المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأحاديث القدسية في الجرح والتعديل ومصادرها وأدوار تدوينها

عبد الغفور عبد الحق البلوشي

صفحة ١ من ٢

الأحاديث القدسية في الجرح والتعديل ومصادرها وأدوار تدوينها بقلم د. عبد الغفور عبد الحق البلوشي الباحث بمركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالجامعة الإسلامية الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فهذا بحث علمي عن موضوع "الأحاديث القدسية في دائرة ابعرح والتعديل ودراسة مصادرىا وأدوار تدوينها" وبؼا رأيت بأف الأحاديث القدسية بؽا أهمية كبتَة ومكانة عظيمة عند العامة وابػاصة في المجتمع الإسلبمي عزمت على الكتابة فيها وشمرت عن ساؽ ابعد بعد طلب العوف من الله القدير . وقد كانت الرغبة عندي قديداً لدراسة مثل ىذه الأحاديث التي تتميز بإضافتها إلذ الله تعالذ وىي منسوبة إليو تعالذ ومن كلبمو سبحانو حيث يقوؿ رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم : فيها قاؿ الله تعالذ، ويقوؿ الله تعالذ، فالذي يسمع ذلك يزعم بأف ىذا كلبـ الله تعالذ فهو صحيح حتماً فلب يخطر ببالو بأف الضعف يتطرؽ إليو لإضافتو إلذ الله تعالذ وىذا ىو فهم كثتَ من العواـ وقد يقع فيو بعض ابػواص ويغيب عنهم أف مدار الصحة والضعف فيها على السند، ولا مانع من عرض قصة واقعية جرت بتُ أستاذين فاضل ين في ابؼسجد النبوي الشريف وىي في صميم ابؼوضوع - حيث كانا يتناقشاف فيما بينهما إمكانية تطرؽ الضعف إلذ الأحاديث القدسية وعدـ إمكانية ذلك فأحدهما يُثبتُ ذلك والآخر ينفي، فإذا بأحدهما- وىو أستاذي- وقع نظره علي وأنا جالس عند باب الربضة فسر بذلك وناداني - وكنت حينذاؾ طالباً في الدراسات العليا شعبة السنة في مرحلة الدكتوراه وكاف يعرؼ ذلك - وطرح علي ما جرى بينهما من النقاش في ابؼوضوع ثم قاؿ باستغراب؟ !: ىل الأحاديث القدسية يدكن أف تكوف ضعيفة؟! فقلت: بلى وقد تكوف موضوعة لأف الذي يكذب على رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم - يكذب على الله تعالذ، ولأف مدارىا على الرواة وتوفر صفات القبوؿ فيهم وعدمها . ابػلبصة أف ىذه القصة أثارت أوؿ بذور الرغبة والاندفاع عندي لدراسة ىذا ابؼوضوع وتعميم نفعو، وزادني عزماً وإقداماً طلب بؾلة ابؼنهل الكتابة في بعض البحوث ابؼتعلقة بالأحاديث القدسية ومن ضمنها ابؼوضوع الذي أنا بصدد البحث فيو فلم أتردد في اختياره مستعيناً بالله تعالذ مع انشغالر بأعماؿ علمية أخرى ومعرفتي بأف دراسة ىذا ابؼوضوع بحاجة إلذ وقت وجهد فػَثَبّت العزيدة وبدأت في بصع ابؼراـ

عدد الصفحات ١

واقتناء ابؼصادر ابؼؤلفة في ابؼوضوع حسب التيسر لأخذ العلم عن مناىجهم في بصع الأحاديث ومدى التزامهم بالأحاديث القدسية الصحيحة وبياف درجتها فتبتُ لر بعد إلقاء النظر وفحص ىذه الكتب وأحاديثها ثغرة جديدة في ىذا ابؼوضوع وىي حاجة دراسة الأحاديث القدسية وكشف صحيحها من سقيمها حيث لد يتعرض مؤلفو الكتب السابقة الذكر في ابؼوضوع ولد يلتزموا بذلك، فعلى سبيل ابؼثاؿ سأذكر في آخر البحث بعض ابؼصادر ابؼهمة وعدد أحاديثها وحصر ما صح من أحاديثها وما لد يصح وما ىو مسكوت عنو بفا توصلت إليو وىي بحاجة إلذ دراسة أسانيدىا بعد بزريجها من مظانها وإعطائها ما تستحق من الأحكاـ صحة وضعفا وقد بدأت وابغمد للّو بسدّ ىذه الثغرة والعمل جار بفضل الله تعالذ- في بصعها وإبقازىا إبساما للفائدة، وىا أنا أبدأ في ابؼقصود وقبل أف أدخل في صميم ابؼوضوع أريد أف أوضح للقارئ الكرنً معتٌ ابغديث القدسي لغة واصطلبحا وأىم الفروؽ بتُ ابغديث القدسي والقرآف الكرنً وبينو وبتُ ابغديث النبوي الشريف . فأقوؿ وبالله التوفيق: ابغديث: لغة ابعديد، ويجمع على أحاديث على خلبؼ القياس. اصطلبحا: ما أضيف إلذ النبي-صلى الله عليو وسلم- من قوؿ أو فعل أو تقرير أو صفة، ىذا إذا أطلق، أما كلبمنا فعَلى ابؼقيد بالقدسي ىنا، والقدس: بسكوف الداؿ وضمها- لغة الطهر1 والقدسي نسبة تكريدية إلذ الذات القدسية وىو الله سبحانو وتعالذ ابؼسمى بالقدوس. وقد يسمى بابغديث الإبؽي أو الرباني نسبة إلذ الإلو ابؼعبود أو إلذ الرب تبارؾ وتعالذ . تعريفو بجزئيو : "ابغديث القدسي اصطلبحا": ىو ابغديث الذي يرويو لنا رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم- عن ربو تبارؾ وتعالذ مسنداً ذلك إليو بقولو: قاؿ الله تعالذ أو يقوؿ الله تعالذ أو أوحى الله تعالذ إلرّ وبكوىا من2 الألفاظ وىذا التعريف ىو الذي أراه صواباً . فتبتُ من التعريف بأف الأحاديث القدسية ىي من كلبـ الله تعالذ والرسوؿ صلى الله عليو وسلم فاقل بؽا فقط ولا داعي إلذ القوؿ بأف معناىا من عند الله واللفظ من كلبـ رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم على الإِطلبؽ وإف رجح عدد من العلماء ابؼتأخرين وبعض ابؼتقدمتُ من ابؼتكلمتُ والأشاعرة ىذا القوؿ واستدلوا على ذلك ببعض الأدلة التي لا تقوـ بها ابغجة كػما سأبتُ ذلك إف شاء الله تعالذ . 1 كما في بـتار الصحاح/ 524 والقاموس(1/248.) 2 مثل أمرني ربي عز وجل، أو أتاني جبريل أو ملك فقاؿ إف اللّو يأمرؾ... إف الله عز وجل أمرني، أو إف الله عز وجل يقوؿ أو قاؿ وبكوىا حيث عدىا العلماء من الأحاديث القدسية .

عدد الصفحات ٢

ذكر أبو البقاء في كلياتو 3 في الفرؽ بتُ القرآف وابغديث القدسي : "أف القرآف ما كاف لفظو ومعناه من عند الله بوحي جلي وأما ابغديث القدسي فهو ما كاف لفظو من عند الرسوؿ صلى الله عليو وسلم ومعناه من عند الله بالإِبؽاـ أو بابؼناـ". وبو قاؿ الطيبي: وىذا نصو.. "القرآف ىو اللفظ ابؼنزؿ بو جبريل على النبي صلى الله عليو وسلم، والقدسي إخبار الله معناه بالإبؽاـ أو بابؼناـ فأخبر النبي صلى الله عليو وسلم أمتو بعبارة نفسو، وسائر الأحاديث لد يضفها إلذ الله تعالذ ولد يروه عنو تعالذ "4 . وىذا مذىب الشريف ابعرجاني علي بن بؿمد حيث قاؿ : "ابغديث القدسي ىو من حيث ابؼعتٌ من عند الله تعالذ ومن حيث اللفظ من رسوؿ الله - صلى الله عليو وسلم- فهو ما أخبر الله تعالذ بو نبيو بإبؽاـ أو بابؼناـ فأخبر عليو السلبـ عن ذلك ابؼعتٌ بعبارة نفسو فالقرآف مفضل عليو لأف لفظو منزؿ أيضاً "5 . وىػذا ما قالػو الشيخ بؿمد ابؼػد6 ونقل أيضاً عن ملب علي القارئ أنو قاؿ : "ابغديث القدسي ما يرويو صدر الرواة وبدر الثقات عليو أفضل الصلوات وأكمِل التحيات عن الله تبارؾ تارة بواسطة جبريل عليو السلبـ وتارة بالوحي والإبؽاـ وابؼناـ مفوض اً إليو التعبتَ بأي عبارة شاء من أنواع الكلبـ ....". وبسسك الدكتور بؿمد عبد الله دراز بقوؿ من تقدـ ذكرىم بأف ابغديث القدسي منزؿ بدعناه حيث قاؿ: "وىذا ىو أظهر القولتُ عندنا، لأنو لو كاف منزلا بلفظو لكاف لو من ابغرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني إذ لا وجو للتفرقة بتُ لفظتُ منزلتُ من عند الله ... إلذ أف قاؿ: فالقوؿ بإنزاؿ لفظو قوؿ بشيء لا داعي في النظر إليو ولا دليل في الشرع عليو اللهم إ لاّ ما قد يلوح من إسناد ابغديث القدسي إلذ الله بصيغة يقوؿ الله تبارؾ وتعالذ كذا، لكن القرائن التي ذكرناىا آنفا كافية في إفساح المجاؿ لتأويلو بأف ابؼقصود نسبة مضمونو لا نسبة ألفاظو..."7 . ورجح ىذا القوؿ د / بؿمد بن لطفي الصباغ فقاؿ : "ابغديث القدسي كلبـ الله تعالذ بابؼعتٌ أما اللفظ فللرسوؿ صلى الله عليو وسلم ىذا القوؿ ىو الذي نرجحو، وىناؾ قوؿ آخر مرجوح في نظرنا يدعى أف ابغديث القدسي كلبـ الله تعالذ بلفظو ومعناه، لكاف ينبغي أف يكوف لو من ابغرمة والقدسية في نظر الشرع ما للقرآف إذ لا وجو للتفرقة بتُ 3 انظر: ص 228. 4 انظر: قواعد التحديب للقابظي/ 66. 5 انظر: التعريفات لو /83 ،84. 6 انظر: الإبراؼ السنية في الأحاديث القدسية/ 274. 7 انظر: النبأ العظيم / 16.

عدد الصفحات ٣

لفظتُ منزلتُ من عند ا ..".8 . وأخذ بؿقق كتاب الإبرافات السنية بؿمود أمن النواوي في مقدمتو 9 على الكتاب ابؼذكور بقوؿ الدكتور بؿمد عبد الله دراز وادعى بأنو - أي دراز - أبطل القوؿ بأف ابغديث القدسي منزؿ على النبي - صلى الله عليو وسلم - بأسلوب قوي- كػما زعم - ثم نقل كلبمو فيو وأتبعو بقولو "والتحقيق في نظرنا أف البرىاف على كوف ابغديث القدسي موحى بدعناه دوف لفظو أف لو صفة ابغديث النبوي دوف فارؽ سوى النسبة إلذ الله سبحانو ؿلإيذاف بأهمية ابػػبر…" انتهى. فهذه خلبصة ما ذىب إليو أصحاب ىذا الرأي وأىم حججهم في ابغياد عن ابغقيقة وتأويلها ولنا كرة في بياف الصواب ورد شبههم إف شاء الله تعالذ . والآف أذكر من ذىب إلذ أف ابغديث القدسي كلبـ الله تعالذ فقط مسلك السلف في الأحاديث القدسية يجدر ىنا أف أشتَ بأف ابؼتقدمتُ وسلف ىذه الأمة لد يكونوا يعرفوف ىذه التأويلبت وما كاف يخطر ببابؽم فكانوا يجروف النصوص كػما ىي سواء كانت في صفة الكلبـ أوفي غتَىا من الصفات وذلك لوضوح دلالتها ومعانيها، فلذا لد ينقل عنهم بخصوص القرآف الكرنً ما جرى في القرف الثالث من بدعة خلق القرآف وإثارتها إلذ حد تعذيب العلماء وقتلهم بؼن لا يقوؿ بذلك ولا يعتقده ووقف إماـ أىل السنة أبضد بن بؿمد ابن حنبل بصمود أماـ ىذه المحنة والفتنة وثبت على ابغق حتى أحنٌ الله تعالذ بو السنة. وىكػذا لد يرد عنهم بخصػوص الأحػاديث القدسية شيء من ذلك إنما نقلوا تلك الأحاديث ضمن كتبهم كػما رواىا النبي صلى الله عليو وسلم عن ربو تبارؾ وتعالذ وىي صريحة في ذلك وواضحة في عزوه صلى الله عليو وسلم تلك الأحاديث إلذ ربو - عز وجل - بقولو قاؿ الله تعالذ ويقوؿ الله تعالذ. ومن ىنا عنوف البخاري في صحيحو بقولو باب ذكر النبي صلى الله عليو وسلم وروايتو عن ربو تعالذ وذكر فيو ثلبثة أحاديث يرويها النبي صلى الله عليو وسلم عن ربو، وكذا عنوف في مواضع من كتاب التوحيد في إثبات كلبـ الرب وذكر فيها الأحاديث القدسية ومن ذلك عنواف 10 باب كلبـ الرب مع جبريل ونػداء الله ابؼلبئكة وذكر فيو ثلبثة أحاديث قدسية، وبفا يؤيد بأف رأي البخاري في الأحاديث 8 انظر: ابغديث النبوي مصطلحو، بلبغتو/ 133. 9 انظر: ص 11. 10 انظر: (13 /460) مع الفتح.

عدد الصفحات ٤

القدسية ىو أنها ىي من كلبـ الله تعالذ بلفظو ومعناه عنواف 11 :باب قوؿ الله تعا{يُرِيدُونَ أَنْ ي ُبَدِّلُوا كَلامَ الله} ثم ساؽ برت العنواف ابؼذكور في حدود عشرة من الأحاديث القدسية بفا يشتَ بأنها من كلبـ الله تعالذ. وىو يستشهد لتًبصة الباب بها وقد سبقتٍ إلذ ىذا فضيلة الشيخ عبد الله غنيماف في شرحو لكتاب التوحيد من صحيح الإماـ البخاري وكػما أفادني شفهياً أيضاً بذلك حينما سألتو. وصنيع الكرماني كذلك يدؿ على أف الأحاديث القدسية كلبـ الله تعالذ بلفظو ومعناه كػما سيأتي بيانو منو عند بياف الفرؽ بينها وب ين القرآف الكرنً . وكذا الشهاب بن حجر ابؽي ثمي في شرح الأربعتُ النووية في شرح ابغديث الرابع والعشرين ابؼسلسل بالدمشقيتُ وىو حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنو عن النبي - صلى الله عليو وسلم- فيما يرويو عن ربو تعالذ أنو قاؿ : "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلتو بينكم بؿرما فلب تظابؼوا ......." - رواه مسلم- 12 . حيث قاؿ: الأحاديث القدسية من كلبمو تعالذ فتضاؼ إليو وىو الأغلب ونسبتها إليو حينئذ نسبة إنشاء لأنو ابؼتكلم بها أولا، وقد تضاؼ إلذ النبي - صلى الله عليو وسلم - لأنو ابؼخبر بها عن الله تعالذ بخلبؼ القرآف فإنو لا يضاؼ إلا إليو . فيقاؿ: قاؿ الله تعالذ وفي القدسية قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم فيما يرويو عن ربو تعالذ . وقاؿ فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزاف بن عبد الله الفوزاف في مقدمة كتابو الضياء اللبمع "الأحاديث القدسية ىي الأحاديث التي يرويها رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم عن ربو عز وجل لفظا ومعتٌ وىي قسم من السنة ابؼطهرة بؽا ميزة نسبتها إلذ الله عز وجل وأف الله جلّ وعلب تكلم بها وأوحاىا إلذ رسولو صلى الله عليو وسلم ليبلغها للناس أما بقية الأحاديث فلفظها من كلبـ الرسوؿ صلى الله عليو وسلم ومعناىا من عند الله عز وجل لأف السنة كلها وحي ... ولكن ما كاف منها من الله لفظا ومعتٌ فهو ابغديث القدسي، وما كاف معناه من الله عز وجل دوف لفظو فهو حديث نبوي غتَ قدسي، وقاؿ أيضاً : في معرض الفرؽ بتُ ابغديث القدسي وغتَ القدسي أف ابغديث القدسي لفظو ومعناه من الله عز وجل يرويو عنو رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم بلفظو ومعناه وابغديث غتَ القدسي معناه وحي 11 انظر: صحيح البخاري (13 /464) مع الفتح. 12 انظر: صحيح مسلم ص 1994.

عدد الصفحات ٥

من الله عز وجل ولفظو من كلبـ الرسوؿ صلى الله عليو وسلم وإف بزصيصها بهذا الوصف - أي القدسي- يضفي عليها ميزة خاصة من بتُ سائر الأحاديث، لأف ابغديث القدسي ىو ما يرويو النبي - صلى الله عليو وسلم - عن ربو عز وجل فيكوف ابؼتكلم بو ىو الله عز وجل والراوي لو ىو النبي - صلى الله عليو وسلم- وكفاىا بذلك شرفاً " 13 . واختار ىذا التعريف د / بؿمد عجاج ابػطيب أيضاً 14 . فعلى ىذا القوؿ الذي يعتبر الأحاديث القدسية من كلبـ الله تعالذ باللفظ وابؼعتٌ وىو الذي نرجحو ونراه صواب اً - إف شاء الله تعالذ- يرد بعض الشبهات وبسببها بعأ أصحاب القوؿ الأوؿ إلذ التأويل وصرفها عن ابغقيقة بدوف أي مبرر وضرورة لذلك، وقد سبق فيما نقلت - عن بعضهم أنهم قالوا: "لو كاف منزلا بلفظو لكاف لو من ابغرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني إذ لا وجو للتفرقة بتُ لفظتُ منزلػتُ من عند الله …"15 . فابعواب عن ىذه الشبهة كا : أولا نقوؿ بأف ىناؾ فرقاً كبتَاً بتُ اللفظتُ ابؼنزلتُ فالقرآف كلبـ الله ابؼنزؿ على بؿمد صلى الله عليو وسلم ابؼتعبد بتلبوتو وابؼتحدي بأقصر سورة منو بخلبؼ الأحاديث القدسية حيث لد يقصد بها التحدي ولد يرد نص شرعي بتعبدىا ولا بحرمتها مثل ما جاء في القرآف الكرنً فلب يثبت بؽا شيء من ذلك لأنو لد يرد بخصوصها دليل بخلبؼ القرآف . وىذا ما أقره أصحاب القوؿ الأوؿ عند تعريفهم لكلبـ الله "القرآف " حيث قالوا: بعد التعريف ىذاف القيداف: التعبد بالتلبوة والتحدي بالإتياف بسورة منو يخرج الأحاديث القدسية إذا اعتبرنا أنها منزلة بلفظها على النبي صلى الله عليو وسلم16 . وحقاً أنزؿ القرآف الكرنً كمعجزة باقية حتى تقوـ الساعة فهو معجز في أسلوبو وصناعتو ونقرأ التحدي بالإتياف بدثلو في آيات عديدة بل بسورة مثلو قاؿ تعالذ : {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا ن َزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَ ْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِ ْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَااَكُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِ ِينَ فَإِنْ لَمْ ت َفْعَلُوا وَلَنْ ت َفْعَلُوا فَات َّقُوا النَّارَ الَّتِي وَ ُودُهَا النَّااُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْ َافِرِينَ } (البقرة آية : 23،24) . فعجز البشرية أف يأتي بدثلو وتعجز إلذ الأبد وبذلك لزمتهم ابغجة بخلبؼ ابغديث القدسي فإنو 13 انظر: مقدمة الضياء اللبمع من الأحاديث القدسية ابعوامع/ 6-7 و10،11-12. 14 انظر: الوجيز ابؼختصر في عل وـ ابغديث لو/ 20 وىو من علماء عصرنا ولو عدة مؤلفات . 15 انظر: النبأ العظيم/ 16وابغديث النبوي ومصطلحو للصباغ / 133. 16 انظر: النبأ العظيم للدكتور بؿمد دراز / 15 ومقدمة الإبرافات السنية/ 10 لمحمود النواوي.

عدد الصفحات ٦

لد يقصد منو ذلك. فإليك أقواؿ بعض العلماء الذين يروف لفظ ابغديث القدسي من الله تعالذ والقرآف كذلك وبياف الفرؽ بينهما قاؿ الكرماني شمس الدين بؿمد بن يوسف بن علي ابؼتوفى 796 ىػ في شرحو لصحيح البخاري في أوؿ كتاب الصوـ : "القرآف لفظ معجز ومنزؿ بواسطة جبريل عليو السلبـ وىذا - أي القدسي- غتَ معجز وبدوف الواسطة ومثلو يسمى بابغديث القدسي والإبؽي والرباني ... إلذ أف قاؿ وقد يفرؽ بأف ابغديث القدسي ما يتعلق بتنزيو ذاتو وصفاتو ابعلبلية وابعمالية " 17 . وذكػر ابن حجػر ابؽيثمي في شرح الأربعتُ النووية في شرح ابغػديث الرابػع والعشرين 18 ما نصو فائدة يعم نفعها، ويعظم وقعها، في الفرؽ بتُ الوحي ابؼتلو وىو القرآف والػوحي ابؼرو ي عنو صلى الله عليو وسلم عن ربو عز وجل وىو ما ورد من الأحاديث الإِبؽية وتسمى "القدسية" وىي أكثر من مائة حديث. وقد بصعها بعضهم في جزء كبتَ وحديث أبي ذر ىذا - الرابع والعشرين - من أجلها، ثم قاؿ: اعلم أف الكلبـ ابؼضاؼ إليو تعالذ أقساـ ثلبثة: أولها: وىو أشرفها "القرآف " الكرنً لتميزه عن البقية بإعجازه من أوجو كثتَة، وكونو معجزة باقية على بفر الدىر، بؿفوظة من التغيتَ والتبديل وبحرمة مسّو لمحدث وتلبوتو لنحو ابعنب، وروايتو بابؼعتٌ، وبتعينو في الصلبة وبتسميتو قرآنا وبأف كل حرؼ منو بعشر حسنات، وبامتناع بيعو في رواية عند أبضد وكراىتو عندنا وبتسمية ابعملة منو آية وسورة، وغتَه من بقية الكتب والأحاديث القدسية لا يثبت بؽا شيء من ذلك". قلت: أما بالنسبة للؤحاديث القدسية فبالاتفاؽ لا يثبت بؽا شيء من ذلك كػما ذكر ابؽيثمي وأما بالنسبة لبقية الكتب السماوية فكذلك في بعض الأمور حيث حُرِّفت وغُّتَت ولد يُقصد بها التحدي والإعجاز حسب علمنا ولا التعبد بها في شريعتنا أما في شريعة من نزلت ىذه الكتب عليهم قبل التبديل والتحريف فلب علم لنا بذلك حيث لد يرد نص عندنا يثبت ذلك أو ينفيو فلب نستطيع ابعزـ بعدـ حرمة مسّها وعدـ التعبد بتلبوتها عندىم كػما لا نستطيع ابعزـ بإثبات العكس- والله تعالذ أعلم. ثم قاؿ ابؽيثمي: ثانيها: كتب الأنبياء عليهم الصلبة والسلبـ، قبل تغيتَىا وتبديلها . 17 انظر: الكوكب الدراري (9 /75 -80) وكذا نقلو عنو ابؼدني في الإبرافات السنية / 336. 18 وكذا نقلو عنو القابظي في قواعد التحديث / 64 وىو حديث إني حرمت الظلم.

عدد الصفحات ٧

ثال ها: بقية الأحاديث القدسية وىي ما نقل إلينا آحادا عنو صلى الله عليو وسلم مع إسناده بؽا عن ربو فهي من كلبمو تعالذ ...". فتبتُ لنا أف الأحاديث القدسية من كلبـ الله تعالذ وليس للنبي صلى الله عليو وسلم إلا نقلها وروايتها بدليل إضافتو ىذه الأحاديث إلذ الله تعالذ فهي تسمى قدسية أو إبؽية أو ربانية، فلو كاف لفظها من عنده صلى الله عليو وسلم بؼا كاف بؽا فضل اختصاص بالإضافة إليو تعالذ دوف سائر أحاديثو صلى الله عليو وسلم ويؤكد ذلك اشتماؿ ىذه الأحاديث على ضمائر ابؼتكلم في كثتَ منها ابػاصة بو تعالذ أو الإضافة إليو تعالذ مثل حديث أبي ذر ابؼذكور وحديث يقوؿ الله تعالذ : "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معو إذا دعاني"19 وحديث "قاؿ الله ابؼتحابوف في جلبلر بؽم منابر من نور" 20 وحديث "ابغمى ناري أسلطها على عبدي ابؼؤمن ..."21 وبكوىا كث . وبعأ أصحاب القوؿ الأوؿ إلذ تأويل ما ذكرنا بقوبؽم "إذا كاف لفظ ابغديث القدسي لرسوؿ الله صلى الله عليو وسلم فكيف نؤوؿ قولو صلى الله عليو وسلم يقوؿ الله تبارؾ وتعالذ : فقالوا: "إف ابؼقصود نسبة مضموف ابغديث لا نسبة ألفاظو وىذا التعبتَ كثتَ الاستعماؿ في اللغة العربية قديدها وحديثها، ثم مثلوا لذلك بأمثلة ومن أهمها قالوا قد ورد ىذا الاستعػماؿ في القرآف حيث حكى الله تبارؾ وتعالذ عن نوح وموسى عليهما السلبـ وفرعوف عليو اللعنة وغتَىم مضموف كلبمهم بألفاظ غتَ ألفاظهم وبأسلوب غتَ أسلوبهم ونسب ذلك إليهم…"22 . فأقوؿ في رد ىذا التأويل بأف ما ذكرتم مقبوؿ لو ثبت فهم ىذا ابؼراد من أحد من سلف ىذه الأمة من الأئمة ابؼشهورين في ابغديث وغتَه ولكنو لد يثبت عنهم إلا سوؽ مثل ىذه الأحاديث القدسية وغتَىا من أحاديث الصفات وإجرائها كػما وردت . وثانيا ما ىي ابغاجة التي تدعو إلذ ىذا التأويل، بخلبؼ ما مثلوا بو من القصص والأحكاـ التي أنزبؽا الله تعالذ في القرآف الكرنً بلساف عربي مبتُ من قصص الأمم السابقة وأنبيائهم - التي ىي نزلت بلغتهم ودارت بينهم - حيث علمنا علم اليقتُ بأف الله تعالذ نقلها لنا بكػلبمو ولفظو لأف لغتهم غتَ لغتنا وابغاجة قائمة في ضرورة فهمنا ىذه القصص، بخلبؼ الأحاديث القدسية فإف أصلها باللغة العربية وليس ىناؾ ما يجعلنا أف نلجأ إلذ ىذا التأويل ولا دليل من الشرع على ىذا . 19 انظر: صحيح البخاري حديث رقم (7405) وصحيح مسلم(267(.) 20 انظر: سنن التًمذي حديث رقم (239.) 21 سيأتي بزريجو في مبحث نماذج من الأحاديث القدسية ابؼتفاوتة الدرجات إف شاء اللّو تعا. 22 انظر: النبأ العظيم للدكتور بؿمد دراز / 6 وابغديث مصطلحو وبلبغتو للصباغ / 133.

عدد الصفحات ٨

توضيح: ونعتٍ من قولنا ابؼذكور بأف الأحاديث القدسية من كلبـ الله تعالذ ىذا عند تلقي الرسوؿ - صلى الله عليو وسلم- ىذه الأحاديث ورِوايتو بؽا عن ربو تعالذ وقبل تصرؼ الرواة في نقلها بابؼعتٌ أو نقل بعضها حيث إف كثتَ اً من العلماء الذين يجيزوف رواية الأحاديث النبوية بابؼعتٌ للعالد البصتَ بددلولات الألفاظ ومفاىيمها أجازوا أيضا رواية الأحاديث القدسية بابؼعتٌ بالشروط التي شرطوىا في رواية ابغػديث النبػوي بابؼعتٌ وإف لد أقف على ىذا التصريح فيما بحثت من السلف بالتخصيص أعتٍ على جواز رواية الأحػاديث القدسية بابؼعتٌ وإنما قاسوىا على الأحاديث النبوية بصفة كونها أحاديث، ولأجل ذلك ما نستطيع ابعزـ في حديث ما من الأحاديث القدسية بأف لفظو ومعناه من كلبمو تعالذ جزمنا بآية أو بسورة بأنها من كلبـ الله تعالذ وذلك لعدـ جواز رواية القرآف بابؼعتٌ بالاتفاؽ ولكونو متواترا . ومن ىنا بقد في الأحاديث القدسية بعض الاختلبؼ في ألفاظها زيادة ونقصانا في الرواية الواحدة لعلو من ىذا القبيل- والله أعلم-. فنذكر نػماذج من ذلك على سبيل ابؼثاؿ : ففي صحيح البخاري 23 عن أبي ىريرة رضي الله عنو قاؿ بظعت النبي صلى الله عليو وسلم يقوؿ: قاؿ الله عز وجل : "من أظلم بفن ذىب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعتَة "، وعنده في رواية أخرى بتقدنً "فليخلقوا حبة" وبدوف قولو "أو شعتَة" وجاء عند مسلم 24 بزيادة "خلقا" بعد قولو: "يخلق" وكذا عنده "فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا شعتَة " بدؿ حبة. وأيضاً في صحيح البخاري25 عن أنس رضي الله عنو قاؿ بظعت رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم يقوؿ: إف الله تعالذ قاؿ: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيو فصبر، عوضتو منهما ابعنة" وأخرجو التًمذي 26 أيضاً من حديث أنس عن النبي صلى الله عليو وسلم بلفظ: إف الله يقوؿ: "إذا أخذت كريدتي عبدي في الدنيا لد يكن لو جزاء عندي إلا ابعنة ". وكذا رواه من حديث أبي ىريرة رضي الله عنو مرفوعا قاؿ : يقوؿ الله عز وجل : "من أذىبت حبيبتيو وصبر واحتسب، لد أرض لو ثوابا إلا ابعنة"27 . 23 انظر: صحيح البخاري كتاب التوحيد باب قوؿ اللّو: {وَاللَّهُ خَلَقَ ُمْ وَمَا ت َعْمَلُونَ}( 9 /162.) 24 انظر: صحيح مسلم (/1671.) 25 صحيح البخاري كتاب الطب باب فضل من ذىب بصره (7/116.) 26 سنن التًمذي باب ما جاء في ذىاب البصر(2 /64) وقاؿ: حديث حسن غريب . 27 ابؼصدر السابق نفسو وقاؿ: حديث حسن صحيح.

عدد الصفحات ٩

ومن ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند البخاري 28 عن النبي صلى الله عليو وسلم- فيما يروي عن ربو - عز وجل - قاؿ: "إف الله كتب ابغسنات والسيئات، ثم بتُ ذلك فمن ىم بحسنة فلم يعملها كتبها الله لو عنده حسنة كاملة، فإف ىو ىم بها فعملها، كتبها الله لو عنده عشر حسنات، إلذ سبعمائة ضعف إلذ أضعاؼ كثتَة، ومن ىم بسيئة فلم يعملها، كتبها الله لو عنده حسنة كاملة، فإف ىو ىم بها فعملها، كتبها الله سيئة واحدة". وكذا رواه عن أبي ىريرة مرفوعا عن رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم بلفظ قاؿ : يقوؿ الله: "إذا أراد عبدي أف يعمل سيئة فلب تكتبوىا عليو حتى يعملها فإذا عملها فاكتبوىا بدثلها، وإف تركها من أجلي فاكتبوىا لو حسنة، وإذا أراد عبدي أف يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوىا لو حسنة فإف عملها فاكتبوىا لو بعشر أمثابؽا إلذ سبعمائة ضعف"29، فنلبحظ بتُ الروايتتُ الفرؽ والتقدنً والتأختَ وجاء عند مسلم 30 بلفظ قاؿ الله عز وجل : "إذا ىم عبدي بحسنة ولد يعملها، كتبتها لو حسنة، فإف عملها كتبتها لو عشر حسنات إلذ سبعمائة ضعف، وإذا ىم بسيئة ولد يعملها لد أكتبها عليو، فإف عملها كتبتها سيئة واحدة "، وفي رواية أخرى عنده "إذا بردث عبدي بأف يعمل حسنة فأنا أكتبها لو حسنة ما لد يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها لو بعشر أمثابؽا" فذكر ابغديث مع اختلبؼ في اللفظ . وىكذا ترى الاختلبؼ في ابغديث الواحد وذلك في نظري لعلو نتيجة بعواز رواية ابغديث القدسي بابؼعتٌ وتصرؼ الرواة في نقلها والله أعلم . وكػذلك يحصل في الأحاديث النبوية مثل ىذا الاختلبؼ ولكننا لا نقوؿ في بصيع ما يُضيفو إليو أصحابو أف الألفاظ منهم وابؼعتٌ من رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم إلا في أحاديث معينة صرّح العلماء بأنها رواية بابؼعتٌ فكذلك لا نقوؿ في بصيع ما يُضيفو رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم - إلذ الله تعالذ- بأف اللفظ منو صلى الله عليو وسلم وابؼعتٌ من عند الله تعالذ، نعم يدكن أف يصدؽ في بعض الأحاديث القدسية التي رويت بابؼعتٌ وتبتُ لنا ذلك أو في الأحاديث التي فيها قرائن تدؿ على أف اللفظ من الرسوؿ وابؼضموف من الله تعالذ ولا سيما فيما لد يصرح بقاؿ الله أو يقوؿ الله مثل حديث : "فرض الله الصلبة على لساف نبيكم في ابغضر أربعا وفي السفر ركعتتُ "، حيث جاء في رواية أخرى ىكذا "فرض الله الصلبة حتُ فرضها ركعتتُ ثم أبسها في ابغضر "31 . 28 صحيح البخاري كتاب الرقاؽ (8/103.) 29 ابؼصدر السابق نفسو كتاب التوحيد باب {يُرِيدُونَ أَنْ ي ُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه} 30 انظر: صحيح مسلم (1/117.) 31 انظر: جامع الأصوؿ (5 /184- 185.)

عدد الصفحات ١٠

ومثل"فأوحى الله إليو أف قد أذف الله لكن في ابػروج بغاجتكن "32 . أو حديث: "من أتى حائضاً في فرجها أو امرأة في دبرىا أو كاىناً فقد كفر بدا أنزؿ على بؿمد صلى الله عليو وسلم"33، وحديث عائشة عنو صلى الله عليو وسلم : "وأوحى إلر أنكم تفتنوف في قبوركم "34 وغتَىا من الأحاديث التي صرح النبي صلى الله عليو وسلم بإضافة ابغكم إلذ الله تعالذ مثل قولو صلى الله عليو وسلم أمر الله تعالذ نبيو صلى الله عليو وسلم: "أف يأخذ العفو من أخلبؽ الناس"35. وأمرنا الله تعالذ بوفاء النذر ونهانا أف نصوـ يوـ النحر 36 . وحديث "أمره ربو عز وجل أف يبشرىا ببيت في ابعنة من قصب " "يعتٍ خديجة رضي الله عنها"37 . 32 صحيح البخاري (8/430 -431) وصحيح مسلم(7 /6-7.) 33 انظر: جامع الأصوؿ (5 /65) و(7 /342.) 34 انظر: مسند عائشة ح 335 من مسند إسحاؽ بتحقيقي وإسناده حسن. 35 انظر جامع الأصوؿ(2/143.) 36 ابؼصدر نفسو. 37 ابؼصدر نفسو(9 /121.)

عدد الصفحات ١١

وما ورد عن أحاديث اللعن : لعن الله اليهود... ولعن الله الواشمات... ولعن الله من غتَ منار الأرض38 وغػتَىا من الأحػاديث التي عدىا بعض العلماء من الأحاديث القدسية، فهذه الأحػاديث ليست من الأحاديث القدسية حسب التعريف و إف عدىا بعضهم منها لإضػافة الرسوؿ صلى الله عليو وسلم ابغكم أو الأمر إلذ الله تعالذ ولا شك أف ابغكم ابؼضاؼ الصريح إلذ الله تعالذ أوكد من حيث الوقع في القلوب من الأحاديث التي لد يُضِفها إليو تعالذ وإلا فابعميع من الله وكلها وحي بلب شك سواء أضافها إلذ الله تعالذ أو لد يُضِفها بؼا جاء في النص القرآني بأنو {وَمَا ي َنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم آية 3- 4) وقاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثلو معو..."39 فكل الأحاديث النبوية بدقتضى الأدلة السابقة الذكر لا بزرج من دائرة الوحي 40 -مع اختلبؼ أساليب الوحي بينهما كػما سيأتي بيانو إف شاء الله إلا أنو خص بعض الأحاديث بدزيد من العناية والتأكيد فصرح فيها بإضافة ابغكم أو الأمر إلذ الله تعالذ صريحا أو صرح صلى الله عليو وسلم بأنو أوح ي إليو كػما تقدـ ضرب بعض الأمثلة . "يجدر ىنا توضيح معتٌ الوحي وأقسامو ". بيان أ سام الوحي: والوحي : لغة: بدعتٌ الإيحاء ومعناه: الإعلبـ بالشيء على وجو ابػفاء والسرعة 41 وشرعا : ىو إعلبـ الله لأنبيائو ما يريد إبلبغو إليهم من الشرائع والأخبار وبطريق خفي بحيث يحصل عندىم علم ضروري قطعي بأف ذلك من عند الله تعالذ جل شأنو 42 . وينقسم إلذ قسم: - الوحي ابؼتلو والوحي غتَ ابؼتلو ويسميو بعضهم بالوحي ابؼرو ي: 38 ابؼصدر السابق نفسو(1/450ػ451) و(4 /779) و(10/768.) 39 رواه أبو داود(5 /10-12) كتاب السنة باب في لزوـ السنةوالتًمذي في سننو كتاب العلم حديث رقم (6666) وقاؿ: حديث غريب من ىذا الوجو وابن ماجو في ابؼقدمة حديث 12 واللفظ لأبي داود. 40 أما ما يتعلق باجتهاده ورأيو - صلى الله عليو وسلم - فهو وإف لد بككػم عليو بأنو وحي ولكنو في منزلة الوحي حيث إف اللّو تعالذ لا يقر نبيو صلى الله عليو وسلم على ابػطأ بل ينزؿ الوحي ويبتُ لو الصواب كما حصل في قصة أسرى بدر وفي صلبتو على ابؼنافقتُ والإذف بؽم وفي قصة الأعمى ابن أـ مكثف وغتَىا وانظر : قواعد التحديث للقابظي/33 و255 والأنوار الكاشفة للمعلمي/ 22 و104. 41 انظر: بـتار الصحاح/ 713 بتصرؼ . 42 انظر: ابغديث والمحدثوف/ 12.

عدد الصفحات ١٢

فالوحي ابؼتلو : القرآف الكرنً، وابؼرو ي- أو غتَ ابؼتلو- الأحاديث القدسية والنبوية بؼا سبق أنو {وَمَا ي َنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} إلا أف الوحي ابؼتلو يختلف عن غتَ ابؼتلو في كيفية الوحي وأسلوبو، وقد ذكر ابن القيم43 بؼراتب الوحي وطرقو أقساما سبعة، نسردىا كالتا : - وىي: إحداها الرؤيا الصادقة وكانت مبدأ وَحيو صلى الله عليو وسلم وكاف لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. "قلت: وقد عنوف إماـ المحدثتُ أبو عبد الله البخاري في أوؿ باب من كتابو ابعامع الصحيح بقولو باب كيف كاف بدء الوحي إلذ رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم ثم ذكر برت الباب حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أوؿ ما بدئ بو رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم من الوحي الرؤيا الصابغة في النوـ فكاف لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ...". ال انية: ما كاف يلقيو ابؼلك في روعو وقلبو من غتَ أف يراه كما قاؿ النبي صلى الله عليو وسلم "إف روح القدس نفث في روعي أنو لن بسوت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأبصلوا في الطلب لا يحملنكم استبطاء الرزؽ على أف تطلبوه بدعصية الله، فإف ما عند الله لا يناؿ إلا بطاعتو "44 . ال ال ة: أنو صلى الله عليو وسلم كاف يتمثل لو ابؼلك رج لاً ، فيخاطبو حتى يعي عنو ما يقوؿ لو، وفي ىذه ابؼرتبة كاف يراه الصحابة أحياناً 45 . الرابعة: أنو كاف يأتيو في مثل صلصلة ابعرس، وكاف أشده عليو فيتلبس بو ابؼلك حتى إف جبينو ليتفصد عرؽاً في اليوـ الشديد البرد46 وحتى إف راحلتو لتبرؾ بو إلذ الأرض إذا كاف راكبها 47 . ولقد جاءه ا لوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليو حتى كادت ترضها 48 . الخامسة: أنو يرى ابؼلك في صورتو التي خلق عليها، فيوحي إليو ما شاء الله أف يوحيو وىذا وقع لو مرتتُ كػما ذكر الله ذلك في سورة النجم (آية 7،13)49 . 43 انظر: زاد ابؼعاد في ىد ي ختَ العباد (1/78 - 79) برقيق شعيب الأرناؤوط . 44 رواه أبو نعيم في ابغلية(10/ 26،27) والطبراني كػما في بؾمع الزوائد (4/72) وأعلو بعفتَ بن معداف ولو شاىد من حديث ابن مسعود عند ابغاكم (2/4) ومن حديث جابر عند ابن ماجو وابن حباف وصححو المحقق لزاد ابؼعاد بدجموع الطرؽ والشاىد . 45 انظر: صحيح مسلم حديث عمر في أوؿ كتاب الإيداف . 46 انظر: صحيح البخاري (1 /20) في بدء الوحي . 47 انظر مسند إسحاؽ منو مسند عائشة حديث213 وبزريجو. 48 انظر: صحيح البخاري (8 /196) كتاب التفستَ والررَّضُ/ الدؽ ابعريش . 49 انظر: صحيح مسلم برقم 177.

عدد الصفحات ١٣

السادسة: ما أوحاه الله وىو فوؽ السماوات ليلة ابؼعراج في فرض الصلوات وغتَىا . السابعة: كلبـ الله لو منو إليو بلب واسطة ملك كما كلم الله موسى بن عمراف عليو وعلى نبينا الصلبة والسلبـ وىذه ابؼرتبة ىي ثابتة بؼوسى قطعا بنص القرآف وثبوتها لنبينا صلى الله عليو وسلم في حديث ابؼعراج انتهى . "الفرق بين الوحي المتلو وغير المتلو": وبعد ىذا التعريف بالوحي أوضح بأف الوحي ابؼتلو - وىو القرآف الكرنً - لا يكوف إلا بواسطة الروح الأمتُ جبريل عليو السلبـ وذلك بؼا ورد في قولو تعالذ : { ُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ ن َزَّلَهُ عَلَى َلْبِكَ بِإِذْنِ الله }.. (البقرة : 97) . وقولو: {ن َزَ َ بِهِ الررُّوحُ الأَمِينُ } (الشعراء: 193) وقولو: { ُلْ ن َزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُاِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ } (النحل: 102) وغتَىا من الأدلة. بخلبؼ الوحي ابؼرو ي أو غتَ ابؼتلو فإنو لا يختص بنوع من ابؼراتب ابؼذكورة ولا يشتًط أف يكوف بواسطة جبريل عليو وعلى نبينا الصلبة والسلبـ وقد يكوف بالإبؽاـ أو بابؼناـ أو الإِلقاء في الروع وبكوىا بفا تقدـ ذكره . وقد سبق بياف بعض الفروؽ في كلبـ ابن حجر ابؽيثمي وأبػصها فيما يلي بأرقاـ بؿددة : 1 -القرآف معجز من أوجو كثتَة . 2 -وىو معجزة باقية على بفر الدىور . 3 -بؿفوظة من التغيتَ والتبديل. 4 -يحرـ مسو للمحدث وتلبوتو لنحو ابعنب . 5 -حرمة روايتو بابؼع . 6 -وتعينو في الصلبة. 7 -بتسميتو قرآناً. 8 -وامتناع بيعو في رواية عند أبضد وكراىتو عندنا . 9 -وبتسمية ابعملة منو آية وسورة . 10 -وبػأف كل حرؼ منو عشر حسنات - أي بتلبوتو- ونضيف بعض الفروؽ الأخرى على كلبـ ابؽيتمي وىي: 11 -أف القرآف بوحي جلي بواسطة جبريل كما سبق بيانو بخلبؼ القدسي . 12 -أف القرآف مقسم على سور وأجزاء وأحزاب، وآيات بخلبؼ ابغديث القدسي .

عدد الصفحات ١٤

13" -وىذا ذكره بعض العلماء " أف جاحد القرآف يكفر - لثبوتو بالتواتر- بخلبؼ جاحد ابغديث القدسي- لاحتمالو التأويل بتطرؽ ابػطأ إليو أو بػلبؼ في بعض رواتو أو لتصرؼ بعض الرواة فيو وبكو ذلك، يعتٍ لوجود ىذه الاحتمالات إذا جحدىا متأولا فلب يكفر، أما إذا جحدىا مع ثبوتها ومن غتَ وجود الاحتمالات ابؼذكورة فيكفركػما لو أنكر حديثا نبويا بعد ثبوتو وصحتو . 14 -ويتعلق ىذا الفرؽ بطريقة النقل حيث إف القرآف الكرنً نقل إلينا بالتواتر بجميع ألفاظو وكلماتو وحتى أسلوبو وصناعتو بخلبؼ الأحاديث القدسية فإنها نقلت إلينا كػما نقلت الأحاديث النبوية عن طريق الآحاد فيندرج برتها ما يندرج برتها وينطبق عليها ما ينطبق على الأحاديث النبوية وبذدىا متفاوتة في الدرجات تفاوت الرواة الذين ينقلونها من حيث مراتب ابعػرح والتعػديل ولذلك بذد في الأحاديث القدسية: ابؼتواتر، والصحيح، وابغسن والضعيف والواىي وابؼوضوع وما ليس لو أصل ؾ ما سأبتُ نماذج من كل ذلك إف شاء الله تعالذ بعد بياف الفرؽ بتُ ابغديث القدسي وابغديث النبوي فإليك بياف الفرؽ بينهما : 1 -علمنا أف ابغديث القدسي من قوؿ الله تعالذ وكلبمو - على الراجح - وابغديث النبوي من كلبمو صلى الله عليو وسلم كػما تقدـ حيث لد يضفو إلذ الله تعالذ وكلبهما وحي . 2 -أف ابغػديث القدسي يُسنِده ويضيفو إلذ الرب تبارؾ وتعالذ صريحا بخلبؼ ابغديث النبوي فإنو لا يضيفو إليو وإف كانا كلبهما وحي كػما تقدـ . 3 -نلبحظ الفرؽ بينهما من حيث ابؼضموف والمحتوى والأسلوب أيضاً فإف الأحاديث القدسية موضوعاتها وبؿتواىا بؿدودة وتركز على جوانب معينة فنجدىا أنها تركز على فضل التوحيد و إصلبح العقيدة وابغث على الإخلبص وبرذر من الشرؾ وسؤ عاقبتو، والكبر والظلم والرياء وغتَىا من الرذائل وترغب عباده الرجوع إليو بالتوبة والاستغفار والإنابة إليو وعدـ القنوط من ربضتو . 4 -وتبتُ فضائل الأعماؿ من صوـ وصلبة وجهاد وغتَىا من الأعماؿ الصابغة . 5 -وترغب بأداء الفرائض والتقرب إليو بالنوافل وقراءة القرآف وفضلها . 6 -برث على الذكر وبؾالسة الصابغتُ والآثار الطيبة من ذلك على النفوس . 7 -برض على حسن التعامل وفضل إنظار ابؼعسر والتجاوز عنو والود والتًاحم بتُ ابؼسلم والقياـ بالأمر بابؼعروؼ والنهي عن ابؼنكر وبكوىا. 8 -فهي ترغب العبد ابؼؤمن فيما أعده الله تعالذ لعباده الصابغتُ بفا لا عتُ رأت ولا أذف بظعت ولا خطر على قلب بشر وتوجهو بإحساف الظن بربو تبارؾ وتعالذ، وبأف يحب لقاءه ويستعد لذلك وليوـ ابغساب. 9 -تبتُ فضل الله تعالذ وكرمو وجوده في جزاء الأعماؿ ومضاعفة الأجر ولا سيما لأمة بؿمد

عدد الصفحات ١٥

صلى الله عليو وسلم. 10 -وتبتُ عظم جزاء الصبر على ابؼصيبة وتبشره بابعنة وأنها كفارة لعبده ابؼؤمن سواء كاف بضى أو طاعوف أو أي مرض آخر. 11 -كػما تبتُ قصص بعض الأنبياء مع أبفهم التي برصل بينهم يوـ القيامة وصفات ابؼؤمن وصفة ابعنة وأىلها وأحواؿ الكفرة وـ آبؽم السيئ وغتَ ذلك وتتلخص كل ذلك في توثيق ابؼؤمن صلتو بالله تعالذ وأداء ما لعباده من ابغق عليو. فتلبحظ بفا ذكرنا بأف الأحاديث القدسية لا تتضمن تفاصيل الأحكاـ وأصوبؽا ولا ابؼعاملبت وتفاصيلها ولا ابعنايات وحدودىا ولا التاريخ والستَ وتفاصيلهما وغتَ ذلك بفا تناولتو الأحاديث النبوية على صاحبها الصلبة والسلبـ من التفصيل. وإليك نماذج من الأحاديث القدسية ابؼتفاوتة الدرجات كػما وعدنا : 1 -وبفا عد في الأحاديث القدسية حديث ابؼعراج وحديث الشفاعة وحديث نزوؿ القرآف على سبعة أحرؼ وغتَىا من الأحاديث ابؼتواترة 50 2 -عن أبي ىريرة رضي الله عنو عن الن صلى الله عليو وسلم يرويو عن ربكم قاؿ "لكل عمل كفارة، والصوـ لر وأنا أجزي بو، وبػلوؼ فم الصائم أطيب عند الله من ريح ابؼسك " متفق عليو51 . 3 -عن أبي ىريرة رضي الله عنو قاؿ : قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم "إف الله عز وجل لتَفع الدرجة للعبد الصالح في ابعنة، فيقوؿ : يا رب أنى لر ىذا؟ فيقوؿ : باستغفار ولدؾ لك"، رواه أبضد بإسناد حسن52 . 4 -عن أبي ىريرة رضي الله عنو عن رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم أنو عاد مريضاً ومعو أبو ىريرة من وعك كاف بو فقاؿ لو رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم : "أبشر إف الله عز وجل يقوؿ : ناري - أي ابغمى- أسلطها على عبدي ابؼؤمن في الدنيا لتكوف حظو من النار في الآخرة " رواه التًمذي وأبضد واللفظ لو وابن ماجو53 حسن كسابقو . "نماذج من الأحاديث القدسية الضعيفة المتفاوتة الدرجات " 50 انظر: قطف الأزىار ابؼتناثرة في الأخبار ابؼتواترة للسيوطي (برقم 60،96 و112ص163،263، 303 ولقط اللآلر ابؼتناثرة في الأحاديث ابؼتواترة / 75 لمحمد مرتضى الزبيدي . 51 حديث متفق عليو خ(13/512) مع الفتح ومسلم(برقم 1151.) 52 انظر: مسند أبضد (2 /509) وفي إسناده عاصم بن أبي بقود يحسن حديثو وبقية رجالو ثقات . 53 انظر: مسند أبضد (2 /440 )والتًمذي (4 /412) برقم 2088 وابن ماجو(برقم 3470) في إسناده أبو صالح الأشعري قاؿ أبو حاتم لا بأس وبقية رجالو ثقات .

عدد الصفحات ١٦