160 فقلتيفعل الل ه ما يشاء ويختار، وله الحمد حتى يرضى. فقال في غيظ وضيق: لا تكلميني بهذه اللغة وهذا الأسلوب. وقال حسن خليل محاولا أن يثنيني عن عزمي: يا بنت اعقلي، واشترى نفسك .. لن ينفعك أحد من الإخوان هنا .. كل منهم يريد نفسه فقط .. إنهم يفرون إلى النجاة!! ثم أخرج ورقا وقلما واستأنف حديثه أو نصائحه: خذها يا صفوت إلى المستشفى ودعها تكتب كل ما تعرفه عن تنظيم الإخوان .. كيف عرفتهم؟! وكيف اتفقوا على قتل جمال عبد الناصر .. وتذكر كل أسماء الذين تعرفهم من الإخوان!! وفى الطريق إلى المستشفى كان صفوت يأمرني بالمشي، وأنا عاجزة كطفل يخطو خطواته الأولى!! وتستبد بصفوت وحشيته فكان يوقفني بين وقت وآخر ويأمرني أن أؤدي محلك سر!! محلك سر!! إن هذا علاج لقدميك يا بنت ال ... الل ه وحده يعلم كيف قطعت الطريق إلى المستشفى .. لقد كانت رحلة عذاب .. ووصلت إلى المستشفى ودخلت زنزانتي. أعطاني صفوت الورق والقلم وقال: طبعا عرفت المطلوب .. ولا داعي للفلسفة .. اكتبي كل ما تعلمونه يا
عدد الصفحات ١٦١161 إخوان يا كذابون .. وكيف كنتم ستقتلون جمال عبد الناصر .. واضح؟! هيا يا حلوة وأغلق الباب، وانصرف! لم أستطع أن أمسك القلم، فقد كانت يداي متورمتين، ولم أستطع الكتابة فمضى اليوم الأول، ولم أفعل شيئا .. لم اكتب حرفا واحدا .. وعاد صفوت ليأخذ ما كتبت. فوجد الورق أبيض لم يمر عليه القلم. فقال: سأترك لك الورق لتنقذي نفسك يا بنت ال .. وانصرف. وأخذت اكتب بصعوبة. وفى اليوم الثالث جاء حمزة البسيوني، وجمع الأوراق وانصرف، وقضيت يومي بين صحوة وغفوة. لا أستطيع أن أستقر على موضع .. إن وقفت نبحت قدماي. وان نمت صرخت عظامي! وجاء صفوت، ومعه جنديان ليأخذاني إلى مكتب شمس بدران وبنفس الطريقة السابقة قطعت الطريق سيرا على قدمي مع الوقوف على فترات في "محلك سر" بأمر صفوت الروبي!! ودخلت مكتب شمس بدران فنظر لي في وحشية وقسوة وهو يمزق أوراقا ويلقيها في سلة المهملات ثم قال: يا بنت ال .. ألم يكفك كل هذا العذاب؟!! ماذا كتبت؟ كلام فارغ .. أجلدها مرة أخرى يا حمزة! فقال حمزة البسيوني وحسن خليل: سنعيدها للكلاب أحسن يا باشا، فقال شمس بدران في عصبية: أحضر الكلاب هنا يا صفوت !!
عدد الصفحات ١٦٢162 أسرع صفوت وعاد ومساعده نجم بكلبين كالوحشين من مجموعة الكلاب المدربة التي كانت لي معها سابقة في اليوم الأول من أيام "باستيل مصر" .. السجن الحربي .. وقال شمس بدران: أطلق عليها الكلاب يا صفوت !! وهجم علي الوحشان، فأغمضت عيني. وأنا أقول: حسبي الل ه ونعم الوكيل، اللهم اكفني السوء بما شئت وكي ف شئت. وظل الكلبان ينهشان جسمي كله بأنيابهما ويشعلان فيه نارا موقدة .. وشمس بدران لا يكف عن سبابه يا بنت ال .. اكتبي أنكم اتفقتم على قتل جمال عبد الناصر .. كيف كنتم ستقتلونه؟ اكتبي .. اكتبي يا بنت ال .. !! .. وصار عدد الكلاب ثلاثة .. اثنان ينهشاني وشمس بدران يسلقني بلسانه القذر السليط!! ويبدو أن شمس بدران قد شعر بأن لا جدوى من الكلاب فصرخ في صفوت، وجسمه كله يهتز من ال ثورة: اصرف الكلاب يا صفوت، وجهز بنت ال .. للجلد! واستدعوا الطبيب، فحضر ثم فحصني وقال لشمس بدران: إذا سمح الباشا يؤجل جلدها اليوم فحالتها "لا تتحمل". وقال شمس بدران لحمزة البسيوني:"خذها إلى 24 أريد يا حمزة أن تحمل إلي جثتها".
عدد الصفحات ١٦٣163 وحملوني إلى رقم24 .. بناء لم أدخله من قبل، ثم أوقفوني فاقشعر بدني وتسمرت في مكاني!! .. رقم 24 هذا زنزانة في وسطها نار موقدة، وعند كل ركن من الأركان الأربعة يقف جندي بيده سوط كلسان الأفعى .. وتناولني الجندي بسوطه وهو يأمرني بأن أدخل في دائرة النار، فإذا اقتربت منعني الجندي القريب منها، فيتلقاني الثالث .. وهكذا النار المشتعلة قريبة منى، يلفحني لهيبها .. ظللت ما يقرب من ساعتين وأنا بين لهيبين، لهيب النار المشتعلة التي أخشى الوقوع فيها، ولهيب سياط الزبانية وكلا اللهيبين مر. ويدخل حمزة البسيوني، ونظرة بلهاء بلا معنى في عينيه ويقول وأنا في وسط هذا السعير: اكتبي أنكم ستقتلون جمال عبد الناصر وإلا قذفناك في النار!! ونظرت إليه نظرة، وصرخت في وجهه صرخة بدون صوت، وبكيت بدون دموع .. لقد كان العذاب فوق ما أحتمل، وأغمى علي ولم أفق إلا وأنا في المستشفى!!
عدد الصفحات ١٦٤164 في صباح يوم، أخرجوني من زنزانة المستشفى، فرأيت مصورين وآلات التصوير معدة، وأجلسوني على مقعد، وأمروني أن أضع ساقا على ساق، وأضع سيجارة في فمي، ليصوروني على هذه الحالة فقلت: مستحيل أمسك سيجارة لا في يدي، ولا في فمي!! فوضعوا المسدس في ظهري وفى أم رأسي لأمسك السيجارة فرفضت ونطقت بالشهادتين وقلت: افعلوا ما تشاءون - لن أفعل!! ضربت بالسياط .. أعادوا المسدس إلى رأسي، وأعادوا الأمر بمسك السيجارة ووضعها في فمي، فرفضت وأصررت على الرفض!! .. فلما يئسوا صوروني .. في اليوم التالي، طلبوا منى أن أذهب لأتحدث في التليفزيون على أن يملوا علي كلاما من عندهم وبهتانهم على "الإخوان المسلمين". فقلت: لن أقول إلا الآتي إذا ذهبت إلى التليفزيون: " إن جمال عبد الناصر كافر يحارب الإسلام في شخص جماعة الإخوان المسلمين .. ولذلك نحن نحاربه، لأنه قال إن الحكم بالقرآن رجعية وتأخر وتعصب مقيت، ولأنه يستورد مواد أحكامه وتشريعاته
عدد الصفحات ١٦٥165 من الدب الأحمر الشيوعي ومذهبه الإلحادي الذي يقول لا إله والحياة مادة .. لهذا نحن نحاربه".. فقال: ستتكلمين والمسدس في ظهرك ونافوخك .. لابد أن تقولي ما نريده نحن .. قلت: بالأمس لم أرض أن أضع سيجارة في يدي أو في فمي، وأنتم تهددونني بمسدسكم وتضعونه في رأسي وفى ظهري، ومصورو صحافتكم وإعلامكم يشهدون، فهل تظنون اليوم أن أقول غير الحقيقة؟! لا .. وأظن أننا لحملة رسالة، وأمناء أمة، وورثة كتاب. فجلدت وأعدت إلى الزنزانة. وأعادوني إلى مكتب شمس بدران .. وما كاد يراني حتى قال في دهشة مصطنعة: إيه أما زالت على قيد الحياة يا بنت ال ..؟! أنا قلت يا حمزة هات لي جثتها .. فقال حمزة البسيوني في رجاء: معذرة يا باشا .. قل لها تعليماتك وهي مستعدة لتنفيذها. فقال شمس بدران: اكتبي يا زينب .. فقلت: لن اكتب إلا الحقيقة .. إذا أردتم فاقتلوني .. إنها شهادة تكتب عند الل ه إن شاء سبحانه. فقال حسن خليل: لن نسمح لك بهذه الشهادة؟!! فقلت: إن الشهادة من عند الل ه، إذا أرادها لأحد من خلقه أعطاها له.
عدد الصفحات ١٦٦166 فقال شمس بدران وقد أ ثاره إصراري: علقها يا صفوت .. واجلدها خمسمائة جلدة!! لتعرف من ربها. وعلقوني، وجلدني الزبانية .. سخاء في الوحشية وكرم في القسوة!! خمسمائة جلدة على إنسان في قمة الألم، وقمة المعاناة .. ماذا بعد؟! وأعادوني إلى الزنزانة. ولم يمض وقت حتى أخذوني ثانية إلى مكتب شمس بدران الذي قال: أجلسي هنا؟!! وأشار إلى كرسي أمام مكتبه .. ثم قال: هل أنت فاهمة أن قلوبنا جامدة لا تحس؟! أنا متأثر جدا لحالتك .. أنا والدي شيخ في الأزهر!! نظرت إليه نظرة ذات مغزى كبير مليئة بالازدراء والاحتقار! وعاد إلى طبعه الوحشي قائلا في عصبية مهددا: يا بنت ال ..، اسحبها يا حمزة إلى 32 .. ودخلت زنزانة وجدت بها عمودين من الخشب متصلين من أعلى بعمود أفقي تتدلى منه حلقتان .. أوقفوني على كرسي. وأمروني بالسوط أن أمسك الحلقتين، عندئذ أزاحوا ال كرسي من تحت قدمي فصرت معلقة في الهواء .. !! لم أستطع أن أستمر في الحلقتين أكثر من عشر دقائق فهويت على الأرض وتلقفني الزبانية بسياطهم المجنونة. وأعادوني مرة أخرى إلى الحلقتين. فسقطت،
عدد الصفحات ١٦٧167 فعملت في السياط المجنونة ما شاء لها هوى الزبانية .. وظلت هذه العملية تتكرر ما يقرب من ثلاث ساعات!! أعادوني إلى مكتب شمس بدران، فأشار بطرف إصبعه، في حركة تمثيلية، إلى كرسي أمام مكتبه، فجلست ثم أخذ جلال الديب وحسن خليل يحاولان إقناعي بأن أكتب ما يريده الباشا .. ويكرران بأن ذلك في مصلحتي!! فقلت لهما: لن أكتب شيئا لا أعرفه .. فقال لي: إننا عرفنا كل شيء، واعترف الإخوان بكل شيء، اقرأ لها الملفات!! ملف عبد الفتاح إسماعيل وملف مجدي عبد العزيز، وأحمد عبد المجيد وملف سيد قطب، وملف محمد هواش، وصبري عرفه، وعبد المجيد الشاذلي، وفاروق المنشاوي، ومرسي مصطفى مرسي، على حد زعمهم. ثم قال شمس بدران: اقرأ لها أقوالهم، وقرأ جل ال الديب أقوال عل ي عشماوي!! أذهلني ما سمعت!! ولما فرغ قال شمس بدران - وهو يغمض إحدى عينيه ويهز رأسه -: ما رأيك في هذه الأقوال؟! فقلت على الفور: هذا كله كذب وافتراء.
عدد الصفحات ١٦٨168 فقال شمس بدران: تريدين أن تنكري أنك أسست تنظيم الإخوان؟ إليك كلام شيخكم يقطع بأنك أنت التي أسست التنظيم .. اقرأ لها أقوال الهضيبي يا جلال. وبعد عدة دقائق قال له: انتظر .. اترك هذا الملف واقرأ لها أقوال عبد الفتاح إسماعيل، وأخذ جلال يقرأ .. وبعد قليل سألني شمس بدران: ما رأيك!! .. لم أجب .. قال يا جلال .. اقرأ لها أقوال مخطط الإخوان سيد قطب .. فأخذ جلال يقرأ ثم ينتقل من ملف إلى ملف ولما فرغ قال شمس بدران: ما رأيك فيما سمعت؟! هل تكتبين ما نريد؟ فقلت: هذا باطل؟ فقال في تهكم: وما هو الحق يا نابغة الزمان؟ قلت: كل ما سجل هنا لعلي عشماوي، أعتقد أنه هو الباطل .. أما بقية إخواني فهم أهل الدعوة وأهل الحق .. والمسطر هذا مزور عليهم .. قال شمس: علقها يا صفوت وأنت يا حمزة هات علي عشماوي وحضر الكلاب. وجاء علي عشماوي .. كان علي عشماوي يلبس "بيجامة من الحرير المهفهف نظيفة، أنيقة شعره ممشط لا يبدو عليه أي أثر للتعذيب، فلما رأيته واستعرضت في حالة الآخرين ، وحالتي علمت بل تيقنت أن هذا المخلوق خان أمانة الل ه، وشهد على إخوانه زورا فهوى في مهاوي الفساق الفجار الظالمين،
عدد الصفحات ١٦٩169 وأصبح من رجال شمس بدران وذنبا من أذناب جمال عبد الناصر، الذين لا يعرفون قيما ولا أخلاقا ولا دينا. قال له شمس بدران: يا علي، ماذا أخذت من زينب الغزالي في آخر يوم توجهت فيه إليها، وماذا قالت لك؟ قال علي عشماوي: أعطتني ألف جنيه، وقالت لي .. النقود ستكون عند غادة عمار لتسليمها إلى بيت الهضيبي أو بيت قطب، إذا قبضوا علي اتصل بغادة أو بحميدة ستعرف أين النقود إذا احتجتم إليها". فقال شمس بدران: كم كانت النقود يا زينب الغزالي؟ ولماذا كنت خائفة عليها؟ فقلت: كانت النقود أربعة آلاف جنيه، وهى قيمة اشتراكات مجموعة من الإخوان في السودان والسعودية، لمساعدة أسر المسجونين، ومصار يف الطلبة في المدارس والجامعات، وإيجار بيوت، صرفنا منها في العيد الماضي ألف جنيه على العائلات .. وهذا الواقف أمامكم هو الذي أخذ الألف جنيه ليعطيها لعبد الفتاح إسماعيل لحساب الهضيبي. وقال شمس بدران: أنت يا علي، ماذا أكلت عند زينب الغزالي آخر مرة؟ فقال علي عشماوي: أعطتني طبق أرز بال كبدة وقالت لي: كل، ربنا يعينك ..
عدد الصفحات ١٧٠170 ثم قال: كفاية!! اخرج يا علي، فخرج علي عشماوي مصحوبا بسلامة ورعاية شمس بدران!! وقال شمس بدران: هات عبد الفتاح، يا حمزة. وبعد لحظات عاد حمزة البسيوني بعبد الفتاح إسماعيل. (أعدم في العام 1966 مع الشهيد السيد قطب). كان يكسوه وقار الصادقين، ونور الموحدين، يلبس حلة سجن زرقاء، ممزقة، وآثار التعذيب تنطق بمدى ما لاقاه هذا المجاهد الصادق المؤمن الموحد .. وقال يوجه القول إلي:" السلام عليكم". قلت:" وعليكم السلام ورحمة الل ه وبركاته". وقال شمس بدران: ماذا كنت تعمل عند زينب الغزالي يا عبد الفتاح؟ لماذا كنت تذهب إليها؟ ويرد عبد الفتاح بلسان صدق وحق غريب على الجاهلين: أختي في الل ه .. كنا نتعاون على أن نبني الشباب المسلم على مبادئ القرآن والسنة، وبطبيعة الحال كان ذلك سيفضي إلى تغيير الدولة، من دولة جاهلية إلى دولة إسلامية.. ويقول شمس بدران في غلظة: أتخطب؟ أنت لست على المنبر يا ابن ال .. اخرج .. اخرج .. ويخرج عبد الفتاح إسماعيل كما جاء .. بعد أن وجه القول إلي "السلام عليكم ورحمة الل ه وبركاته". فقلت: "وعليكم السلام ورحمة الل ه وبركاته".
عدد الصفحات ١٧١171 وأخذت شمس بدران ثورة عارمة فجرتالقذارة على لسانه فانساب بأبشع الألفاظ وأقذرها!! واسترحت .. نعم استرحت لشموخ الرجولة في عبد الفتاح إسماعيل، مأخوذة بذروة الإيمان فيه، وقلت في سرى "الحمد لل ه! أن لل ه رجالا .. اللهم احفظهم لدعوتك يا الل ه. إن خان عل ي العشماوي فهناك الموحدون الصابرون .. رواد الطريق وطلاب الحقيقة". وتنبهت على صوت شمس بدران وهو يصرخ: خذوها بنت الــ.. وبكره تيجي ومعها الورق مكتوب. وأعطى حسن خليل لصفوت ورقا وقلما وأعادوني إلى المستشفى وأمسكت بالورق والقلم. ماذا اكتب؟ ماذا يريدون منا؟ أيريدون أن نغضب ربنا ونخالف ديننا؟!! لا والل ه لن نكتب إلا أننا في سبيل الل ه قمنا وتحت راية القران سرنا .. لا إله إلا الل ه .. محمد رسول الل ه. لن نشرك بربنا أحدا ولا نعبد إلا إياه. ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وتوفنا مسلمين. وأنتم يا فراعنة العصر اقضوا، إنما تقضون هذه الحياة الدنيا. وغدا سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وفى اليوم التالي جاء حمزة البسيوني ورياض وصفوت وأخذوا الأوراق وانصرفوا، وعادوا بعد ساعة تقريبا، وحملوني في عربة -لعجزي عن الحركة - إلى
عدد الصفحات ١٧٢172 مكتب شمس بدران، الذي رأيته يمزق أوراقا يلقيها في سلة المهملات وهو يقول: هذه أوراقك أنا سآخذ كوز دم من جسدك وتكتبين ما أريده بالدم .. وأعادوني إلى المستشفى .. تحت اللعنات وضرب السياط. مكثت بالمستشفى عدة أيام تحت العلاج. فقد كنت قاب قوسين أو أدنى من ا لموت!! وذات يوم قبيل الغروب أخذوني إلى مكتب شمس بدران .. ل كنهم لم يدخلوني "بل أمروني أن أقف ووجهي إلى جهاز كهربائي، يخرج صوتا مزعجا، وينبعث منه هواء ساخن .. ظللت واقفة -ووجهي إلى هذا الجهاز اللعين - ليلة كاملة!! وفى الصباح أعادوني إلى المستشفى. دخل الدكتور ماجد ونظر إلى وجهي وقال لعبد المعبود التمورجي: وجهها شديد الاصفرار .. هل أخذوها مرة أخرى الليلة؟ فقال عبد المعبود: نعم! وبعد نصف ساعة أحضر لي عبد المعبود نصف رغيف أفرنجي وبداخله بعض المربى، وقال: الدكتور أمر لك بهذا .. وعند الغروب أخرجت من المستشفى لأوضع في حجرة قريبة من مكتب شمس بدران، ثم حضر الزبانية حمزة وصفوت ورياض وصاروا يتداولون فيما بينهم هامسين. وانصرف الأولان وبقى الأخير الذي انقلب إلى مسخ مشوه
عدد الصفحات ١٧٣173 يلطم وجهه ويشد شعره،ثم يفتعل حركات كما لو كان يريد تمزيق ملابسه ويصرخ عاويا متهما إياي بالجنون والغفلة، مهددا بأني إذا لم أطع شمس باشا اليوم فإن حياتي سوف تنتهي. ثم يتساءل إن كنت أعلم أين ذهب عواد ورفعت وإسماعيل الفيومي (أستشهد في باحة السجن الحربي في العام 1965 بعد أن حطموا رأسه في نافورة السجن). ويضيف أنهم يدفنون كل يوم في السجن عشرة كلاب من الإخوان، يدفنونهم في جحيم عبد الناصر. فلما علقت على هلوسته تلك بأن قتلانا شهداء في الجنة، زاد من لطم وجهه وصاح ما دام الكلاب والماء والنار والسياط وكل هذا العذاب لم ينفع معك .. فاليوم الباشا سيذبحك .. أخذ الأمر من جمال عبد الناصر... ماذا ستفعلين؟! قلت: الذي يفعل هو الل ه. فقال في بله: أنت تريديننا أن نفعل مثل كم ونخيب خيبتكم؟ أنت تريديننا أن نترك روسيا التي تحكم نصف العالم وننصاع لكلام شخص مثل الهضيبي أو سيد قطب أو حسن البنا؟ أنتم مجانين .. إننا لسنا مثل كم .. ردي علي. فقلت:" إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الل ه يستكبرون. ويقولون أئنا لتاركو ا آلهتنا لشاعر مجنون" [35-36] وكانت هذه الآلهة هي
عدد الصفحات ١٧٤174 الأصنام. والحكام سدنة الأصنام. وهم الذين رموا محمداً الرسول صلى الل ه عليه وسلم سيد ولد آدم، رموه بالجنون. وهكذا يعيد التاريخ نفسه فتقولون لمن يدعونكم إلى الل ه أنهم مجانين، ويسيركم الطاغوت الذي استخدمكم في الباطل، وتسيرون خلفه أذلاء بثمن بخس: أرضيتم المخلوق وأغضبتم الخالق. فجن جنونه وثارت ثائرته وهو يقول: أتريدون أن تعيدونا إلى الجمود والتأخر؟ وفتح الباب واندف ع جند كالوحوش يلهبون جسدي بالسياط. وهو يضحك في بله ويقول: والل ه يا زينب أنا خايف عليك ومشفق عليك .. وأنا أقول: "حسبنا الل ه ونعم الوكيل ". قلت في سخرية: شفقة وخوف؟! ما هذا!! أنت تخاف؟! القضية كما تقولون وضحت كل عناصرها .. فماذا يهمكم اعترافي أو إقراري؟! نعم وضح كل شيء .. وضح زوركم، وكذبكم، وإلصاق الجرائم بالأبرياء. أخذ المجنون رياض يضرب صدره، ويشد شعره ويصرخ: بأي قوة تعيشين؟!! كدنا نفقد عقولنا فيك ... الأطباء يقولون: إذا لم يدخل لك طعام ستهل كين .. ودخل حمزة البسيوني وصفوت، وقال حمزة: خيرا يا رياض .. ماذا فعلت معها؟ أظن عقلت؟ !
عدد الصفحات ١٧٥175 ملأت نظرة بكل السخرية وصوبتها إلى حمزة البسيوني وقلت: لا أدرى من المجنون؟ فنظر إلى حمزة ولم يعقب، ثم استدار إلى صفوت وقال: هاتها يا صفوت إلى مكتب الباشا؟!! أجلسني شمس على كرسي وقال: أعتقد أنه لا داعي للاستمرار في العناد، أريدك أن تكتبي ما نريد. فقلت: أتريد أن أكتب أننا كنا سنقتل عبد الناصر؟ هذا أمر مستحيل، والل ه ما كنا لنجتمع إلا لدراسة القرآن والحديث لنبين للناس كيف يخرجون من طاعة الطواغيت البشرية إلى طاعة الل ه فيعبدونه وحده ويقيمون دينه، لا يأتمرون إلا بما في الكتاب والسنة، لا يعصون الل ه فيما أمرهم، ولـكن يتحرونه دوما، ويجتهدون ألا يعصوه، وإن عصوه تابوا، واستغفروا .. ومع ذلك نحن نعتقد أن الحكم القائم حكم جاهلي يجب أن يزول، لا بالحديد والنار بل بوجود قاعدة إسلامية عريضة في الأمة، فكيف تقولون إننا كنا سنقتل عبد الناصر؟! .. لابد أن نخرجكم أولا من الجاهلية .. فعندما توجد هذه القاعدة ستقوم الدولة الإسلامية حتما. انهالت السياط من مردة الإنس فصرخت بأعلى ما استطعت: لن أكتب لن اكتب. فاقتلوني. فالدنيا لا تساوى عندي شيئا ..
عدد الصفحات ١٧٦