المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التربية بالمجاهدة

شريف فوزي سلطان

صفحة ١ من ٧

1

عدد الصفحات ١

2 التربية بالمجاهدة {} د/ شريف فوزى سلطان

عدد الصفحات ٢

3 بسم الله الرحمن الرحيم المجاهدة طريق الهداية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وكل من اهتدى بهديه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين . من قواعد السلف المجمع عليها بينهم: أن النفس حجاب بين العبد وبين الله وأنه لا يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب. والناس مع أنفسهم على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعاً لها تحت أوامرها . وقسم ظفروا بأنفسهم فقهروها فصارت طوعاً لهم منفذة لأوامرهم فمن ظفر بنفسه أ فلح وأنجح ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك قال تعالى:{ فَأَمَّا مَنْ طَغَى(37) وَآَث َرَ الَْْيَاةَ الدُّن ْيَا(38) فَإِنَّ الَْْحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [ فالنفس تدعوا إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا والرب تعا يدعو ا عبده إلى خوفه ونهى النفس عن الهوى وهذا موضع المحنة والابتلاء.(1) قال ابن القيم رحمه: " ففى النفس ثلاثة دواعىٍ متجاذبة: دا عٍ يدعوها إلى الإتصاف بأخلاق الشيطان من الكبر والحسد والعلو والبغى والشر والأذى والفساد والغش، وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان وهو داعى الشهوة ، وداع يدعوها إلى أخلاق المَلَك من الإحسان والنصح والبر والعلم والطاعة " (2) وهنا يأتى دور المجاهدة. وصف الله تعالى النفس فى القرآن بثلاث صفات: نفس مطمئنة ونفس لوامة ونفس أمارة بالسوء 1- فالنفس المطمئنة: هى التى سكنت إلى الله واطمأنت بذكره وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه وأنست بقربه ، وهى التى يقال لها عند الوفاة: {يََ أَي َّت ُهَا الن َّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلىَ رَب ِكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِِ عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِ [ } وسميت مطمئنة لأنها اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره وأمره ونهيه وخبره ولقائه ووعده ، واطمأنت إلى الرضا به رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً ، واطمأنت إلى قضائه وقدره . 1 - جهاد النفس: على محمد الدهامى نقلاً عن إغاثة اللهفان ص بتصرف . 2 - مدارج السالكين ابن القيم ج 2

عدد الصفحات ٣

4 2- النفس اللوامة: هى التى تلوم صاحبها دائماً ، تلومه إذا أحسن ألا يكون ازداد إحساناً وتلومه إذا أساء ألا يكون رجع عن إساته . والنفس اللوامة نفس مؤمنة ولذلك أقسم الله بها قائلاً : {لََ أُقْسِمُ بِي َوْمِ ا لْقِيَامَةِ (1) وَلََ أُقْسِمُ باِلن َّفْسِ اللَّوَّامَةِ ...[ } قال الْسن: " إن المؤمن – والله – ما تراه إلا ي لوم نفسه على كل حالاته يستقصرها فى كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه وإن الفاجر ليمضى ق دماً لا يعاتب نفسه " 3- النفس الأمارة بالسوء: هى التى تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغى واتباع الباطل وهى الأصل كما قال تعالى: {إِنَّ الن َّفْسَ لأََمَّارَةٌ باِلسُّوءِ إِلََّ مَا رَحِمَ رَبّ ِ إِنَّ رَبّ ِ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (3) [53] إن النفس البشرية عموماً خلقها الله تعالى أمارة بالسوء ميالة إلى ال شر ف َرّارة من الخير إلا من رحمه الله تعالى ووفقه إلى تزكيتها وتطهيرها بالأعمال الصالحة ودوام المحاسبة والمجاهدة حتى تتحول هذه النفس الأمارة بالسوء إلى نفس لوامة تلوم صاحبها على الشر ثم إلى نفس مطمئنة لا تأمر صاحبها إلا بطاعة الله فإن زلت نفسه سرعان ما يعود إلى الله . قال تعالى:{ إِنَّ الِْْنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [}:34] وقال تعا:{ وَكَانَ الِْْنْسَانُ أَكْث َرَ شَيْءٍ جَدَلًَ[}54] وقال تعا:{ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًَ [ }:72] وقال تعا:{ إِنَّ الِْْنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19) إِذَا مَسهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الَْْي ْرُ مَنُوعًا} [ وقال تعا:{ كَلاَّ إِنَّ الِْْنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْت َغْنَ[} وقال تعا:{ إِنَّ الِْْنْسَانَ لِرَب ِهِ لَكَنُودٌ[ }6] أى جحود لنعمةوَإِنَّهُ عَلَ ى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لُِْب ِ الَْْيِْْ لَشَدِيدٌ }: المال وقال تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الِْْنْسَانُ لِي َفْجُرَ أَمَامَهُ[ }:5]يَسْأَلُ أَيََّنَ ي َوْمُ الْقِيَامَةِ } سؤال استنكار !! هذه بعض صفات الإنسان ولذلك كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا خطب قدّم بين يدى خطبته:" إن الْمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.."(4) 3 - بتصرف واختصار من إغاثة اللهفان لابن القيم . 4 - انظر خطبة الحاجة: محمد ناصر الدين الألبانى ص 5.

عدد الصفحات ٤

5 وقال له أبو بكر يوماً: " يَ رسول الله مُرنى بكلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت " قال: قل: " اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شئ ومليكه أشهد ألَ إله إلَ أنت أعوذ بك من شر نفسى وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسى سوءاً أو أجرَّه إلى مسلم قله إذا أصحبت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك " (رواه أحمد وأبو داود والترمذى وانظر صحيح الجامع) وإنما خلق الله تعالى النفس كذلك امتحاناً وابتلاءً وليقوم الإنسا ن بمهمته فى هذه الحياة وليظهر مدى امتثاله لأمر ربه ، هل سيهمل نفسه وينساها؟ أم سيعمل جاهداً على تزكيتها وتطهيرها ، وهنا أقسم الله تعالى بالنفس قائلاً : " ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " قد أفلح من حاسبها وجاهدها ودفعها إلى الطاعة دفعاً وقد خاب من خسر من نسيها وأهملها (5 )" مجاهدة النفس: حملها على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه وإذا قوى على ذلك قوى على جهاد أعداء الدين . قال المناوى: المجاهدة: حمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة الهوى وقيل: هى بذل المستطاع فى أمر المطاع (الله) (6) قال القشيْى: أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير هواها (7) قال تعا: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَن َهْدِي َنهُمْ سُب ُلَنَا[ }69] فعلق سبحانه الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً ، وأفرض الجهاد: جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة فى الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته ..(8) قال امام الغزالى – فى الإحياء: " فالمجاهدة مفتاح الهداية لا مفتاح لها سواها " وقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِِ اللََِّّ حَقَّ جِهَادِهِ [ }78] 5 - أما آن لقلبك أن يعبد؟ المؤلف. 6 - نضرة النعيم نقلاً عن التعريفات ص 204 7 - نضرة النعيم نقلاً عن فتح البارى . 8 - الفوائد ابن القيم.

عدد الصفحات ٥

6 قال ابن المبارك فى تفسيْها: " الجهاد فى الله هو جهاد النفس والهوى " وقال صاحب الظلال: " فالمسلم عندما يؤمر بالمجاهدة لا يعنى ذلك أن يبذل فوق طاقته وأن يتحمل أكثر مما يقدر عليه وإنما هو ضبط النفس والتحكم فيها لتسير فى طريق صلاحها وسعادتها وتعتصم بحبل ربها . وقال تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَََّّا يَُُاهِدُ لِن َفْسِهِ إِنَّ اللَََّّ لَغَنٌِِّ عَنِ الْعَالَمِينَ [ }:6]، والآية مكية على الصحيح، والمراد جهاد النفس ، فمن جاهد نفسه فى طاعة الله نفع ذلك يعود عليه.. وقال صلى الله عليه وسلم: " المجاهد من جاهد نفسه فى طاعة الله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " (رواه أحمد وصححه الألبانى فى الصحيحة ) وقال صلى الله عليه وسلم: " أفضل الْهاد من جاهد نفسه فى ذات الله " (الصحيحة)  سأل رجل عبد الله بن عمر عن الجهاد ؟ فقال: ابدأ بنفسك فجاهدها...."(9 ) "  قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه لعمر حين استخلفه: " أول ما أحذرك نفسك التى بين جنبيك " (10)  قال ابراهيم بن عل قمة لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال القلب " (11) يا من يجاهد غازياً أعداء **** دين الله يرجو أن يع ان وي نصرا هلا غشيت النفس غز واً **** إنها أعدى عدوك كى تفوز وتنصر ا إن أنت نلت جهادها وعنادها **** فلقد تعاطيت الجه اد الأكبر ا  جاء رجل لبعض العارفين فقال : قطعت إليك مسافة. فقال له: ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقد حصل لك مقصودك " (12)  قال ابن حزم رحمه: " واعلم أن رياضة الأنفس أصعب من رياضة الأ سد لأن الأ سد إذا سجنت فى البيوت التى تتخذ لها أمن شرها والنفس إذا سجنت لم يؤمن شرها " (13)  قال السُّرى رحمه: " أقوى القوة غلبتك نفسك ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز " (14) 9 - جامع العلوم والحكم ابن رجب 10 - جامع العلوم والحكم ابن رجب . 11 -جامع العلوم والحكم ابن رجب 12 - مجموعة رسائل ابن رجب ص 128 13 - الزهد للبيهقى .ص158 14 - مداوة النفوس154

عدد الصفحات ٦

7 فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عَزّ بذلك لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره وأسره واكتفى شره قال : {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ ن َ فْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [}16] عن عائشة رضى الله عنه قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تتفطر رجلا ه فقلت: يَ رسول الله هذا وقد غُ فر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: يَ عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً " (متفق عليه) وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال : صليت مع النبى صلى الله عليه وسلم ليلة فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء. قلنا: وما هممت؟ قال: أن أقعد وأذره " (رواه البخارى) عن ربيعة بن كعب الأسلمى رضى الله عنه قال : كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لى: سل، فقلت: اسألك مرافقتك فى الْنة، قال: أو غيْ ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعن على نفسك بكثرة السجود " (رواه مسلم وغيره) وعن أبىّ بن كعب رضى الله عنه قال : " كان رجل لَ أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه وكانت لَ تخطئه صلاة، فقيل له: لو اشتريت حماراً تركبه فى الظلماء وفى الرمضاء ، فقال: ما يسرنى أن منزلى إلى جنب المسجد إنى أريد أن يكتب لى ممشاى إلى المسجد ورجوعى إذا رجعت إلى أهلى فقال صلى الله عليه وسلم: " قدجمع الله لك ذلك كله " ( صحيح الترغيب والترهيب ) يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ***** أتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها ***** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان وامدد يديك بحبل الله معتصماً ***** فإنه الركن إن خانتك أركان

عدد الصفحات ٧

8 1- مجاهدة النفس على تحقيق الْخلاص  لأنه حقيقة الدين قال تعاوَمَا أُمِرُوا إِلََّ لِي َعْبُدُوا اللَََّّ مُُْلِصِينَ لَهُ الد ِينَ [}5 ] وقال تعاقُلْ إِنّ ِ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَََّّ مُُْلِصًا لَهُ الد ِينَ [ }:11] وقال تعاأَلََ للََِِّّ الد ِينُ الَْْالِصُ [ }:3] فالله تعالى لا يقبل من الدين إلا ما خل ص له كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله لَ يقبل من العمل إلَ ما كان خالصاً وابتغى به وجهه " (رواه النسائى وصححه الألبانى )  ولأنه من أشق الأمور على النفس لأنه يحول بينها وبين متطلعاتها وشهواتها فتحقيقه والاستمرارية فيه يحتاج مجاهدة كبيرة قيل لسهل بن عبد الله: أى شئ أشد على النفس؟ قال: الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب. أن تكون نيتك فيما تقوم به من قول أو فعل أو ترك لله ، لا تريد غير الله ، لا تريد سمعة ولا رياءً ولا رفعة عند أحد ولا خشية من أحد ، وإلا ردّ الله عليك عملك ففى الحديث القدسى: " أنا أغن الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معى غيْى تركته وشركه " (رواه مسلم) الإخلاص فى العبادة هو روح العبادة ، وبدونه تفقد العبادة فائدتها وتصير بلا أثر فى حياة المسلم بل قد تنقلب عليه إثماً ، فعندما يفتقد المسلم الإخلاص فى صلاته تصبح عبارة عن حركات وسكنات وهمهمات فلا يتذوق حلاوتها ولا يرى لها فى حياته أثراً . كذلك الزكاة والصدقة إذا أخرجها المسلم مرضاة الله ق بلت منه وإذا أخرجها رياءً وسمعة أو ل يستميل بها قلوباً أو ليكسب أنصاراً فإ نه لن ينال إلا ما كسبه من جزاء الدنيا ولذلك مدح الله المتصدقين الذين لا يبغون من وراء صدقاتهم مدحاً ولا شكراً حين قال : {إِنَََّّا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللََِّّ لََ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلََ شُكُورًا [}9{] الَّذِي ي ُؤْتِِ مَالَهُ ي َت َزَكَّى (18) وَمَا لأَِحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُُْزَى (19) إِلََّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَب ِهِ الأَْعْلَى (20) وَلَسَوْفَ ي َرْضَى [}

عدد الصفحات ٨

9 وكذلك الصوم إ ذا لم يقصد العبد بصومه العبادة والتقرب إلى الله كان صومه جوعاً وعطشاً أو إضراباً عن الطعام " رب صام ليس له من صيامه إلَ الْوع..." (رواه ابن ماجه والنسائى وإسناده صحيح ). ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم:" من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (متفق عليه). وكذلك الحج أ و العمرة فإن قصد بحجه السياحة أو التجارة أو المكانة الدينية عند الناس فليس له من حجه إلا التعب وخسارة المال لكن إن أخلص وبرّ فى حجه كان الجزاء مضاعفاً . يقلب المباحات إلى طاعات: فقد روى البخارى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : إنك لن تنفق نفقةً تبتغى بها وجه الله إلَ أُجرت عليها حتى ما تُعل فى فم امرأت ". النية الْالصة تبلغ مبلغ العمل: قال صلى الله عليه وسلم: " من أتى إلى فراشه وهو ينوى أن يقوم من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كُتب له ما نوى وكان نومه صدقه عليه من ربه عزوجل " (رواه النسائى وصححه الألبانى) وقال صلى الله عليه وسلم: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه " (رواه مسلم) يُ َلِّّص العبد من كيد الشيطان : قال تعالى عن يوسف – وقد نجا من كيد امرأة العزيز - {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ َ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِناَ الْمُخْلَصِينَ السُّوء [}:23] تنفيس الكرب والْروج من الشدائ د: ويدل على ذلك حديث الثلاثة أصحاب الغار الذين كاد الغار أن يكون قبراً لهم فدعوا الله بصالح أعمالهم وقال كل واحد منهم : اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففر ِج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون " (متفق عليه) الإخلاص طريق الجنة الإخلاص سر الو صول إلى الله. الإخلاص ي نقى القلب من الأحقاد والأغلال. الإخلاص يملأ حياة العبد توفيقاً وبركة . 15 - قاعدة الإنلاق وقارب النجاة : فيصل بن على البعدانى.

عدد الصفحات ٩

10 1- مراقبة النفس ومجاهدتها: قال الْسن: " كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبت فإن كان لله مضى وإن خالطه شك أمسك " (16) وقال سلمان: " اذكر ربك عند همك إذا هممت وعند حكمك إذا حكمت "(17) 2- أن تعلم أن الناس لَ ينفعون ولَ يضرون، فوجب أن نقطع اعتبارهم ونعمل للذى ينفعنا 3- دعاء تعالى والاستعانة به، فليكثر العبد من قوله: اللهم ارزقنى الإخلاص فى القول والعمل" أو كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن يقولوا: " اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لَ نعلمه " (رواه أحمد وصححه الألبانى فى صحيح الجامع). 4- مصاحبة الأخيار قال تعاوَاصْبِِْ ن َفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَب َّهُمْ باِلْغَدَاةِ وَالْعَشِي ِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ }الكهف:28] 16 - تفسير الطبرى ج3 ص70، فتح القدير للشوكانى ج 1ص390 17 - بلوغ الإرب بتقريب كتاب الشعب ص 463.

عدد الصفحات ١٠

11 2- مجاهدة النفس على تحرى الصدق والتحلى به  لأن" الصدق يهدى إلى البِ والبِ يهدى إلى الْنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقاً " متفق عليه.  لأن الصدق دليل الفضائل والكمال وعنوان الرقىّ والجمال لا يستغنى عنه عالم و حاكم ولا قاض ولا تاجر ولا رجل ولا امرأة ولا صغير ولا كبير ما داموا جميعاً يعيشون فى مجتمع مسلم وما وقعت الأمة فى الضنك والشقاء الذى تحياه الآن إلا يوم كفن الصدق ودفن .  ولأن الصدق أخو الإخلاص وسبب قبول الطاعات عند الله وعليه يترتب الأجر يوم القيامة ، قال تعا{ لىهَذَا ي َوْمُ ي َن ْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْق ُهُمْ لهَُمْ جَنَّاتٌ تَُْرِي مِنْ تحَْتِهَا الأَْن ْهَارُ [ }:119] { يََ أَي ُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ات َّقُوا اللَََّّ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[}:119] 1- الصدق فى النية: وهو ألا يكون هناك باعث على العمل إلا الله – وهذا رابط الصدق بالإخلاص – ولهذا ي قال لمن لم يُلص نيته لله إنه كاذب ، كما وصف الله تعالى الثلاثة المرائين بالكذب وهم من هم عالم وشهيد وجواد ، قال الله لكل منهم: كذبت، وذكر النبى صلى الله عليه وسلم بأنهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. والحديث رواه مسلم 2- الصدق فى القول: وهو الصدق فى الأخبار، والخبر إما أن يتعلق بالماضى فلا يُبر الإنسان عن الأشياء على خلاف ما هى عليه، وإما أن يتعلق بالمستقبل فإذا وعد بشئ وفىّ بوعده وصدق فى عهده. قال صلى الله عليه وسلم: " اضمنوا لى ستاً أضمن لكم الْنة...اصدقوا إذا حدثتم.." ( رواه أحمد والحاكم والبيهقى وانظر صحيح الجامع) الصدق فى القول حتى ولو كنت مازحاً كما قال النبى صى الله عليه وسلم : " أنا ز عيم بيت فى الْنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحاً .." (رواه أبو داود وحسنه الألبانى) وقال صلى الله عليه وسلم: " ويل للذى يُُدث بالْديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ثم ويل له " (رواه أبو داود والترمذى وصححه الألبانى) وقال تعاوَاذْكُرْ فِِ الْكِتَابِ إِسَْْاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًَ نَبِيًّا [}:54] 3- الصدق فى العمل: وهو أن ي صدِّّ ق العبد أقواله بأفعاله

عدد الصفحات ١١

12 بأن يجاهد نفسه فى أن تكون سريرته وعلانيته واحدة ، وألا تدل أعماله الظاهرة على شئ وفى باطنه شئ آخر قال بعضهم: " اللهم إنى أعوذ بك من خشوع النفاق ، قيل وما خشوع النفاق ؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع " (18) عن شداد بن الهاد أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ثم قال : أهاجر معك فأوصى به النبى صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فلما كانت غزوةٌ غنم النبى صلى الله عليه وسلم سبياً فقسم وقسّم له فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهرهم ، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قال: قسم قسمه لك النبى صلى الله عليه وسلم فأخذه فجاء به إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: قسمته لك، قال: ما على هذا تبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى ها هنا – وأشار إلى حلقه – بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال: " إن تصدق الله يصدقك " فلبثوا قليلاً ثم نهضوا فى قتال العدو، فأ تِّ ى به إلى النبى صلى الله عليه وسلم يح مل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا نعم، قال: صدق الله فصدقه الله، ثم كفنه النبى صلى الله عليه وسلم فى جبته ثم صلى عليه فكان فيما ظهر من صلاته: " اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً فى سبيلك فقتل شهيداً أنا شهيد على ذلك " (رواه النسائى وصححه الألبانى) استحضار مراقبة الله قال تعالى: {أَلمَْ ت َرَ أَنَّ اللَََّّ ي َعْلَمُ مَا فِِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِِ ا لأَْرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نََْوَى ثَلاَثَةٍ إِلََّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلََ خََْسَةٍ إِلََّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلََ أَدْنىَ مِنْ ذَلِكَ وَلََ أَكْث َرَ إِلََّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثمَُّ ي ُن َب ِئ ُهُمْ بَِِا عَمِلُوا ي َوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَََّّ بِكُل ِ شَيْءٍ عَلِيمٌ [}:7] الْوف من النفاق: لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ...إذا حدث كذب .." (متفق عليه) مصاحبة الصاقين: قال تعايََ أَي ُّهَا الَّذِ ينَ آَمَنُوا ات َّقُوا اللَََّّ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } الدعاء: {وَقُلْ رَب ِ أَدْخِلْنِِ مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِِ مُُْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِِ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيًْا[}80] 18 - مدارج السالكين ج ص 365

عدد الصفحات ١٢

13 3- مجاهدة النفس على العطاء والبذل  لأن المال من أعظممحبوبات النفس فمن قدم محبوب الله على ما يجب فأعطى من ماله للمحتاجين ونَصَر الدين وفقه الله تعالى لأعمال صالحة وأخلاق فاضلة لا تحصل له بدون ذلك، وهيأ الله له من أسباب التيسير ما لا يُطر على باله قال تعافَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَات َّقَى (5) وَصَدَّقَ باِلُْْسْنَ (6) فَسَن ُيَس ِرُهُ لِلْيُسْرَى [} وقال تعالَنْ ت َنَالُوا الْبَِِّ حَتىَّ ت ُنْفِقُوا ممَِّا تحُِبُّونَ [}:92] وقد فقه الصحابة هذا التوجيه ال ر بانى فتنازلوا عما يحبون لله ، فكان الواحد منهم إذا زاد حبه بش ئ بذله لله رجاء نيل هذا البر.... فها هو أبو طلحة رضى الله عنه : كان أكثر الأنصار مالاً بالمدينة وكان أحب ماله إليه بيرحاء فلما نزل قول الله تعالى: {لَنْ ت َنَالُوا الْبَِِّ حَتىَّ ت ُنْفِقُوا ممَِّا تحُِبُّونَ }: {لَنْ ت َنَالُوا الْبِِ حَتىَّ ت ُنْ فِقُوا ممَِّا تحُِبُّونَ } الله حيث اراك ...." ( رواه البخارى) زيد بن حارثة : لما نزلت هذه الآية قال " اللهم إنك تعلم أنه ليس لى مال أحب إلى من فرسى هذه " وجاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: هذه فى سبيل الله " فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: " قد قبلها الله منك "(19( وقال عبد بن عمر رضى الله عنه : تلوت هذه الآية: {لَنْ ت َنَالُوا الْبَِِّ حَتىَّ ت ُنْفِقُوا ممَِّا تحُِبُّونَ } أعطانى الله فما وجدت شيئاً أحب إلىّ من جار يتى رضيّ ة فقلت: هى حرة لوجه الله .. وعلى هذا الدرب سار كثير من سلف الأمة وصالحيها.20 الربيع بن حثيم كان إذا جاءه السائل يقول لأم ولده : أعط السائل سكراً فإن الربيع يحب السكر ! قال سفيان: يتأول قول الله عزوجل : {لَنْ ت َنَالُوا الْبَِِّ حَتىَّ ت ُ نْفِقُوا ممَِّا تحُِبُّونَ }(21( 19 - تفسير الطبرى ج6 ص592. 20 - الحاكم فى المستدرك ، تاريخ الاسلام الذ هبى ج5 ص460، لمحات عابرة من حياة العباد ص 38.بدوى مطر 21 - فيض القدير المناوى ج4 ص291.

عدد الصفحات ١٣

14 عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان النبى صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبِيل،وكان جبِيل عليه السلام يلقاه فى كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله أجود بالْيْ من الريح المرسلة " (متفق عليه). عن موسى بن أنس عن أبيه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً إلَ أعطاه قال: فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال : يَ قوم أسلموا فإن محمداً يعطى عطاء من لَيخشى الفقر "(رواه مسلم). وقال صلى الله عليه: " لو أن لى مثل أحد ذهباً ما يسرُّنى ألَ يمر علىَّ ثلاث وعندى منه شئ إلَ شئ أرصده لدين " (رواه البخارى) 1- أن يعلم الإنسان أن المال مال الله وقد استخلف عباده فيه ليرى كيف يعملون ثم هو سائلهم عنه إذا قدموا بين يديه: من أين جمعوه؟ وفيم أنفقوه؟ فمن جمعه من حله وأحسن الإستخلاف فيه فصرفه فى طاعة الله ومرضاته أثيب على حسن تصرفه وكان ذلك من أسباب سعادته ، ومن جمعه من حرام أو مما فيه شبهة أو أساء الاستخلاف فيه فصرفه فيما لا يحل عوقب وكان ذلك من أسباب شقاوته ... وفى الحديث القدسى: " إنا أنزلنا المال لْقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لَ بن آدم وادٍ لأحب أن يكون له ثانِ ولو كان له واديَن لأحب أن يكون له ثالثاً ولَ يملأ جوف ابن آدم إلَ التراب ويتوب الله على من تاب " (اخرجه أحمد والطبرانى وصححه الألبانى فى صحيح الجامع) 2- أن يعلم الإنسان أن البذل والعطاء إنما يبارك المال ويزيد الرزق : قال تعالى: {وَمَا أَن ْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ف َهُوَ يخُْلِفُهُ وَهُوَ خَي ْرُ الرَّازِقِينَ [}:39] وفى الحديث القدسى: " يَ ابن آدم أنفق ينفق عليك " (رواه مسلم) وقال صلى الله عليه وسلم: " ما فتح عبد باب عطية – صدقة أو صلة إلَ زاده الله بها كثرة "(رواه البيهقى وصححه الألبانى فى صحيح الجامع) 3- أن يعلم الإنسان أن البذل والعطاء وقاية من النيران وسبيل لدخول الجنان: فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم لعائشة: " يَ عائشة استترى من النار ولو بشق تمرة " (صحيح الترغيب والترهيب )

عدد الصفحات ١٤

15 4- مجاهدة النفس على الَنشعال بعيوبها عن عيوب غيْها  لأن الإنسان لو أبصر عيوب نفسه لشغله ذلك عن عيوب الناس.  ولأن الإنسان مطالب بإصلاح نفسه أولاً وسيسأل عنها قبل غيرها كما قال تعا فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَََّّا ي َهْتَدِي لِن َفْسِهِ }[108]، وقال تعاكُلُّ ن َفْسٍ بَِِا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ }38] فالمرء إن كان عاقلاً ورعاً أشغله عن عيوب غيره ورعه كما العليل السقيم أشغله عن وجع الناس كلهم وجعه  ولأن من تتبع عورة الناس تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه ولو فى قعر بيته . ولأن ا لإنشغال بعيوب الناس علامة على أن المنشغل محشوٌ بالعيوب يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يبصر أحدكم القذى فى عين جاره وينسى الْزع فى عينه "( رواه ابن حبان وصححه الألبانى فى الصحيحة ) مثل ضربه النبى صلى الله عليه وسلم لقوم انشغلوا بعيوب غيرهم عن عيوبهم اهتموا وبحثوا عن أخطاء غيرهم عن أخطائهم لدرجة أن أحدهم يرى القذى فى عين أخيه ولا يرى الجزع فى عينه . وإن المدقق فى عيب الآخرين الأعمى عن عيب نفسه لهو أنقص من غيره إذ لو كان أكمل من غيره لاشتغل بعيوب نفسه فأصلحها وسدّ عن نفسه باباً مفتوحاً يوصل إلى عذاب القبر وهو باب الغيبة...  وقد سمع أعرابى رجلاً يقع فى الناس فقال له : " قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها "(22) وعن مجمد بن سيرين رحمه الله قال : كنا نح دث أن أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس " (23) وقال عاصم النبيل:لا يذكر الناس فيما يكرهون إلا سفلة لا دين لهم " (24)  قيل للربيع بن خثيم: ما نراك تغتاب الناس؟ قال: لست عن حالى راضياً حتى أتفرغ لذم الناس وأنشد يقول: لنفسى أبكى لست أبكى غيرها...لنفسى من نفسى عن الناس شاغل (25 )  وفى الحلية عن يحى بن آدم قال: سمعت شري كاً يقول: سألت ابراهيم بن آدهم عما كان بين على ومعاوية فبكى فندمت على سؤالى إياه فرفع رأسه فقال : إن من عرف نفسه اشتغل بنفسه ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره.(26) 22 - بهجة المجاس ابن عبد البر ج2 ص162. 23 - الصمت ابن أبى الدنيا:104 24 - الجزاء من جنس العمل ج 2 ص290 نقلا@ عن بهجة المجالس. 25 مجموعة البحوث والمقالات العلمية. على نايف الحو د ص11

عدد الصفحات ١٥

16 اعلم أيها الأخ الحبيب أن الله تعالى إذا أراد بعبده خيراً بَصَّره بعيوب نفسه فمن كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه فإذا عرف العيوب انشغل بها وأمكنه علاجها ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم . قال تعالى:{بَلِ الِْْنْسَانُ عَلَى ن َفْسِهِ بَصِيَْةٌ }[:14] أن يجلس بين يدى شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفا الآفات فيحكمه فى نفسه ويتبع إشارته فى مجاهدته وهذا شأن طالب العلم مع شيخه والتلميذ مع أستاذه فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه وطرق علاجها. وهذا قد عزّ فى الزمان وجوده . أن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً فينصبه رقيباً على نفسه ليلاحظ أقواله وأحواله وأفعاله فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الظاهرة والباطنة نبهه عليها وهكذا كان يفعل الأكابر من أئمة الدين . كان عمر رضى الله عنه يقول: " رحم الله امرأً أهدى إلىّ عيوبى " (27) وكان يسأل سلمان عن عيوبه ويقول: ما الذى بلغك عنى مما تكرهه ؟.....(28) وكان يسأل حذيفة ويقول له:أنت صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنافقين فهل ترى عَلىّ شيئا من آثار النفاق؟ (29) ( وهو خير منهما أصبح أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويبصرنا بعيوبنا وي تهم بالحسد والتدخل فيما لا يعنى ويكاد ذلك أن يكون مفصحاً عن ضعف الإيمان فإن الأخلاق السيئة حيّات وعقارب لدّاغة، فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقرباً لتقلدنا منه منةً وفرحنا به واشتغلنا بإزلة العقرب وإبعادها وقتلها وإنما نكايتهاعلى البدن يدوم ألمها يوماً فما دونه، ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب أخشى أن تدوم بعد الموت أبداً ثم إننا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا ننشغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته فنقول له : وأنت تصنع كيت وكيت وتشغلنا 26 الحلية لأبى نعيم رقم 11212 27 - إحياء علوم الدين ج3 ص64. 28 - المصدر السابق 29 - المصدر السابق.

عدد الصفحات ١٦