المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر في المذاهب الفكرية المعاصرة ‫

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ١ من ٦

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 1  الحمدربِّ العالمين ، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد : فلا يخفى ما لدراسة المذاهب الفكريِّة المعاصرة من أهمية بالغة ؛ ولهذا رأت الكليات الشرعية أن تكون من ضمن مقرَّراتها وتخصُّصاتها ، وحين أُسند إليَّ تدريس هذه المادة المهمَّة رأيتُ أنَّ الكتاب المُقرَّر أوسع من الوقت المتاح للمادة بكثير ، فأعددتُ مُلخَّصاً لأفكاره الرئيسة ، وأضفت لذلك ما دعت الحاجة إلى إضافته أثناء العَرْض أو النقد ، وقد حرصتُ على تركيز الأفكار ، وترتيبها ، وعرضها بأسلوبٍ مُيسَّرٍ ليعُمَّ نفعه بإذن الله تعالى . والله الموفِّق وا لهادي إلى سواء السبيل .. كتبـــه د / عيسى بن عبد الله السعدي أستاذ العقيدة بجامعة الطائف

عدد الصفحات ٢

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 2 الـــدِّين والكنيـسة س/ ما علاقة المذاهب الفكريِّة بالأديان ؟ جـ/ المذاهب الفكريِّة قد تكون موجَّهةً لمحو الدِّين ؛ كالشيوعيِّة ، أو لتقليل دوره في الحياة ؛ كالعلمانيِّة . س/ هل نجحت المذاهب الفكريِّة المعاصرة في اكتساح الأديان ؟ جـ/ في أور با نجحت إلى أقصى غاية ؛ ولهذا نحَّت أور با الدِّين وأحلَّت محلَّه المذاهب المعاصرة ، ولو نَظَرْ تَ إلى أور با وروسيا لوجدتَّ أنها إمَّا مجتمعاتٍ علمانية ، أو اشتراكية وشيوعيِّة . وقد تراجع بسبب هذه المذاهب دور الدِّين إلى حدٍّ كبير ، إلاَّ أنَّه بدأ يعود للتأثير من جديد منذ أكثر من عشرين عاماً ، وظهرت هناك اتِّجاهات تسمَّ ى بالاتجاهات الأُصوليِّة ؛ وهي التي تدعو إلى العودة إلى الدِّين والتزام تعاليمه ، وقد نجح بعضها في الوصول إلى الحُكْم ، وظهر في كثير من أنحاء العالم عودة إلى الدِّين وبدأ يتراجع دور المذاهب ، حتى إنَّ بعض الكتَّاب تنبَّأ بأن يكون هناك صدام بين الحضارات ، و لهذا ظهرت دعوات لحوار الحضارات ثم تحالف الحضارات . والذي يبدو الآن في الأُفق أنَّ المذاهب تتراجع وتتآكل حتى في مهْدِها ، وبدأ العالم يعود من جديد إلى الأديان ، ومع ذلك ما زالت المذاهب مسيطرة على مُ عظم العالَم .

عدد الصفحات ٣

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 3 س/ ما الهدف من هذا الباب الذي عقده المؤلِّف في أوَّل الكتاب وهو ( الدِّين والكنيسة ) ؟ جـ/الهدف هو بيان الأسباب التي نفَّرت أوربا من الدِّين النصراني وجعلتهم يُقبلون على المذاهب المعاصرة . س/ ما الأسباب التي نفَّرت أور با من الدِّين النصراني ؟ اذكرها باختصار .. جـ/ هذه الأسباب كالتالي : 1- تحريف الدِّين النصراني . 2- طغيان الكنيسة ورجال الدِّين . 3- فساد رجال الدِّين . 4- نظام الرَّهبنة وفضائح الأديرة . 5- صكوك الغفران. 6- محاكم التفتيش. 7- مساندة الكنيسة لنظام الإقطاع.

عدد الصفحات ٤

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 4 (شرح وتفصيل لهذه الأسباب ) تحريف الدِّين النصراني - هل عرفت أوربا الدِّين النصراني الصحيح أم لا ؟ -كيف كانت صورة الدِّين في أور با حين دخلها ؟ لم يدخل الدِّين النصراني إلى أور با إلاَّ في القرن الرابع الميلادي ؛ فقد كان أباطرة الرومان يضطهدون المسيحيين في القرون الثلاثة الميلادية الأولى ، حتى دان قُسطنطين في القرن الرابع الميلادي بالمسيحية فدانت به أوربا كلها . س/ هل دخول قُسطنطين في النصرانية كان لوجه الله ، أم لهدفٍ سياسي ؟ جـ/ لم يكن دخول قُسطنطين في النصرانية لوجه الله ، وإنما كان لتوحيد الحزبيْن المتنافِسيْن : النصراني والوثني أمام أعدائهم الفُرْس . فالهدف كان سياسياً ولم يكن هدفاً دينياً .. والدِّ ين الذي فرضه قُسطنطين على أور با ليس هو الدِين المُنزَّل من عند الله الذي جاء به المسيح ؛ وإنما هو الدِّين الذي حرَّفه بولس والمجامع الكنسية من بعده ، وقد نال التحريف العقيدة والشريعة : أ- ففي العقيدة : نال التَّحريف جوهر التوحيد ؛ ففُرِض التثليث والإيمان بالصَّلب ، وغير ذلك من التحريفات . ب- وفي الشريعة : اختار النصرانية القائمة على مبدأ فصْل الدِّين عن السياسة بمقتضى العبارة المشهورة ( أعْطِ ما لله لله ، وما لقيصر لقيصر ) . وهكذا نرى أنَّ الدِّين الذي دانت به أوروبا منذ البداية لم يكن صالحاً للحياة ،

عدد الصفحات ٥

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 5 وكان هذا من أكبر عوامل هجرانهم له فيما بعد. طُغيان الكنيسة ورجال الدِّين حصرت الكنيسة الدِّين في العقيدة والشعائر الربانيِّة ، ومع ذلك أعطت رجال الدِّين سُلطاناً ونفوذاً هائلاً ، واستندت في ذلك لنصوص نسبتها للمسيح ؛ منها قول المسيح عليه السلام لبطرس كبير الحواريين : ( إنِّي أهبُ سلطاني لكنيستي ) وقوله أيضـــاً : ( على هذه الصخرة ابْنِ كنيستي ، وكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات ، وكل ما تُحِلُّه في الأرض يكن محلولاً في السماوات ) .. وبناءً على ذلك أصبحت آراء رجال الدِّين تشريعاتٍ واجبة الطاعة . وكان من آثار ذلك طغيان رجال الدِّين في جميع جوانب الحياة ؛ ومن ذلك : أ- الطُّغْيان الرُّوحي : مارست الكنيسة مظاهر من الطغيان الروحي ؛ كربط المسيحي بالكاهن منذ أن يُعمَّد بعد ولادته إلى أن يُدفن . ومن ذلك أيضاً ؛ احتفاظ الكنيسة بحق فَهْم الأسرار المُقدَّسة . ومن ذلك أيضاً ؛ إحاطة رجال الدِّين أنفسهم بها لة من القداسة لدرجة أن المسيحي ربما سجد له إذا رآه !! ب- الطُّغْيان العقلي والفكري : فلقد مارست الكنيسة على عقول الناس لوناً من ألوان الطُّغْيان العقلي يتمثَّل في فرض أساطير الكنيسة على عقول أتباعها فرْضاً لا يقبل المناقشة ، بل إنها اعتبرت المناقشة فيه من الهرطقة ؛ كأسطورة التثليث ، والعشاء الرباني ، وصلب الابن المُخلِّص . ج- الطُّغْيان المالي : ابتدع النصارى الرهبانية في دينهم ، وكان من المتوقَّع أن يُقبلوا

عدد الصفحات ٦

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 6 على الآخرة ويتقلَّلوا من الد نيا إلى أقصى حدٍّ ممكن ، ولكن حدث العكس تماماً ؛ فتوسَّعت الكنيسة في جمْع الأموال حتى أصبحت من أكبر إقطاعيِّ أور با ، وكانت مصادر تلك الأموال متعدِّدة ؛ منها : - الأوقاف : فكانت تستولي على أراضٍ زراعية وتوقفها على نفسها . - العشور : فكان كل نصراني عليه أن يدفع عُشْر ماله للكنيسة . - ضريبة السنة الأولى : فدخْل السنة الأولى لأي وظيفة يُدفع للكنيسة . - الهبات : منها ما يكون اختياراً ، ومنها ما يكون توريطاً ، ومنها ما يُفرض عند كتابة الوصيِّة . -السُّخْرة : فكانت الكنيسة تفرض على كل واحد أن يُخصِّص يوماً في الأس بوع للعمل في أملاك الكنيسة . وبهذه الطُّرق استطاعت الكنيسة أن تجمع أموالاً طائلة استخدمت أكثرها في هواها الشخصي لا في خدمة الدِّين . د- الطُّغْيان السياسي : من مبادئ الكنيسة الفصل بين الدِّين والسياسة بمقتضى العبارة المشهورة : ( أعْطِ ما لله لله ، وما لقيص ر لقيصر ) . وكان من المتوقَّع أن تعتزل الكنيسة شؤون الحياة ، ولكن حدث العكس تماماً ؛ فطالبت بإخضاع السلطة الزمنية ؛ أي سلطة الملوك والأمراء للسلطة الدينية ؛ وهي سلطة رجال الدِّين باعتبارهم يُمثِّلون الله في الأرض ، وتمكَّنت من ذلك بالفعل ، وكان ذلك في القر ون الوسطى تقريباً ، لدرجة أنها كانت تُعيِّن الأباطرة وتُقيلهم ، وقد ذكر المؤلِّف شواهد على ذلك ؛ كقصَّة هنري الثاني مع رئيس أسقفة كانتربرى ، وللأسف استخدم رجال الدِّين هذا السلطان لهواهم الشخصي لا لتطبيق حكم الله .

عدد الصفحات ٧

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 7 هـ- الطُّغْيان العلمي : هذا الطُّغْيان يخ تلف عن الطُّغْيان الفكْري ؛ فقد حَجَرَ رجال الدِّين على العلماء التفكير بما تقتضيه المشاهدات العلميِّة إذا خالف التفسيرات الكنسية لِما جاء من إشاراتٍ علميِّة في الكتاب المقدَّس عن شكْل الأرض ، وغير ذلك من الحقائق العلميِّة . وقد بدا هذا الصِّراع حين قال ا لعلماء إنَّ الأرض كرويِّة ، فهاجمت الكنيسة هذه الدعوى بحجَّة أنها تخالف التفسير الديني للنص المقدَّس ، ووصل الحال إلى درجة حرْق بعض العلماء حيَّاً ، وكان من الأسماء التي برزت في فترة الصراع بين العلم والكنيس ـة ( كوبرنيق ) و ( جُردانوا ) و ( جاليلو ) ، وقد ترتَّب على هذا الصراع فصاماً نكِداً بين الدِّين والعلم ؛ فخيَّرت الكنيسة أتباعها بين التديُّن والتعلُّم . ومع الزمن تحوَّل هذا الفِصام إلى بُغْضٍ للدِّين ؛ لدرجة أنهم اعتبروا مُجرَّد ذِكْر الله يُفسد البحث العلمي . ومع الزَّمن – أيضاً – تحوَّل العِلْم إلى أداةٍ للقضاء على الدِّين ، وأبرز مثال على ذلك نظرية ( دارون ) في النشوء والارتقاء ؛ فقد كانت بوَّابة الإلحاد التي دخل منها ماركس وإنجلز وغيرهم من الملاحدة . ويلفِتُ المؤلِّف النظر إلى أنَّ أساس هذا الصراع كان بسبب أنَّ العلم الحديث آنذاك قادمٌ من بلاد الإس لام ، فرأت الكنيسة مع انتشاره انتشاراً لقِيَم الإسلام ؛ ولهذا حاربته بهذه الضراوة . فساد رجال الدِّين المفروض في علماء الدِّين بَلْه رجال الدِّين أن يكون عملهم وتصرُّفهم يُطابق ما عندهم من العلم ، وإلاَّ كانوا أكبر عاملٍ لصدِّ الناس عن دين الله ؛ قال تعالى : ﭽﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ [ الصف: 2 – 3] .وللأسف فقد كان رجال الدِّين في أوربا على خلاف هذا المبدأ بشهادة

عدد الصفحات ٨

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 8 الأوربيين أنفسهم ؛ فقد بلغ فساد رجال الدِّين إلى درجةٍ ضجَّ بها المجتمع الأورو والعالَم ، وسنذكر لذلك أمثلة : أ- كرسي البابوية : فقد كان يُنال بالرَّشاوى ، وأحياناً برغبات النساء المنحرفات . ب- الوظائف الدينية : فقد كانت كثيراً ما تُنال بالرَّشاوى . ج- الفساد الخُلُقي : الذي وصل إلى درجة الشذوذ أحياناً . د- نظام التَّ حِلَّة : وقد كان البابا بمقتضاه يُعفي نفسه من الالتزام بأوامر الكنيسة ونواهيها . هذا الفساد أدَّى إلى نفور الناس من الدِّين وأهله ، وعزْل الدِّين بعيداً عن المجتمع ، وعلى الرَّغم من كل ما حصل فلا زال الفساد سارياً في رجال الدِّين ؛ حتى إنه في عام 1418هـ اُعلِن في الأنباء العالمية عن إدانة عددٍ من القُسس بزراعة الحشيش الصوامع . نظام الرَّهبنة وفضائح الأديرة كان عيسى عليه الصلاة والسلام يُر كِّز على الجانب الروحي وعلى الزُّهد ؛ لأنه بُعِث لليهود الذين غلب عليهم جانب المادة والقسوة ، ولكنه لم يأمر بالرَّهبنة ، وإنما ابتدعها اتباعه تأثُّراً بتعاليمه ، أو تأويلاً لها ، وكان هدفهم ابتغاء رضوان الله ؛ فقبلها الله منهم ، ولكنَّهم لم يَرْعَوْها حقَّ رعايتها : ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭼ [الحديد: 27 ]، بل تحوَّلت إلى شعار خادع تُمارَس تحته أنواع الفسوق ، وشاع بين الرُّهبان والرَّاهبات الاتصال المُحرَّم ، وكانوا يسمُّونه المساكنة الروحية ، بل تعدَّى الحال ببعض هم إلى درجة الشذوذ ( أو المثليِّة بالتعبير المعاصر في أوربا ) ، وكان هذا من الأسباب التي نفَّرت الناس عن الدِّين النصراني

عدد الصفحات ٩

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 9 وجعلتهم يتقبَّلون المذاهب المعاصرة . وهذا يدلُّنا على حكمة الإسلام حين حرَّم الرَّهبانية ؛ لأنَّ الدوافع الفطريِّة لا يجوز كبتها كما لا يجوز إطلاقها ، وإنما يجب تهذيبها وضبطها . صكوك الغفران بدأت هذه المهزلة في الحروب الصليبية لتشجيع الجنود على قتال المسلمين ؛ فكانت تمنح صكَّ الغفران لمن ينخرط في الجيش لقتال المسلمين . ثم بعد ذلك استُعمِلت هذه الصكوك لابتزاز الأموال ؛ فظهرت طبقةً من الناس عاثت في الأرض فساداً ؛ لأنها ضمنت غفران ذنوبها ، ثم تكشَّفت المهزلة للناس ، وكان لذلك ردَّة فعل عنيفة ضدَّ الدِّين ورجاله ، وهذا يدلُّنا على عظمة الإسلام الذي جعل المغفرة حقَّاً لله وحده ، حتى إنَّ أشرف الخلْق عليه الصَّلاة والسَّلام لا يملك منها شيئاً ؛ قال تعالى : ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ [آل عمران: 135 ]، وأما الذي يملكه الخلْق ؛ فهو الدعاء بالمغفرة . محاكم التفتيش حين بدأت تهتزُّ صورة الكنيسة في الأذهان لما سبق ذِكْره ؛ نظَّمت الكنيسة محاكم التفتيش كأداةِ تحقيقٍ مستديمةٍ للمحافظة على سلطان الكنيسة وتصيُّد الهراطقة ، وكانت تأخذ الناس بالظِّنَّة ، ولا تترك لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم ، وتُنزل بهم من العقاب ما لا يخطر لهم على بال ، حتى إنها أحرقت بعض الناس أحياءً ، وقتلت الكثير بالمِقْصَلَة ، وقد ذكر المؤلِّف أنَّ ما فعلته محاكم التفتيش بالأوربيين يُعتبر رحمةً إ ذا قيس بما عملته بالمسلمين في الأندلس .

عدد الصفحات ١٠

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 11 مساندة الكنيسة لنظام الإقطاع كانت أوربا في عصر الإقطاع تعيش حياةً عجيبة ؛ فكان أمير الإقطاع هو كل شيء في حياتهم ، وهو السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية ، وكان كل شيء في حياتهم مرتبطٌ به حتى دقائق الأمور ، فالحَبُّ – مثلاً – لا يُطحن إلاَّ في طاحونه ، وكان يَفْرِض عليهم من الضرائب ما شاء ، ويُمارس ضدَّهم المظالم حتى في حياتهم الخاصة ، لدرجة أنَّه كان له حقُّ الليلة الأولى . وقد وقفت الكنيسة مع أمراء الإقطاع ، وهدَّدت الفلاَّحين باللَّعن والطرد من رحمة الله إن هم خرجوا عن طاعة أسيادهم ، وقالت للفلاحين : ( من خدم سيِّدين – يعني : الله والإقطاعي - في الدنيا خيرٌ ممن خدم سيِّداً واحداً ) ، وَدَعَتِ المظلومين إلى الصبر واحتمال ظلم الإقطاعي ليعوِّضهم الله بالجنة ، ومن هنا قال ماركس ( الدِّين أفيون الشعوب ) . نتيجةً لما س بق : نتيجة العوامل السابقة التي فصَّلناها ؛ كان هناك ردَّة فعل ضدَّ ظلم رجال الدِّين ورجال الإقطاع ، وبدأ النقد لهم رويْداً رويْداً ، وأخذ يتنامى مع الزمن حتى أصبح تياراً عاماً وشعوراً لمعظم الناس ؛ فكانت الثورة الفرنسية الكبرى ضد هذا الظلم الثنائي ، واستطاع اليهود بما لهم من إمكانات أن يُحوِّلوا مسار الثورة من ثورةٍ ضد رجال الدِّين والإقطاع إلى ثورة ضد الدِّين نفسه ، وكان شعار الثورة : ( اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسِّيس ) ، وتمكَّنت الثورة من النجاح ، وكان من أكبر نتائجها سيادة المذاهب الفكرية على أوربا بدلاً من الدِّين ، وق د سرى ذلك لكثير من دول العالَم !!

عدد الصفحات ١١

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 11 س/ ما هي المعالم العامة للمذاهب المعاصرة التي سادت أوربا بعد الثورة الفرنسية الكبرى إلى اليوم ؟ جـ/ هناك اتِّجاهان رئيسان للمذاهب المعاصرة : 1- اتِّجاهٌ علماني : وهو الذي يعْزِل الدِّين عن الحياة دون أن يكون هدفه محو الدِّين من الوجود ؛ ولهذا تجد في العلمانية اتِّجاهٌ ديني واتِّجاهٌ إلحادي واتِّجاهٌ محايد ، وللفرد حقُّ الاختيار لما يشاء من هذه التيارات والاتِّجاهات ، ولهذه الحريِّة أو الليبرالية قدسية كبيرة في الع لمانية ، وهذا الاتجاه العلم ـاني هو الذي ساد أوربا الغربية وأمريكا الشمالية . 2- اتِّجاهٌ إلحادي : وهو الذي يسعى لمحو الدِّين من الوجود ، ويرى أنه من صُنْع الإنسان ، وأنه قد وُجِد لظروفٍ تغيَّرت وتبدَّلت ، وأبرز من يُمثِّل هذا الاتج ــاه : ( الشيوعية العالم ية ) ؛ وهي التي سادت في الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوربا ، وحاربت الدِّين بضراوة ، وهجَّرت الملايين من المتديِّنين ، وقتلت الكثير ، وكانت كارثةً بكل ما تعنيه الكلمة ، حتى انكسرت حِدَّة هذا التيار بعد سقوط الاتحاد السوفيتي قبل أكثر من عشرين عاماً . 

عدد الصفحات ١٢

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 12 دور اليهود في إفسادأوربا رأينا أن النصارى مروا بظروف نفَّرتهم من رجال الدِّ ين حتى كان الانفجار في الثورة الفرنسية الكبرى في القرن الثامن عشر الميلادي ، والتي كانت نقطة التحوُّ ل الأوربي من الدِّ ين الى المذاهب المعاصرة - وقد درسنا تلك الظروف والأسباب - ولكنَّ الأوربيين لم يُ تركوا لتلك الظروف ، بل جاء من استغلَّ ها وغذَّ ى نفورهم من رجال الدِّ ين حتى تمكَّن من تحويل الثورة إلى ثورةٍ ضدَّ الدِّين نفسه لا ثورة ضد طغيان رجاله ، وهـؤلاء هم اليهود ، وقد ذكر المؤلِّف أنهم ساروا لتحقيق هذا الهدف في طريقين : 1- طريق عملي : وهو إنشاء دين بلا أخلاق ولا تقاليد ، وقد تمكَّ ن اليهود مـن ذلك لأن الثورة الفرنسية اسقطت رجال الإقطاع ، ولأنهم موَّ لوا الثـورة الصـناعية ؛ فأصبحت معظم مؤسسات المجتمع الأوربي في أيديهم ؛ كالمصانع ، والجامعات ، ودور النشر ، ووسائل الإعلام ، فتمكَّ نوا من تعزيز الاتجاهات التي تُ حارب الدِّ ين حتى وصلوا بالمجتمع الأوربي - على المدى الطويل - إلى ما نراه اليوم من بُ عْدٍ عن الدِّ ين والأخلاق والقيم . وقد يستغرب المرء كيف يدعم اليهود الفساد ويحاربون الدِّ ين وهم أصحاب ديانـة سماوية ؟ ولكن إذا عرفنا نظرتهم لمن سواهم زال الاستغراب ؛ فهم يقسمون الناس إلى يهود وجوييم أو أمِّيين ، ويرون أن الأُ مِّيين ما هم إلاَّ حميرٌ لليهود كما جاء في التلمود ( الجوييم هم الحمير الذين خلقهم الله لنركبهم ) ، ولا يتم استحمار الأمِّيين إلاَّ بنـزْع الدِّ ين والأخلاق !! وقد نبَّ هَنا الله إلى ذلك بقوله : ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ [آل عمران: 75 ]، وقوله : ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ [المائـدة: 33 ]، وهذه الحقيقة يعرفها حتى الأوربيين ، ولهذا تجد لهم من المؤلَّفات ما يكشف هذا الجانب من خـزي اليهود مثل : اليهود وراء كل جريمة ، أحجار على رقعة الشطرنج.

عدد الصفحات ١٣

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 13 وقد نبَّه المؤلِّف إلى أ نَّ اليهود لا يُ نشؤن الأحداث ، ولكنَّ هم يُ حس ـ نون اسـتغلال الفُ رص ، وقد استغلوا نفور الأوربيين من رجال الدِّ ين ، فحوَّ لوه إلى نفور من الـدِّ ين نفسه ، حتى بلغ بهم الحال إلى نفورٍ من الدِّين غير مسبوق في التـاري ، وبخاصَّـةٍ في المجتمعات التي سارت في الخط الشيوعي أو الاشتراكي . 2- طريق نظري : فلم يكتف اليهود بالجانب السابق ، بل ساروا مع ذلك في طريق نظري لا يَ قِلُّ خطورةً عن الطريق السابق ؛ بطَرْح نظريَّ اتٍ علميِّ هٍ في الظاهر وهـي في الحقيقة لهدم الدِّ ين والقيم ، وأبرز هذه النظريات نظرية دارون ، ماركس ، فرويـد ، ودور كايم . أ- نظرية دارون : دارون ليس يهودياً ولكنَّ اليهود استغلَّ وا نظريته ونشروها حتى أصبحت هي الحقيقة العلمية التي تُ درس في معظم جامعات أوربا . وخلاصة نظرية دارون أنَّ في الطبيعة انتخاب طبيعي ، وهو الذي يتمُّ عـ ن طريقـة التغيُّر الناشئ في الكون ويمكن أن يصل إ لى حدِّ استحداث صفات جديدة لم تكن في الأبوين مما أدَّى على المدى إلى ظهور أنواع وأجناس جديدة لم يكن لها وجـود مـن قبل ، وقد زعم أنَّه من خلال عملية التطوُّ ر هذه سارت الحياة في سلسلة طويلـة مـن الرُّ قي التدريجي ؛ فبدأت بالكائن وحيد الخلية ، ثم الفطريات المتعـددة الخلايـ ـا ، ثم النبات ، ثم النبات الذي يشبه الحيوان ، وهكذا حتى وصلت إلى الثـديات العليـا ، ثم القردة العليا ، ثم الحلقة المفقودة ، ثم الانسان . وبناء على هذه النظرية زعم دارون أنَّ خلق الانسان تدرُّ ج طبيعي ؛ أي أنه لا وجود للخالق ، وأنَّ الانسان من إبداع الطبيعة ، وقد كانت هذه النظرية هي الأساس العلمي للإلحاد الذي شاع في العصر الحديث بشكل غير مسبوق في التاري .

عدد الصفحات ١٤

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 14 ب- نظرية ماركس : هو يهودي ألماني عاش في القرن التاسع عشر الميلادي ، وهو أبو الشيوعية الحديثـة وصاحب المقولة المشهورة ( الدين أفيون الشعوب ) ، وقد أخذ ماركس جوهر نظرية دارون وأنشأ على أساسها نظرية اقتصادية وتفسيراً للحياة البشرية على النسق التالي: أ - أنَّ الأحوال المادية والاقتصادية هي العنصر الرئيس المسيطر على حياة الإنسان وأفكاره ومشاعره . ب - بمقتضى هذا التصوُّر قسَّم التاري إلى مسس مراحل : 1- الشيوعية الأو: وجوهرها عدم وجود ملكية فردية لأي شـيء حـ ـتى النساء ، ولهذا كانت الحياة في هذه المرحلة ملائكية بزعمه !! 2- مرحلة الرِّق : انتقل الناس إلى هذا الطور عن طريق اكتشـاف الزراعـة ، فاسترقَّت القبائل القوية القبائل الضعيفة لتعمل في الحقول . 3- عصر الإقطاع: وقد انتقلت البشرية إليه بسبب اكتشاف المحـراث الـذي بواسطته يستطيع الإنسان زراعة مساحاتٍ أكبر . 4- عصر الرأالية : وكانت بسبب اكتشاف الآلة ، وبواسطتها تحوَّل المجتمـع الزراعي إلى مجتمع صناعي ، وقد كَثُرَ كلامه عن هذه المرحلـة باعتبارهـا المرحلة التي عاشها ويدعو إلى الانتقال عنها . 5- الشيوعية الثانية: وهي تتكون نتيجة الصراع بين أصحاب رؤوس الأمـوال وبين طبقة البروليتاريا ( العمال ) . وقد زعم ماركس أنَّ لكل مرحلة من تلك المراحل أخلاقها وعقائدها وتقاليـدها ،

عدد الصفحات ١٥

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 15 وتُعتبر في حينها علامات صحيِّة ، وفيما بعد ذلك علاماتٍ رجعيِّة ، وزعـم أنَّ هـذه القيم تتغيَّر تغيُّراً حتمياً كلما تغيَّر الوضع الاقتصادي ؛ فمثلاً : في عصر الإقطاع ظهـر التديُّن ؛ لأنَّ الفلاَّح كا ن لا يستطيع السيطرة على البذرة ، فتخيَّل قوَّةً غيبيِّـة يتوجَّـه إليها لتحفظ له زرعه وثمره ، وظهرت الأُسرة والعفَّة ؛ لأنَّ الرجل كان هو المُتكسِّب ، فكان يفرض على المرأة أن تكون له وحده . وفي العصر الصناعي تقِلُّ الحاجة إلى التديُّن ؛ لأنَّ العامل يُسيطر ع لى معظم وسـائل الانتاج فلا يحتاج إلى قوَّةٍ غيبيِّة تحفظ له محصوله . أما في المجتمع الشيوعي فتختفي هذه الأمور تماماً ، فتُلغى الملكية الفردية ، ويُلغـى الدِّين إلغاءً كاملاً ؛ لأنَّ دوره قد انتهى ، وتزول الملكية الفردية تماماً التي كانت سبب الصراع ، ويعود الناس إلى المجتمع الملائكي الأول ، وهي مرحلة الشيوعية . س/ لماذا اقتصر المؤلِّف على ماركس دون غيره من الملاحدة ؟ ج/ لأنَّ ماركس أكثرهم تأثيراً ، وهو الذي قامت الشيوعية الحديثة على نظريَّتـه ، ولأنَّ المؤلِّف – أيضاً – يعرض دور اليهود في إفساد أوروبا ؛ فاقتصر على مـاركس باعتباره يهودياً . س/ ما أبرز المدارس الإلحادية التي أسهمت في نشر الإلحاد في عصر ماركس أو قبله بقليل ؟ ج/ هناك مدرستان ومذهبان مشهوران :- أولاً : المذهب الحسي ، ومن أبرز من يُمثِّله ( ديفد هيـوم ) و ( وشـوبنهاور ) و (نيتشه ) .

عدد الصفحات ١٦

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 16 ثانياً : المذهب الوضعي " المدرسة الواقعية " ، ومن أبرز من يُمثِّلـها ( أوجسـت كونت ) . 1- أما( ديفد هيوم ) : فهو فيلسوف بريطاني ، كان لا يؤمن بمـا وراء الحـس ، ولهذا أنكر عالم الغيب كله بما في ذلك الله والدار الآخرة ، واعتبر العقائد الإيمانية كلها من أوهام الإنسان وخياله . وقد بلغ به الشطط إلى إنكار قانون السببية ، وأرجع هذه العلاقة إلى مجرَّد الاقتران العادي ، وهو ما سمَّاه ( قانون التشابه والاقتران ) أو (تـداعي المعاني ) ، وهدفه من إبطال قانون السببية الوصول إلى إبطال الدليل الأكبر على وجود الله تعالى ؛ وهو الاستدلال بالمخلوق على الخالق . 2- وأمَّا ( شوبنهاور ) : ففيلسوف ألماني لا يؤمن بما وراء المادة مـن الغيبيـات ، ويرى أنَّ العالَم المادي أو الحس كافٍ لتفسير كل ما يجري فيه ، وليس بحاجة إلى قوة خارجية تؤثر فيه . وقد غلب على فلسفته التشاؤم ، وكـان يُرغِّـب في الانتحـار ، واخترع ما سمَّاه ( الإرادة الكلية ) ، وزعم أنَّ الكون كله يخضع لها وهي التي تُحـافظ على بقائه ، كما زعم أنَّ وسيلة الإرادة الكلية في الإبقاء على النوع الإنساني هي العقل والجنس ؛ فالعقل يُقنع الإنسان بقبول الحياة على ما فيها من ألمٍ عن طريـق اختـراع أشياء تقنعه بالحياة ؛ كوجود إلهٍ أو بعْثٍ أو جنة أو نار ، والجنس يقوم علـى إغـراء الذَّكر بالأنثى والعكس ، وقد أعلى من شأن الغريزة الجنسية واعتبرها أساس السـلوك الإنساني . 3- وأمَّا ( نيتشه ) : ففيلسوف ألماني أيضا ، كان لا يؤمن بما وراء الحس ، ويعتبر الدِّين أكبر خرافة توارثتها الإنسانية ، وكان يُمجِّد القوة ويدعو إلى القضاء على مـا يعارضها ؛ كالحب والعطف والرحمة ، وقد ركَّز نيتشه في فلسفته على خلْق الإنسـان الأعلى ( السوبرمان ) عن طريق الصراع بين الأغنياء والضعفاء والتطوُّر الذاتي ؛ فذهب إلى أن َّ الكائنات بدأت من الخليَّة الواحد ة ثم تطوَّرت حتى وصلت للإنسان ، ولكـنَّ

عدد الصفحات ١٧