المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أيام من حياتي

غير معروف

صفحة ١٣ من ١٩

192 فتساءل حسن خليل وسعد عبد ال كريم: أسمعي يا زينب، ألم يقابل الحسيني عبد الفتاح إسماعيل في بيتك؟ ألم تكلمي الحسيني لينتظم في صفوف الإخوان المسلمين؟ قلت: أنا تكلمت مع الحسيني ليعود إلى صفوف دعوته وليس هذا جريمة، الحسيني رجل مؤمن بدعوة الإخوان، وإن لم يكن منتظما فيها، فإنه يتمنى أن تتحقق مقاصدها، وأن تهدى الناس إلى مقاصد الكتاب وغاياته، وإلى مراد السنة وأهدافها. وقد تقابل الحسيني مع عبد الفتاح إسماعيل في بيتي وأخذا يتحدثان عن الإسلام وما أصاب المسلمين من انحطاط وتأخر، ثم انصرف الحسيني عبد الغفار، وقد تقابل الحسيني مع عبد الفتاح إسماعيل في بيتي مصادفة ثم قال لي عبد الفتاح عبده إسماعيل: الحسيني رجل صالح وطيب وعالم مخلص .. قال أحدهم: الحسيني قال كل شيء. ل كن أنت تريدين أن تكون الفداء لكل الإخوان المسلمين، وحتى الحسيني وفؤاد سراج الدين، وتبعديهم عن المسئولية .. إننا نمنحك فرصة أخيرة لتراجعي فيها نفسك بخصوص رجال الوفد، وبعض رجال مكتب المشير عامر .. ما رأيك في هذه الفرصة؟ وسنواجهك بالحسيني وفؤاد سراج الدين ول كن بعد أن نخرج عينيك وتصيرين عمياء.

عدد الصفحات ١٩٣

193 فقلت: الحمد لل ه نرى بقلوبنا. وصرخ شمس بدران كمن لدغته أفعى: "هات الكلاب يا صفوت"!! فتدخل أحد الأعوان يهدئه: لا عليك يا باشا. إنها لا تدري أين مصلحتها ولا تقدر النهاية!! فقلت: النهاية بيد الل ه وليست بأيديكم، والل ه الفعال ذو القوة المتين. وقال آخر من شلة الضباط المحيطين بشمس بدران: يأمر الباشا بإحضار الحسيني عبد الغفار. ثم نادوا صفوت لإحضاره، وقال شمس بدران في كبرياء الجاهلية: خذوها إلى المستشفى الآن!! إنهم كالخفافيش يعشقون الظلام؟ لا ين شطون إلا فيه .. ففي الليل حملوني وأجلسوني على مقعد في مكتب شمس بدران، وبعد لحظات دخل الحسيني عبد الغفار .. كانت ذراعه مكسورة ملفوفة في جبيرة ومعلقة إلى صدره .. وكانت قدماه في ضمادات سميكة .. وكانت آثار التعذيب الوحشي – بل الجاهلي – بارزة على كل جزء من جسده. وقال الحسيني عبد الغفار عندما دخل: السلام عليكم. قلت: وعليكم السلام. ونظر إليه شمس بدران في سخرية وسأل في تهكم: يا حسيني، ما هي قصتك مع زينب؟

عدد الصفحات ١٩٤

194 وقال الحسيني: الورق مكتوب فيه كل شيء. فأخرج شمس بدران أوراقا وأعطاها للحسيني وأمره بقراءتها-. لم أكن مشغولة بالأوراق التي بين يدي الحسيني، بل كنت أفكر كيف أجيب على هذا الشيطان بما يخفف عن الحسيني أو يرفع عنه العذاب، ويقيني أن الحسيني عذب حتى يكتب ما يريدون. وأخذ الحسيني يقرأ في الأوراق التي أعطاها له شمس بدران .. أشياء كثيرة لم أحس يوماً أن الحسيني يع تقدها أو يدعو لها أو يتكلم بها. كل ما قرأه لم يكن صحيحا ولا واقعا وإنما خيال مريض .. سألني شمس: ما رأيك! قلت: إنه الإكراه للإخوان والبطش والعذاب حتى يقولوا ما تريدون! فقال شمس: وهل ما سمعته كذب؟ أجبت: الحسيني لا يكذب. ول كنى على يقين أنه قد عذب حتى .. فصرخ شمس مقاطعا غاضبا، ماذا تقصدين؟ الكلام الذي قرأه الحسيني ألم يقله لك؟! وقال حسن خليل: إننا نريدك أن تقولي هل ما سمعته من الحسيني حصل أم لا؟ وقال آخر: هل ستحرقين نفسك بالنار من أجل الحسيني كما حرقتها من أجل الإخوان؟ فأجبت: أنا لا أحرق نفسي ولـكن أحييها.

عدد الصفحات ١٩٥

195 قال شمس بدران: أنت يا حسيني بلغت زينب رسالة من فؤاد سراج الدين! فقلت وأنا أوجه الكلام إلى الحسيني: أنت يا حسيني بلغتني رسالة من فؤاد باشا سراج الدين؟ فقال الحسيني: فؤاد سراج الدين الصغير وليس معالي الباشا؟ فقلت: أنا لا أعرف إلا فؤاد باشا سراج الدين .. من هو فؤاد الصغير يا حسيني؟! فقال الحسيني: ابن عم فؤاد باشا. فقلت للحسيني. وما تلك المسالة يا حسيني؟ فقال: أنا قلت إن المسألة كانت عبارة عن نكتة رواها لي عل ي سليمان وأنا ذكرت هذه النكتة أمام الحاجة زينب!! فقال شمس بدران للحسيني: اخرج يا حسيني. فقلت لشمس بدران: حسبنا الل ه ونعم ا لوكيل ! .. النكتة صنعتم منها مؤامرة! .. وفؤاد باشا سراج الدين لم يسلم منكم يا ظلمة. ثم نادى شمس على صفوت وعادت السياط لتنهال من جديد. ثم قال شمس: خذها يا حمزة للمستشفى.

عدد الصفحات ١٩٦

196 وفي اليوم التالي دخل زنزانتي في المستشفى حمزة البسيوني ومعه رجل يرتدى الملابس العسكرية برتبة لواء ومعهما التمورجي عبد المعبود. وقال حمزة البسيوني لعبد المعبود: اذهب وأحضر كرسيا ومنضدة صغيرة، وفى لحظات عاد عبد المعبود بال كرسي والمنضدة. وضع حمزة البسيوني ورقا أبيض على المنضدة وقال لعبد المعبود: اجلس إلى هذه المنضدة واكتب كل ما ستمليه عليك. وجاء صفوت الروبي يحمل ملفات متضخمة. أخرج حمزة من كل ملف ورقة وقال لي: كل هذا الكلام تدونيه في أوراقك، هو من كلام الهضيبي، وسيد قطب، وعبد الفتاح إسماعيل، وهواش، وأحمد عبد المجيد، ومرسى مصطفى مرسى، وصبري عرفة، وفاروق المنشاوي، وعبد العزيز علي. فقلت لهم: سأكتب ما أعرفه، ليس لي علاقة بهذا الكلام .. إنني لا أصدق ولا أعتقد أنها للإخوان الذين تدعون أنها لهم .. قال حمزة البسيوني: ردى كما ينبغي، سنرسلك إلى مكتب شمس باشا، وتذوقين العذاب ألوانا كما تعرفين. وما أمليت على عبد المعبود إلا ما يرضى الل ه ربنا هو ولينا ونعم النصير.

عدد الصفحات ١٩٧

197 وفى صباح اليوم التالي أخذوني إلى مكتب شمس بدران ووضعوني على مقعد، أخذ شمس بدران أوراقا وأخذ يمزقها ويرمى بها في سلة المهملات، وقال في أسلوب يترفع أي مخلوق في أدنى درجات الإنسانية ويتمتع بأقل قسط من الأخلاق أن ينحدر إليه: أنت يا بنت الــ.. تريدين أن تهدمي كل التحقيقات وتبطلي كل أقوال الإخوان؟ الكلام الذي قاله الإخوان مضبوط. إجابات الإخوان أنت ملزمة بتأييدها في أقوالك. أنت ملزمة بكل ما قاله الإخوان. فقلت: أنا ملزمة بالحق الذي أعتقده، إنني لست ملزمة أن أقول إلا ما أعتقده. وغير ملزمة بأن أصدق أن هذه الإجابات من أقوال إخواني. واجهوني بهم جميعا، إن سياطكم وتعذيبكم قد انتزعتها منهم .. انتزاعا. فصرخ شمس بدران: خذها يا حمزة، أنا أريدها جثة أوقع تصريح دفنها! أخذوني إلى حجرة وأغلقوها علي، وبعد ساعة أخرجوني منها، وأوقفوني تحت سياط ال كرابيج ووجهي إلى الحائط أمام جهاز تكييف. وظللت واقفة ما يقرب من الست ساعات وكأنني كنت واقفة على مسامير محماة. فقد كانت آلام حادة تفرى قاع قدمي مع ضربات الجلد المستمرة. وفى منتصف الليل - ودائما الليل - أعادوني إلى مكتب شمس بدران الذي قال لي: يا زينب .. أكتبي .. الرئيس جمال عبد الناصر سيغفر لك ..

عدد الصفحات ١٩٨

198 وأكثر الإخوان اعترفوا .. إن سل كت ستقابلين جمال عبد الناصر صباح غد، وتعودين إلى بيتك فورا، وبعدها سيلغى قرار حل المركز العام للسيدات المسلمات، وسيتقرر إعطاؤك خمسين ألف جنيه كإعانة للجماعة، وكدفعة أ ولى لبناء أرض الجماعة في مصر الجديدة، وعشرة آلاف جنيه لإعادة صدور المجلة. وسأل رجل من الجالسين بالمكتب: هل جماعة السيدات المسلمات لها أرض في مصر الجديدة يا زينب؟ فأجبت: نعم، عندها ستة آلاف متر. فقال نفس الرجل – والذي عرفت أنه صلاح نصر فيما بعد – وماذا كانت ستفعل الجمعية بهذه المساحة ال كبيرة من الأرض؟ فقلت: كانت الجمعية ستبنى دارا لتربية الفتاة المسلمة ، ودار ضيافة للمسلمات وقاعة محاضرات، ودارا للمركز العام، ومسجدا، وجمعية لتحفيظ القران ال كريم، ومدرسة إعدادية وأخرى ابتدائية ومعهدا للواعظات. فتساءل: ومن أين ل كم بالأموال؟ فأجبت: من التبرعات – والعمل على مراحل. فقال: إذن، إنها فرصة جميلة يمنحها لك الرئيس جمال .. تعودين إلى بيتك وتعود الجماعة .. وثقة الرئيس نتائجها كبيرة!! فقلت: ثقتنا في الل ه اكبر .. الإله أكبر في نفوسنا من الأرض، ومن المال، ومن كل طواغيت الأرض المعتدين على حق الل ه وحق عباده، أنا لا

عدد الصفحات ١٩٩

199 أريد أي شيء منكم، ولن أقبل أبدا أن أقابل عبد الناصر ولا أصافح اليد التي غمست في دم إسماعيل الفيومي ورفعت بكر ومحمد عواد وغيرهم كثير وعبد القادر عودة وزملائه، لن أصافح اليد التي غمست في هذا الدم المبارك، إن هذا الدم سيقود على مدى السنين أجيال المسلمين الذين سيعودون إلى ماضيهم الزاهر المجيد إلى مقعد المسئولية في هذا العالم .. وتنهال الل كمات والركلات والضربات فأقع هامدة على الأرض، ويقول شمس بدران: يا حمزة خذها إلى رقم 34. وأدخلت رقم34 !! .. زنزانة ضيقة مظلمة كالق بر الموحش .. وأدخلوا معي كلبين، وأغلقوا الزنزانة. تيممت وأخذت أصل ي، وأنا لا أدرى أين القبلة .. انتهى من صلاة وأدخل في أخرى، انشغالاً بالل ه لعله يصرف عن ي ما أرادوه. تسلق الكلبان ظهري في ركوعي وسجودي، وأخذا يخمشان رأسي، ووجهي .. وأنا أصلى وأستغرق وأسبح في عالم الدعوات والتضرعات. وبعد ساعة فتحت الزنزانة وسحبوا الكلبين وحملوني إلى المستشفى. بعد العشاء أعادوني إلى مكتب شمس بدران. قال شمس بدران: يا زينب، انعقد في بيتك اجتماع كان يضم أكثر من خمسين رجلا من الإخوان المسلمين من جميع أنحاء الجمهورية - هذا الاجتماع كان منذ ثلاث سنوات. ماذا جرى في هذا الاجتماع؟

عدد الصفحات ٢٠٠

200 فقلت: صلينا المغرب جماعة، وصلينا العشاء، ثم التراويح فقال: أنا أسألك، ما الغرض من هذا الاجتماع؟ فقلت: لا أتذكر. سأل: تناولوا الإفطار عندك! فقلت: عدد منهم. فسأل: ولماذا كان الاجتماع؟ فقلت: كنا ندرس الإسلام، وكيف نقاوم تيارات الإلحاد التي تغذيها وتنفخ فيها أجهزة الجاهلية وأعلامها .. قال: ولماذا عندك بالذات؟ أجبت: لأنني من المسلمين إن شاء الل ه .. سأل: وأي جاهلية، وأي إسلام، وأي إلحاد؟! فقلت: لو قمت بجولة في البلد لرأيت على أرصفة الشوارع أكوام الجرائد، ومجلات الإلحاد ونشرات الانحلال التي توزع بأثمان رمزية لنشر الشيوعية، والإلحاد والانحلال والتسيب في كل شيء. فقاطعني في شبه صراخ: كفى، كفى .. دا كلام فارغ، ما هي أسماء المجتمعين عندك؟ فقلت: لا أتذكر أسماءهم. سأل: أحد المجتمعين ترك الاجتماع وقابل الهضيبي ثم رجع مرة أخرى بعد اتصالك تليفونيا بمنزل الهضيبي، من هذا الرجل؟

عدد الصفحات ٢٠١

201 فقلت: لا أتذكر. وكل ما يعلق بذاكرتي في هذا الخصوص أنه سألني أن أستأذن الهضيبي لمقابلته .. فماذا في هذا؟ سأل: كنتم مجتمعين إذن؟ أنا أسهل لك الإجابة! الرجل الذي ذهب إلى الهضيبي اسمه عبد الفتاح الشريف أليس كذلك؟ ثم أردف: سأعلقك إن لم تجيبي ثم اكمل .. اتفقتم على قلب نظام الحكم وقتل جمال عبد الناصر. فقلت: اتفقنا على محاربة الجاهلية، والتسيب والانحلال والإلحاد، والعمل على نشر تعاليم القرآن وإقناع المسلمين بوجوب حكم القرآن والسنة. فسأل مستنكرا: وماذا يعمل الأزهر؟ انطقي ما هي وظيفة الأزهر؟ علقها يا صفوت واجلدها. وأنا تحت السياط أقول يا الل ه، يا الل ه، وأخذت أكرر الاسم الأعظم حتى أغمى علي.

عدد الصفحات ٢٠٢

202 أفقت .. يا إلهي .. إنني ما زلت على الأرض أمامهم جثة هامدة .. إنهم أسعفوني .. وبصعوبة شديدة حاولت النظر في الحاضرين .. فإذا بجمال عبد الناصر يتكئ على كتف عبد الحكيم عامر ويمسك في يده نظارة سوداء. عندما رأيت جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، نسيت ألمي، ودبت في جسدي يقظة غريبة، وانتابني نشاط غريب!! أعطوني كوبا من عصير الليمون فشربته، رفعوني من فوق الأرض على مقعد، ثم أحضروا لي فنجان قهوة فلم أتردد في تناوله. كان إحساسي بأن هناك شيئا خطيرا سيحدث، فكل ما يدور حولي يقوي عندي هذا الإحساس. وقال شمس بدران وهو ينفخ: يا بنت يا زينب، أريد أن تجيبي على كل سؤال أوجهه إليك بصراحة وإلا .. افترضي يا زينب أن الإخوان المسلمين هم الذين يحكمون البلد، وأننا نقف أمامكم تحاكموننا، فماذا كنتم تفعلون بنا؟

عدد الصفحات ٢٠٣

203 فأجبت في قوة وشجاعة: نحن لا نسكن في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ولا نلوث أيدينا بما لوث به الظالمون أيديهم، نحن لانغمس أيدينا في الدم .. ' نحن لا نجلس في مقاعد طواغيت الأرض. فقال: اخرسي! أنا باسألك، إن كنت جالسة على هذا ال كرسي مكاني ماذا كنت تفعلين معي؟ فقلت: نحن طلاب حقيقة، ليس في حسابنا أن نصل إلى الحكم، إننا حملة لواء "لا إله إلا الل ه " نفتديه بالأموال والأرواح. فقال شمس بدران: اخرسي يا بنت ال .. أنا أكرر لك السؤال. ماذا كنتم تفعلون لو وصلتم إلى الحكم؟ فقلت: إننا لسنا طلاب حكم ! .. ولا يعنينا أن نكون في قمة المسئولية أو عند السفح حراسا للطريق المؤدي إلى الرجل الذي حمل الأمانة وبايعته الأمة، عبدا لل ه حاكما بما أنزل الل ه ولتكن هذه الدار دار البعث .. البعث الإسلامي. فصرخ شمس بدران متشنجا: اخرسي .. اخرسي .. اخرسي؟! أريد إجابة واحدة: افترضي أنك جلست على ال كرسي الذي أجلس عليه الآن ماذا تفعلين معي وأنا متهم أمامك؟

عدد الصفحات ٢٠٤

204 فقلتربما تنتهي أجيال وأجيال حتى يحكم الإسلام، نحن لا نتعجل الخطى، ويوم يحكم الإسلام ستكون مواقع المرأة المسلمة في مملـكتها الطبيعية لتربي رجال الأمة. فقال شمس بدران كتائه يضرب في الصحراء في يوم عاصف: يا بنت ال .. أنا أقول افترضي جدلاً أنك جالسة مكاني ماذا تفعلين معي؟ فقلت: الإسلام عدل ورحمة، فلا سياط ولا قتل، ولا تعذيب ولا سجون، ولا نفى، ولا دفن للأحياء، ولا تمزيق لأجساد الشهداء: رفعت بكر وعواد وإسماعيل الفيومي .. لا تشريد أطفال، ولا ترمل نساء، لا فراعنة ولا وثنية .. ول كن الحق والعدل .. الكلمة تواجهها الكلمة والحجة تواجهها الحجة .. صرخ شمس كالصريع: اخرسي .. اخرسي .. علقها يا صفوت اجلدها. وعلقني صفوت، وعلي لفائف الشاش، أخذت السياط المجنونة تهوى على كل جزء في جسمي، والدم ينزف .. ولا أدري كم من الوقت مر .. فقد رأى الطبيب إنزالي وقال: إن حالتها خطيرة .. إنها تموت يا معالي الباشا!! قال شمس: في ستين داهية. قال أحد الضباط: إننا نريد أن تكون حية حتى تقف أمام المحكمة!! فقال شمس بدران: نعم، نعم نريدها تعيش لتذهب إلى المحكمة ويتفرج عليها الشعب وتكون عبرة.

عدد الصفحات ٢٠٥

205 وقال الطبيب: إننا في حاجة إلى أدوية وعقاقير غير موجودة فقال شمس بدران: اطلبها من صيدلية المشير عامر!! ونقلت إلى المستشفى ولم أدر ماذا حدث في تلك الليلة، فقد رحت في غيبوبة أفقدتني الإحساس بالألم، كما أفقدتني الاستمتاع باسترجاع الحوار مع شمس بدران على مسمع من جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، لقد قلت ما أردت أن يعرفه .. وقد عرفه!! أسعفت بالعلاج، لأنهم كانوا يحرصون على حياتي .. فأنا متهمة من وجهة نظر من ينسجون القضية ويؤلفون فصولها ويصنعون أبطالها .. فلا غرابة إذن أن يصرف لي دواء لأستطيع حضور المحاكمة!! أمضيت ثلاثة أيام في غيبوبة .. وفى مساء يوم سمعت صوت مراد وصفوت يخرج من زنزانة الأخ أحمد كمال ويسألانه عن عنوان سيف الإسلام .. وأعطاهما العنوان، وبعدما يقرب من ثلاث ساعات عادا إلى زنزانة الأخ أحمد كمال وسألاه عن عنوان مكتب سيف البنا ..

عدد الصفحات ٢٠٦

206 وسيف البنا هو نجل الإمام الشهيد حسن البنا، أخذت أدعو لسيف وأمه وإخوته، فأمه مريضة بالقلب، وسيف هو العائل الوحيد للبيت والأسرة. أخذت أضرع إلى الل ه سبحانه أن يصرف عنهم كيدهم. رفعوني على نقالة إلى مكتب شمس بدران .. وسألني شمس بدران سؤالاً تأكد لي منه أن سيف الإسلام البنا نجل الإمام الشهيد حسن البنا في السجن الحربي!! وشغلني جدا أمر وجود سيف البنا في السجن الحربي. وقال شمس بدران لحمزة البسيوني: ألم أقل لك إن هذه البنت لا تدخل مكتبي وهي حية؟ لماذا أحضرتها وفيها نفس يتردد؟! ثم وجه الكلام إلي وكل عضلات وجهه تهتز في عصبية: أما زلت على قيد الحياة؟ لماذا .. لماذا؟ فقلت: ليس بإرادتك، ولا بإرادتي أن أعيش أو أموت، ول كنها إرادة الل ه وهو المحيي المميت. فصرخ قائلا: اخرسي، اخرسي .. ردي على سؤالي فقط: من الذي كان سيغتال جمال عبد الناصر في طريق الإسكندرية من رجال الجيش؟ فقال حسن خليل: قرب لها المسألة قليلا يا باشا؟ اسمح لي أن أفهمها الموضوع. ثم أردف –بعد أن أومأ إليه شمس بدران برأسه – هناك شخص حكى لك عن جماعة تربصوا لجمال عبد الناصر في الطريق الصحراوي وكان مسافرا

عدد الصفحات ٢٠٧

207 بالسيارة إلى الإسكندرية. من حكى لك هذه الرواية؟ ومن كان في السيارة الجيب لاغتيال عبد الناصر؟ فقال شمس بدران: ردى بسرعة!! فقلت: ما أتفه ما تعذبون الناس من أجله! ويل كم من الل ه! ثم ويل كم من التاريخ! ثم ويل كم من الناس جميعا وهم ينزلون عليكم لعناتهم! .. وكان جزائي على ذلك قاسيا: دم يسيل وعظام تكسر! وكان شمس يقول: إن علقناك الآن ستموتين، ول كننا سنسامحك إن أخبرت عن الحكاية!! احكي لنا الحكاية من أولها.. يا بنت الــ.. الحكاية اللي قالها لك سيف البنا. فقلت: آه .. النكتة التي قالها سيف، فقام شمس مسرعا يركلني ويصفعني وهو يقول: إ يوه يا أختي النكتة! وقلت: كنت في بيت الشهيد البنا وقال سيف الإسلام .. يقولون كان جمال عبد الناصر مسافرا في الطريق الصحراوي بالسيارة إلى الإسكندرية وكمن له جماعة من الجيش في سيارة جيب ليغتالوه، وفى اللحظة الأخيرة تغير نظام سفر عبد الناصر، وسافر بالقطار، والغريب في المو ضوع أن السيارة الجيب هربت فلم يستطيعوا القبض عليها ولا على من فيها.

عدد الصفحات ٢٠٨