أنَّ القوانين الوضعيّة الأوروبيّة لم تعترف بهذا بل إنَها جعلته محل تَنَدُرٍ واستهجانّ ومجال طّعن على الإسلام . ولكننا بدأنا نلمس ظهور بعض القبول في نفوس مفكريّهم ودعاة الإصلاح منهم، وبخاصة مع انتشار الحروب المدمرة وتَرَمُلِ الأعداد الكبيرة من النساء وزيّادة أعداد النساء على الرجال. ويّكفي برهانًا لنا وردًا عليّهم انتشار الخليّلات فيّما بيّنهم إذ يّكونّ للرجل عدد من الخليّلات يّشاركن زوجته رجولته وعطفه وماله بل قد يّكونّ لإحداهن في هذا كله أكثر من نصيّب الزوجة. يّضم إلى ذلك شيّوعّ الزنا وما ترتب عليّه من أمراض وكثرة أبناء السفاح وقتل الأجنة في بطونّ الأمهات.

عدد الصفحات ٣٥

تلبيس مردود في قضايا حية 36 بل لقد بنوا علاقاتهم الجنسيّة على فوضى رهيّبة فأولاّد الزنا ولقطاء الفواحش تتفاحش نسبتهم حتى قاربوا في بعض أقطارهم نسبة الأولاّد الشرعيّين. وحيّنما يّرفعونّ عقيرتهم في النيّل من تشريّع التعدد فإنَّ تنقل الرجل عندهم بين لفيّف من النساء أمر مفهوم مقبول في أمزجتهم الفاسدة وقد ذكرت امرأة كندي - رئيّس أمريّكا السابقّ - أنَه كانّ لزوجها بين / 222 إ322 / صديّقة. وطّبقة الصعاليّك عندهم يّستطيّعونّ السطو على المئات من النساء فما بالك بمن فوقهم. والرجل عندهم يّدور بين جيّش من العشيّقات دونّ حرج فإذا دار بين بضع زوجات داخل سيّاج من الأخلاق المحكمة والعيّشة الكريمة وضع في قفص الاّتهام بل الحرام. إنَّ " جورج كلمنصو " نمر السيّاسة في فرنسا في وقته / 1841 - 1939 م/ وأحد رجالاّت أوربا المعدوديّن له عندهم في السيّاسة قدم راسخة وتغلب على خصوم كثير حظي بهذه المنزلة الدوليّة عندهم مع استفاضة خبثه وشهرته في نسبة الخنا إليّه وكل ذلك لم يخدش شيّئا من عظمته عندهم. لقد كانّ له ثمّانمائة عشيّقة وكانّ له أربعونّ ابنًا غير شرعي . ويّقال: إنَه عن دما علم أنَّ زوجته الأمريّكيّة خانته نهض عند منتصف الليّل ورماها في الشارعّ تهيّم على وجهها في الليّل البهيّم. وتعجبوا لماذا حرَم هذا الرجل على غيره ما استباحه لنفسه؟ . ويّقول بعض المعلقين على هذه القصة: كلمنصو - مثل كل الذئاب البشريّة - من أكثر الناس احتقارًا للمرأة ولم يّقل أحد في المرأة أسوأ ولاّ أبشع ممّا قاله هو سواءً على فراش اللهو أو على فراش المرض. (1) . (1 )صحيّفة الأهرام13 /9 /1979 م للكاتب أنيّس منصور .

عدد الصفحات ٣٦

تلبيس مردود في قضايا حية 37 بقي أنّ نشير في خاتمة هذا الحديّث إلى أنَّ الشريّعة حين أباحت التعدد اشترطّت فيّه وجوب العدل بين الزوجات في السكن والنفقة وكل مظاهر العلاقات، وإذا لم يّقم بالعدل أو خشي الظلم فإنَه لاّ يجوز له أنّ يّقدم على الزواج من أخرى . كما أنَه لاّ يجوز أنّ يّتزوج الرجل بأكثر من أربع وهذا تحديّد ظاهر لفوضى التعدد التي كانت سائدة في عصور الجاهليّة. وأخيرًا فإنَّ التعدد لمن استطاعّ العدل بين الزوجات جائز مشروعّ وليّس بواجب متحتم.

عدد الصفحات ٣٧

تلبيس مردود في قضايا حية 38 تطبيق الشريعة النظر في تطبيّقّ الشريّعة بالنسبة لغير المسلمين في بلاد الإسلام منظور إليّه من شقين: الأول: فيّما يّتعلقّ بالأحوال الشخصيّة وأحوال الأسرة فلكل ملَة ما يّعتقدونّ، وتاريّخ الإسلام الطويّل عاش فيّه اليّهود والنصارى وغيرهم ولم يّكن ثمّة مشكلة قطعًا . لاّ في حال ضعف الد ولة الإسلاميّة ولاّ في قوتها وكل الشعوب استقبلت المسلمين الفاتحين خير استقبال بدليّل أنه عند ضعف الدولة لم يخرج أحد منهم عن إسلامه بل لاّ زال إلى يّومنا هذا مستمسكًا به مدافعًا عنه غيّورًا عليّه بما في ذلك الهندي والتركي والمغربيّ والعربيّ وسائر الأجناس. بخلاف موا قفهم من الاّستعمار الأوربيّ فكانّ الصراعّ على أشده منذ دخوله إلى خروجه ويّسمَى التخلص منه حريّة واستقلالًا ولم يّكن ذلك يّومًا ما من الشعوب الإسلاميّة نحو الإسلام. الثاني: فيّما عدا الأحوال الشخصيّة، فالنظرة المنصفة تقتضي أنّ يّنظر إلى بقيّة الأحكام كسائر الأحكام في القوانين الأخرى من المعاملات والجنايّات وهل القانونّ بجميّع مواده إلاّ منع وإباحة، ويّدلك على التجني الظاهر أنّ واضع الأسئلة وصف تطبيّقّ الشريّعة بأنه دكتاتوري. بيّنما كل القوانين حيّنما تطبقّ يجب أنّ تطبقّ بقوة وهو ما يّسمى في مصطلحهم " باحترام القانونّ " فحين تحزم الدول ة أو الحكومة بتطبيّقّ النظام هل يّكونّ هذا دكتاتوريّة. وإنني أتساءل في تطبيّقّ الشريّعة في مصر أو السودانّ مثلًا ومن جملة الشعبين نصارى وحيّنما تكفل لهم أحكامهم الشخصيّة وشئونهم الأسريّة بمقتضى ديّانتهم كما أنّ للمسلمين أحكامهم الأسريّة ماذا يّريّد النصارى في البلديّن من قانونّ بعد ذلك أي فيّما عدا الأحوال الشخصيّة - هل يّريّدونّ قانونًا فرنسيًّا أو ألمانيًّا أو إيّطاليّا أو إنجليّزيًّا . النظرة المنصفة والنظرة الوطّنيّة المعقولة البعيّدة عن التحيّز أنّ يميّلوا إلى ما هو وطّني

عدد الصفحات ٣٨

تلبيس مردود في قضايا حية 39 مصري أو سوداني إنّ كانوا وطّن . فما الداعي لأنّ يّفضل نصراني مصري ال قانونّ الفرنسي أو النصراني السوداني القانونّ الإنجليّزي . ففيّما عدا الأحوال الشخصيّة وأمور العبادات فإنّ أحكام الأنظمة والقوانين المدني منها والتجاري وقوانين العقوبة تختلف من قانونّ إلى قانونّ وقد تتفقّ في بعض المواد والأحكام ولعلك تدرك بهذا المدى التحيّز والعنصريّة ضد الشريّعة الإسلاميّة والاّنحيّاز... لحضارة الرجل الأبيّض. إنّ اختلاف قوانين الدول فيّما بيّنها أمر معروف مألوف . ولكن الإلحاح بالمطالبة بإبعاد الشريّعة عن الحكم لاّ يخلو من أحد سببين: إما لأنها تعطي أتباعها الاّستقلاليّة التامة والحريّة المنشودة مع ما فيّها من كمال وشمول وصلاح ومصلحة. وإما أنه تسلط محض يّراد به الإثارة والبلبلة في المنطقة حتى لاّ تستقر ويّسهل الاّصطيّاد في الأجواء المتعكرة المضطربة. وأي دكتاتوريّة في تطبيّقّ الشريّعة والكل يّعلم من القاصي والداني أنه ما جرى استفتاء في تطبيّقّ الشريّعة إلاّ وكانت الأغلبيّة تنادي به ولكن الرجل الأبيّض وحده لاّ يّريّد ذلك بدعوى حفظ حقوق الأقليّة ويّتساءل المتسائل أيّن حقوق الأكثريّة في كثير من الدول الإفريّقيّة التي يحكمها أقليّة نصرانيّة متمكنة مسيّطرة مدعومة من القوى الخارجيّة. الحدود والعقوبات الجسدية إنّ الحدود والعقوبات - جسديّة أو غير جسديّة - ما هي إلاّ أحكام تنص عليّها الشريّعة كما يّنص على مثلها أي قانونّ في الدنيّا باعتبارها جزاءات توقع على المخالفين. ويّبقى النظر في المصالح المتحققة من جراء القانونّ ومدى إعطائه أثره ونتيّجته كحافظ للأمن مثبت لاّستقرار الناس في معاشهم وتنقلاتهم وأخلاقهم. وليّس من الإنصاف انتزاعّ مادة من قانونّ أو حكم من شريّعة وإبرازه وكأنه مثلبة في هذا القانونّ أو ذاك. ولكن نظرة الإنصاف تقتضي النظر إلى النظام كله، شروط الجريمة وتحققها وشروط إيّقاعّ الجزاء وأسباب ذلك.

عدد الصفحات ٣٩

تلبيس مردود في قضايا حية 42 على سبيّل المثال في هذه العقوبات المذكورة من القطع والرجم إنك لن تجدتاريّخ الإسلام الطويّل تنفيّذًا لها إلاّ بعدد لاّ يجاوز أصابع اليّد الواحدة ليّس لأنها غير عمليّة وإنما من أجل الأمانّ الذي تحققه الشريّعة في صرامة العقوبة ثمّ الشروط الموضوعة لتطبيّقها حيّثما تدرأ الحدود بالشبهات. وحتى يّكونّ الأمر أكثر واقعيّة نستشهد بالواقع المعاصر بقوانيّنه ونظمه. إنّ الأمم المعاصرة وبخاصة دول الغرب قد ملكت أسلحة فتاكة وأجهزة نفاذة وتقنيّات متقدمة ووسائل دقيّقة واستكشافات باهرة وبخاصة في مجال الجريمة، بحوثًا ودراسات وطّرقًا في الملاحقات وتتبع المجرمين إضافة إلى التوعيّة الإعلاميّة الواسعة للجمهور والاّستنارة بالثقافة والتقدم العلمي والوعي المعرفي للأفراد والجماعات وعلى الرغم من كل ذلك فإنّ الجريمة تستفحل ويّزداد المجرمونّ عتوًا وطّغيّانًا، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإنّ تركيّزهم منصب على استصلاح المجرمين وتهذيّب الأشرار وقد أرادوا أنّ يجعلوا من السجونّ أماكن تهذيّب وعنابر إصلاح واعتبروا المجرمين مرضى أحقّ بالعلاج منهم بالعقاب وألقوا باللائمة على عوامل الوراثة والبيّئة والفساد الاّجتماعي، وهذا حقّ لاّ يّنكر ولكن الأمر ليّس مقصورا على هذا الجانب وحده، ذلك أنّ العضو المريّض قد تكونّ المصلحة في بتره حتى لاّ يّسري مرضه إلى الجسم كله وهذا أمر مقرر عقلًا وواقعًا . والفساد الاّجتماعي ما هو إلاّ من مجموعّ فساد الأفراد. أما السجونّ فقد غلظت فيّها قلوب كثير من المجرمين وخرجوا منها في ضراوة أشد وشقاوة أعظم ومن اليّسير أنّ يّتعاونّ اللصوص والقتلة في رسم الخطط ويجعلوا من السجن ساحات ممّهدة للتدارس وتقاسم المهمات يّشاركهم في ذلك إخوانّ لهم في الغي خارج القضبانّ. وأنت ملاحظ مدرك أنّ فكرة الهدف الإصلاحي للمجرمين والمعالجات الليّنة قد مضى عليّها أكثر من نصف قرنّ ومع هذا فالإجرام في تزايّد مطرد فما كانّ هذا الهدف إلاّ وهمًا وسرابًا .

عدد الصفحات ٤٠

تلبيس مردود في قضايا حية 41 إنّ المجتمع الإنساني المعاصر بما فيّهم العالم المتحضر قد بلغ ذروة من الاّستهتار والاّستباحة والاّسترخاص للدماء والأموال والأعراض جعلت العقوبات في التشريّعات الوضعيّة ضعيّفة هزيّلة بجانب سوء صنائع هؤلاّء العتاة المجرمين . أي رحمة أو تهذيّب يّستحقها هؤلاّء القتلة والسفاكونّ، وهل كانّ هؤلاّء رحماء بضحايّاهم الأبر يّاء؟ وهل كانوا رحماء بالمجتمع كله بل تطور الأمر كما هو مشاهد إلى تطور المجرمين في وسائلهم فصاروا يّشكلونّ العصابات التي تفوق أحيّانًا في إمكاناتها ووسائلها وتجهيّزاتها الدول والحكومات ولاّ أدري أي عقاب سوف يّنزله هؤلاّء الرحماء بتجار المخدرات الذيّن لاّ نزال نسمع ازديّاد أخبارهم واستفحال إجرامهم حتى أصبحوا ظاهريّن غير متستريّن بل صاروا يّفاوضونّ الحكومات والجهات المختصة علنًا؟؟ وبناءً على ما سبقّ فإنّ العلم والثقافة والحضارة في صورتها الراهنة عاجزة عن دفع الأخطار عن الإنسانّ الذي يّعيّش حيّاة الخوف والإرهاب على الأرض وفي الجو والبحر وفي المنزل والمكتب والمصنع والشارعّ. ومجرم اليّوم كما أسلفت مزود بالعلم والمعرفة ويّتطور مع تطور أنظمة الشرطّة وتجدد أساليّب الملاحقة والمتابعة ويخطط كما يخطط رجال الأمن والكل في صراعّ لاّ يّفصله إلاّ العقاب الزاجر العادل أفلا يّفقهونّ.. ! وأخيرًا فإنّ هناك عقوبات جسديّة تطبقها بعض القوانين المعاصرة وأبرزها عقوبة الإعدام بل هذه العقوبة كانت ملغاة في بعض القوانين ثمّ عادوا إليّها وفي كتابنا نحن المسلمين عبارة جامعة قاطّعة {         } (1) . سورة المائدة آيّة52 . (1 )سورة المائدة آيّة : 52 .

عدد الصفحات ٤١

تلبيس مردود في قضايا حية 42 الجهاد في سبيل ا الكلام في الجهاد سوف يّتضمن حديّثًا عن القوة وضرورتها للفرد والمجتمع والأمة، ويّتضمن كذلك بيّانّ طّبيّعة الإسلام وافتراقه عن الديّانات الأخرى، ومفهوم الأمة الإسلاميّة واختلافها عن مفهوم الأمة السائد لدى كتّاب الاّجتماعّ ودارسي التاريّخ ثمّ التنبيّه كذلك على مغزى الجهاد في الإسلام واختلافه عن مفهوم كلمة الحرب أو القتال المجرد وسرُ اقترانّ لفظة " الجهاد " بلفظة أخرى، تحدد مفهومها وهي " في سبيّل الله... ". القوة: القوة شيء محمود وأمر مطلوب وهي صفة تتعلقّ بها النفس البشريّة وتحبها. والإنسانّ حيّنما يّأخذ أموره بحزم ويّنجز أعماله ويّديّر شئونه بقوة فإنه منجز ما يّريّد سواء في ذلك القوة الفكريّة أو القوة العلميّة أو القوة الماديّة. فالبدنّ القوي والرأي القوي والشخصيّة القويّة كلها صفات مستحبة. ومعلوم أنّ وجه الاّستحباب والاّستحسانّ إذا كانّ في طّرق الخير ووجوه المنفعة للنفس والناس أجمعين. والدولة القويّة تحفظ مهابتها ما دامت هذه الصفة ملازمة لها. وهذه سنة إلهيّة من السنن التي تبنى عليّها الحيّاة فلا خير في حقّ لاّ نفاذ له ولاّ يّقوم حقّ ما لم تسانده قوة تحفظه وتحيّط به. وما فتئت أمم الدنيّا ودولها تعد لنفسها القوة بمختلف الأساليّب والأنواعّ حسب ظروف الزمانّ والمكانّ وعصرنا الحاضر تفتقت أذهانّ أبنائه عن أنواعّ من القوى وأساليّب من الاّستعداد فاقت كل تصور، هذه مقدمة في القوة وأهميّتها. ومقدمة أخرى تتعلقّ بطبيّعة الإسلام وأه له، أما الإسلام فيّخطئ غير المسلمين وبخصوص النصارى والغربيّونّ من بعدهم حين يّظنونّ أنّ الإسلام ملة مقصورة على مجموعة من العقائد الغيّبيّة والشعائر التعبديّة ممّا يجعل الإسلام في مفهومهم لاّ يّعدو أنّ يّكونّ مسألة شخصيّة يختار الإنسانّ لنفسه ما شاء من عقيّدة وديّانة يّعبد ربه بأي طّريّقّ

عدد الصفحات ٤٢

تلبيس مردود في قضايا حية 43 رضيّها لنفسه لاّ يّعدو الأمر عندهم غير ذلك ولكن الإسلام في معناه ومرماه غير ذلك فهو اعتقاد صحيّح في القلب - إيمانًا بالله إلها واحدًا لاّ يّستحقّ العبادة سواه موصوفًا بصفات الكمال منزهًا عن كل عيّب ونقص - وهو إلى جانب ذلك شريّعة حاكمة شاملة لكلَ ما يحتاجه البشر في نفسه ومجتمعه في سلمه وحربه في تعامله مع أهله والقريّب والبعيّد والعدو والصديّقّ في شرائع وأحكام وآداب تشمل النظم السيّاسيّة والاّجتماعيّة والخلقيّة والاّقتصاديّة وسائر شئونّ الدنيّا. وأما أهل الإسلام فليّسوا أمة على المعنى المصطلح عندهم والذي يّعني طّائفة من الناس توافقت فيّما بيّنها وتآلفت في خصائص معيّنة، ولكن أمة الإسلام تضم كل من اعتنقّ الديّن من أي جنس أو لونّ أو قطر في الشرق وفي الغرب. حقيقة الجهاد انطلاقًا من هذا الإيّضاح لمفهوم النِحلة والأمة . يّتبين أنّ الإسلام ليّس بتلك النِحلة الضيّقة وأهلَ الإسلام ليّسوا بتل ك الأمة المنحصرة في نفسها وبناء عليّه فإنّ الجهاد مشروعّ لنشر الحقّ وليّدخل الناس في الإسلام كافة. وفي هذا الصدد يحسن التنبيّه إلى أنّ المصطلح الإسلامي هو " الجهاد " وليّس الحرب أو القتال. فلفظ الحرب غالبًا ما يّراد بها القتال الذي يّشب لهيّبه وتستعر ناره بين الرجا ل والأحزاب والشعوب لمآرب شخصيّة وأغراض ذاتيّة وأهداف ماديّة والقتال المشروعّ في الإسلام ليّس من هذا القبيّل وليّس لهذه الأغراض ولاّ لتلك الأهداف. الإسلام لاّ يّنظر إلى مصلحة أمة دونّ أمة ولاّ يّقصد إلى النهوض بشعب دونّ شعب ولاّ يّهمه في قليّل ولاّ كثير أنّ تملك أرض ويّستولي عليّها هذا القائد أو ذاك ولكن المقصود هو سعادة البشر وفلاحهم فكل توجه غير هذا وكل أهداف سوى هذا فلا اعتبار لها في الإسلام بل لاّ بد من مقاومتها حتى يّكونّ الديّن كله لله والأرض كلها لله ويّرثها الصالحونّ من عباد الله والجهاد الإسلامي يّتوجه من أجل ذلك كله لاّ لتستبد أمة بالخيرات

عدد الصفحات ٤٣

تلبيس مردود في قضايا حية 44 أو يّنفرد شعب بالثروات بل ليّنتفع الجنس البشري كله بأجمعه بالسعادة البشريّة تحت رايّة الإسلام. ومن هنا فتستخدم القوى والوسائل لتحقيّقّ ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ثمّ الجهاد بمعناه العميّقّ. بعد هذا الإيّضاح لمعنى الجهاد وسر اختيّار هذه الكلمة على غيرها من مرادفاتها والتي تعني بذل الجهد والطاقة لاّ بد من التنبيّه إلى كلمة لصيّقة بها في المصطلح الإسلامي ألاّ وهي عبارة " في سبيّل الله ". إنها تحدد بجلاء المقصود من هذه القوة الإسلاميّة، إنه شرط لاّ يّنفك عنه أبدًا بل لو انفك عنه لبطل المصطلح ولفسد الأمر واضمحل الهدف. إنّ معنى " في سبيّل الله " أنّ كل عمل يّقوم به المسلم يّقصد به وجه الله ثمّ المصالح العامة وسعادة الأمة فهو في سبيّل الله، فإنفاق المال في وجوه الخير والبر إذا قصد به المنفقّ منافع دنيّويّة أو ثناء الناس فهو ليّس في سبيّل الله حتى ولو دفعه إلى مسكين أو معوز. " في سبيّل الله " مصطلح يّطلقّ على الأعمال التي تؤدى خالصة لوجه الله من غير أنّ يّشوبها شيء من شوائب الأهواء والشهوات، والجهاد ما قُيِّد بهذا القيّد إلاّ للدلاّلة على هذا المعنى. فالجهاد الإسلامي الحقّ لاّ بد أنّ يّكونّ مجردًا من كل غرض مبرءًا من كل هوى أو نزعات شخصيّة، لاّ يّقصد إلاّ تأسيّس نظام عادل يّقوم عليّه الناس بالقسط يّنشر الحقّ ويّنصر العدل. وفي النص القرآني: {              } (1) .النساء76 . (1 )سورة النساء آيّة : 76 .

عدد الصفحات ٤٤

تلبيس مردود في قضايا حية 45 وفي النص النبوي: { من قاتل لتكونّ كلمة الله هي العليّا فهو في سبيّل ا... } (1) البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد. والقرآنّ والسنة ممّلوءانّ ببيّانّ هذا المعنى وتأكيّده وضرورة التزامه. أمم الأرض والقوة إذا كانّ هذا هو مفهوم الإسلام وأمة الإسلامٍ ومفهوم الجهاد في سبيّل الله . وكانت القوة أمرا لاّزمًا للأمة والأفراد لتستقيّم الحيّاة بماديّاتها ومعنويّاتها . فلا غرو أنّ تكونّ الأمم والشعوب على طّول التاريّخ تحب القوة وتستعد بها لتحفظ مكانتها وتعيّش حيّاتها كريمة مصانة. وأحب أنّ أنبه في خاتمة المطاف إلى تلك القوى الشريّرة التي صحبت الاّستعمار في كل تاريخه، تلك القوى والحروب التي أثارها المستعمرونّ على الأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها وجاسوا خلال الديّار يّبحثونّ عن أسواق لبضائعهم وأراضٍ لاّستعمارهم ليّستبدوا بمنابع الثروات ويّفتشوا عن المناجم والمعادنّ وما تغله أرض الله الواسعة من حاصلات غذاء لبطونهم ومددًا لمصانعهم ومعاملهم من دونّ أصحابها الأصليّين . يّبحثونّ عن ذلك وقلوبهم ملأى بالجشع ونفوسهم مفتوحة بالشره تتقدمهم دبابات مجنزرة وفوق رءوسهم طّائرات في جو السماء محلقة بآلاّف مؤلفة من العساكر المدربة يّقطعونّ على البلاد سبل رزقها وعلى أهاليّها الوادعين طّريّقهم إلى الحيّاة الكريمة، لم تكن حروبهم في سبيّل الله ولكنها في سبيّل الشهوات الذاتيّة والأهواء الأنانيّة. حملات وغارات على شعوب آمنة لم يّكن ذنبها إلاّ أنّ الله قد أنعم عليّهم بمعادنّ الأرض وكنوزها، معادنّ في الباطّن وخصبَاَ في الظاهر . أو أنّ تكونّ سوقًا لبضائعهم ومتنزهًا لبني جلدتهم الذيّن (1 )البخاري العلم (123) ، مسلم الإمارة (1924) ، الترمذي فضائل الجهاد (1646) ، النسائي الجهاد (3136) ، أبو داود الجهاد(2517) ، ابن ماجه الجهاد(2783) ، أحمد(4/392) .

عدد الصفحات ٤٥

تلبيس مردود في قضايا حية 46 لفظتهم أرضهم. والأدهى والأمر أنهم قد يّغيرونّ على بلاد آمنة لمجرد أنها تقع في طّريّقّ بلاد قد استولوا عليّها من قبل. ولكن أظهروا في هذه الأيّام تحضرًا واستمساكًا بالقوانين الدوليّة والمواثيّقّ فإنهم ما اطّمئنوا إلى ذلك إلاّ بعد ما ثبتوا أقدامهم ورتبوا أنفسهم ولو اختل شئ من ذلك لما حفظوا عهدًا ولما التزموا بقانونّ وإنّ لهم من ا لبراعة في تفسير القوانين والتواءات العبارات ما يجعل لهم ألف مخرج وألف معبر ناهيّك بما أعدوا به أنفسهم من فنونّ الأسلحة الفتاكة ممّا لاّ يخطر على بال الشيّطانّ الرجيّم من متفجرات نوويّة وهيّدروجيّنيّة وجرثوميّة وكيّميّائيّة. ومع هذا تجد من يّثير قضيّة الجهاد الإسلامي مصحوبة بتلفيّقّ من صور شراسة الطبع والخلقّ والهمجيّة وسفك الدماء وما ألقى القنبلة الذريّة في هيروشيّما إلاّ أكبر دولة متقدمة. فيّا ليّت أنهم قالوا كلمة صادقة لوجه الله وفي سبيّل الله.. ! والله ولي التوفيّقّ وهو يّهدي إلى الحقّ وإلى طّريّقّ مستقيّم. وكتبه صالح بن عبد الله بن حميد مكة المكرمة

عدد الصفحات ٤٦

تلبيس مردود في قضايا حية 47 أهم المصادر 1 - سيرة ابن هشام. 2 - مجموعّ فتاوى شيّخ الإسلام ابن تيّميّة. 3 - تاريّخ ابن كث " البدايّة والنهايّة ". 4 - حقوق الإنسانّ لمحمد الغزا. 5 - حقوق الإنسانّ وحريّاته الأساسيّة. / د. عبد الوهاب عبد العزيّز الشيّشاني. 6 - أصول النظام الاّجتماعي في الإسلام / محمد الطاهر بن عاشور. 7 - هذا ديّننا/ محمد الغزالي. 8 - التشريّع الجنائي/ عبد القادر عوده. 9 - الجهاد في سبيّل ا/ أبو الأعلى المودودي. 12 - هذه مشكلاتهم/ محمد سعيّد رمضانّ البوطّي. 11 - الكشاف الفريّد عن معاول الهدم ونقائض التوحيّد / خالد محمد علي الحاج.

عدد الصفحات ٤٧

تلبيس مردود في قضايا حية 48 الأسئلة أسئلة حول الحريات: كيّف يمكن التوفيّقّ بين حريّة التفكير والاّعتقاد التي منحها الله للإنسانّ وبين منعه (مع استخدام العقوبة القصوى وهي القتل) من تغيّير ديّنه وإنّ كانّ هذا التغيّير قد نجم عن قرار شخصي نابع عن تفكير عميّقّ ولأسباب جديّة؟ المسلمونّ يّعتبرونّ من الطبيّعي جدًا أنّ يّعترف النصارى بحقّ أخوتهم في العقيّدة في اعتناق الإسلام.. ألاّ يمكن للمسلمين الراغبين في دخول النصرانيّة من التمتع بالحقّ نفسه، إقرارًا للحريّة التي منحها الله للإنسانّ؟ هل الإسلام على استعداد - في البلاد الإسلاميّة - لمنح المسيّحيّين تلك الحريّات التي يّتمتع بها المسلمونّ في البلاد المسيّحيّة، بما في ذلك دخول المساجد والتعبير الحر عن ديّنهم ودعوة الجماهير لاّعتناق العقيّدة المسيّحيّة؟ كيّف يّكونّ منطقيّا التأكيّد بأنّ الله قد منح الحريّة بالتساوي للرجل والمرأة، ثمّ تمتنع المرأة المسلمة من اختيّار الرجل الذي ترغب في الزواج منه، إنّ لم يّكن مسلمًا؟ كيّف يمكننا تفسير العقوبات الجسديّة كقطع يّد السارق أو الجلد أو الرجم، وهي المبيّنة في بعض الآيّات القرآنيّة؟ أسئلة حول المساواة: ما معنى الدفاعّ عن تفوق الإنسانّ الحر على العبد، دونّ إدانة للعبوديّة أو القضا ء عليّها؟ لماذا يّقال بأنّ الله قد خلقّ البشر سواسيّة في الحقوق والواجبات، بيّنما تقبل عدم المساواة لأسباب ديّنيّة؟ كما يّعلن عن تفوق المسلم على غير المسلم وإنّ كانّ الأخير من (أهل الكتاب) أو من أتباعّ الديّانات الأخرى أو من غير المؤمنين؟ ونجد هذه اللامساواة في الميّاديّن الحقوقيّة والاّجتماعيّة، اعتمادا على العقائد الديّنيّة، ونحن بدورنا نتسائل، هل يّتعارض التعايّش - بالحقوق نفسها - بين المسلمين والنصارى

عدد الصفحات ٤٨