المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حركة عثمان بن فودي الإصلاحية في غرب أفريقيا تحميل PDF

مصطفى مسعد

صفحة ١ من ٢

http://www.shamela.ws تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة ي حركة الكتاب: أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ف ي غرب أفريقيا (مطبوع ضمن عثمان بن فودي الإصلاحية ف بحوث ندوة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) المؤلف: مصطف مسعد الناشر: عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام مح بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية الطبعة: الثانية، 1411 /هـ1991م عدد الأجزاء: 1 [ ي حركة عثمان بن فودي الإصلاحية أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ف ي غرب أفريقيا ف للدكتو ر مصطف مسعد أستاذ التاري خ الإسلامي ورئيس قسم التاري خ بكلية العلوم الاجتماعي ة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ظهور الدعوة: ي تاري خ العالم الإسلامي يمثل القرن الثان ي عشر للهجرة نقطة تحول هامة ف ي بعامة وتاري خ الجزيرة العربية بخاصة. ذلك أن العالم الإسلامي ف ذلك العصر ي كثير من نواحي الحياة الديني يعان ي من الانحطاط والضعف والتدهور ف ة

عدد الصفحات ١

والسياسية والاقتصادية، بسبب تفشري الجهل ووقوعه فريسة التخلف العلمي والجمود الفكري، والانحراف عن جادة الإسلام الصحيح، وتشب الكثير من أنواع الشرك والبدع والخرافات 1، حتى قيض الله س بحانه وتعالى لهذه الأمة الإسلامية من ينهض من قلب الجزيرة العربية ليدعو إلى ا لنهوض بالإسلام وإصلاح أحوال المسلمير ، بتطهير الإسلام وتخليصه مما علق به من أدران الوثنية وغيرها من مظاهر الشرك. وصاحب هذه الدعوة المباركة هو الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله - (1115- 1206 . )هـ لقد أدرك الشيخ - رحمه الله - أن مصدر هذا التدهور والانحلال ابتعاد المسلمير عن الإسلام الصحيح، حتى لقد انتشرت أنواع خطيرة من الشرك ودعوة الأحياء والأموات من الأولياء والصالحير ، وإشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذور والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله وحده لا شريك له، بل الي ول إلى تقديس الجمادات كالأحج ي ار والأشجار، والاعتقاد ف قدرتها على جلب النفع ودفع الصر 2 . نهض الشيخ- رحمه الله - بعبء الدعوة بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وآثار السلف الصالح، ومقاومة البدع والخ رافات التىي ألصقت بالإسلام، وبمعت __________ 1 حسير بن غنام: تاري خ نجد (روضة الأفكار والأفهام) تحرير: ناصر الدين الأسد ص 10- 19 . 2 محمد بن عبد الوهاب: القسم الخامس من مؤلفات الشيخ (الرسائل الشخصية نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ص 36 . (1 /425 )

عدد الصفحات ٢

آخر الرجوع بالإسلام إلى ما كان عليه زمن النت ي - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه رض ي الله عنهم. ولقد بدأ الشيخ دعوته إ ي ذلك لى الإصلاح متبعا ف أسلوب الإسلام نفسه، بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتىي هي أحسن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتابة الرسائل وإلقا ء الخطب، ي مختلف فروع وعقد حلقات الدرس لتلاميذه الذين يتلقون عنه العلم ف المعرفة، وعنيت الدعوة بتصحيح العقيدة وتحقيق التوحيد، وقد استأثرت معالجة هذه الموضوعات بالكثير من مؤلفات الشيخ وكتاباته ورسائله. كما عت ي بشرح العقيدة الصحيحة ودعمها بالحجة والدليل من كت اب الله وسنة رسوله وأقوال صالحي الأمة وأفعالهم، وذلك بإخلاص العبادة لله رب العالمير ، ونبذ الشرك والبدع والخرا فات، والإقلاع عن جميع المحرمات، وبيان معت الإسلام الصحيح قبل حدوث الشرك وتشب البدع، وتفسير معت " لا إله إلا الله "، وما اشتملت عليه من نف ي العبا دة عما سوى الله وإثباتها لله ي ألوهيته، وبيان شرائع الإسلام ي ربوبيته ولا ف وحده لا شريك له ف 1 . لم تسلم الدعوةمن حرب شنها عليها بعض الحكام الضالير ، وبعض مدعي العلم كذلك، ويمثل اتفاق الدرعية ( 1157 هـ) بير الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبير أميرها الإمام م حمد بن سعود- رحمهما الله - بداية مرحلة ي تاري خ الدعوة السلفية؛ فقد تم تعاهد وتعاقد بينهما على إظهار دين هامة ف ي سبيله. وبمعت آخر كانت هذه المعاهدة التىي تمت بير الله والجهاد ف الإمامير عهدا على نشر الدعوة السلفية وتوحيد المسلمير تحت راية الإسلام. وبذا بدأ الجهد الجماعي للدعوة ودخولها مرحلة الجهاد. وقد أصبحت بذلك مدينة الدرعية مركز الدعوة السلفية ومنطلقها. فما أن فر غ الإمام الشيخ من أمر الدرعية نفسها وإقبال أهلها على دعوته، حتى بعث برسائله إلى أمراء وأهالىي البلاد المجاورة يدعوهم فيها إلى العودة إلى طريق الإسلا م الصحيح كما جاء به النت ي صلى الله عليه وسلم، وتطبيق

عدد الصفحات ٣

__________ 1 محمد بن عبد الوهاب, القسم الأول من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب, "العقيدة والآداب الإسلامية" نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. (1 /426 ) جميع أحكامه وإقامة شعائره. فمنهم من استجابلدعوة الشيخ ودان له بدعوة الإسلام الصحيح، ف ثاب إلى الرشد، وهجر البدع، وغدا من أنصارها والداعير إلى نشرها ونصرتها، ومنهم من استكي وأن وخالف. ولما رأى الشيخ ي تكتيل القوى الحربية من معظمهم الإعراض عن الدعوة ومناوأتها، بدأ ف ي سبيل إقرار هذا ا وإعلان الجهاد ف لدين على حقيقته، وتهيئة الجو الصالح ي لنشر الدعوة، وتطبيق منهج الله ف جميع شئون الحياة. ولقد أصبح من الصر وري مواجهة أعداء الدعوة - حيثما كانوا- وتجريد ي الحملات الحربية عليهم للدفاع عن الدعوة وإفساح المجال أمام الراغبير ف الانضواء تحت لوائها للرجوع إلى الحق و قطع دابر الفتنة. فبدأت سلسلة من المعارك الحربية المتصلة، وانتصرت كلمة الحق، وشهد الإمام الشيخ - رحمه الله- ي أواخر حياته رايات التوحيد خفاقة على معظم أقاليم الجزيرة العربية ف ي حياتها الدينية والسياسية والفكرية والاجتماعية التىي شهدت تحولًا خطيرًا ف والاقتصادية تحت لواء الدولة السعودية. والحق أن الشيخ الإمام - رحمه الله - قد شهد ثمار دعوته وجهاده وجهوده الصابرة بمولد المجتمع الإسلامي الذي يريده، والذي أيقظت الدعوة عقليته الإسلامية بعد سباتها، فصفت عقيدته بعد أن كدرتها الخرافات والبدع والشركيات والوثنيات، فتحقق ت بذلك أهداف دعوته، بقيام مجتمع إسلامي متكامل تحت لواء دولة إسلامية ت ي كل شئونها ؤمن بالإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ومنهجا، وتطبق أحكامه ف

عدد الصفحات ٤

1 . انتشار الدعوة ي الجزيرة العربية فحسب، بل امتد هذا الأثر لم يقتصر أثر الدعوة السلفية ف إلى بقاع كثيرة من العالم الإسلا مي، وذلك على الرغم من محاولات خصوم الدعوة من تشويه مبادئها، حتى أطلقو ا عليها اسم: " المذهب الوهان ي " ليدللوا على أنها مذهب جديد على الإسلام، ولقد تضافرت عدة عوامل ساعدت على نجاح الدعوة وانتشارها، فقد كان لشدة إيمان صاحب الدعوة بما يدعو إليه من الحق، وقوته ي مواجهة خصوم الدعوة حتى ف __________ 1 عبد الله بن يوسف الشبل: تاري خنجد والدولة السعودية- طبع بمطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- الرياض, ص 69- 83 . (1 /427 ) جمع حولها الأتباع والأعوان والتلاميذ الذين كانوا عدتها ودعامتها، فضلا عن القوة السياسية مي أنصار مثلة ف الدعوة من آل سعود منذ اتفاق الدرعية "1157 ي التمكير للدعوة، وإبلاغ صوتها إلى أقصى المشرق ه " أكي الأثر ف ي الجمع بير الأمور السياسية وأقصى المغرب. ومن هنا: تتجلى قوة الدعوة ف ي سبيل نصرة الدع والدينية، فقد حمل آل سعود لواء الجهاد ف ي حياة وة ف الشيخ وبعد وفات ه، وتوحدت على أيديهم معظم أقاليم الجزيرة العربية بما ي موسم فيها إقليم الحجاز حيث المعي الذي انتقلت الدعوة عن طريقه ف ي العقدين ي حوزة الدولة السعودية الأولى ف الحج. فقد أتاح دخول الحجاز ف الثان ي والثالث من القرن الثالث عشر للهجرة ( 1217- 1226 هـ) لحجاج بيت الله الحرام من جميع البلاد الإسلامية التعرف على حقيقة الدعوة السلفية والالتقاء بدعاتها، ومناقشتهم فيما يدعون إليه، حتى ازدادوا بها إيمانا

عدد الصفحات ٥

ي عهد أنصار وتشبعوا بمبادئها، وبخاصة حينما شهدوا أحوال الحجاز ف الدعوة من آل سعود، وما كان يسو ده من أمن واس تقرار وتطبيق لجميع مبادئ الإسلام، فحملوها إلى بلادهم، ودعوا الناس إليها، فانتقلت هذه ي قارة آسيا، وإلى ليبيا وبلاد السودان المبادئ الإصلاحية إلى سومطره والهند ف ي كل مكان يحلون به هو محاربة ي قارة إفريقية، وكان هدف دعاتها ف الغرن ي ف الفساد والقضاء على البدع و الخرافات، وتص حيح العقيدة الدينية، والعودة بالإسلام إلى ما كان عليه زمن النبيصلى الله عليه وسلم، ثم محاولة إقامة حكومة صالحة على أساس ديت ي، تحكم بالإسلام عقيدة ومنهج حياة 1 . الإسلام وغرب أفريقية ي غرب أفريقية أن نشير ينبغ ي قبل الحديث عن الدعوة ف ي إيجاز إلى ف امتداد الإسي هذه الأقاليم الأفريقية. لام وانتشاره ف المقصود ببلاد غرب أفريقية هنا: البلاد التىي كانت تعرف قديما باسم السودان الغرن ي والسودان الأوسط. وتشمل مساحة جغرافية تمتد من مصب ي الغرب إلى نهر السنغال ف __________ 1 عبد الله بن يوسف الشبلالمرجع نفسه ص 89 . (1 /428 ) ي سودان واد الحدود الغربية لبلاد دارفور ف ي الشرق، وتقع بير ي النيل ف ي الجنوب. ي الشمال، وبير نطاق الغابات الاستوائية ف الصحراء الكي ى ف ي تشب ولقد تأثرت هذه الأقاليم بموجتير إسلاميتير ، تتجلى أولاهما ف الإسلام وانتشاره فيها انتشارا بطيئا استغرق حوالىي سبعة قرون ابتداء من القرن الخامس الهجري ( 11م) ، وي أعقاب حركة جاءت الموجة الثانية ف ي القرن الثالث عشر الهجري ( الجهاد التىي اضطلع بها الفلان ف 19م

عدد الصفحات ٦

أما الموجة الأولى فكانت طلائعها من قبائل الملثمير (الطوارق) الذين ي غرب أفريقية، اضطلعوا بنشر الإسلام ف عن طريق التشب السلمي ي هذه الأقاليم، أو عن والاستيطان ف طريق الغزو والفتح. وعلى الرغم من أن ي القرن الخامس الهجري ( حركة المرابطير بزعامة قبيلة جدالة ف 11 م) كانت ي إزالة أكي عقبة كانت تحول دون تقدم الإسلام قصيرة العمر فإنهم نجحوا ف جنوبا، فاضمحلت على أيديهم مملكة غانة الوثنية، ثم اعتنق ملوكها الإسلام وأخلصوا له ، وعملوا على نشره بوسائلهم، وتحولت غالبية شعب غانة إلى الإسلام. واستطاع دعاة المرابطير أن ينشروا الإسلام على ضفاف السنغال، ي عهد المرابطير تأسيس ي الأقاليم الواقعة بير السنغال والنيجر. وتم ف وف مدينة "تنبكت" وامتداد الإسلام إلى مدينة (جت ) ، وقد غدت هاتان المدينتان السودانيتان أعظم مركزين للثقافة الإسلامية وسوقير هامتير ي هذه المرحلة كذلك، ظلت للتجارة السودانية على ضفاف النيجر. وف الموجة الإسلامية الأولى قوية، بيد أن موجهيها لم يصبحوا من الي بر، بل من أهل البلاد الأصليير الذين اعتنقوا الإسلام، ونالوا نصيبا من الثقافة الإسلامية، سواء أكانوا من السودانيير الخلص، أم من السودانيير الذين ي ميادين اختلطت دماؤهم بدماء الي بر، وأفادوا من خي اتهم السابقة ف السياسة والحرب، فأسسوا سلطنات إسلامية واسعة مثل: مالىي "وسنغ ، ي شمال نيجيريا، حيث قا وبرنوء والكانم، وإمارات الهوسة ف مت سبع إمارات هي: دورا، وكانو، وزاريا، وغوبر (جوبير) ، وكتسنا، وبيرام، ورانو 1 . (1 /429 ) ولقد كان معظم إمارات الهوسة على الوثنية حتى القرن الثامن الهجري ( 14 م) ، حير وفدت إليها تيارات إسلامية من الغرب على أيدي فقهاء مالىي، ومن الشمال على أيدي فقهاء المغرب أما التيار الثالث فمصدره بلاد برنو ومصر،

عدد الصفحات ٧

وثم تيار إسلامي رابع وفد إليها مع تجار جت ي وتنبكت الميىددين على إمارنىي كانو وكتسنا أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر للهجرة. ( 15- 16 م) ، وذلك إبان انتعاش ت ي هذه جارة إمارات الهوسة، واستقرار أولئك التجار ف البلاد، والقيام على تدر يس الدين الإسلامي ونشر مذهب مالك 1، وساعد ع ي القرن العاشر الهجري ( ازدياد قوة التيار الإسلامي ف 16 م) خضوع إمارا ت الهوسة لسلطنة سنغ الإسلامية. لكن على الرغم مما بذل من جهود لنشر الإسلا ي بلاد الهوسة. فإن الإسلام م ف لم يغلب على هذه البلاد، وظلت بها جماليات وثنية حتى مطلع القرن الثالث عشر الهجري ( 19 م2، ولم يلبث بعض أمراء الهوسة أن تحولت حماستهم للإسلام والثقافة الإ سلامية إلى فتور تام، ولم يعد يسمع شريء عن نشاط إسلامي خلال القرنير الحادي عشر والثان ي عشر ( 17،18 م- حتى قيام ي القر الفلان بثوراتهم الإصلاحية ف ن الثالث عشر الهجري ( 19 م ي القرن العاشر الهجري ي غرب أفريقية ف يضاف إلى هذا أن الغزو المراكشري ف (16م) والقضاءعلى سلطنة سنغ الإسلامية، قد أدى إلى تدهور أحوال البلاد الاقتصادية والثقافية والدينية، بسبب فساد الأمن واضطراب سير التجارة السودانية عي الصحراء الكي ى، وتشريد علماء تنبكت، واضمحلال جامعاتها. يقابل هذا ازدياد نفوذ الممالك الوثنية مثل سيغو (سجو) 3 وخضوع الباشوات الذين خلفهم الغزو المراكشري لنفوذ ملوك سيغو الوثنيير ثم إن الجامعات ي الأقاليم الوثنية الإسلامية القليلة المبعيرة ف (1 /430 ) عوملت معاملة أهل الذمة؛ فقد فرضت عليهم ا لجزية، وحرموا من تطبيق الشريعة الإسلامية، وخضعوا لقوانير البلاد القائمة على العادات الوثنية. واستمرأ معظم أمراء المسلمير - وقتذاك- ومن يلوذ بهم من النفعيير الح ياة

عدد الصفحات ٨

ي ظل هذا الركود، ما عدا نفر من أهل الصلاح والتقوى الذين يتطلعون إ ف ظهور مصلح يأخذ بأيدي المسلمير ، وينقذ الدين الإسلامي من وهدته 1 . ي بلاد الهوسة الحركات الإصلاحية ف تحقق هذا الإصلاح المرتقب على أيدي الفلان منذ مطلع القرن الثالث عشر للهجرة (19 م) . وهني ا تبدأ الموجة الإسلامية الثانية التىي بلغت من القوة ف خلال قرن واحد حدا يفوق ما بلغته الموجة الإسلا ي خدمة مية الأولى ف ي غرب أفريقية خلال سبع قرون. ولقد امتدت الإسلام والثقافة الإسلامية ف اليقظة الإسلامية التىي انبعثت من قلب الجزيرة العربية على يد الشيخ المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى بلاد الهوسة بغرب أفريقية أول القرن الثالث عشر الهجري؛ إذ وجدت الدع وة السلفية طريقها إلى هذه الأقاليم التىي ما كان لها أن تبفى بعيدة عما يعتمل - وقتذاك - ي قلب الجزيرة ف العربية وغيرها من الأقطار الإسلامية التىي تأثرت بالدعوة ال سلفية؛ لصلاتها ي موسم الحج. القوية بها جميعا ولا سيما ف ي غرب كان رواد نشر الدعوة السلفية ودعاتها ف أفريقية من قبائل الفلت ي (الفلان) الذين أخذت أفواجهم منذ القرن السابع الهجري ( 13 م) تفد من ي شمال مواطنهم الأصلية بإقليم فوتاتورو بالسنغال إلى بلاد الهوسة ف نيجيريا. وقد انقسم المهاجرون من الفلان إلى فريقير : فريق سكن المدن وعرف باسم "فلان جدا"، أي: المختلطير أو المهجنير ، لاختلاطهم بقبائل الهوسة عن طريق المصاهرة 2 وهؤلاء كانوا أول من __________ 1 ي أخبار البلدان والجيوش, وأكابر محمود كعت التنبكتىي: تاري خ الفتاسن ف الناس ص 17 . (2 )Fage, o. g. d.: an introduction to the history of west africa. p. 35 . (1 /431 )

عدد الصفحات ٩

ي بلاد الهوسة. أما الفريق اعتنق الإسلام ف الآخر فمن البدو الذين لم يختلطوا بقبائل الهوسة. وعرفوا باسم: "بروروح ي" أي رعاة البقر، واحتفظ هؤلاء ي أ بدينهم الوثت ي. وف واخر القرن الثان ي عشر الهجري ( 18 م) غدا الفلان جدا المسلمون عنصرا هاما بير سكان بلاد الهوسة ووصل كثير منهم إلى أعلى المناصب بفضل مواهبهم واستعدادهم الذهت ي 1 . عثمان بن فودي والدعوة إلى الإصلاح ي غرب أفريقية هو الشيخ عثمان بن وبطل قصة انتشار الدعوة السلفية ف فودي (دان فيديو) 2 ي ينتسب هذا المصلح إلى أشة من الفلان انطلقت ف ي بلاد ركاب المهاجرين منهم حتى دخلت سهول السودان الغرن ي وأقامت ف الهوسةي هذه البيئة ولد عثمان بن فودي سنة ، وف 1169 ي قرية طفل من هـ ف ي بيت علم وفتوى؛ إذ اع أعمال إمارة كوبر (جوبير) . وقد نشأ ف تنق أجداده الإسلام من زمن بعيد، واشتغل أبوه وأفراد أشته بالعلم، وتلفى عثمان بن فودي دروسه الأولى على يد أبيه محمد، وأمه حواء، وجدته رقي ة 3. شب ي هذه البيئة المتدينة، ودرس علوم العربية وعلوم القرآن عثمان بن فودي ف ي بلاد والحديث والفقه على أيدي علماء عصره ف ي أغاديس الهوسة، وف 4 . ولعل أقوى أساتذته تأثيرا فيه هو الشيخ جي يل بن عمر 5 . ولما بلغ عثمان بن فودي مبلغ الرجال، وأونىي حظا من النضوج العقلىي ي بلاد الهوسة، وما كانوا عليه من تخلف والفكري، هاله حال المسلمير ف وانحراف عن جادة الإسلام الصحيح. وانتشار البدع والخرافات والوثنيات، ثم رحل عثمان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، فتأثر بالدعوة السلفية التىي كانت ي الوقت ي النمو والانتشار ف آخذة ف الذي زار فيه __ ________ 1 Boville, e. a.: the golden trade of the moors, p. 224 2 عرف باسم دان فوديو. أي: ابن النقية. واسمه عثمان بن محمد بن عثمان

عدد الصفحات ١٠

بن صالح. ومن الألقاب التىي تلقب بها: نور الزم ان, ومجدد الإسلام. والشيخ. 3 ي نيجيريا ص آدم عبد الله الألوري: الإسلام ف 35 . 4 أغاديس: مدينة تقع بالقرب من طريق القوافل الممتد بير أقاليم السودان الأوسط وبلاد المغرب. 5 آدم عبد الله الألوري: المرجع نفسه ص 30-31 . (1 /432 ) مكة1 ي صورة الدولة السعودية الأو حير دخلوها ف - كما سبق أن ذكرنا - ولقد خالط عثمان بن فودي دعاة السلفية من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب واستمع إليهم وتشرب مبادئ الدعوة السلفية وتحمس لها، فأيقظت ي إصلاح أحوال المجتم ي نفسه رغبة ملحة ف ف ي بلاده، ومحاربة البدع ع ف ي بلاده، حيث اختلطت تعاليم الإسلام والخرافات والوثنيات التىي تفشت ف بالعادات الوثنية، وارتد بعض المسلمير عن دينهم 2. ولعل خير ما نستشهد ي ي هذا المقام ما ذكره الإمام محمد بللو بن الشيخ عثمان بن فودي ف به ف ي تاري كتابه "إنفاق الميسور ف خ بلاد التكرور" عن فشو الفساد والبدع ي هذه البلاد (بلاد ي مجتمع الهوسة؛ إذ يقول: "وقد وجدت ف والشركيات ف الهوسة) من أنواع الكفر والفسوق والعصيان أمور فظيعة، وأهوال شنيعة، ي هذه البلاد من صح إيمانه طبقت هذه البلاد وملأتها حتى لا يكاد يوجد ف وتعبد إلا النادر الي غالبهم قليل، ولا يوجد ف من يعرف التوحيد، ويحسن الوضوء، والصلاة، والزكاة، والصيام، وسائر العبادات، فمنهم كفار يعبدون الأحجار والجن، ويصرحون على أنفسهم بالكفر، ولا يصلون، ولا يصومون، ي جنابه الأعلى. وهؤلاء ي حقه ما لا يليق ف ولا يزكون، ويسبون الله ويقولون ف غالب عامة السودان الذين يقال لهم: "ما غنداوا"، وبعض عتاة الفلاتيير والتوارك، ومنهم قوم يقرون بالتوحيد، ويصلون، ويصومون، ويزكون من غير

عدد الصفحات ١١

ي ذلك كله بالرسم والعلامة، مع أنهم يخلطون استكمال شروط، بل يأتون ف هذه الأعمال بأعمال الكفر الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، و بعضهم من قبل نفسه........ وغالب ملوك هذه البلاد وجنودهم وأطبائهم وعلمائهم من هذا القبيل. ومنهم قوم يقرون بالتوحيد، ويصلون ويصومون، ويزكون من غير استكمال شروط كما مر، مع أنهم مقيمون على عوائد ردية وبدع شيطانية، ومنهم ي المعاضي الجاهلية متأنسون بها، منهمكون ف جارون فيها مجرى المباحات حتى كأنها لم يرد فيها نهي، وهي خصال كثيرة أقاموا عليها، وهؤلاء أكير عامة الفلاتيير وبعض مسلمي السودانيير (الهوسة) ؛ إذ قد مر أن غالبهم كفار بالأصالة وبعضهم بالتخليط. ومنهم قوم عارفون بالتوحيد كما ينبغ ي، __________ 1 أرنولد: الدعوة إلى الإسلام, ترجمة حسن إ براهيم حسن وآخرين ص 360 , 362 . 2 آدم عبد الله الألوري: المرجع نفسه ص31 . (1 /433 ) محسنون للوضوء والغسل، والصلاة، والزكاة، والصيام بذلك كما ينبغ ي، وهؤلاء النادر القليل 1 . ويضيف آدم عبد الله الألوري - أحد علماء نيجيريا - إلى ذلك قوله: " لما ي نفوس المسلمير وعظموا الأشجار انتشرت البدع بير اللمعاء ودب الفساد ف والأحجار ونسبوا إليها الرزق والولد وا ي الجور لخير والشر، وتعمق الملوك ف والطغيان، حتى إذا مرض أحدهم ذبح عبدا أو أمة له ليفديه من الموت، تلك هي الأشياء التىي أنهضت نية ابن فودي للقيام بالدعوة إلى إخماد البدع الشنيعة وإحياء الشريعة" 2 .

عدد الصفحات ١٢

ي سنة وف 1215 هـ بدأ عثمان بن فودي الدعوة إلى الإصلاح، كما بدأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته: دعوة إلى الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتىي هي أحسن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويبدو من ي الإصلاح العودة بالإسلام إلى ما كان عليه زمن الرسول صلى الله منهجه ف عليه وسلم وصحابته- رض ي الله عنهم - فأخذ يدعو إلى إحياء الشريعة الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة وإجماع السلف الصالح - رضوان الله عليهم. ولما زاد عدد أتباع الشيخ عثمان ومريديه، رأى أن ينتقل إلى المرحلة الثانية ي الاتصال بأحد الملوك ليشد من أزره، فلجأ إلى أقوى من الدعوة، وفكر ف ملوك الهوسة- وهو وقتذاك- الملك نافتا (ملك غوبر) ، وشرح له الإسلام الصحيح وطلب إليه إحياء معالم الدين، وإقامة العدل بير الناس. فاستجاب له- أول الأمر- وأسند إليه الفتوى والإرشاد بمجلسه وديوانه 3. غير أن بعض مدعي العلم الحاقدين، قاموا يعيرونه لاتصاله بالملك ويتهمونه بالرياء والسغي إ لى الجاه والسلطان، ووشوا به عند الملك. __________ 1 ي تاري خ بلاد التكرور, طبع محمد بللو بن عثمان بن فودي: إنفاق الميسور ف دار الشعب. القاهرة 1383 ( هـ1964م) ص58-60 . 2 ي نيجيريا ص آدم عبد الله الألوري: الإسلام ف 35- 36 . 3 آدم عبد الله الألوري, نفس المصدر ص 37 . (1 /434 ) ومنهم من أنكر عليه بعض أقواله وأفعاله 1، فوقعت بينه وبير الملك جفوة سافر بسببها الشيخ إلى بلاد زمفرة وكت ي، حيث قصى خمس سنوات داعيا إلى الإسلام، فاعتنقه على يديه عدد من الوثنيير ، كما تاب على يديه عدد من

عدد الصفحات ١٣

المرتدين وهنا نيىك القلم للإمام محمد بلل و بن الشيخ عثمان بن فودي، ليلفىي المزيد ي من الضوء على ما قام به والده المصلح الكبير من جهود لنشر الدعوة ف ي وجه الدعوة ي سبيلها من عداء الملوك ووقوفهم ف مجتمع الهوسة، وما لفىي ف فيقول: " ... ثم إنه لما برز هكذا، وكير أتباعه من العلماء والعوام، وتراسل الخلق إلى الاقتداء به، وكف اه الله من ناوأه من علماء وقته، حتى نشر أعلام ي البلد أي تمكير ، نصب أهل الدنيا له الدين، وأحيا السنة الغراء، فتمكنت ف العداوة من أمراء هذه البلاد،..... وإنما غاظهم ما يرون من ظهور الدين وقيام ما درس من معالم اليقير ، وذهاب بقاء ما هم فيه من الضلال والباطل والتخمير ، مع أن سلطنتهم.. مؤسسة على قواعد مخالفة للشريعة.... فلما أوضح الشيخ الطريق، واهتدى إليه أهل التوفيق ... وبفىي أهل الدنيا من ي طغيانهم يعمهون، ... فجعل أولئك الملوك والعلماء علماء السوء والملوك ف يؤذون الجماعة (أتباعه) ، ويعيىضون كل من ينتسب إلى الشيخ، ... ولم يزل ي إطفاء ذلك النور ويكيد بالشيخ كل من تولى من ملوك بلادنا مجتهدا ف ي استئصالهم. وأما الأحكام فهم متجمدون وبجماعته، ويمكر بهم ويحتال ف على ما وجدوا أباءهم الأسلاف ... وغالب أحكامهم مصادم للكتاب والسنة وإجماع الأمة، كما هو معلوم مش هور، مع أنهم مفيى ون بأقوال وأفعال لا تصدر إلا من كافر ... ولم يرعنا إلا إنذار أمير غوبر نافتا بثلاثة أمور: أنه لم يرض لأحد أن يعظ الناس إلا الشيخ وحده، ولم يرض لأحد بالإسلام إلا وارثه من آبائه، ومن لم يرث الإسلام فليعد إلى ما وجد عليه آباءه وأجداده، وألا ي تعمم أحد بعد اليو ي م، ولا تصر ب امرأة بخمارها على جيبها. وهذا إنذاره ف ي مكيدتنا.." الأسواق، كل ذلك سغي منه ف 2 . لقد اعتنق الإسلام على يدي الشيخ عدد كبير من الوثنيير ، وزاد الناس له أتباعا، __________

عدد الصفحات ١٤

1 المصدر السابق 2 ي تاري خ بلاد ا محمد بللو: إنفاق الميسور ف لتكرور ص 95- 97 . (1 /435 ) ورأى الملوك فيه خطرا ملحا ينتقص من سيادتهم، ويحد من نزواتهم، ويؤلب عليهم رعيتهم 1 . ي حكم إمارة غوبر وعلى الرغم ي الأمير نافتا، خلفه ابنه الأمير يونفا ف ولما توف من أنه كان تلميذا للشيخ عثمان، فقد كان لا يقل عن أبيه انتصارا للوثنية، ي ازدياد قوة ورأى الأمير يونفا ف الشيخ وكيرة أنصاره خطرا يهدد عرشه، فدبر ي التخلص من الشيخ إلى ازدياد عدد مؤامرة لاغتياله، وأدى فشل الأمير ف أنصاره وتلاميذه. لقد أدرك الشيخ أنه لم يستطع أن يحقق هدفه بالفوز بمعاونة أمير من أمراء الهوسة، ومساندة القوة السياسية للدعوة، بل تعرضت دعوته للخطر ب إصدار القرارات المساندة للوثنية من ناحية، ومحاولة القضاء عليه وعلى دعوته من ناحية أخرى. ي شتاء سنة وف 1218 ( هـ1803 م) خرج الشيخ صحبة فريق من أتباعه ي المخلصير مهاجرين إلى بلدة جودو على أطراف الصحراء. ونادى الشيخ ف أنصاره معلنا الهجرة من دار الكفر إلى دار ال هجرة، غير أن أمراء الهوسة قابلوا عمل الشيخ وأنصاره بتعقبهم أينما ذهبوا، وقطع الطرق الموصلة إليهم، ونهب أموالهم والتهيؤ لحرب هم. فلم يجد الشيخ بدا من إعلان الجهاد. واستجابت له عشائر الفلان من البلدين والرعاة، وقدموا إلى مهجره ل لانضمام إلى جيشه، وتأييد دعوته، وبايعوه على الجهاد أو الموت، وطاعة الله ورسوله، كما بايعوه بإمرة المؤمنير (ساركير مسلمي) 2 . تزعم أمير غوبر المعارضير له، وسار لحربه، وجاء إعلان الجهاد رسميا سنة

عدد الصفحات ١٥

1219 ( هـ1804 ي الحركة الإصلاحية، هو دور الف م) بداية دور جديد ف تح والجهاد. فعقد الشيخ اللواء لأ ربعة عشر من أصحابه، وأحرزوا نصرا على أمير ي بلاد الهوسة، غوبر وحلفائه من الطوارق. وأثارت هزيمتهم الهلع والخوف ف واستولى المجاهدون على إمارة زاريا سنة __________ 1 ي غرب إفريقية، المجل ي نشر الحضارة ف حسن أحمد محمود: دور العرب ف ة التاريخية المصرية العدد 14 ,1968, ص94 . 2 Boville, e. a.: op. cit. p. 225 (1 /436 ) 1219 ( هـ1804 م) ، وإمارنىي كانو وكتسنا سنة 1220 ( هـ1805 م) ، كما ي أيديهم عاصمة إمارة غوبر سنة وقعت ف 1223 ( هـ1808 م لقد كانت الحماسة الدينية تدفع أولئك المجاهدين إلى طلب الشهادة، ي سنة فتمكنوا ف 1225 ( هـ1810 م) من إخضاع إمارات الهوسة جميعها لنفوذهم. رأى ا لشيخ عثمان بن فودي أن تشمل حركته الإصلاحية بلاد برنو (السودان الأوسط) لموالاة سلطانها للوثنيير ومساعدتهم ضد المجاهدين من أنصار الشيخ، فاستولوا على كثير من أقاليم برنو لمتاخمتها لبلادهم من جهة الشرق. وهكذا تمت آخر مرحلة من مراحل الجهاد، فتأسست دولة إسلامية شملت جميع إمارات الهوسة القديمة. ورأى الشيخ عثمان أن ييىك شئون الحكم والإدارة لابنه محمد بللو، وأخيه الوزير عبد الله بن فودي، فقسم البلاد بينهما. وجعل ابنه محمدا على ي وعاصمته سكت القسم الشرفى (سكوتو) ، وجعل أخاه عبد الله على القسم الغرن ي من الدولة، وعاصمته ي إقليم كت . أما الشيخ عثمان فإنه آثر التفرغ للدراسة ونشر الإسلام جواندو ف

عدد الصفحات ١٦