تهذيب التهذيب -08- الــمُـقَـدِّمَــة المراهَقَة. وكان صاحبُ الترجمة اتجّه منذ نُعومة أظفارِه إلى الكُتَّاب، فدخلها وله من العُمر خمسُ سنين، كما رُزِقَ في صغره سُرعةً في الحفظ، بحيث كان يحفظ كُلَّ يومٍ نصفَ حزبٍ، وأكمل حفظَ القرآن على صدر الدين محمّد بنُ محمّد السَّفْطي المقرئ(1) وهو ابنُ تسعٍ. ثمّ حجّ به وَصِي ه الزكي الخَر وبي سنة أربعٍ وثمانين ( 024 ه )، فجاورَ بمكّة مُدَّةً، وصلَّى بالناسِ التراويح حين أكمل اثنتي عشرة سنة. وفي أثناء مجاورتِه بمكّة لَقِيَ عدداً من شيوخها، كالشيخِ عفيف الدين عبد الله بن محمّد النَّشَاوري ثمّ المكّيّ (2)، وهو أوّلُ شيخٍ سمَِعَ عليه الحديثَ، حيثُ ات َّفَقَ له سماعُ غالب "صحيح الإمام البخاريّ" بقراءةِ غيرِه دون قصدٍ ولا طلبٍ. كما بحََثَ في سنة خمسٍ وثمانين ( 025 ه ) على القاضي جمال الدين محمّد بن عبد الله بن ظَهيرة المكّيّ (3) في كتاب "عُمدة الأحكام" للحافظ عبدالغني المقدسيّ، فكان ابنُ ظَهيرة أوّلَ شيخٍ بحث عليه في علم الحديث، ثمّ أوّلَ شيخٍ سمع الحديثَ بقراءتِه بعد ذلك في مصر. وفي سنة ستٍّ وثمانين ( 026 ه ) رجع صاحبُ الترجمةِ مع وصيِّه إلى مصر -محلِّ إقامتِه-، واشتغل بحفظ عددٍ من مخُتصرات العلوم، فحَفِظَ منها: "العُمدة"، و "الحاوي الصغير"، و "مخُتصر ابن الحاجب الأصليّ"، و "مُلحة الحريريّ"، وغير ذلك، وعَرَضها -كما هي العادةُ آنذاك- على جماعةٍ من أئمّة عصره، وكتبوا خُطوطهم له بذلك. وقد أصابه بعد موت وصيِّه الخروبي سنة سبعٍ وثمانين (020 ه ) فتور عن الاشتغال بطلب العلم بُرهةً من الزَّمن؛ إذ لم يكن له من يحث ه، إلاّ أنّ هذه الفترة لا تعني تركَه التحصيلَ بالكُلِّية، بل اشتغل بطلب ما غلب على العادةِ طلبُه من أصلٍ وفرعٍ ولغةٍ ونَوِها. وما أنِ استكمل سبع عشرة سنة حتىّ عادت المياهُ إلى مج اريها، ولازم العلاّمةَ 1)) هو صدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبدالرزاق السَّفطيّ المصريّ الشافعيّ، مات سنة ثمانٍ وثمانمائة (202 ه ). انظر ترجمتَه في: "المجمع المؤسِّس 3/212-219 .) 2)) ستأتي ترجمتُه-بمشيئة الله تعالى- في المبحث التالي. 3)) هو جمال الدين محمد بن عبدالله بن ظَهيرة المخزوميّ، مات سنة سبع عشرة وثمانمائة210 ه ). انظر ترجمتَه في: "المجمع المؤسِّس" ( 3/314-316.)
عدد الصفحات ١٨تهذيب التهذيب -09- الــمُـقَـدِّمَــة شمس الدين محمّد بن علي بن القطّان المصريّ (1) -أحدَ أوصيائِه -، فحضر درسَه في الفقه وأصولِه والعربيةِ والحِساب وغيرِها، وقرأ عليه شيئاً كثيراً من "الحاوي الصغير"، وأجازه. وبإشارةِ أحد الخَيرِّين حُبِّبَ إليه النظرُ في التواريخ وأيام النّاس، فعلق بذهنه الصَّافي شيء كثير من أحوال الر واةِ، كما نَظَرَ في فُنون الأدب من أثناء سنة اثنتينِ وتسعين ( 092 ه )، فتولّع بذلك حتىّ كان لا يسمع شِعراً إلاّ ويستحضر من أين أخذه الناظمُ، وما زال يُتبعه خاطره حتىّ فاق فيه وساد، وطارح الأُدباء، وقال ال شِّعر الرائق، والنَّثر الفائق. وكان أوّل ما طلب بنفسِه في سنة ثلاثٍ وتسعين ( 093 ه )، لكنّه لم يُكثر من الطَّلَبِ إلاّ في سنة ستٍّ وتسعين ( 096 ه )، فوقتها واصلَ الغدوَّ والرَّواح إلى المشايخِ بالبواكر والعشايا، وحَبَّبَ اللهُ تبارك وتعالى إليه فَنَّ الحديثِ الن َّبَويّ، فأقبل عليه بكُلِّيَّتِه، واجتمع بحافظ عصره زين الدين أبي الفضل عبدالرحيم بن الحُسين العراقيّ (2) الذّي لازمه عشرة أعوام، وانتفع بملازمتِه أيمّا انتفاع، فقرأ عليه "الألفية" و"شرحها" بحثاً، ثمّ قرأ عليه نُكتَه على "علوم الحديث لابن الصلاح" المسما ة ب : "التقييد والإيضاح"، وهو أوّلُ شيخٍ أَذِنَ له بالتدريس في علوم الحديث، وكان إذنُه له في سنة سبعٍ وتسعين (090 ه واستمرّ الحافظ بسماعِ الحديث وقراءتِه على مُسنِدي مصر مُشمِّراً عن ساعد الجِدِّ، فلم تنسلخ سنة ستٍّ وتسعين ( 096 ه ) حتىّ اتّسعت معارفُه فيه. هذا مع اشتغالِه بغيرِه من العلوم كالفقه وأُصوله، حيث تفقّه بالعلاّمة برهان الدين إبراهيم بن موسى الأبناسي (3)، والعلاّمة سراج الدين عُمر بن علي بن الملقِّن، والعلاّمة سراج الدين عُمر بن رسلان البُلقيني(4)، وهو أوّل من أَذِنَ له في الإفتاء 1)) هو شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن عيسى السمنودي المعروف بابن القطان، مات سنة ثلاث عشرة وثمانمائة ( 213 ه ). انظر ترجمتَه في: "المجمع المؤسِّس 2/329-331.) 2)) ستأتي ترجمتُه-إن شاء الله تعالى- في المبحث التالي. 3)) هو برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي الشافعيّ، توفيّ سنة اثنتينِ وثمانمائة 202 ه انظر ترجمتَه في: "المجمع المؤسِّس" ( 1/244-249.) 4)) ستأتي ترجمتُهما-إن شاء الله تعالى- في المبحث التالي.
عدد الصفحات ١٩تهذيب التهذيب -11- الــمُـقَـدِّمَــة كما لازمَ العلاّمة عز الدين محمّد بن أبي بكر بن جماعة (1) في غالبِ العلوم التي كان يُقرئِها من سنة تسعين (090 ه ) إلى أن مات في سنة تسع عشرة 219 ه وممّا زاد من رسوخ قدمِه في العلم: كثرةُ رحلاتِه داخل مصر وخارجها، ولُقي ه عدداً جمًَّا من أوعية العلم، وتخر جه بهم، مُؤتمًّا في ذلك بأسلافِه الصالحين من أئمة الحديث -رضوان اللهِ عليهم-، الذين كانوا يطوفون البلدان في تحصيل العلم بعد أخذهم عن عُلماء بلدانهم، وهكذا الحافظُ ابنُ حجر، كانت أوّلُ رحلاته في سنة ثلاثٍ وتسعين ( 093 ه )، إلى ق ُوْص(2) وغيرِها من بلاد الصَّعيد، فأخذ عن ابن السراج (3) -قاضيقوص- وغيرِه، ثمّ رحل في أواخر سنة سبعٍ وتسعين (090 ه ) إلى الإسكندرية، فأخذ عن مُسنِدها التاج محمّد بن أحمد بن عبدالرزّاق الشافعيّ (4). وفي سنة تسعٍ وتسع 099 ه ) رحل إلى أرض الحجاز من البحر، فلَقِيَ في طريقه بالط ور العلاّمة نجم الدين محمّد بن أبي بكر المعروف بالمرجاني(5). ثمّ توجّه إلى اليمن، فوصلها سنة ثمانمائة200 ه )، وتنقّل في مُدنهِا ينهل من مَعين عِلْم شيوخِها، فدخل تَعِز وعَدَن والمهْجَم (6) وغيرها، كما اجتمع في زَبِيد ووادي المحَصَّب(0) بشيخ 1)) ستأتي ترجمتُه-إن شاء الله تعالى- في المبحث التالي. 2)) مدينة كبيرة في صعيد مصر، تقع شرقي النيل. انظر: "معجم البلدان4/413.) 3) )ذكروا في ترجمته أنه كان وجيهاً في زمانه ومكانه وكان قاضيا لمدينة قوص. 4)) هو تاج الدين محمد بن أحمد بن عبد الرزاق بن عبد العزيز الإسكندرانيّ الشافعيّ، مات سنة ثمانٍ وتسعين وسبعمائة (092 ه ). انظر ترجمتَه "المجمع المؤسِّس" ( 2/492-493.) 5)) هو نجم الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف المصريّ ثم المكيّ المعروف بالمرجاني، توفيّ سنة سبعٍ وعشرين وثمانمائة (220 ه ). انظر ترجمتَه "المجمع المؤسِّس" ( 2/492-493.) 6)) بلد من أعمال زَبِيد باليمن، وعدادها اليوم في قرى بني محمد ، من مديرية ال مِغْلاف، شرقي مدينة الزيدية . انظر: "معجم البلدان" (5/229)، و"معجم البلدان والقبائل اليمنية2/1601) لإبراهيم بن أحمد المقحفي، ويكيبيديا –الموسوعة الحرة -. 0)) المحَصَّب: موضع بين مكة ومِنَّ، وهو إلى مِنَّ أقرب، ويُعرف اليوم بمجرّ الكبش، وهو مما يلي العقبة الكبرى من جهة مكة إلى منفرج الجبلين. انظر: "معج م البلدان" ( 5/62)، و"المعالم الأثيرة في السنة والسيرة" (ص/240) لمحمد بن محمد حسن شُرَّاب
عدد الصفحات ٢٠تهذيب التهذيب -10- الــمُـقَـدِّمَــة الل غويّين العلاّمة مجد الدي ن محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي(1)، وقرأ عليه أشياء ثمّ واصل سفرَه إلى مكّة، فحجّ في سنة ثمانمائة (200 ه )، وهذه هي حجّةُ الإسلام له، ولما رجع من هذه الحَجَّة إلى بلدِه في سنة إحدى وثمانمائة (201 ه ) جَدَّ في استكمال ما بقي عليه من مسموع القاهرة ومصر. ثم سافر إلى اليمن مرّةً ثانيةً، وحمل عمّن لقيهم هناك، وحملوا عنه، ثمّ رحل إلى جُدَّة، وقرأ بها على أبي المعالي عبدالرحمن بن حيدر الشِّيرازيّ (2) أحاديثَ عشرة انتقاها من "أربع الحاكم"، ثمّ رجع إلى بلدِه، وأقام بها. ثمّ حجّ بعد هذا عدّة مرّاتٍ، ولقي في مكّة ومِنَّ والمدينة النبوية جمعاً من العُلماء، منهم: العلاّمة ابنُ ظَهيرة الذّي تقدّم ذكرُه، والعلاّمة أبو بكر بن الحُسين المراغي (3)، وست الكُل ابنة الزين القسطلاني (4). وظَلَّ على هذا المنوال؛ يطوف في البلدان، ويتردّد إلى بلدِه، وفي سنة اثنتينِ وثمانمائة (202 ه ) خرج من القاهرة قاصِداً بلادَ الشام، وصَحِبَه في هذه المرّة التقي محمّد بن أحمد بن علي الفاسيّ المكّيّ الحافظ (ت 232 ه )، فسمع بغَزَّة ونابلس والرَّملة وبيت المقدس والخليل ودمشق والصالحية وحمص وحماة وغيرها من البلادِ والقُرى على أُممٍ كثيرةٍ. وكان -رحمه اللهُ تعالى- رحل قصداً إلى بيت المقدس ليأخذ عن الشِّهاب أبي الخير أحمد بن الحافظ الصلاح أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي (ت 202 ه )؛ وذلك لظهور سماعِه "سُنن ابن ماجه" على الحَجَّار، إلاّ أنّ أَجَلَه كان أسبق، حيث بلغته وفاتُه وهو بالرَّملة، فعرّج عن القدس إلى دمشق، ولم يدخل بيت المقدس إلاّ بعد انتهاء أربه من دمشق؛ لكونها بعد وفاة 1)) ستأتي ترجمتُه-بمشيئة الله تعالى- في المبحث التالي. 2)) هو أبو المعالي عبدالرحمن بن حيدر بن علي بن أبي بكر الشيرازيّ الأصل ثم الدّمشقيّ، مات سنة سبع عشرة وثما نمائة (210 ه ). انظر ترجمتَه "المجمع المؤسِّس" ( 3/142-149.) 3)) هو زين الدين أبو بكر بن الحُسين بن عُمر بن محمد المراغي المصريّ الشافعيّ، نزيل المدينة النبوية، مات سنة ست عشرة وثما نمائة (216 ه ). انظر ترجمتَه المجمع المؤسِّس ( 1/532-549.) 4)) هي ست الكُل بنت الزين أحمد بن محمد القسطلانيّ المكيّ، ماتت سنة ثلاثٍ وثما ائة (203 ه انظر ترجمتَها في المجمع المؤسِّس ( 1/616-610.)
عدد الصفحات ٢١تهذيب التهذيب -11- الــمُـقَـدِّمَــة ابن العلائي أهمّ. وكانت إقامته بدمشق مائة يوم، ومسموعه في تلك المدّة نَو ألف جزء حديثيّ، ومن الكتب الكبار: "المعجم الأوسط" للطبرانيّ، و"معرفة الصحابة" لابن مَنْده، وأكثر "مُسنَد أبي يعلى"، وغير ذلك. وكان الحافظ قد عزم وهو بدمشق على التوج ه إلى حلب ليأخذ بها عن خاتمة المسنِدين عُمر بن أيدغمش النصيبّ الحلبّ (ت 201 ه )، فبلغته وفاتُه، فتخلّف عن قصدها، ثمّ يسّر اللهُ عزّ وجلّ له بعد دهرٍ -وذلك في سنة ستٍّ وثلاثين وثمانمائة ( 236 ه- السفر إلى حلب؛ حينما توجّه السلطانُ الأشرف برسباي إلى آمد لدفع أذى التركمان الذين تغلّبوا على بلاد آمد وماردين وغيرها بعد اللَّنكية(1)؛ لما كثر من إفسادهم، ونهب أموال الرَّعايا، وقطع الطرق على القوافل، وغير ذلك ممّا اشتهر. ولما أشرف صاحبُ الترجمة مع رِفاقِ ه على حلب تلقّاهم أهلُها بالترحيب، وكان من جملتهم: العلاّمة محب الدين محمد بن محمد بن محمد الحنفيّ المعروف بابن الشِّحْنة (ت 215 ه )، فسلّم عليه وهنَّأه بالسلامة، وسأله صاحبُ الترجمة عن الشيخ الحافظ محدِّث البلاد الحلبية برهان الدين سبط ابن العجمي (2)، فذك ر له أنّه بخيرٍ، فقال له: (لم أشدَّ الرَّحل، ولا استبحتُ القَصْر؛ إلاّ لِلُقيِّه). ونزل في حلب عند قاضي الشافعية العلاّمة علاء الدين علي بن محمد بن سعد الطائيّ المعروف بابن خطيب الناصرية (ت 243 ه )، فأقام بحلب خمسة عشر يوماً، وخلالها سمع على الب ُرْهان الحلبّ الحديثَ المسلسلَ بالأولية بقراءة برهان الدين البقاعي، كما قرأ بنفسِه عليه "مشيخة الفخر ابن البخاري – تخريج ابن الظاهري" في أربعة مجالس، وسمع أشياءَ أخرى. وحَصَّل -رحمه اللهُ تعالى- في حلب فوائدَ ونوادرَ علّقها في تذكرتِه التي سمّاها "جَلَب حَلَب"، كما علّق بخطِّه في حال إقامتِه بالشام وحلب أشياءَ كثيرةً جِدًّا تزيد على مجلدينِ، فمن 1)) نسبة إلى تيمورلنك بن طرغاي الحفظاي الأعرج؛ زعيم ابتدأ ملكه لما انقرضت دولة بني جنكيز خان، وكان طاغيةً سفَّاحاً؛ يقتل المسلمين، ويترك الكافرين. انظر ترجمتَه في: "الضوء اللامع" (3/46-50 .) 2)) هو برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسيّ ثم الحلبّ، سبط ابن العجمي، توفيّ سنة إحدى وأربعين وثمانمائة ( 241 ه ). انظر ترجمتَه في: "المجمع المؤسِّس 3/9-15.)
عدد الصفحات ٢٢تهذيب التهذيب -13- الــمُـقَـدِّمَــة ذلك: أنّه انتقى "تاريخَ قزوين" للرافعي، و"زوائدَ الألغاز" للغَزِّي، ولخََّصَ "ث َبَت الب ُرْهان الحلب". وقُرِئت عليه هناك أشياء كثيرة روايةً ودرايةً، فمن الرواية: "مُسنَد الإمام الشافعيّ"، ومن الدراية: "شرح النخبة". فهكذا هي حياةُ الحافظِ ابنِ حجر؛ تنضح بالتعل م والتعليم، والدعوة والتقويم، على سَنَنِ العلماء الرباّنيّين، الذين شروا أنفسهم ابتغاء مرضات الله جل وعلا، فجزاه اللهُ تعالى عمّا قدّم خيرَ الجزاء وأوفاه(1) . المبحث الرابع: أشهر شيوخه: لقد كان لكثرة رحلات الحافظ ابن حجر -رحمه اللهُ تعالى- إلى مختلف البلدان وشتىّ الأقطار أثر كبير في كثرة شيوخِه، لاسيّما عند تنوّع طرق تلقّيه عنهم، فمنهم الذين سمع عليهم، ومنهم من أخذ عنهم عرضاً، ومنهم الذين أجازوه، وبلغ الأمر من كثرتُم أن أفرد فيهم مؤلَّفاً خاصًّا سمّاه "المجْمَع المؤسِّس للمعجم المفَهْرِس"، سَرَدَ فيه أسماءَهم، وعرَّف لكلٍّ بتعريفٍ موجزٍ. ومن أبرز شيوخه: 1- إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن التنوخي، الدّمشقي، نزيل القاهرة، برهان الدين، أبو إسحاق، المسند الكبير، والمقرئ المجود الضرير، المتوفّّ سنة ثمانمائة (200 ه لازمه الحافظ ابن حجر زيادة على ثلاث سنين، وقرأ عليه أشياء كثيرةً، منها: "المسلسل بالأولية"، و"الشاطبية"، و"موطَّأ الإمام مالك" – رواية يحيى بن يحيى اللّيثيّ، ورواية يحيى بن عبدالله بن بُكير، و" سنن النسائيّ" – رواية أبي بكر بن السني، كما سمع عليه "صحيح البخاريّ"، و"مسند الدارميّ"، إلى غير ذلك من الكتب والأجزاء(2). 1)) انظررفع الإصر" (ص/ 62-64)، و"الجواهر والد رر1/121-199.) 2)) انظر: "المجمع المؤسِّس 1/09-201.)
عدد الصفحات ٢٣تهذيب التهذيب -14- الــمُـقَـدِّمَــة 2- عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك بن حمّاد الغزّي الأصل، زين الدين، أبو الفرج، المعروف بابن الشيخة، المتوفّّ سنة تسعٍ وتسعين وسبعمائة ( 099 ه لازمه الحافظ ابن حجر من سنة ست وتسعين إلى أن مات، وقرأ عليه شيئاً كثيراً، من ذلك: "مستخرج أبي نُعيم على صحيح مسلم"، و"فضائل الشام" للربعي، و"شروط الأئمة الستة" لابن طاهر(1). 3- عبد الرحيم بن الحُسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم العراقيّ، زين الدين، أبو الفضل، الحافظ الكبير، المتوفّّ سنة ستٍّ وثمانمائة ( 206 ه لازمه الحافظ ابن حجر مُدّةً طويلةً، من شهر رمضان سنة ست وتسعين، إلى أن حجّ الحافظ في شوال سنة خمسٍ وثمانمائة، سوى ما تخلّل ذلك من رحلاتِه إلى الشام وغيرها، وقرأ عليه أشياء كثيرةً، منها: "ألفيته في علو م الحديث" بحثاً، وشرحها له، وأكثر "تكملة شرحه على الترِّمذيّ"، و"القراءة خلف الإمام" و"رفع اليدين في الصلاة" للبخاريّ (2). 4- عبد الله بن عُمر بن علي بن المبارك الهنديّ الأصل، الأزهريّ، الحلاويّ، أبو المعالي، المتوفّّ سنة سبعٍ وثمانمائة ( 200 ه قرأ عليه الحا فظ ابن حجر "مُسنَد الإمام أحمد" جميعه بزياداته، و "جامع الترِّمذيّ"، و "الغيلانيات"، وغير ذلك(3). 5- عبد الله بن محمد بن محمد بن سليمان النيسابوريّ الأصل، المكّي، المعروف بالنَّشَاوري، عفيف الدين، المتوفّّ سنة تسعين وسبعمائة ( 090 ه وهو أولُ شيخٍ سمع عليه الحافظُ ابنُ حجر الحديثَ المسنَد (4). 6- عُمر بن رسلان بن نصير بن صالح البُلقينيّ، نزيل القاهرة، سراج الدين، أبو حفص، الفقيه الكبير، والمفتي الشهير، المتوفّّ سنة خمسٍ وثمانمائة ( 205 ه لازمه الحافظ ابن حجر مُدّةً، وحضر دروسه الفقهية، وقرأ عليه الكثير من "الر وضة" 1)) المصدر السابق2/100-130.) 2)) المصدر السابق2/106-230.) 3)) المصدر السابق2/20-21.) 4)) المصدر السابق2/102-100.)
عدد الصفحات ٢٤تهذيب التهذيب -15- الــمُـقَـدِّمَــة ومن كلامه في حواشيها، كما قرأ عليه "دلائل النبوة" للبيهقيّ، في أجزاء حديثية أخرى(1). 0- عُمر بن علي بن أحمد بن محمّد الأنصاريّ، الأندلسيّ الأصل، نزيل القاهرة، سراج الدين، أبو حفص، المعروف بابنِ الملقِّن، المتوفّّ سنة أربع وثمانمائة ( 204 ه قرأ الحافظ ابن حجر عليه قطعةً كبيرةً من "شرحه الكبير على المنهاج"، وبعض الأجزاء الحديثية(2). 2- محمّد بن أبي بكر بن عبدالعزيز بن جماعة، الحمويّ الأصل، ثم المصريّ، عز الدين، المتوفّّ سنة تسع عشرة وثمانمائة ( 219 ه قرأ عليه الحافظُ ابنُ حجر قطعةً من "مُسنَد السرّاج"، وأشياء أخرى، وكان بينهما مودّة ومكاتبات(3). 9- محمّد بن حسن بن علي بن عثمان، النّواجيّ، ثم القاهريّ، شمس الدين، المتوفّّ سنة تسعٍ وخمسين وثمانمائة (259 ه برع في فنون الأدب، وقد أخذ عنه الحافظُ ابنُ حجر في ذلك(4) . 10- محمّد بن يعقوب بن محمّد بن إبراهيمالفيروزآبادي، مجد الدين، أبو طاهر، العلاّمة الل غويّ، صاحب "القاموس المحيط"، المتوفّّ سنة سبع عشرة وثمانمائة ( 210 ه تناول الحافظ ابن حجر منه أكثر "القاموس"، وقرأ عليه عدداً من الأجزاء الحديثية(5). ۞۞۞ 1)) المصدر السابق2/294-311.) 2)) اصدر السابق (2/311-321.) 3)) المصدر السابق3/292-294.) 4)) انظر: "الضوء اللامع0/229-232.) 5)) انظر: "المجمع المؤسِّس 2/540-553.)
عدد الصفحات ٢٥تهذيب التهذيب -16- الــمُـقَـدِّمَــة المبحث الخامس: أشهر تلاميذه: نظراً لجلالة الحافظ ابن حجر -رحمه اللهُ تعالى- في العلم ورفعة منزلته فيه تنافس الطلاب من شتىّ الأقطار ومختلف البلدان في الأخذ عنه، حتى زاد عددهم على الستمائة نفس، قال الحافظ السخاوي في "الجواهر والدرر": (وأقول على سبيل الإجمال: لا أعلم في زمنه من شُدّت إليه الرحال من سائر الآفاق والمحال غير ذاته الشريفة؛ لعلو رتبته المنيفة، وكم ممّن أتت عنه ديارُه، وطالت في لُقيِّه أسفارُه، ممّن ربمّا يكون أقدم منه ميلاداً؛ قصده للأخذ عنه درايةً وإسناداً، وهذا لعمري كافٍ في الدلالة على فخره وسمُوِّ محله وقدره) (1). ومن أبرز الآخذين عنه 1- إبراهيم بن خِضْر بن أحمد بن عثمان العثمانيّ، برهان الدين، أبو إسحاق، المتوفّّ سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (252 ه اشتدّت ملازمته له، فنافت عن أربعين سنة، قرأ عليه خلالها كتبَ الإسلام، والكثيرَ من تصانيفه، وبخاصة: "فتح الباري"، قال السَّخاوي: (فما أعلم قر أه عليه تامًّا غيره)(2) . 2- إبراهيم بن عُمر بن حسن البقاعيّ، برهان الدين، أبو الحسن، المتوفّّ سنة خمسٍ وثمانين وثمانمائة (225 ه لازمه، وسافر معه إلى حلب سنة آمد، ولم ينفك عن التتلمذ عليه حتىّ مات، وقرأ عليه من تصانيفه وغيرها الشيءَ الكثير(3) . 3- أحمد بن أ بكر بن إسماعيل بن سَلِيم البُوصيري، الشافعيّ، المحدِّث، المتوفّّ سنة أربعين وثمانمائة ( 240 ه لازمه في حياة شيخهما العراقيّ، وسمع عليه كثيراً، وقرأ عليه أشياء، كما كتب عنه الكثير من تصانيفه، ومن ذلك: "اللِّسان"، و"النكت على الكاشف"، و"زوائد البزّار على الستة وأحمد"، واستمرّ يستفيد منه حتىّ مات (4). 1)) انظر3/1109-1120.) 2)) انظر: "الجواهر والدرر3/1064-1065)، و"الضوء اللامع1/43-40.) 3)) انظر: "الجواهر والدرر3/1060-1069)، و"الضوء اللامع1/101-111.) 4)) انظر: "الجواهر والدرر3/1003)، و"الضوء اللامع1/251-252.)
عدد الصفحات ٢٦تهذيب التهذيب -17- الــمُـقَـدِّمَــة 4- أحمد بن عثمان بن محمّد بن إبراهيم، شهاب الدين، الكلوتاتي، المتوفّّ سنة خمسٍ وثلاثين وثمانمائة (235 ه قرأ عليه عدة مصنّفات، منها: "تغليق التعليق" بكمالِه، و"تُذيب التهذيب"، و"مقدّمة ابن الصلاح"، كما كتب الكثير من تصانيفه(1). 5- زكريا بن محمّد بن أحمد بن زكريا، الأنصاريّ، الشيخ العلاّمة، المتوفّّ سنة ستٍّ وعشرين وتسعمائة ( 926 ه )، وهو من أواخر الآخذين عنه وفاةً قرأ عليه "بلوغ المرام"، وأخذ عنه "شرح النخبة"، والكثير من "شرح الألفية" ومن "مقدّمة ابن الصلاح"(2). 6- عُمر بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن عبدالله، النجم، ابن فهد، الهاشميّ، المكيّ، محدِّث الحجاز، المتوفّّ سنة خمسٍ وثمانين وثمانمائة ( 225 ه لازمه حتى أخذ عنه جملةً، وتخرّج به، وممّا قرأه عليه: "لسان الميزان"، وكان الحافظُ كثيرَ المحبة له، بحيث إنه عرض عليه في سنة خمسين الإقامة عنده ليرشده لبعض التصانيف، فلم يوافق(3). 0- قاسم بن قطلوبغا، زين الدين، أبو العدل، الجمالي، الحنفيّ، المتوفّّ سنة تسعٍ وسبعين وثمانمائة (209 ه قرأ عليه "الإيثار بمعرفة رواة الآثار" قراءة تحريرٍ، وأفاد منه الحافظُ مواضع عدة زا دها فيه(4) . 2- محمّد بن الحسن بن علي بن عبدالعزيز البدرانيّ، المحدّث، المتوفّّ سنة سبعٍ وثلاث وثمانمائة (230 ه كتب عنه الكثير، فمن ذلك: "لسان الميزان"، ونُسخته هي التي صارت أصلَ المؤلف(5). 1)) انظر: "الجواهر والدرر3/1000-1002)، و"الضوء اللامع1/302-320.) 2)) انظر: "الجواهر والدرر3/1092)، و"الضوء اللامع3/234-232.) 3)) انظر"الجواهر والدرر" (3/1121-1123)، و"الضوء اللامع6/126-131.) 4)) انظر: "الجواهر والدرر3/1124-1125)، و"الضوء اللامع6/124-190.) 5)) انظر: "الجواهر والدرر3/1140)، و"الضوء اللامع0/220-222.)
عدد الصفحات ٢٧تهذيب التهذيب -18- الــمُـقَـدِّمَــة 9- محمّد بن عبدالرحمن بن محمّد بن أبي بكر السَّخاويّ القاهريّ، ا دّث المعروف، المتوفّّ سنة اثنتين وتسعمائة ( 902 ه لازمه بأخرةٍ أشد الملازمة، وسمع عليه جُلَّ كتبه، ومن ذلك: "تقريب التهذيب"، وثلاثة أرباع أصله، وحمل عنه ما لم يُشاركه فيه غيره، بل صار الحافظ يرسل إليه قاصِدَه يُعلمه بوقت ظهوره من بيته ليقرأ عليه، وأذن له بالإقراء (1). 10- محمّد بن علي بن جعفر بن مختار، شمس الدين، الحسيني سكناً، المعروف بابن قَمَر، المتوفّّ سنة ستٍّ وسبعين وثمانمائة ( 206 ه أكثر عنه، واختصّ به، وضبط الأسماء في كثيرٍ من الأوقات عنده، وكتب "فتح الباري" مرتين، و"اللسان"، و"التهذيب"، و"المشتبه"، و"التعليق"، و"أطراف المسند"، وأشياء أخرى كثيرة، واستملى عليه بأخرةٍ، وأذن له في الإفادة(2) . 11- محمّد بن محمّد بن عبد الله بن خيضر الخيضريّ الشاميّ، المتوفّّ سنة أربعٍ وتسعين وثمانمائة (294 ه لازمه أتمّ ملازمة، وحمل عنه جمُلةً، منها: "الإصابة" بعد أن كتبها بخطِّه، ولم يقرأها عليه غيرُه، كما قرأ عليه "تعجيل المنفعة"، و"تغليق التعليق"، وكان الحافظُ كثيرَ الميل إليه والتنويه بذكره (3) . 12- محمّد بن محمّد بن علي بن محمّد بن حسّان المقدسيّ، شمس الدين، العلامة المعروف بابن حسّان، المتوفّّ سنة خمسٍ وخمسين وثمانمائة ( 255 ه لازمه، وقرأ عليه أشياء كثيرةً، منها: "شرح النخبة"، و"شرح الألفية"، و"اللسان"، وغالب "التهذيب"(4). 13- محمّد بن محمّد بن محمّد بن مُسَلَّم القاهريّ ثم المقدسيّ، التاج، المعروف بابن الغرابيلي، المتوفّّ سنة خمسٍ وثلاثين وثمانمائة ( 235 ه 1)) انظر: "الجواهر والدرر3/1146)، و"الضوء اللامع2/2-32.) 2)) انظر: "الجواهر والدرر3/1150-1151)، و"الضوء اللامع2/106-102.) 3)) انظر: "الجواهر والدرر3/1159)، و"الضوء اللامع9/110-124.) 4)) انظر: "الجواهر والدرر3/1161)، و"الضوء اللامع9/152-154.)
عدد الصفحات ٢٨تهذيب التهذيب -19- الــمُـقَـدِّمَــة استمر ملازماً ل ه يأخذ عنه إلى أن مات، وقد حرّر معه نُسخته من "المشتبه" غاية التحرير (1)، وكَتَبَ بخطِّه نُسخةً من "فتح الباري المبحث السادس: وظائفه: كان الحافظُ -رحمه اللهُ تعالى- مع اشتغاله بالعلم حريصاً على نشر الحديث والس نة، مما حباه اللهُ تعالى من ميراث الن بوة، فكان يعقد مجالسَ عديدةً يمُلي فيها على الطلبة، بلغ جملة ما أملى نَو ألف مجلس ومائة وخمسين مجلساً، وبلغت عدّة مجلدات أماليه كلّها في بعض الن سخ عشر مجلدات، يمُليها من حفظه، مُهذَّبةً، محُرَّرةً، مُتقنةً، كثيرة الفوائد الحديثية. وكان يُلقي الدروس ويأتي في كل فنٍّ من بنات فكرِه استنباطاً واستدراكاً بما يبهر علماء ذلك الفنّ، بحيث يقضون له بالسِّيادة فيه. كما تولىّ الإفتاء بدار العدل، وذلك في سنة إحدى عشرة وثمانمائة ( 211 ه )، فكانت فتاويه موجزةً، وافيةً بالغرض، لاسيّما المسائل التي لا نقل فيها؛ يخرجها على القوانين المحرَّرة بالدلائل المعتبرة، قال السَّخاوي : (وهو فقيهُ النفس)، وكان يكتب في كلِّ يوم غالباً على أكثر من ثلاثين فتيا، لا يحُابي في ذلك أحداً ولو عَظُم. وتولىّ أيضاً الخطابة في الجامع الأزهر، فكان لخطبه صدع في القلوب، ويزداد وهو على المنبر مهابةً ونوراً. وأمّا القضاء فكان -رحمه اللهُ تعالى- يمتنع عن إجابة من يعرض عليه ذلك خوفاً أن يشغله ذلك عن الاشتغال بالعلم، إلى أن ألحّ عليه القاضي جلال الدين عبدالرحمن بن سراج الدين عُمر بن رسلان الب ُلْقينيّ الشافعيّ (ت 224 ه )، فقَبِلَ بعد تكرير السؤال منه، وشره بعفّةٍ، ونزاهةٍ، وتواضعٍ زائدٍ، واستجلابٍ لخاطر الصغير قبل الكبير، وإحسانٍ للفقراء والطلبة، ومع هذا فقد نَدِمَ على قَبولِه وظيفةَ القضاء؛ وكان يصرف عن هذا المنصب ويعاد إليه مراراً، إلى أن عزل نفسه في آخر عمره، وعزم على عدم العودة إليه، فلم يعد إليه حتى مات(2). 1)) انظر: "الجواهر والدرر (3/1166)، و"الضوء اللامع (9/306-302.) 2)) انظر: "رفع الإصر" (ص 64)، "الجواهر والد رر" (2/521-639.)
عدد الصفحات ٢٩تهذيب التهذيب -31- الــمُـقَـدِّمَــة المبحث السابع: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه: لقد حظي الحافظُ ابنُ حجر -رحمه الله تعالى - بمكانةٍ كبيرةٍ عاليةٍ، ومنزلةٍ رفيعةٍ ساميةٍ؛ في أوساط العلم، وأهله، وطلابهِ. ولا غرو في ذلك؛ فقد حباه اللهُ تعالى بأمورٍ عديدةٍ أهّلته لبلوغ تلك المكانة، ومن أهم هذه الأمور: أولاً: سُرعة حفظِه؛ فقد رُزِقَ في صغره سُرعةً في الحفظ، بحيث كان يحفظ كُلَّ يومٍ نصفَ حزبٍ، بل بلغ من أمره أنّه حفظ سورة مريم في يومٍ واحدٍ، ولم يكن حفظُه بالدَّرسِ على طريقة الأطفال، بل كان حفظُه على طريقة الأذكياء تأم لاً، كما تقدّ م بيانُه في المبحث الثالث. ثانياً: سرعة القراءة الحسنة، وأسرعُ شيءٍ وقع له أنّه قرأ في رحلتِه الشامية "معجم الطبرانيّ الصغير" في مجلسٍ واحدٍ بين صلاتي الظهر والعصر، وهو يشتمل على نَوٍ من ألف وخمسمائة حديث؛ لأنّ الطبرانيَّ خرّج فيه عن ألف شيخٍ حديثاً أو حدي ثينِ. ثالثاً: سرعة الكتابة مع حُسنها؛ فقد نقل تلميذُه الحافظ السخاوي أنه سمعه يقول: (كنتُ أكتبُ في تلخيصي لتهذيب المزّيّ إلى الزوال كُرَّاساً في الكامل)، قال السخاوي عقبه: (وهو كسلاسل الذَّهب، غاية في النِّسبة، يكون بخطِّ غيرِه نَو كُرَّاسينِ فأكثر). ر ابعاً: رِفاقُه الذين كانوا على درجةٍ عُليا من الدِّيانة، والتواضع، والاهتمام بالعلم، والبُعد عن التوغ ل في الغِلِّ، والحسد، والكتمان، وتكرّرِ ذكر ما يقتضي الامتنان، فلذا يُعين كل رفيقٍ رفيقَه نوبةً بالقراءة، ومرةً بالكتابة، وأخرى بالعارية، ووقتاً بالمذا كرة، ويجُمِّل كل واحدٍ منهم الآخر بقلمِه ولسانِه. خامساً: قصر همته في رحلاته وغيرها على المطالعة والقراءة والسماع والعبادة والتصنيف والإفادة، بحيث لم يكن يخُلي لحظةً من أوقاتِه عن شيءٍ من ذلك، حتىّ في حال أكلِه ومشيِه، بل ن َقَلَ عنه تلميذُه السخاوي أنّ ه قال: (إنّني لأتعجب ممّن يجلس خالياً عن الاشتغال)(1). ولأجل هذه الأمور -بفضل الله تعالى وتوفيقه- تبوّأ منزلةً علميةً رفيعةً في العلم، ذاع بها صيتُه، واشتهر فيها أمرُه. 1)) انظر: "الجواهر والدرر1/123 و161-104.)
عدد الصفحات ٣٠تهذيب التهذيب -30- الــمُـقَـدِّمَــة ومم ا يدل على تلكم المنزلة: أوّلاً: كثرةُ مؤلفاتِه الدّالة على غزارة علمه في شتى الفنون، وبخاصة علم الحديث، وسيأتي الكلام عن ذلك في المبحث التاسع -إن شاء الله تعالى-. ثانياً: إجازة شيوخه له بالتدريس والفتوى؛ فمن ذلك: أن شيخَه سراج الدين البُلقينيّ كَتَبَ له: (أجزتُ له أن يُفتي بذلك لطالبيه بالتوجيه الوجيه؛ فإنه نِعْمَ الفاضل النبيه، وكتبه عُ مر البُلقينيّ)، وكإذن الحافظ العراقيّ له بتدريس كتب الحديث وعلومه(1) . ثالثاً: إفادة أهل العلم من مُصنَّفاتِه في تآليفهم، في حياته وإلى عصرنا هذا، مما هو ذائع مُشتهِر . رابعاً: مراسلة غير واحدٍ من شيوخِه له فيما خفي على الشيخ الأمرُ فيه واستشكله ، فمن ذلك: أنّ الحافظ العراقيّ ربمّا كتب إليه بخطِّه يسأله عمّا يحتاج إلى الوقوف عليه، وكذا كان جلال الدين البُلقينيّ يُكثر الإرسال إليه فيما يستشكله(2) . خامساً: عناية المؤرِّخين بالترجمة له في كُتُبهم التاريخية، كابنِ خطيب الناصرية في "تاريخ حلب"(3)،والفاسيِّ في "ذيل التقييد"(4)، بل منهم من أفرد سيرتَه، واعتنَّ بتفاصيل حياتِه، كما فعل الحافظُ السَّخاوي في كتابه: "الجواهر والد رَر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حَجَر". سادساً: تله ف الطلبة للأخذ عنه، ورحلتهم إليه من كل حدبٍ وصوبٍ، قال الحافظُ السَّخاوي -كما تقدّم في المبحث الخامس-: (وأقول على سبيل الإجمال: إناّ لا نعلم كبير أحدٍ من الناس في سائر الأقطار إلاّ وقد أخذ عنه، وصيرّه إماماً يُعتمد عليه، ويرجع فيما يُشكل عنده إليه، بل لا أعلم في زمنه من شُدّت إليه الرحال من سائر الآفاق والمحال غير ذاته الشريفة؛ لعلو رتبته المنيفة، وكم ممّن أتت عنه ديارُه، وطالت في لُقيِّه أسفارُه، ممّ ن ربمّا يكون أقدم منه ميلاداً؛ قصده للأخذ عنه درايةً وإسناداً، وهذا لعمري كافٍ في الدلالة على فخره 1)) انظر: "الجواهر والدرر1/262 و201.) 2)) المصدر السابق1/339 و341.) 3)) وهذا الكتاب في عداد المفقود 4)( )1/352-350.)
عدد الصفحات ٣١تهذيب التهذيب -31- الــمُـقَـدِّمَــة وسمُوِّ محله وقدره) (1). سابعاً: كثرة ما عُرِض عليه من المناصب والوظائف، كعَرْضِ ال قاضي صدر الدين المناوي عليه نيابة القضاء عنه، إلاّ أنه امتنع، ولم يقبل الدخولَ في القضاء إلا عقب إلحاح جلال الدين البُلقيني عليه بذلك(2) . ومع ما تقد م كل ه فقد تتابعت ألسنة أهل العلم في الثناء عليه، ومن ذلك 1- شيخه الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقيّ، حيثكتب على نُسخةٍ بخطِّ الشِّهاب البوصيري من "لسان الميزان": (كتاب "لسان الميزان"؛ تأليف الحافظ المتقن الناقد الحُجّة شهاب الدين أحمد بن علي الشافعيّ، الشهير بابن حجر، نفع اللهُ بفوائده، وأمتع بعوائده). وقد سأل القاضي كمال الدين ابنُ العديم الحافظَ العراقيَّ عند موتِه عمّن بقي بعده من الحُفَّاظ، فبدأ بابن حجر، وثنََّّ بولدِه، وثلَّث بنور الدين الهيثميّ (3). 2- وكَتَبَ شيخُه العلاّمة تقي الدين أبو بكر محمّد بن محمّد بن عبدالرحمن الدجوي (ت 209 ه ) على بعض تخاريج الحافظ ابن حجر ما نص ه: (فقد وقفتُ على هذا التخريج البديع مثالاً، المنيع منالاً، الفائق حُسناً وجمالاً، فلم يدع لقائلٍ مقالاً، إلا أن يقول: هكذا هكذا وإلا فلا لا، فلقد أُوتي هذا بسطةً في العلم واللَّسَن، وكيف لا وهو الإمام ابن الإمام أبو الفضل بن أبي الحسن، لقد بهر ابنُ حجر بفضله العقول والأفكار، كما فاق حَجَرُه الياقوتَ بل غيره من الحجار، ﭽ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ [04] فأوعى، وأوعب جمعاً، وأبدع لفظاً ومعنًَّ، وجمع إحساناً وحُسناً، فلو شاهد حُسنَه الجمالُ المزي لأطنب في الثناء وأسه ب، أو الذَّهب لذهب في الإعجاب كل مذهب، أو ابن عبدالهادي لاهتدى به واقتفى أثره، أو ابن كثير لكاثر ببعضه واستكثره، فشكراً لهذا الإمام شكراً، فلقد جمّل مصره، وجدّد لها في الحفاظ ذكراً...)(4). 1)) "الجواهر والدرر" (3/1109-1120.) 2)) المصدر السابق2/521 و610-612.) 3)) "الجواهر والدرر1/262 و202.) 4)) المصدر السابق1/203-204.)
عدد الصفحات ٣٢تهذيب التهذيب -33- الــمُـقَـدِّمَــة 3- وقال رفيقُه تقي الدين أبو الطيب محمّد بن أحمد بن علي الفاسيالمكي (ت 232 ه ): (إن الله لا يستحيي من الحق، ما رأينا مثل الشيخ شهاب الدين ابن حجر)، فقيل له ولا شيخكم العراقيّ؟ فقال: (ولا العراقيّ)(1). 4- كما وَصَفَه تلميذُه العلاّمة المتفنِّن شمسُ الدين ابنُ حسّان المقدسيّ ب : بخُاريِّ زمانِه، وحافظِ أوانِه، شيخِ الإسلام والمسلمين(2). وبالجملةِ فقد أثنَّ عليه جمٌّ غفير ؛ من شيوخِه، ورِفاقِه، وطلابِه، وسائر الناس، سرد كثيراً من أقوالهِم الحافظُ السَّخاوي في "الجواهر والدرر"(3). المبحث الثامن: عقيدته يُعد الحافظُ ابنُ حجر -رحمه اللهُ تعالى- أحدَ عُلماء الإسلام، وجهابذة علم الحد يث، فله في علوم الإسلام المنزلة التي شهد له بها العلماءُ على مرِّ العصور والأزمان، إلاّ أنه مع ذلك لم يسلم من الوقوع في بعض المسائل التي اجتهد فيها ولم يحُالفه الصَّواب، كسائر العلماء من أهل العلم والاجتهاد، وإن المجتهد إذا اجتهد فأصاب الحقَّ كان له أجرانِ، وإن أخطأ فله أجرُ اجتهادِه، وخطؤه مردود ، ولا يُنقص ذلك من قدره، ولا يحط من منزلته، ما دام أنه ينشد الحقَّ، ويحرص على اتباع الس نة وعدم مخالفتها. وقد قرَّر -رحمه الله تعالى - ذلك في غير موضعٍ من كُتبِه، ومن ذلك: قولُه: (فالسَّ عيدُ مَ نْ تمسك بما كان عليه السَّ لَ فُ ، واجتنبَ ما أحدثه الخَ لَ فُ ، وإن لم يكن له منه بُ دٌّ فليكتفِ منه بقدر الحاجة، ويجعل الأولَ المقصودَ بالأصالة، واللهُ الموفِّ قُ )(4). وذم-رحمه اللهُ تعالى- ما يخُالف هذا المنهجَ الرَّباَّنيَّ من طُرُقِ أهل الكلام والفلاسفة، فقال: (وممّ ا حَ دَ ثَ تدوينُ القولِ في أصولِ الدِّ يانات، فتصدَّ ى لها المثبتةُ والن فاة، فبالغ الأول 1)) المصدر السابق1/290.) 2)) المصدر السابق1/311.) 3)( )1/263 فما بعدها 4)) "فتح الباري 13/253.)
عدد الصفحات ٣٣