1 أسس وتطبيقات العمل الخيري عند أمير المؤمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الهيثم زعفان نشرت بالمركز الدولي للدراسات والأبحاث – مداد 7002
عدد الصفحات ٢2 بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة رحم الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مجدد الأمة، والحاكم العادل الذي شهدت الأرض في عهده عدلاً وبركة لم تشهده بعده. في سيرته العطرة نماذج خيرية عديدة تدلل على صفاء الرجل وعظمته، وفي إدارته الشرعية للأحوال الاجتماعية للمسلمين نبراساً لكل حاكم ينشد الرفاهية الاجتماعية للرعية التي يحكمها. والمتأمل للإدارة الاجتماعية في حياة الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، يجد أن هناك مسلمات عقدية يقينية رسخت في وجدانه رضي الله عنه وعليها وبها بنيت الأسس العامة لإدارته الاجتماعية لأحوال واحتياجات المسلمين. كما أن في تطبيقاته العملية للبذل والعطاء وفعل الخيرات سواء بصفته الشخصية أو بصفته الرسمية تدليل وتعظيم لمعني العبودية والتجرد لله سبحانه وتعالى أثناء عمل الخير، وبالتالي فإن في الواقع البذلي لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تربية عملية للحاكم والمحكوم.
عدد الصفحات ٣3 وبدورنا البحثي سنحاول أن نلامس أسس وقواعد العمل الخيري عند أم المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه؛ وكذلك شذرات من تطبيقاته العملية في العمل الخيري. نسبه رضي الله عنه هو عمر بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. أمه هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، ولد سنة ثلاث وستين من الهجرة. فلسفته رضي الله عنه في البذل والإنفاق كان لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فلسفة خاصة في البذل والإنفاق، فلسفة تستمد نبعها من الشريعة الإسلامية والعقيدة الصافية، وتظهر جلياً من خلال كلماته المأثورة رضي الله عنه، فعن جزيم أبو محمد بن العابد، أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: "ما أعطيت أحداً مالاً وأنا أستقله، وإني لأستحي من الله عز وجل أن أسأل الجنة لأخ من أخواني، وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل لي: لو كانت الجنة بيدك، كنت بها أبخل " فهذه هي فلسفة البذل والعطاء عنده رضي الله عنه فهو يقدر العطية ويعرف قدر العاطي.
عدد الصفحات ٤4 المال الحلال شرط العطاء عند عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه: حرص عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على أن يكون إطعام المسلمين وإشباع احتياجاتهم من المال الحال الحلال، وذلك لعلمه اليقيني بالحجاب الذي ي صنعه المال الحرام بين العبد وربه، وعلى هذا الأساس العقدي ينبغي أن تكون كافة الأموال السائرة في دائرة العمل الخيري الإسلامي فالله طيب لا يقبل إلا طيبا فعن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ( المؤمنون : 15 )، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ( البقرة : 527 ) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذّي بالحرام، فأنّى يُستجاب له ؟ ) رواه مسلم. ويظهر هذا الأساس عند عمر بن عبد العزيز في مواقف عديدة فعن نصر بن عدي قال: كتب ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يستعفيه من الخراج، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: " يا ابن مهران إني لم أكلفك بغياً في حكمك ولا في جبايتك، فاجب ما جبيت من الحلال ولا تجمع للمسلمين إلا الحلال الطيب"
عدد الصفحات ٥5 إحياؤه لسنة العطاء: من الأمور التي أحياها عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في سياسته الاجتماعية سنة العطاء الإسلامي، والتي كانت موجودة في عهد الخلفاء الراشدين حتى عهد معاوية رضي الله عنهم ثم بغي عليها بعد ذلك، واقتصر العطاء على بعض المقربين من الأمراء، فضلاً عن مضاعفة مرتبات بني أمية. لكن لما تولى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة أمر بعودة تلك السنة، حيث قال رضي الله عنه: " إنه لا يحل لكم أن تأخذوا لموتاكم فارفعوهم إلينا واكتبوا لنا كل منفوس نفرض له". وفي رواية أخرجها ابن سعد من خبر أبي بكر بن حزم قال: "كنا نخرج ديوان أهل السجون فيخرجون إلى أعطياتهم بكتاب عمر بن عبد العزيز، وكتب إليّ: من كان غائباً قريب الغيبة فأعط أهل ديوانه، ومن كان منقطع الغيبة، فأعزل عطاه إلى أن يقدم أو يأتي نعيه، أو يوكل عندك بوكالة ببينة على حياته فادفعه إلى وكيله". وقد شمل العطاء جميع المسلمين في الدول الإسلامية. الحفاظ على أموال المسلم: أموال المسلمين بصفة عامة أمانة في أعناق من يستأمنهم الله عليها. وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه شديد الحساسية والورع نحو كل ذرة تخص المسلمين، ولو سار كل راع على نفس وتيرة عمر بن عبد العزيز رضي الله
عدد الصفحات ٦6 عنه في الحفاظ على أموال المسلمين سينصلح بإذن الله حال الأمة الإسلامية وسيعمها الرخاء والازدهار بإذن ربها. وعن هذا الأساس العقدي في الحساسية والورع نحو أموال المسلمين عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، سمعت جدي: أبا شعيب عبد الله بن مسلم، عن أبيه قال دخلت على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وعنده كاتب يكتب قال: وشمعة تزدهر، وهو ينظر في أمور المسلمين، قال: فخرج الرجل، فأطفئت الشمعة وجيء بسراج إلى عمر فدنوت منه فرأيت عليه قميصاً فيه رقعة قد طيق ما بين كتفيه، قال فنظر في أمري". وعن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كانت له الشمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها، ثم أسرج عليه سراجه. وهكذا تحري حاكم المسلمين يمتد لضوء شمعة المسلمين، لأنه لو أشعلها في الحوائج الخاصة لن يجد الحجة التي سيواجه بها ربه إذا سأله عنها يوم الحساب يوم لا ينفع مال ولا بنون. وأمر الشمعة ليس منفرداً فقد كان الورع في أموال المسلمين أساس عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وديدن لكل تصرفاته، وعلى قدر سخاؤه وكرمه في أعطيته للمسلمين وأصحاب الحاجات كان حرصه على أموالهم، فعن يحيى بن أبي غنية عن حفص بن عمر بن أبي الزبير قال كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
عدد الصفحات ٧7 إلى أبي بكر بن حزم"أن أدق قلمك وقارب بين أسطرك فإني أكره أن أخرج من أموال المسلمين ما لا ينتفعون به". رحمك الله يا أمير المؤمنين. وعلي الرغم من الاختيارات الدقيقة لعمال أمير المؤمنين المتحرى فيها الدين والأمانة، فإن ذلك لم يمنعه من اتهام أحدهم بالتقصير إذا ضاع شئ من أموال المسلمين خطأً، فعن يحي بن حسان عن نعيم بن ميسرة النحوي، عن عنبسة بن غصن قال: كان وهب بن منبه على بيت مال اليمن، قال: فكتب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: " إني فقدت من بيت مال المسلمين ديناراً " قال: فكتب إليه:" إني لا أتهم دينك ولا أمانتك، ولكن اتهم تضييعك وتفريطك، وأنا حجيج المسلمين في أموالهم، ولأخسهم عليك أن تحلف. والسلام " وهناك قصة حدثت في بيت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تضيف إلى ما سبق من علو حسه وورعه المرهف نحو أموال المسلمين؛ فعن رياح بن عبيدة قال: كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يعجبه أن يتأدم بالعسل فطلب من أهله يوماً عسلاً فلم يكن عنده، فأتو ه بعد ذلك بعسل فأكل منه فأعجبه فقال لأهله: من أين لكم هذا قالت امرأته: بعثت مولاي بدينارين على بغل البريد فاشتراه لي من بعلبك، فقال: أقسمت عليك لما أتيتني به، فأتته بعكة فيها عسل، فباعها بثمن يزيد ورد عليها رأس المال، وألقى بقيته في بيت مال المسلمين وقال: نصبت دواب المسلمين في شهوة عمر".
عدد الصفحات ٨8 وفي رواية أخري" أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أمر الرجل الذي اشتراه بأن ينطلق بالعسل إلى السوق، وقال له بعه واردد إلينا رأس مالنا وانظر إلى الفضل واجعله في بيت مال المسلمين علف دواب البريد، ولو ينفع المسلمين قيئي لتقيأت". الأولويات في الصدقات عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: الأولويات واضحة في السياسة الاجتماعية لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فالأكباد الجائعة عنده مقدمة على أي شئ حتى البيت الحرام، فعن ميسر بن أبي الفرات، قال: كتبت الحجبة إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يأمر للبيت الحرام بكسوة كما كان يفعل من كان قبله، فكتب إليهم: إني رأيت أن أجعل ذلك في أكباد جائعة فإنه أولى بذلك من البيت" .. إغناؤه المحتاجين عن المسألة: عبرت سياسة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن نهج يصبو إلى إغناء كافة المحتاجين عن المسألة، فعن يحي بن حمزة، عن زيد بن وافد، أن ابن جحذم حدثه أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعثه على صدقات بني تغلب، وكان عهد إليهم أن يقبضها ثم يردها على فقرائهم، قال فكتب:
عدد الصفحات ٩9 " آتي الحي وادعوهم بأموالهم، فاقبض ما كان فيهم ثم أدعو فقرائهم واقسمها فيهم، حتى أنه ليصيب الرجل الفريضتين أو الثلاث، فما أفارق الحي وفيهم فقير، ثم آتي الحي الآخر فاصنع بهم كذلك فما انصرف إليه بدرهم " كما حرص عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على مباشرة أحوال المساكين والفقراء بنفسه وهذا أساس آخر في سياسته الاجتماعية عماده المتابعة والرحمة بأحوال المسلمين، فقد قدم على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعض أهل المدينة فجعل يسألهم عن أهل المدينة: فقال: ما فعل المساكين الذين كانوا يجلسون في مكان كذا وكذا؟ قال: قد قاموا منه يا أمير المؤمنين، قال: ما فعل المساكين الذين كانوا يجلسون في مكان كذا وكذا؟ قال: قد ق اموا منه وأغناهم الله. قال: وكان من أولئك المساكين من يبيع الخبط( وهو نوع من أوراق الشجر تأكله الإبل) للمسافرين، فالتمس ذلك منهم بعد، فقالوا: قد أغنانا الله عن بيعه بما يعطينا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه". وهكذا فعل العطاء الإسلامي بفقراء المسلمين الذين يعملون في مهن هامشية وصعبة. وما أكثر الفقراء الذين يعملون في مثل هذه المهن الآن من بيع علب الكبريت والمناديل الورقية وغير ذلك من مآسي وأحوال يندى لها الجبين.
عدد الصفحات ١٠11 السرعة في العطاء لفقراء المسلم: اهتم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بأن يصل حق الفقراء سريعاً وبفاعلية دون تأخير أو تسويف وذلك فور وصول الاستحقاقات إلى بيت مال المسلمين، يبن ذلك ما رواه أشهب عن مالك قوله: لما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة كتب إليه بعض ولاته: " أن الناس لما سمعوا بولايتك، تسارعوا إلى أداء الزكاة، زكاة الفطر، فقد اجتمع من ذلك شئ كثير، ولم أحب أن أحدث فيها شيئاً حتى تكتب إلى برأيك" فكتب إليه عمر: " لعمري، ما وجدوني وإياك على ما ظنوا، وما حبسك إياها إلى اليوم، فأخرجها حين تنظر في كتابي". وهكذا كان سمت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في كتاباته لعماله بسرعة إنجاز الأمر وعدم تسويفه. قضاء ديون الغارم: اهتم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بقضاء الدين عن المدينين رحمة بهم ومحققاً لمعني التكافل الاجتماعي، وتلبية لنداء الشريعة الإسلامية في عون الغارمين وعظم الجزاء الأخروي الطيب، وهذا ما كان يسعى إليه أمير المؤمنين
عدد الصفحات ١١11 فقد كتب عمر بنعبد العزيز رضي الله عنه إلى عماله: "أن اقضوا عن الغارمين" فكتبوا إليه: "إنا نجد الرجل له المسكن والخادم، وله الفرس، وله الأثاث في بيته"، فكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "لابد للرجل من المسلمين من مسكن يأوي رأسه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه ، وأثاث في بيته، ومع ذلك فهو غارم، فاقضوا عنه ما عليه من الدين" وهنا تظهر رحمة أمير المؤمنين، فلم يثنيه وجود ما قد يباع ويسد الدين عن توليه قضاء الدين من بيت مال المسلمين، لأن ما سيباع هو من احتياجات الغارم والذي قد يفسد حاله إذا فقدها. دفع المهور من بيت المال: كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يفطن يقينياً لأهمية الزواج في حياة الأمة الإسلامية وانعكاساته البشرية والاقتصادية والنفسية على الفرد والمجتمع لذا فقد اهتمّ بأداء مهور الزواج من بيت المال لمن لم يستطع توفير ذلك، يقول أبو العلاء: قُرِئَ كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه الله في مسجد الكوفة وأنا أسمع: "من كانت عليه أمانة لا يقدر على أدائها فأعطوه من مال الله، ومن تزوج امرأة لا يقدر أن يسوق إليها صداقها فأعطوه من مال الله". وهذا يوضح بجلاء كيف يمكن أن يلعب الحاكم دوراً كبيراً في القضاء على ظاهرة العنوسة بين شباب المسلمين، ليتحقق الاستقرار النفسي والاجتماعي،
عدد الصفحات ١٢12 وتخف حدة الانحرافات داخل المجتمع وغير ذلك من الآثار السلبية المصاحبة للعنوسة وكذا الانعكاسات الايجابية التي يمكن تحصيلها إذا تمت معالجة تلك الظاهرة. رعاية طلبة العلم الشرعي: اهتم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه برعاية طلاب العلم الشرعي وكفالتهم فعن يعقوب بن سفيان قال: قلت ليزيد بن عبد ربه: حدثكم بقية، عن ابن أبي مريم، قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى والي حمص " انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا، فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين، حين يأتيك كتابي هذا، وإن خير الخير أعجله، والسلام عليكم". وهكذا يتحقق الاستقرار النفسي والمادي لطالب العلم، فيستطيع بذلك أن يتفرغ كلية لطلب العلم دون أن يحمل هم المعيشة ومؤنتها، ومن ثم يطلق كافة طاقاته الفكرية في التحصيل والإبداع، مما يعود في النهاية على نفسه وعلى الأمة الإسلامية بالنفع والرفعة وعلو الشأن، وهذه فطنة عالية وبعد نظر ثاقب من أمير المؤمنين.
عدد الصفحات ١٣13 في الإنفاق على الذمي إذا كبر ولم يكن له مال اهتم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه برعاية كل نفس ضعيفة لا تقدر على كفالة نفسها وتعيش على أرض الإسلام من الذميين، فقد روى ابن سعد: قال عمر بن بهرام الصرّاف: قُرئ كتاب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه علينا: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عدي بن أرطأة ومن قبله من المسلمين والمؤمنين سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فانظر أهل الذمة فأرفق بهم، وإذا كبر الرجل منهم وليس له مال فأنفق عليه، فإن كان له حميم فمر حميمه ينفق عليه" . وهكذا تتجلى رحمة ورأفة أمير المؤمنين والتي قد يجعلها الله سبب في إسلام الذمي المكفول من المسلمين. الرفق بالحيوان رحم الله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فكما كان رحيماً بالنفس الإنسانية كان رفيقاً بالحيوان وذلك من قبل أن يعرف العالم جمعيات الرفق بالحيوان أو حقوق الحيوان في عالم مادي لا يعرف حتى معنى حقوق الإنسان.
عدد الصفحات ١٤14 فعن يحي بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبي عثمان الثقفي قال كان لعمر بن عبد العزيز غلام على بغل له يأتيه بدرهم كل يوم، فجاءه يوماً بدرهم ونصف قال ما بدا لك، قال : نفقت السوق قال: لا، ولكنك أتعبت البغل، أجمه ثلاثة أيام. وعن زياد بن مخراق قال سمعت عمر بن عبد العزيز وهو يخطب الناس يقول: "لولا سُنّة أحييها، أو بدعة أميتها، لما باليت أن لا أعيش فواقاً ". مواقف فردية لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مع أصحاب الحاجات لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مواقف بذلية فردية كثيرة طرق فيها أصحاب الحاجات باب أمير المؤمنين مباشرة، دون واسطة أو انتظار تصريح حاجب، وقد تجلت في تلك المواقف رحمة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وعظمته، ومن تلك المواقف: - صاحب الفاقة يطلب حاجته أثناء تشييع أمير المؤمنين لجنازة: عن عامر بن عبيده قال: أول ما أُنكر من عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه خرج في جنازة، فأُتي ببرُد كان يلقى للخلفاء كي يقعدون عليه إذا خرجوا إلى جنازة، فألقى إليه فضربه برجله ثم قعد على الأرض، فقالوا ما هذا؟، فجاء رجل فقام بين يديه فقال يا أمير المؤمنين، ا شتدت بي الحاجة وانتهت بي الفاقة والله
عدد الصفحات ١٥15 يسألك عن مقامي هذا بين يديك – وفي يد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قضيب قد اتكأ عليه – فقال: أعد ما قلت فأعاد عليه فقال يا أمير المؤمنين اشتدت بي الحاجة وانتهت بي الفاقة والله سائلك عن مقامي هذا بين يديك، فبكى حتى جرت دموعه على القضيب ثم قال له: ما عيالك؟ قال خمسة أنا وامرأتي وثلاثة أولاد، قال: فإنا نفرض لك ولعيالك عشرة دنانير ونأمر لك بخمس مائة، مائتين من مالي وثلاث مائة من مال الله، تبلغ بها حتى يخرج عطاؤك. - أبو البنات يبكي أمير المؤمنين: عن موسي بن المغير قال سمعت رياح بن عبيد الباهلي قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فجاء أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين جاءت بي إليك الحاجة وانتهت بي الفاقة – أو قال الغاية – والله سائلك عني يوم القيامة فقال ويحك أعد علي فأعاد عليه فنكس عمر رأسه وأر سل دموعه حتى ابتلت الأرض، ثم رفع رأسه وقال: ويحك كم أنتم؟ قال أنا وثمان بنات ففرض له على ثلاثمائة وفرض للبنات – أو قال لبناته – على مائة وأعطاه مائة درهم وقال هذه المائة أعطيتك من مالي، ليس من مال المسلمين، اذهب فاستنفقها حتى تخرج أعطيات المسلمين فتأخذ معهم.
عدد الصفحات ١٦16 - فرتونة السوداء والحائط القص كان بريد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذا خرج لا يرد أي كتاب يحمله إياه أحد من الناس، وهذا كان عرفاً سائداً في عهده، وذات مرة خرج بريد من مصر فدفعت إليه امرأة مصرية تسمي "فرتونة السوداء " كانت مولاة شخص يدعى "ذي أصبح " كتاباً تذكر فيه أن لها حائطاً قصيراً، وأنه يقتحم عليها فيسرق دجاجها، فكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح، بلغني كتابك وما ذكرتي من قصر حائطك وأنه يدخل عليك فيسرق دجاجك، فقد كتبت كتاباً إلى أيوب بن شرحبيل ـ وكان أيوب عامله على مصر ـ آمره بأن يبني لك ذلك، يحصنه لك مما تخافين إن شاء الله"، وكتب رضي الله عنه إلى أيوب بن شرحبيل: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى ابن شرحبيل، أما بعد: فإن فرتونة مولاة ذي أصبح كتبت تذكر قصر حائطها، وأنه يسرق منه دجاجها وتسأل تحصينه لها، فإذا جاءك كتابي هذا فاركب أنت بنفسك إليه حتى تحصنه لها"، فلما جاء الكتاب إلى أيوب ركب ببدنه حتى أتى الجيزة يسأل عن فرتونة حتى وقع عليها، وإذا هي سوداء مسكينة، فأعلمها بما كتب به أمير المؤمنين وحصنه لها".
عدد الصفحات ١٧