التدرٌب وأهمٌته صفحة 113 التدريب على المحاسبة والمساءلة والتقويم لابد من إرساء مبدأ اااسبة وابؼساءلة في كل أعماؿ ابؼسلم، فاااسبة وابؼساءلة ترتفعاف بالشخص إلذ برقيق ما ىو مسؤوؿ عنو ومطالب بو، والعكس منذلك صحيح، فإذا غابت اااسبة وابؼساءلة تدىور العمل وقلَّ العطاء. والله تبارؾ وتعالذ بواسب عبادَه يوـ القيامة، ويرغبهم بدحاسبة أنفسهم قبل اف بوُاسبوا، والعباد بواسب بعضهم بعضاً على الأمواؿ وابغقوؽ أشد اااسبة، فالدعاة أحرى أف بواسب بعضهم بعضاً، ويوقف بعضهم بعضاً على مسؤوليتو في الدعوة إلذ الله تعالذ، فلو أخذت مراكز الدعوة وابؼكاتب التعاونية وىيآت الأمر بابؼعروؼ والنهي عن ابؼنكر، وأخذ بهذا كل العاملتُ للئسلبـ، لو أخذوا بصيعهم بهذا ابؼبدأ لاستقامت أمور كثتَة معوجَّة، ولصُححت أوضاع خاطئة كثتَة. بؼاذا يكوف ثقيلبً على النفس ((قياـ شخص بدحاسبة شخص آخر ومساءلتو ومناقشتو في عيوبو أو ىفواتو، وبابػصوص إذا كاف الشخص مساوياً للشخص في ابؼكانة الاجتماعية، أو بخصوصية أكبر إذا كاف الناصح أو الناقد أو ابؼناقش شخصاً أقلَّ من الآخر في قليل أو كثتَ.. كم من أخوة ذابت، وصداقات تهاوت، وزمالة انتكست لأف الأخ أو الصديق أو الزميل حاوؿ ألا ينتظر أو بيارس ابغيادية الفارغة أو المجاملة عند صدور خطأ من الشخص، بل ناقش فيو فوراً ...))(1) . ىذا، وقد كاف الن يقيد من نفسو الشريفة الكربية، وما ذلك إلا ضرب من اااسبة في الذروة منها والكماؿ، فعن أُسيد بن حُضتَ(1) رضي الله عنو أف الن (1) ((الانتحار الذاتً)): 94-96.
عدد الصفحات ١١٣التدرٌب وأهمٌته صفحة 114 طعنو في خاصرتو بعود، فقاؿ : أصبرِْلش(2)، فقاؿ: ((اصطبر))، قاؿ : إف عليك قميصاً وليس عليَّ قميص، فرفع النبي عن قميصِو فاحتضَنو وجعل يقبَّل كَشْحو، قاؿ: إبما أردت ىذا يا رسوؿ الله (3) . وقاؿ الشافعي: روي من حديث عمر أنو قاؿ: ((رأيت رسوؿ الله يعطي القَوَد من نفسي))(4) . فهذه أصوؿ في اااسبة بهب أف تراعي وتُؤدَّى. والنبي كاف بواسب العمَّاؿ، فقد((استعمل رسوؿ الله رجلبً من الأَسْد(5) على صفات صدقات بتٍ سُلَيم يُدعى ابنَ اللُّتْبِيَّة، فلما جاء حاسبو))(6) . وقاؿ العيتٍّ(7) ربضو الله تعا : ((فيو من الفقو جواز بؿاسبة ابؼؤبسن، وأف اااسبة تصحح أمانتو، وىو أصل فعل عمر رضي الله تعالذ عنو في بؿاسبة العماؿ ))(8) . ىذا الن قد نبَّو أبا بكر الصديق رضي الله عنو على أمر لد يُرضِو أف يصدر من أبي بكر رضي الله عنو، فعن عائذ بن عمرو رضي الله تعالذ عنو أف أبا سفياف أتى على سلماف وصهيب وبلبؿ في نفر فقالوا: والله ما أخذت سوؼ الله من عنق عدو الله مأخذىا، فقاؿ أبو بكر رضي الله عنو : أتقولوف ىذا لشيخ قريش وسيندىم؟ فأتى النبيَّ فأخبره، فقاؿ((يا أبا بكر لعلك أغضبتَهم، لئن كنتَ (1) أُسٌد بن حُضٌر بن سِماك الأنصاري الأَثْهلًّ، أبو ٌحٌى . صحابً جلٌل. توفً سنة عشرٌن أو فً التً بعدها، رضً الله عنه. انظر : ((التقرٌب)):112. (2) أي: أقِدْنً من نفسك. (3) أخرجه الإمام أبو داود فً سننه: كتاب الأدب. والكَشْح: الخاصرة. (4) ((عون المعبود)):12/268. (5) الأسد والأزد بمعنى. (6) أخرجه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى فً كتاب الزكاة: باب قول الله تعالى: (والعاملين عليها) ومحاسبة المُصَّدِّقٌن مع الإمام. (7) محمود بن أحمد بن موسى بدر الدٌن أبو محمد العٌنً الحلبً الأصل ثم القاهريّ، الحنفًّ. ولد فً عنتاب سنة 762 ودرس بها عدداً من العلوم وبرع، ثم ارتحل إلى بلدان متعددة ودخل القاهرة سنة 788 وولً بها عدة وظائف واجتمع له القضاء والحسبة ونظر الأوقاف معاً ودرس بها، له عدة مصنفات. توفً سنة 855 رحمه الله تعالى. انظر ((المختار المصون)): 1/570-572. (8) ((عمدة القاري)): 7/367.
عدد الصفحات ١١٤التدرٌب وأهمٌته صفحة 115 أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربَّك )). فأتاىم أبو بكر رضي الله عنو فقاؿ : يا إخوتاه، أغضبتُكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي(1) . قاؿ الإماـ النوويّ ربضو الله تعا: ((ىذا الإتياف كاف وىو كافر في ابؽدنة بعد صلح ابغديبية، ... وفيو مراعاة قلوب الضعفاء وأىل الدين وكرامهم وملبطفتهم ))(2) . وكاف أبو بكر رضي الله تعالذ عنو يعلنم الأمة اااسبة والتقولص فيقوؿ: ((إبما أنا متَّبع ولست بدبتدع، فإف استقمتُ فبايعولش، وإف زِغْتُ فقونمولش...))(3) . إذاً اااسبة ليس فيها بؿذور– إف شاء الله تعالذ – وعلى كل من وَلرَِ أمراً من أمور ابؼسلمتُ أف يتقبل اااسبة بصدر رحب، وىي أسهل عليو من ابغساب الأخرويّ، أو أنها تُسهنل عليو ابغساب الأخرويّ . التدريب على اااسبة والتقولص : سأذكر في باب التدريب على اااسبة والتقولص قواعد عامة لا تغتٍ عن تفصيلبت ليس ىذا مكانها، فمن ذلك: 1- إنناء المجالس التقويمية: لابد لإحساف التقولص واااسبة من إنشاء بؾالس تقوبيية خاصة في كل ىيئة ومؤسسة داعية للئسلبـ، فإف ىذا المجلس خطوة صحيحة في طريق الدعوة، ولا بد أف يعطى ىذا التقولص الزماف الكافي بدوف ملل ولا انقطاع وفق برنامج معد سلفاً متفق عليو بتُ أعضاء المجلس التقوبييّ . (1) أخرجه الإمام مسلم فً صحٌحه: كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل سلمان وبلال وصهٌب رضً الله تعالى عنهم. (2) ((صحٌح مسلم بشرح النووي)): 16/53. (3) ((البداٌة والنهاٌة)): 6/303.
عدد الصفحات ١١٥التدرٌب وأهمٌته صفحة 116 2- المصارحة والقوة : حتى يكوف للتقولص أثره الصحيح لا بد من ابؼصارحة بالأخطاء ونقدىا بقوة – لا بزلو من أدب – فإف المجاملة وابؼواربة لا تصلحاف في ىذا ابؼقاـ ابػطتَ الشأف، والقسوة في ىذا ابؼقاـ تشبو قسوة ابعراح على ابؼريض حتُ يسرنح مشرطو في جسده لكنو يُقدنر أف ىذا التسريح سيكوف لو أبصل العواقب وأحسنها، فلب يصح إذاً أف يغضب ابؼرء من القوة وابؼصارحة حاؿ التقولص، بل يبادر بالاعتذار ابؼتلون بالتصحيح، وعلى ابؼقونـ أف بوزـ حيناً ويلتُ أخرى بحسب ابغاؿ وابؼوقف، حتى لا يستَ بدن معو على وتتَة واحدة من ابغزـ أو اللتُ فيفسد العمل . 3- النمول: ينبغي أف يكوف التقولص شاملبً لكل مناحي العمل فلب يتًؾ صغتَة ولا كبتَة إلا أحصاىا، ولا شاردة إلا قيَّدىا، ولا واردة إلا قوَّمها وأعدَّ لو العدَّة اللبزمة، وبغتَ ذاؾ قد ينفذ ابػلل في ثنايا الصغائر ليقبلها كبائر، وقد يهدـ البنيافَ الشامخَ زواؿُ لبنة منو أو اختلببؽا. ٗ- التذكي حيناً بعد حتُ بأبنية العمل: إف للمجالس التقوبيية أثراً بالغاً في التذكتَ بأبنية العمل وابغرص على بذديد العهد بو في متناوؿ يده، وىذا الأصل معلوـ في دين الإسلبـ، فالله تعالذ كاف يثبت نبيَّو حيناً بعد حتُ في آيات كثتَات: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسُي ما نثبت بو فمادك)(1) ،(فلعلك باخع نفسك على (1) سورة هود: آٌة 120.
عدد الصفحات ١١٦التدرٌب وأهمٌته صفحة 117 ءاثارىم إن لم يممنوا بهذا الحديث أسفا)(1)، (ما ودعك ربك وما قلى)(2) . 5- صقي العاملين: إف العاملتُ للئسلبـ لفي حاجة بالغة إلذ انتهاج ىذا الطريق التقوبييّ والتمسك بو، لكنهم قد يكونوف في حاجة إلذ الالتحاؽ بدورات تدريبية تعينهم على إحساف التقولص، والغرؼ التجارية وابؼراكز الدعوية كهيئة الأمر بابؼعروؼ والنهي عن ابؼنكر وابؼندوبيات الدعوية بؿاؿٌّ صابغة لإقامة مثل ىذه الدورات بؼا للقائمتُ عليها من خبرة مناسبة، والعالد الغربي اليوـ أىلو في الذروة السامقة لطرؽ التقولص واااسبة ؛ إذ أف حرص القوـ على ابؼاؿ أداىم إلذ أف يضعوا قواعد بعلبو وحفظو، ومن بٍ التقولص واااسبة فيو في الغاية من الدقة والضبط، فلو أخذنا بتلك القواعد ابؼتجددة في عملنا الإسلبمي لأفلحنا إف شاء الله تعاؿ، والله تعاؿ أعلم. *** (1) سورة الكهف: آٌة 6. (2) سورة الضحى: آٌة 3.
عدد الصفحات ١١٧التدرٌب وأهمٌته صفحة 118 التدريب على الاخنينان والتقلي من المباحث انقلبت كثتَ من ابؼفاىيم وابؼوازين في ىذا العصر، وأصبح التًؼ – على سبيل ابؼثاؿ – ىو القاعدة السائدة عند كثتَ من الناس، والأنكى والأشد أف يستمرئ الصابغوف التًؼ ويبتعدوا عن الاخشيشاف والتقلل وكأنهما وصمة عار أو ىواف . إننا نتقلب – بحمد الله تعالذ – في نعم عظيمة علينا أف نشكرىا وأف نقدرىا حق قدرىا، ومن شكر النعم الأخذ منها بقدر وعدـ التوسع فيها توسعاً يؤدي إلذ نسياف ابؼعالش العلية ويفضي إلذ الكسل والإخلبد إلذ الأرض، وعلى كل منا أف يدرنب نفسو على الارتفاع عن كثتَ من ابؼباحث واللذائذ حتى إف كانت متيسرة وسهلة عليو . إف ابؼلبيتُ ابعائعة في العالد الإسلبمي بؽي أحق بتوجيو الأمواؿ الفائضة إليها لا أف نتمتع بها وننسى إخواننا ابؼسلمتُ الذين يتضوروف جوعاً وبيوتوف برداً . إف مشكلة التًفّو أنو بهلب ابغقد: حقد الضعفاء والفقراء ما لد يشعروا بابؼواساة الصادقة الكربية، وقد يكوف ىذا ابغقد من بعض الصابغتُ الذي يعيشوف ظروفاً صعبة، ويلبحظوف بستعك بكل ابؼباحث واللذائذ، وقد يقاؿ: وىل بوق الصالح؟ أقوؿ نعم، قد يَزؿّ، وىل ىو ملّك أو معصوـ؟ نعم إف حقده خطأ، لكن الذي دعاه إليو ما يراه من ترفو وانشغاؿ بالكماليات عند قوـ وتضرره ىو ومَن على شاكلتو حتى لا يكادوف بهدوف كفايتهم . إف النبي كاف يتمتع باللذائذ وابؼباحاث لكن بقدر، وفي أوقات دوف أوقات، ولذائذه ومتعو لا تقارف بدا عليو كثتَ من الناس – حتى الصابغتُ –
عدد الصفحات ١١٨التدرٌب وأهمٌته صفحة 119 اليوـ في متعهم ولذائذىم، فقد كاف بوب ابغلوى والعسل، وكانت النساء قد حُبنبن إليو، وحُبنب إليو الطيب، وكاف بوب الكَتِف، ويعرؼ منو الصحابة رضي الله تعالذ عنهم ذلك ويهدوف إليو. وقد يقاؿ: ما للبخشيشاف وبؼوضوع الكتاب : التدريب على العمل الإسلبمي؟ وأقوؿ: إف للتًؼ مدخلبً كبتَاً في تأختَ العمل الإسلبمي، بل قد يهدمو، لأف للمتًفتُ شأناً بعيداً عن شأف العاملتُ الباذلتُ المجاىدين ابؼضحنتُ، وابؼتًؼ يصعب عليو ترؾ لذائذه وبؿبوباتو، ومن بٍََّ يصعب عليو أ، يعمل عملبً قوياً مؤثراً في ابغياة من حولو، لذلك كاف لابد من نوع من الاخشيشاف والتقلل من ابؼباحث يربط ابؼرء بابؼعالش العلية وبىرجو من دائرة الالتزاـ اليوميّ بدحبوباتو وشهواتو ومراداتو. وىكذا كاف السلف صدر الأمة رضي الله عنهم بىشوشنوف أحياناً كثتَة ويتمتعوف قليلبً، وما كانوا في بستعهم – إذا بستعوا – إلا أتقياء بزرة أنقياء، رضي الله تعالذ عنهم. وقد كاف النبي على غاية من الاخشيشاف لا يكاد يبلغو فيها أحد، ىذا مع بستعو في بعض الأوقات، وتناولو بعض اللذائذ وابؼباحات كما بيَّنت آنفاً . ىذا وقد كاف قادراً – بأبي ىو وأمي صلوات الله وسلبمو عليو – على أف يكوف ملكاً نبياً، لكنو ارتضى معيشة الزىد والتقلل لانها أقرب إلذ الكماؿ، وقد ساس أىلو حتى ارتضوا تلك ابؼعيشة، وختََّىن بتُ التوسع وفراقهن وبتُ الرضا بدعيشتو ، فارتضينو كلهن رضي الله تعالذ عنهن . ىذه عائشة رضي الله تعالذ عنها بزبر عروة ربضو الله تعالذ – ابن أختها - : ((وإف كنا لننظر إلذ ابؽلبؿ ثلبثة أىلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسوؿ الله
عدد الصفحات ١١٩التدرٌب وأهمٌته صفحة 120 نار))، فيتعجب عروة ويقوؿ: ما كاف يُعيشُكم؟ قالت: الأسوداف: التمر وابؼاء... إلخ(1) . وقاؿ أنس: ((ما أعلم النبي رأى رغيفاً مرققاً حتى بغق بالله، ولا رأى شاة بظيطاً (2) بعينو قط))(3) . وىذه عائشة رضي الله تعالذ عنها بزبر أنو ما شبع آؿ بؿمد منذ قدـ ابؼدينة من طعاـ بػُرن ثلبث لياؿٍ تباعاً حتى قبض (4) . ودخل عمر بن ابػطاب رضي الله تعالذ عنو على رسوؿ ا وىو على حصتَ، قاؿ: فجلست فإذا عليو إزاره وليس عليو غتَه، وإذا ابغصتَ قد أثَّر في جنبو، وإذا أنا بقبضة من شعتَ بكو الصاع، وقػَرَظ(5) في ناحية في الغرفة، وإذا إىاب معلق(6)، فابتَدَرتْ عيناي (7)، فقاؿ: ((ما يبكيك يا ابن الخطاب؟)) فقاؿ: يا نبي الله، وما لر لا أبكي وىذا ابغصتَ قد أثَّر في جنبك، وىذه خِزانتك لا أرى بها إلا ما أرى، وذاؾ كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوتو وىذه خزانتك؟ قاؿ: ((يا ابن الخطاب: أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟))(8) . أما حاؿ السلف من الصحابة رضي الله تعالذ عنهم فهم الذين تربوا على ما شاىدوا النبي عليو، وتدربوا على وصيتو : ((إذا نظر أحدكم إلذ من فُضنل عليو في ابؼاؿ وابػَلق فلينظر إلذ من ىو أسفل منو))(1) .يعتٍ أف الن يعلنم أصحابو (1) صحٌح البخاري: باب ماجاء فً الرقاق وألا عٌش إلا عٌش الآخرة: باب كٌف كان النبً وأصحابه وتخلٌهم عن الدنٌا. (2) أي: مشوٌة. (3) المصدر السابق. (4) المصدر السابق. (5) ورق الشجر الذي ٌدبغ به الجلد. (6) أي: جلد. (7) أي: بكى. (8) قال المنذر: رواه ابن ماجه بإسناد صحٌح، والحاكم وقال: صحٌح على شرط مسلم: ((الترغٌب والترهٌب)): 4/200. (1) أخرجه الإمام مسلم فً صحٌحه: كتاب الزهد، حدٌث رقم 2963.
عدد الصفحات ١٢٠التدرٌب وأهمٌته صفحة 121 إذا ضاقت على أحدىم الدنيا أف يقارف بينو وبتُ من ىو في ضيق أكبر وضنك أشد حتى بومد لله تعالذ ويرضى بحالو . وىكذا درج أصحابو رضي الله تعلى عنهم، فهذا عمر بن ابػطاب رضي الله تعالذ عنو قد عُلم حالو من الاخشيشاف والضيق الذي اختاره لنفسو ولد يفرضو عليو أحد، وقد لقي يوماً جابر بن عبدالله رضي الله تعالذ عنو وقد ابتاع بغماً بدرىم، فقاؿ: ما ىذا ياجابر؟ قاؿ: قَرِـ أىلي – أي اشتدت شهوتهم – فابتعت بؽم بغماً بدرىم، فجعل عمر يردد : قَرِـ أىلي، حتى بسنيت أف الدرىم سقط متٍ ولد ألقَ عمر، وفي رواية: أوَكلما اشتهيتم اشتًيتم؟(1) قاؿ الإماـ ابغَلِيمي(2) معلقاً على ىذه ابغادثة: ((لا ينبغي أف تعود النفس، ربدا بسيل بو إلذ الشره بٍ يصعب تداركها، ولتػُرَضْ من أوؿ الأمر على السداد – أي على الاستقامة في ابؼأكل وابؼشرب وعدـ الفساد بالتوسع فيهما – فإف ذلك أىوف من أف تدرب على الفساد بٍ بهتهد في إعادتها إلذ الصلبح، والله أعلم))(3) . وجاء رجل إلذ عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فسألو : ألسنا من فقراء ابؼهاجرين؟ فقاؿ لو عبد الله بن عمرو : ألك امرأة تأوي إليها؟ قاؿ : نعم. قاؿ: ألك مسكن تسكنو؟ قاؿ : نعم قاؿ: فأنت من الأغنياء. قاؿ : فإف لر خادماً . قاؿ : فأنت من ابؼلوؾ(4) . الله أكبر، فماذا كاف قائلبً لو رآنا اليوـ وبكن نتقلب في النعم ظهراً لبطن والتًؼ قد بلََلَنا بلَْلبً، وتساوى الدعاة والصابغوف – أو أكثرىم – مع غتَىم في اقتساـ التًؼ واللذائذ وانتهاب الطيبات؟ (1) سنن البٌهقً. (2) الحسٌن بن الحسن بن محمد البخاري الحَلٌمً . المتوفى سنة 403 .انظر ترجمته فً: ((سٌر أعلام النبلاء)): 17/231. (3) المصدر السابق. (4) أخرجه الإمام مسلم فً صحٌحه: كتاب الزهد، حدٌث رقم 2979.
عدد الصفحات ١٢١التدرٌب وأهمٌته صفحة 122 وجاء أصحاب سلماف الفارسي رضي الله تعالذ عنو، يعودونو عند الاحتضار، فوجدوه يبكي، فسألوه عما بو؟ فقاؿ : عهد إلينا رسوؿ الله أف يكوف زاد أحدنا كزاد الراكب، فقالوا : حَسَبْنا مافي بيتو فإذا ىو لا يزيد عن بضعو عشر دربناً، رضي الله تعالذ عنو(1) . فعلى الدعاة والصابغتُ أف بىشوشنوا حتى لا يركنوا إلذ الدنيا وتقعد بهم بنمهم، وىم في حاجة ماسة إلذ التدرب على ىذا حتى يصبح خلقاً سائداً فيهم، نعم إف ىذا زماف صعب إف طاوعتك نفسك فيو على منهاج من العيش خشن قد لا يطاوعك على ذلك أىلك وابؼقربوف منك، لكن نسدد ونقارب، ونستعتُ بالله تبارؾ وتعالذ . أىمية الاخنينان: ٔ- إعداد النفس للجهاد: فالنبي قاؿ: ((من مات ولم يـَغْزُ ولم يحدِّث بو نفسو مات على شعبة من نفاق))(2) .فكيف بكدنث أنفسنا بالغزو وابعهاد وبكن لد نعد أنفسنا لو بالتدرب على شظف العيش ولو في أوقات دوف أوقات؟ ٕ- إعداد النفس بؼا قد ينزؿ بها من البلبء : فللو تبارؾ وتعالذ أخبر بقولو ابعليل : (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولو ءامنا وىم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)(3). (1) ((نزهة الفضلاء)): 1/205. (2) أخرجه الإمام مسلم فً صحٌحه: كتاب الإمارة: باب ذم من مات ولم ٌغزُ . (3) سورة العنكبوت: الآٌتان 2.
عدد الصفحات ١٢٢التدرٌب وأهمٌته صفحة 123 فقد تنزؿ بابؼرء بلية أو مصيبة – عافانا الله وإياكم – بٍ إنو لا بهد القدرة في نفسو على مواجهتها، وذلك لغرقو في التًؼ . ٖ- تربية الأىل والأولاد على ابؼعالش العالية : فمن كاف ىو وأىلو غرقى في التًؼ وابؼباحات فمتى يعرفوف طعم المجاىدة، متى يتذوقوف عُليا ابؼعالش ورفيعَها، ىذا وللتقلل من ابؼباحات لذة لا يعرفها إلا من ذاقَها وجرَّبها. ٗ- شعور المجتمع بدشاركة الأغنياء للفقراء : وىذا بتُنٌ واضح؛ إذ لو شاىد الفقراء الأغنياء غتَ متوسعتُ في الإتفاؽ، وأنهم يشاركونهم في جوانب من ضيق عيشهم ولو في أوقات دوف أوقات، وأف الأغنياء يبذلوف بؽم الأمواؿ ويساعدونهم في ضيقهم وبؿنتهم، لو شعر الفقراء بذلك لا بمحى ابغقد من صدور الناس، ولشاع فيهم خلق ابؼودة واابة والإخاء. كيفية التدريب على الاخنينان: إف ابؼرء بسبب ما يكتنف ابغياة ابؼعاصرة من ترؼ، لفي أمسن ابغاجة إلذ التدرب على الاخشيشاف والتقلل من ابؼباحات، وفيما يلي صورة مقتًحة : أولاً : الإكثار من الصياـ: إذ الصياـ من أفضل الأعماؿ، وليس المجاؿ ىنا عرضَ فضائل الصياـ فهي كثتَة بصة، لكن أقوؿ: إف الصياـ يفطم النفس عن كثتَ من شهواتها، ويدربها تدريباً علمياً على التقلل من ابؼباحاث، خاصة لو أف الصائم عزـ على ىذا الأمر وأخذ نفسو بو فسيستفيد فائدة كبرى .
عدد الصفحات ١٢٣التدرٌب وأهمٌته صفحة 124 ثانياً: التقلل من الطعاـ والشراب في بعض ابؼواسم : وذلك لغرض تدريب النفسن وليس أفضل من شهر رمضاف وأياـ ابغج مواسم لتقلل، إذ التقلل في تلك ابؼواسم مقبوؿ غتَ مستهجَن، فيكتفي ابؼرء فيها بالقليل تدرباً وتقللبً . ثالثاً : منع النفس عن بعض مرغوباتها ومشتهياتها : ولقد ذكرت صوراً لو قبل ذلك، وأقوؿ الآف: إف عامة السلف العظاـ كانوا يفطموف أنفسهم من كثتَ من الشهوات لا برربياً بؽا لكن تقللبً وتقشفاً . قاؿ الإماـ ابن القيم(1) ربضو الله تعا : قاؿ لر شيخ الإسلبـ(2) يوماً في شيء من ابؼباح: ((إف ىذا بىالف ابؼراتب العالية))(3) . سبحاف ا! وما ىو ابؼباح الذي بيكن أف يتناولو ابن القيم حتى ينهاه عنو شيخ الإسلبـ، وما قدره وما قيمتو، لكنهم عرفوا أف الإكثار من تناوؿ ابؼباحات يعوند النفس الكسل والدعة والإخلبد إلذ الأرض. رابعاً : قراءة ستَ السلف الصالح رضي الله عنهم أىل الزىد والتقشف والتقلل، فقراءة ستَىم معايشة بؽم، ومن بٍ تشبّو بهم، لكن ليحذر من بفارسات بعض ابؼتصوفة الذين كانوا بهوعوف أنفسهم حتى تفسد بعض أجهزتهم ابعسيمة وخلبياىم العقلية، فهذا بـالف بؼنهج الإسلبـ السمح، والله تعالذ أعلم. *** (1) محمد بن أبً بكر بن أٌوب الزُّرعً الدمشقًّ الحنبلً، ولد سنة691 .وكان جريء الجنان، واسع العلم، كثٌر الصلاة والتلاوة، حسن الخلق، كثٌر التودّد، توفً رحمه الله تعالى بدمشق سنة 751 وكانت جنازته حافلة. انظر ((الدرر الكامنة)): 4/21-23. (2) أي ابن تٌمٌة رحمه الله تعالى، وهو مشهور، واسمه أحمد بن عبدالحلٌم بن عبدالسلام، توفً سنة728 بدمشق: انظر ترجمته فً ((الدرر الكامنة)): 1/154-170. (3) ((مدارا السالكٌن)): 2/26.
عدد الصفحات ١٢٤التدرٌب وأهمٌته صفحة 125 ختــام ابغمدلله ، والصلبة والسلبـ على رسوؿ الله، وعلى آلو وصبو ومن والاه، وبعد: قد وضعت ىذه الرسالة - التي أحسبها جاءت بشيء جديد في ىذا الباب ابؼهم – لأمرين اثنتُ : أوبؽما: لفت الأنظار إلذ ىذا الباب ابؼهم للبعتناء بو تأصيلبً وتصنيفاً في رسائل أوسع وأقعد. ثانيهما: تطبيق وسائل التدريب وطرائقو على العمل الدعوي بحيث يعود عليو بالنفع ابعم والفائدة الكبتَة. وأرجو الله تعالذ أف بوقق لر ما أردت، وأف يػَهُبَّ طائفة من الناس ليعتنوا بالتدريب تأصيلبً وبرقيقاً في واقع ابغياة، خاصة ألش قد كنت – وأنا أؤلف ىذه الرسالة – مستشعراً مدى تقصتَ الأمة الأخذ بهذا الأمر ابؼهم، وقعودىا عن بؾاؿ سبقها فيو آخروف، والعجب ألش بحثت طويلبً عن ابؼراجع ابؼناسبة في ىذا الباب فأعيالش البحث وما خرجت إلا بإشارات لا تسمن ولا تغتٍ من جوع، بفا يدؿ دلالة واضحة على بزلفنا في ىذا الباب وقصورنا فيو وتقصتَنا، في بصلة ما بكن فيو مقصروف، والله تعالذ ابؼستعاف، وعليو التكلبف، ولا حوؿ ولا قوة إلا بو، وابغمدلله رب العابؼتُ، وصلبة وسلبماً على سيد ابؼرسلتُ بؿمد وعلى ألو وصحبو أبصعتُ. *** فهرس ابؼصادر وابؼراجع
عدد الصفحات ١٢٥التدرٌب وأهمٌته صفحة 126 القرآف الكر ٔ- ((اثنا عشر عاماً مع الأستاذ البنا)): الأستاذ عبدالبديع صقر. نشر دار ابؼدائن. الإسكندرية . الطبعة الأولذ سنة 1413 . ٕ- ((الاحتساب في دعوة الإماـ حسن البنا)): الأستاذ بدر ابؼاص. نشر مكتبة ابؼنار الإسلبمية. الكويت. الطبعة الأولذ سنة 1407 . ٖ- ((الانتحار الذابٌ للجماعات ابغركية في العمل الإسلبمي ابؼعاصر )): د. عادؿ حسوف. نشر دار البلبغ. الكويت . الطبعة الأولذ. ٗ- ((أثر الإسلبـ في تكوين الشخصية ابعهادية للفرد وابعماعة)): د. بؿمد نعيم ياستُ. نشر دار الأرقم . الكويت. الطبعة الأولذ سنة 1404 . ٘- ((الإخواف ابؼسلموف في ميزاف ابغق )): الأستاذ فريد عبدا بػالف . نشر دار الصحوة. القاىرة . الطبعة الأولذ سنة 1408 . ٙ- ((أسس في الدعوة ووسائل نشرىا )): د. بؿمد عبدالقادر أبو فارس. نشر دار الفرقاف . عمَّاف. الطبعة الأولذ سنة 1412 . ٚ- ((إعلبـ ابؼوقعتُ عن رب العابؼتُ )): الإماـ ابن قيم ابعوزية = بؿمد بن أبي بكر (ت 751.) نشر دار الفكر. بتَوت. الطبعة الثانية سنة 1397 . ٛ- ((البداية والنهاية)): ابغافظ ابن كثتَ = إبظاعيل بن عمر (ت774.) نشر دار الفكر. بتَوت. طبعة سنة 1398 .
عدد الصفحات ١٢٦التدرٌب وأهمٌته صفحة 127 ٜ- ((تقريب التهذيب )): ابغافظ ابن حجر = أبضد بن علي (ت852.) برقيق الأستاذ بؿمد عوامة. نشر دار الرشيد . حلب. الطبعة الأولذ. ٓٔ- ((جريدة اللواء الإسلبمي )). القاىرة . عدد 3/8/1420. ٔٔ- ((ابعهاز في الإسلبـ كيف نفهمو وكيف بمارسو )): د. بؿمد سعيد رمضاف البوطي. نشر دار الفكر. دمشق. الطبعة الثانية سنة 1418 . ٕٔ- ((حوؿ التًبية والتعليم)): أ. د. عبدالكرلص بكار. نشر دار ابؼسلم للنشر والتوزيع . الرياض . الطبعة الأولذ سنة 1420 . ٖٔ- ((الدرر الكامنة في أعياف ابؼائة الثامنة)): ابغافظ ابن حجر = أبضد بن علي (ت 852.) برقيق الأستاذ بؿمد سيد جاد ابغق. نشر دار الكتب ابغديثة. القاىرة . ٗٔ- ((دليل التنمية البشرية )): ىشاـ الطالب. ٘ٔ- ((سنن ابن ماجو)): برقيق الأستاذ بؿمد فؤاد عبدالباقي. نشر دار ابغديث. القاىرة . ٙٔ- ((ستَ أعلبـ النبلبء)): ابغافظ الذىبي = بؿمد بن أبضد (ت748.) نشر مؤسسة الرسالة . بتَوت. ٚٔ- ((صحيح البخاري )). نشر دار ابعيل. بتَوت. ٛٔ- ((طرؽ الدعوة الإسلبمية )): د. أبضد العدنالش. سنة 1410. ٜٔ- ((عوف ابؼعبود شرح سنن أبي داود )): العلبمة أبو الطيب شمس ابغق العظيم آبادي.
عدد الصفحات ١٢٧التدرٌب وأهمٌته صفحة 128 ضبط وبرقيق الأستاذ عبدالربضن بؿمد عثماف . نشر دار الفكر. بتَوت. الطبعة الثالثة سنة 1399 . ٕٓ- ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري )): بدر الدين العيتٍّ = بؿمود بن أبضد (ت 855.) نشر مكتبة البابي ابغل. القاىرة . الطبعة الأولذ سنة 1392 . ٕٔ- ((فتح الباري شرح صحيح البخاري )): ابغافظ ابن حجر العسقلبلش = أبضد بن علي (ت852.) برقيق بؾموعة من الأستاذة. نشر مكتبة الكليات الأزىرية . القاىرة . الطبعة الأولذ سنة 1398 . ٕٕ- ((في ظلبؿ القرآف)): الأستاذ سيد قطب (ت1387.) نشر دار الشروؽ. بتَوت. ٖٕ- ((كبرى ابغركات الإسلبمية في القرف الرابع عشر ابؽجري )): د. بؿمد السيد الوكيل . نشر دار المجتمع بجدة، ودار الوفاء بالقاىرة . الطبعة الأولذ سنة 1406 . ٕٗ- ((كيف ندعو الناس)): الأستاذ عبد البديع صقر. نشر الابراد الإسلبمي العابؼي للمنظمات الطلببية. الطبعة الثانية سنة 1403 . ٕ٘- ((الفكر السامي)): الأستاذ بؿمد بن ابغسن ابغجوي الثعالبي (ت1397.) بزريج د . عبدالعزيز القاري . نشر ابؼكتبة العلمية. ابؼدينة ابؼنوَّرة سنة 1397 . ٕٙ- ((بؾمع الزوائد ومنبع الفوائد)): ابغافظ نور الدين ابؽيثمي (ت807.) نشر مؤسسة ابؼعارؼ . بتَوت. سنة 1406 .
عدد الصفحات ١٢٨