المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخلاف بين السلف

غير معروف

صفحة ١٣ من ٢١

192 انتحال السلف من شعائر أهل البدع فهذا باطل قطعا. فإن ذلك غير ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم. يوضح ذلك: أن كثيرا من أصحاب أبي محمد من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف - في مثل مسألة الإيمان. ومسألة تأويل الآيات والأحاديث - يقولون: " مذهب السلف: أن الإيمان قول وعمل يزيد وين قص. وأما المتكلمون من أصحابنا: فمذهبهم كيت وكيت " وكذلك يقولون: " مذهب السلف: أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لا تتأول. والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبا وإما جوازا " ويذكرون الخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين. هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتب هم. أفلا عاقل يعتبر؟ ومغرور يزدجر؟ : إن السلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف ثم يحدث مقالة تخرج عنهم. أليس هذا صريحا: إن السلف كانوا ضالين عن التوحيد والتنزيه وعلمه المتأخرون وهذا فاسد بضرورة العلم الصحيح والدين المتين.". (1) 176. 92-"وغير ذلك من الكتب الكثة ولم ينسب أحد منهم إلى خلاف ذلك إلا بعض أهل الغرض نسب البخاري إلى أنه قال ذلك. وقد ثبت عنه بالإسناد المرضي أنه قال: من قال عني أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب. وتراجمه في آخر صحيحه تبين ذلك. وهنا ثلاثة أشياء: " أحدها " حروف القرآن التي هي لفظه قبل أن ي نزل به ا جبريل وبعد ما نزل بها فمن قال: إن هذه مخلوقة فقد خالف إجماع السلف فإنه لم يكن في زمانهم من يقول هذا إلا الذين قالوا. إن القرآن مخلوق فإن أولئك قالوا بالخلق للألفاظ؛ ألفاظ القرآن وأما ما سوى ذلك فهم لا يقرون بثبوته لا مخلوقا ولا غير مخلوق وقد اعترف غير واحد من فحول أهل الكلام بهذا: منهم عبد الكريم الشهرستاني مع خبرته بالملل والنحل فإنه ذكر أن السلف مطلقا ذهبوا إلى أن حروف القرآن غير مخلوقة وقال: ظهور القول بحدوث القرآن محدث وقرر مذهب السلف في كتابه المسمى ب " نهاية الكلام ". " الثاني " أفعال العباد و هي حركاتهم التي تظهر عليها التلاوة. فلا خلاف بين السلف أن أفعال (1) مجموع الفتاوى 4/156

عدد الصفحات ١٩٢

193 العباد مخلوفة؛ ولهذا قيل: إنه بدع (1) 177. 93-"السنة وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال. فصل: الخلاف بين السلف في التفسير قليل وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد وذلك صنفان: " أحدهما " أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى - بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المتر ادفة والمتباينة - كما قيل في اسم السيف الصارم والمهند وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادا لدعائه باسم آخر؛ بل الأمر كما قال تعا ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحس المسماة وعلى الصفة التي". (2) 178. 94-"لانالخلاف بين السلف هل هي آية من الفاتحة ام لا ولم يعدها احد آية من سائر السور وما حكاه البيهقى في هذا الباب (عن عثمان انه لم يكتب بين الانفال وبراءة سطر بسم الله الرحمن الرحيم) يدل على انها للفصل بين السور *". (3) 179. 95-"قال وثنا محمد بن كثير ، قال: سألت الأوزاعي عن العرض ، فقال: قل كما كان هذا - يريد أن يقول حدثنا ، قال أبو عبيد: " وكان إسماعي ل بن جعفر ربما قال في بعض حديثه: هذا عرض ، ثم يقول: حدثني ، قال أبو عبيد: كنا نسمع ابن المبارك كثيرا (1) مجموع الفتاوى 12/572 (2) مجموع الفتاوى 13/333 (3) الجوهر النقي2/41

عدد الصفحات ١٩٣

194 يقول: أخبرني فكنت أرى أنه سمعه وحده ، حتى أخبروني أنه كان يقول: إذا حدثنا؛ فقد حدث كل واحد منا على حياله ، فلهذا استجاز أن يقول " قال الخطيب: قصد أبو عبيد في آخر هذا الكلام البيان أن قول الراوي حدثنا فيما سمعه عرضا جائز ، وكذلك قوله: أخبرني فيما سمعه مع الجماعة ، وفي ذلك خلاف بين السلف نحن نذكره بعد في موضعه بمشيئة الله تعالى ومعونته "". (1) 180. 1-"المختصرات عموم المسلمين فيوهمون أن ذلك من أركان الاسلام فلولا أ ن هذا قد وقع منهم ما كان العاقل يصدق بوقوعه ممن هو دونهم فنسأل الله تعالى العافية وإنما أوضحت هذا الكلام أيها السنى لتغتبط بعلم القرآن والاثر ولتصونه عن شوبه بأمثال هذا من بدع أهل الدعاوى للحذق في النظر فقد صارت أقوالهم في الركة أمثالا وعبرا لمن اعتبر وجميع ما يرد على هذا من الأسئلة وأجوبتها تقدم في المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى فخذه إن احتجت اليه والحمد لله رب العالمين خاتمة تشتمل على فائدة نفيسة وهي أن هذه المسألة وأمثالها مما بالغت في نصرته مثل اثبات حكمة الله تعالى وتعظيم قدرته عز وجل من قبيل الثناء الحسن بحيث لو قدرنا الخطأ في شيء منها ما كان يخاف منه الكفر والعذاب قطعا وأما أضدادها فانه يخاف ذلك عند تقدير الخطأ فيها لاستلزامها ما لا يجوز على الله تعالى من النقص المضاد لاسمائه الحسنى التي هي جمع تأنيث الاحسن من كل ثناء لا جمع تانيث الحسن كما مر تقريره فاعرض هذه الفائدة النفيسة على كل عقيدة لك وشد عليها يديك في كل ما لم يعارض المعلوم ضرورة من الدين والله الموفق والهادي إلى الصواب المسألة الخامسة أن الله تعالى لا يعذب أطفال المشركين بذنوب آبائهم ولا بغير ذنب وهذه من فروع اثبات الحكمة وهي أخت التي قبلها وهو مذهب جماهير الاسلام بل لم يعرف فيه خلاف بين السلف فانهم كانوا مجمعين على عدل الله تعالى وحكمته في الجملة والاجماع على ذلك يتقضي المنع من كل ما يضاده وممن صرح باختيار هذا البخاري في صحيحه (1) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص279

عدد الصفحات ١٩٤

195 والنووي في شرح مسلم وقواه واحتج عليه ونسبه إلى المحققين و كذلك اختاره ع لي بن عبد الكافي الشهير بالسبكي في كتاب جمعه في هذه المسألة وهما من عيون أئمة السنة والطائفة الشافعية وكذلك اختار ذلك العلامة أبو". (1) 181. 2-"أثبته فوق. فقال: إسحاق قال1 فقال ابن طاهر: هذا ياأبا يعقوب يوم القيامة. قال: ومن يجئ يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ 2 أما كيف ينزل وهل يخلو منه العرش؟ هذا فيه خلاف بين السلف قال شيخ الإسلام مبينا الصواب من قول أهل السنة في النزول مع كونه على العرش: "المأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه - لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوه و نزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك ... " 3، هذا مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم. __________ 1 الآية22 من سورة الفجر 2 الذهبي: العلو للعلي الغفار ص132. 3 انظر: شرح حديث النزول ص 66 .".(2) 182. 3-"إذا ثمتخلاف بين السلف والأشاعرة فالسلف الصالح حين أثبتوا الرؤية أثب توا جهة العلو لله تعالى أيضا لأنها لازمة لها، والأشاعرة نفوها وذلك نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم. لذلك كانت المعتزلة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارا من الوقوع في التناقض الذ ي وقع فيه الأشاعرة كما سبق 1. __________ (1) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات ص 339 (2) الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة 1/343

عدد الصفحات ١٩٥

196 1 انظر البيهقي وموقفه من الإلهيات ص316 لشيخنا الأستاذ الدكتور أحمد بن عطية الغامدي.". (1) 183. 4-"فمثل الإسلام من الإيمان؛ كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى؛ فالشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة غير الشهادة لله بال وحدانية والعبادة، وم ثل لفظ الفقير إذا أطلق دخل فيه المسكين، وإذا أطلق لفظ المسكين تناول الفقير، وإذا قرن بينهما؛ فأحدهما غير الآخر. كذلك الإسلام والإيمان؛ إذ لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخ لو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه. وبهذا التفصيل يحصل الجمع بين الأدلة، وهذا هو القول الوسط، وبه تجتمع النصوص الشرعية. ويمكن القول إن الخلاف بين السلف في هذه المسألة خلاف لفظي يسير؛ لأن الجميع متفقون على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان يزيد بال طاعة وينقص بالمعصية، وأنهم لا يخرجون أهل المعاصي من الإيمان إلى الكفر؛ وإذا أخرجوهم من الإيمان إلى الإسلام؛ فلم يقولوا إنه لا يبقى معهم شيء من الإيمان؛ بل يبقى معهم أصل الإيمان.". (2) 184. 5-"115 - فصل لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز للإنسان أن يقول: "أنا مؤمن عند الله أو أنا مؤمن عند الله حقا" لأنه لا يدري ما حكمه عند الله. وعلى هذا المعنى يحمل ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "من قال أنا مؤمن حقا فهو كافر حقا" 1. وأما ما روي عن حارثة حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف أصبحت يا حارثة فقال: أصبحت مؤمنا حقا" فإنه يحمل على أنه أراد مؤمنا حقا عن نفسي، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك " قال: استوى عندي (1) الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة 1/485 (2) الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة ص 88

عدد الصفحات ١٩٦

197 من الدنيا حجرها وذهبها 2. الخبر الذي مضى ذكره، ففسر إيمانه بما عنده من اليقين فأقره النبي صلى الله عليه وسلم. ولا خلاف بين السلف أن الاستثناء في الإيمان على جهة الشك في التوحيد لا يجوز، لأن أقل ما يقبل من الإيمان ما لا يخالطه الشك3. __________ 1 أخرجه اللالكائي في السنة 4/974 عن نعيم بن أبي هند عنه وهو منقطع، فإن نعيما يدرك عمر - رضي الله عنه. انظر: الت هذيب 10/468، كما أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبير 2/869 من طريق قتادة عن عمر، إلا أنه منقطع أيضا لأن قتادة لم يسمع من صحابي غير انس بن مالك - رضي الله عنه -، كما ذكر ذلك ابن حجر في التهذيب 8/355. 2 تقدم تخريجه- ص 768. 3 الاستثناء في الإيمان فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز الاستثناء في الإيمان، وهو قول كثير من السلف وسيفصل المصنف قولهم. القول الثاني: وجوب الاستثناء في الإيمان، وتعليل من قال بهذا هو أن الإيمان المعتبر عندهم ما يموت عليه صاحبه، والإنسان لا يعلم هل يموت مؤمنا أم كافرا، فعلى هذا قالوا بوجوب الاستثناء بلنسبة للمستقبل، فاستثناؤهم على الشك في الثبات على الإيمان إلى الموت، وطمعا في أن يوفقوا للثبات عليه إلى الممات. وسيأتي بيان القائلين به عند كلام المصنف على المعنى الرابع من معاني الاستثناء. القول الثالث: قول من يحرمه وينكره، ويقول: " من استثنى فق د شك والشك كفر" وهؤلاء يزعمون أن الإيمان شيء واحد يعلم الإنسان من نفسه الإتيان به وهو التصديق عندهم، كما يعلم أنه متكلم بالشهادتين أو أنه قرأ الفاتحة. وقال بهذا الجمهية وطوائف من المرجئة، ونسب البغدادي في أصول الدين إنكار الاستثناء إلى أبي عبد الله بن مجاهد وأبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الإسفرائيني، ونسب ملا القار ي في شرح الفقه الأكبر تحريمه بل تكفير قائله إلى صاحب التمهيد والكفاية من الحنفية. وهؤلاء هم الذين عناهم السلف في بيان مأخذ الاستثناء، وأنه ليس على الشك. انظر:

عدد الصفحات ١٩٧

198 شعب الإيمان للحيلمي1/127، أصول الدينللبغدادي ص 253، الفضل في الملل والنحل لابن حزم 4/228، المعتمد في أصول الدين ص190، شرح الفقه الأكبر ص 117، الفتاوى لشيخ الإسلام 7/253 - 256 - 429 - 453 .".(1) 185. 6-"اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -. قال: «الخلاف ب السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب مايصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد » . (1) ثم ذكر-رحمه الله - أن اختلاف التنوع يرجع إلى أمرين: الأول: أن يعبر كل واحد من السلف بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل عل ى المعنى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم فيقول بعضهم: بأنه هو القرآن أو اتباع القرآن، ويقول آخر: هو الإسلام، أو دين الإسلام، ويقول آخر: هو السنة والجماعة، ويقول آخر: طريق العبودية، أو طريق الخوف والرجاء والحب، أ و امتثال المأمور واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب والسنة أو العمل بطاعة الله أو نحو هذه الأسماء والعبارات. الثاني: أن يذكر كل واحد من السلف الاسم العام ببعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوص ه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ (الخبز) فأري رغيفا وقيل له: هذا فالإشارة إلى نوع هذا، لا إلى هذا الرغيف وحده. ( 2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية«وعامة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب »3) ومن هنا يظهر أن هذا النوع من الاختلاف -وهو الغالب على ما _________ (1) الانتصار في الرد على المعتزلة ال قدرية الأشرار 3/780

عدد الصفحات ١٩٨

199 (1) مقدمة في أصول التفسير ص10. (2) انظر: مقدمة في أصول التفسير لشيخ الاسلام ابن تيمية ص10-12، ... ومجموع الفتاوى 13/381-382. (3) مجموع الفتاوى 13/381 .".(1) 186. 7-"2 - إمكانه في المستقبل دون الماضي، وهو قول كثير من أهل ال كلام من الجهمية، والمعتزلة، ومن وافقهم من الكرامية والأشعرية والشيعة وغير هم. 3 - إمكانه في الماضي والمستقبل، وهو قول أئمة أهل الحديث، وأئمة الفلاسفة وغيرهم1. وقد سبق أن ذكرت تعليل البيهقي لقوله بحدوث صفات الأفعال، بأن الأفعال التي اشتقت منها حدثت بعد أن لم تكن وهذا تصريح بمنع التسلسل في جانب الماضي الذي هو محل الخلاف بين السلف والمتكلمين. وقد استدل المانعون له في جانب الماضي بأدلة أشهرها ما يسمى برهان التطبيق ويتلخص هذا الدليل في أنهم يقدرون الحوادث من زمن الهجرة مثلا إلى ما لا يتناهى، والحوادث من زمن الطو فان إلى ما لا يتناهى أيضا، ثم يوازنون بين الجملتين فيقولون: إن تساوتا لزم مساواة الزائد للناقص، وهذا ممتنع، وإن تفاضلتا لزم أن يكون فيما لا يتناهى تفاضل وهو محال 2. إلا أن هذا الاستدلال غير صالح من وجهة نظر مجيزي التسلسل في الماضي لأنهم يقولون "لا نسلم أن حصول مثل هذا التفاضل في ذلك ممتنع، بل نحن نعلم أن من الطوفان إلى ما لا نهاية له في المستقبل أعظم من الهجرة إلى ما لا نهاية له في المستقبل، وكذلك من الهجرة إلى ما لا بداية __________ 1 ذكر هذه الآراء الثلاثة شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية 1/122. 2 انظر: شرح العقائد النسفية للتفازاني ص 60، والأربعين في أصول الدين للرازي ط (1) الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال ص179

عدد الصفحات ١٩٩

200 الأولى بدائرة المعارف العثمانية حيدر أباد الدكن 1353؟(1) 187. 8-"بالأمر ها هنا المأمور وهو عرف مستعمل في لغة العرب وفي القرآن منه كث كقوله تعاذي قدره وقضاه وقال له كن فيكون وكذلك قوله تعا مأموره الذي أمر به من إهلاكهم وكذلك قوله تعا وكذلك الخلق يستعمل بمعنى المخلوق كقوله تعالى للجنة أنت رحم تي فليس في قوله تعالى { في تفسيرها جرى بأمر الله في أجساد الخلق وبقدرته استقر وهذا بناء على أن المراد بالروح في الآية روح الإنسان وفي ذلك خلاف بين السلف و الخلف وأكثر السلف بل ك لهم على أن الروح المسئول عنها في الآية ليست أرواح بنى آدم بل هو الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة وهو ملك عظيم وقد ثبت في الصحيح من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال بينا أنا أمشى مع رسول الله في حرة المدينة و هو متكىء على عسيب فمررنا على نفر من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح وقال بعضهم لا تسألوه عسى أن يخبر فيه بشيء تكرهونه وقال بعضهم نسأله فقام رجل فقال يا أبا القاسم ما الروح فسكت عنه رسول الله فعلمت أنه يوحي إليه فقمت فلما تجلى عنه قال ح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قلي ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي وذلك هو الروح الذي عند الله لا يعلمها الناس وأما أرواح بنى آدم فليست من الغيب وقد تكلم فيها طوائف من الناس من أهل الملل وغيرهم فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة فإن قيل فقد قال أبو الشيخ حدثنا الحسين بن محمد بن إبراهيم أنبأنا إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن السدى عن أبى مالك عن ابن عباس قال بعثت قريش عقبة بن أبى معيط وعبد الله (1) البيهقي وموقفه من الإلهيات ص232

عدد الصفحات ٢٠٠

201 ابن أبى أمية بن المغيرة إلى يهود المدينة يسألونهم عن النبي فقالوا لهم انه قد خرج في نا رجل يزعم أنه نبي وليس على ديننا ولا على دينكم قالوا فمن تبعه قالوا سفلتنا والضعفاء والعبيد ومن لا خير فيه وأما أشراف قومه فلم يتبعوه فقالوا انه قد أظل زمان نبي يخرج وهو على ما تصفون من أمر هذا الرجل فائتوه فاسألوه عن ثلاث خصال نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي صادق وإن لم يخبركم بهن فهو كذاب سلوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في آدم فإن قال لكم هي من الله فقولوا كيف يعذب الله في النار شيئا هو". (1) 188. 9-"للكلام عليها، ويكفينا عن بيان حالها عدم تصريح أحد من أهل السنن الذين أخرجوا الصحيح والحسن والضعيف؛ فدل ذ لك على أن هذه الأحاديث لم يكن لها أصل عندهم؛ وإلا لو كان لها أصل ما وسعهم تركها وهي مستقلة بإثبات حكم شرعي، وهل يقول عاقل: إن البخاري ومسلما ومالكا والنسائي وأبا داود والترمذي وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة وغيرهم ممن صنفوا في جمع الأحاديث قد أخلوا كتبه م من هذه المسألة؟! سيما وهم يعلمون أنها ذات خلاف بين السلف كما بيناه سابقا ؛ فلما لم يعرج أحد منه م عليها علمنا أنها لا تصلح للاستدلال، وذكر مثل الدارقطني والبيهقي لها لا يفيدها قوة؛ لأن الدارقطني". (2) 189. 10-"وفهمه وحسن تدبره كان مجالا للتنافس فيما بينهم، وحكي عن السل مي قوله: كنا نقرأ العشر الآيات من القرآن ولا نتجاوزها حتى نعلم ما فيها من علم وعمل. وكان بين أصحاب الرسول من هو حبر الأمة وترجمان القرآن، وكان أقرأهم زيد، وأعلمهم بالفرائض. وإذا اختلفوا في شيء ردوه إلى فلان. كل هذا دليل على عناية جيل الصحابة -ومن بعدهم جيل التابعين- بالقرآن حف ظا وفهما وتدبرا، فكلهم لم يقصروا في فهم ما حفظ من القرآن ولم يمتنع عن إعمال عقله في فهم القرآن، بدليل أننا لم نقرأ آية من كتاب الله إلا وجدنا عنها نقولا للصحابة عن الرسول - (1) الروح ص 151 (2) الكشف المبدي1/137

عدد الصفحات ٢٠١

202 صلى الله عليه وسلم 2- لم نقرأ عن الصحابة والتابع الذين نقلوا إلينا أقوال الرسول وأفعاله أنهم توقفوا أم ام آية أو حديث، وقالوا: إن العقل يعارضها أو يرفضها، أو ينبغي تأويلها بصرفها عن ظاهرها، وإنما عملوا بالمحكم وآمنوا بالمتشابه، وقالوا الغيب من هذه الآيات، وفي مقدمتها آيات الصفات الإلهية التي هي محك الخلاف بين السلف ومخالفيهم، وكذلك آيات البعث والحساب. كذلك لم يتساءلوا عن كيفية أي صفة من الصفات المذكورة في الآية المعينة أو الحديث المعين، وإنما تلقوها بالقبول كما سمعوها عن الرسول -صلى الله عليه وسلم.". (1) 190. 11-"وال كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بهذا اعترافا بالانحراف عن العقيدة الصحيحة"1." __________ "1" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 4/156 159: إن كثيرا من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث يقولون: "مذهب السلف: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وأما المتكلمون من أصحابنا: فمذهبهم كيت وكيت"، وكذلك يقولون: "مذهب السلف: أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لا تتأول، والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبا وإما جوازا"، ويذكرون الخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين. هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم. أفلا عاقل يعتبر؟ ومغرور يزدجر؟ : أن السلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف، ثم يحدث مقالة تخرج عنهم، أليس هذا صريحا: أن السلف كانوا ضالين عن التوحيد والتنزيه، وعلمه المتأخرون؟ وهذا فاسد ب ضرورة العلم الصحيح والدين المتين. وأيضا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين تارة، كما يفعله غير واحد مثل أبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، والرازي وغيرهم. ولازم المذهب الذي ينصرونه تارة أنه هو (1) الوحي والإنسان - قراءة معرفية ص/ 98

عدد الصفحات ٢٠٢

203 المعتمد. فلا يثبتون على دين واحد، وتغلبعليهم الشكوك. وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة. وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: "طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم"، فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل. وغايتهم عندهم: أن يقيمو ا أعذارهم في التقصير والتفريط. ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض، فإنه وإن لم يكن تكفيرا للسلف كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج - ولا تفسيقا لهم - كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم =". (1) 191. 12-"نقل أبو غدة كلام شيخه الذي نقلنا موضوع الشاهد منه، نقله بحرفة، في التعليق على "الرفع والتكميل" "ص 67-69"، ثم أشار إليه في مكان آخر منه ممجدا به ومكبرا له بقوله "ص218:" "وانظر لزاما ما سبق نقله تعليقا فإنك لا تظفر بمثله في كتاب"، ثم أعاد الإشارة إليه "ص223" مع بالغ إعجاب به، وظني به أنه يجهل -أن هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح - مع ما فيه من المخالفة لما عليه السلف كما عرفت، مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم الذين ذهبوا إلى: أن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار! كما في "البحر الر ائق" لابن نجيم الحنفي "5 /129"، والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي، يشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركنا أصليا، ثم يتناسى أنهم يقولون: بأنه يزيد وينقص، وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقا، بل إنهم قالوا في صدد بيان الألفاظ المكفرة عندهم: "وبق وله: الإيمان يزيد وينقص" كما في "البحر الرائق"، "باب أحكام المرتدين"! فالسلف على هذا كفار عندهم مرتدون!! راجع شرح الطحاوية "ص 338-360"، و"التنكيل2 /362- 373" الذي كشف عن مراوغة الكوثري في هذه المسألة وليعلم القارئ الكريم أن أقل ما يقال في الخلاف المذكور في المسألة أن الحنفية يتجاهلون أن (1) تسهيل العقيدة الإسلامية ص14

عدد الصفحات ٢٠٣

204 قول أحدهم-ولو كان فاسقا فاجرا: أنا مؤمن حقا، ينافي مهما تكلفوا في التأويل التأدب مع القرآن ولو من الناحية اللفظية على الأقل الذي يقول وجل ت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا فليتأمل المؤمن الذي عافاه الله تعالى مما ابتلى به هؤلاء المتعصبة، من هو المؤمن حقا عند الله تعالى، ومن هو المؤمن حقا عند هؤلاء ؟! المسألة السادسة: ذهب "الإمام" شارح الطحاوية "ص 351" إلى جواز(1) 192. 13-"1- اعتقادهم أن الكفر هو التكذيب المجرد، إذ هو ضد الإيمان الذي هو عندهم التصديق المجرد - كما رأيت من كلامهم - مع إن الكفر في الشرع منه كفر تكذيب ، وكفر استهزاء، وكفر إباء وامتناع وإعرا ض، وكفر شك، ويتفرع عن هذا كلامهم في " الاستحلال " - كما سنبين إن شاء الله. 2- عدم فهمهم لعلاقة الظاهر بالباطن وارتباطه به، ومن هنا كانت ضرورة بيان حقيقة الإيمان المركبة - كما سنبين تفصيلا بإذن الله. 3- أنهم جعلوا كفر القلب شرطا في كفر الجوارح - على مفهومهم للكفر - والحال أن الكفر يكون باللسان وبالجوارح وبالقلب، أي يدخل في الأعمال كما يدخل في الاعتقادات، وذلك كالسجود للصنم وإهانة المصحف عمدا ونحوها. 4- خطؤهم في فهم معنى الجحود الوارد في الشرع، أو إطلاقه على غير ما وضع له شرعا واستعمله فيه السلف، أو حصره في م عني واحد من معانيه. فالجحود في اللغة وعرف السلف يطلق على الامتناع عن أداء الحق الواجب، وأوضح مثال: تسمية المرتدين جاحدين للزكاة، ومعلوم انهم لم ينكروا أن الله فرض الزكاة، ويقولون إنها ليست من الدين، ولو قالوا ذلك لسموا جاحدين للدين والقرآن، ولما اختلف الصح ابة في شأنهم قط، ولما احتيج في الاستدلال على كفرهم إلى قياس ولا غيره، إنما جحدوا الالتزام (1) شرح الطحاوية - ط دار السلام ص/58

عدد الصفحات ٢٠٤

205 بها، أي أصروا على ألا يدفعونها- مع الإقرار بأنها من الدين - ولهذا عرضت الشبه ة لعمر وغيره في قتالهم، حتى استدل الصديق بما هو مجمع عليه بينهم من تكفير تارك الصلاة (لا جاحد وجوب الصلاة) . فمناط الاختلاف في أمرهم أولا، ثم مناط الاتفاق على قتالهم وتسميتهم مرتدين أخيرا كان المنع والإباء، وقد بلغ الأمر بالصحابة من زوال الشبهة إلى إن قالوا:"لو أطاعنا أبو بكر كفرنا" (1) ، كما أن أصل الخلاف بين السلف والمرجئة القدماء إنما كان في ترك الط اعات لا في إنكار وجوبها، ولكن مع تطور الظاهرة وتداخل الشبهة ودخول شبهة الإرجاء على بعض الأئمة من الفقهاء أو أتباعهم حصل ما حصل مما سيأتي بيانه وتفصيل الأجوبة عليه بإذن الله. ومثل " الترك " غيره من الألفاظ - كما سيأتي بيانه. 5 - شبهات نقلية أفرد لها مبحثا خاصا كما سترى. __________ (1) المصنف لابن أبى شيبة12/265 .". )(1) 193. 14-"وقال1. وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحونه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو إن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم. ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال. والخلاف بين السلف في التفسير قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان: أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى (1) ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي ص 434

عدد الصفحات ٢٠٥

206 غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى،كتفسيرهم (الصراط المستقيم) بعض بالقرآن؛ أي: ات باعه، وبعض بالإسلام، فالقولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ (صراط) يشعر بوصف ثالث. وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبو دية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله، وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها. الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخ صوصه. مثاله: ما نقل في قوله تعا2 الآية. فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات، والمنتهك للمحرمات، __________ 1 سورة النساء 82. 2 سورة فاطر 32 .".(1) 194. 15-"ذلك غير ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم يوضح ذلك: أن كثيرا من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف، في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث، يقولون: مذهب السلف، أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وأما المتكلمون من أصحابنا فمذهبهم كيت وكيت 1، وكذلك يقولون مذهب السلف أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لا تتأول، والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبا أو جوازا ويذكرون اغلخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين، هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم" 2. فلما كان هذا حال هذا الفرق والطوائف؛ تصريح بأن مذهبهم خلاف مذهب السلف، مع ادعاء اتباع الكتاب والسن ة والاستدلال بهما والتسمي بأهل الحق، وأهل السنة والجماعة من قبل بعضهم أظهر أهل السنة مذهب السلف وأبرزوه وذكروا أقوال أئمة السلف من الصحابة (1) غاية الأماني في الرد على النبها 1/121

عدد الصفحات ٢٠٦

207 ومن بعدهم من أهل العلم والإتباع الذين هم أئمة السنة وأهلها بلا منازع ليبينوا من خالف قولهم؛ فليس هو على السنة المحضة وإن أصاب بعضها في بعض أقواله وليتميز المحق في ادعائه من المبطل، فإن اتباع الكتاب والسنة كل يديعيه، والميزان هو اتباع وارتضاء طريقتهم، وانتهاج منهجهم؛ فإنهم كانوا على هدي مستقيم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه 3، وبذلك يظهر المحق من المبطل ويميز بين أهل السنة وأهل البدعة الذين شعارهم مجانب ة السلف ومخالفتهم. __________ 1 قارن بقول الرازي وهو من أئمة الأشاعرة: "الإيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص، وعند المعتزلة لما كان اسما لأداء العبادات كان قابلا لهما، وعند السلف، لما كان اسما للإقرار والاعتقاد والعمل فكذلك". محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص 239. 2 انظر: الفتاوى4 /153- 157. 3 انظر قوله في هذا المعنى: ص103 .".(1) 195. 16-"حكم التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم السؤال: هل التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم فيه خلاف بين السلف؟ و هل لا ينكر على من توسل بالرسول صلى الله عل يه وسلم؟ الجواب: التوسل في الواقع لفظ مجمل قد يقصد به باطل وقد يقصد به حق، فإذا أريد بالتوسل بالرسول التوسل بذاته، فيقول الإنسان: اللهم إني أتوسل إليك برسولك، اللهم إني أتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة، وأسألك بجاهه أو ما أشبه ذلك؛ فهذا بدعة من البدع، ما أحد فع له من الصحابة ولا من التابعين. أما إذا أريد بالتوسل التوسل باتباعه، والإيمان به، ومحبته صلوات الله وسلامه عليه، ومحبة شرعه، ومناصرته؛ فهذا مشروع، وأما التوسل الذي كان يفعله الصحابة فهو غير ممكن، وهو التوسل بدعائه، فيسألون منه أن يدعو لهم، فهذا انقطع بموته صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا ما أحد من الصحابة ذهب إلى القبر يطلب منه أن يدعو له، أو ذهب يتوسل إليه، ولما حصل القحط في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخرجوا يستسقون قال: اللهم إنا (1) وسطية أهل السنة بين الفرق ص 108

عدد الصفحات ٢٠٧