المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس

محمد صالح المنجد

صفحة ٧ من ٧

97 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس .(((وفي رواية أحمد وفي رواية .(2(فيبخل له من نفسه، حتى يعلم أنه قد أحدث توبة وفي رواية .(3(يكذبُ لمْ يزلْ معرضاً عنهُ حتّى يحدثَ للهِ توبةً ويتضح من الروايات السابقة أن الإعراض عن المخطئ؛ حتى يعود عن خطئه أسلوب تربوي مفيد، ولكن لكي يكون نافعــاً لابد أن يكون الهاجر والـــمعرض لــه مكانة في نفس المهجور، وإلا فلن يكون لهــذا الفعل أثر إيجابي عليه، بل ربما يشعر أنه قد استراح. - الدعاء على المخطئ المعاند: 31 روى مســلم -رحمه ا ، قال: لا أستطيع، قال: « بشماله، فقالﷺالله .(4(، ما منعه إلا الكرُ، قال: فما رفعها إلى فيه « قــال النــووي -رحمــه ا (.52/6 المسند ((( )، وصححه الألباني في السلســلة 285/( رواه ابن ســعد في الطبقات (2( .(2052الصحيحة )، وصححــه الألباني في صحيح 69/( رواه ابــن عبد الــر في التمهيد(3( .(4675الجامع (.202( صحيح مسلم (4(

عدد الصفحات ٩٧

98 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس الدّعاءِ على منْ خالفَ الحكمَ الشرّعــيَّ بلا عذرٍ، وفيهِ الأمرُ بالمعــروفِ، والنّهيُ عــنِ المنكرِ، في كلِّ حــالٍ حتّى في حالِ .(((الأكلِ، واستحبابُ تعليمِ الآكلِ آدابَ الأكلِ إذا خالفهُ ونلاحظ هنا أن الدعاء عليه لم يكن بما يعين عليه الشيطان، ولكن كان بما يشبه التعزير. - الإعراض عــن بعض الخطأ اكتفــاء بما جرت 32 الإشارة إليه منه؛ تكرّماً مع المخطئ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ )قال تعــالى: ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ .]3[ (ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﭰ ﭱ )قال القاســمي -رحمه الله- في محاسن التأويل: ، (ﭶ )، هي حفصة، (ﭴ ﭵ )، أي محمــد (ﭲ تحريــم فتاته... أو ما حرّم على نفســه ممــا كان الله جل ثناؤه ، أي أخــرت بالسر صاحبتها (ﭷ ﭸ ﭹ )قد أحله لــه ﭽ )، أطلعه عن تحديثها به، (ﭺ ﭻ ﭼ ) (عائشة)، ( ﭿ ﮀ ﮁ)، أي عرّفها بعض ما أفشته معاتباً، (ﭾ أي بعض الحديث تكرّماً. وفي الإكليل: في الآية أنه لا بــأس بإسرار بعض الحديث إلى مــن يركن إليه مــن زوج، أو صديق، وأنــه يلزمه كتمانه، (.92/(3 شرح صحيح مسلم (((

عدد الصفحات ٩٨

99 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس وفيها حســن المعاشرة مع الزوجــات، والتلطف في العتب، والإعراض عن اســتقصاء الذنب، وحكــى الزمخشريّ عن .(((سفيان، قال: ما زال التغافل من فعل الكرام .(2(قال الحسن - إعانة المسلم على تدارك خطئه، وتصويبه: 33 ﷺ قال: بينما نحنُ جلوسٌ عندَ النّبيِّ وعن أبي هريرة ، «، فقالَ: يا رســولَ اللهِ هلكتُ، قالَ إذْ جاءهُ رجلٌ : ﷺِ قــالَ: وقعتُ على امرأتي، وأنا صائمٌ، فقالَ رســولُ الله «، قالَ، قالَ: لا « «، قالَ: لا، فقالَ تصومَ شــهرينِ متتابعينِ؟ ، فبينا نحنُ ﷺ، قالَ: لا، قالَ: فمكثَ النّبيُّ ستّينَ مسكيناً؟ ، قالَ: (3(، والعرقُ المكتلُ بعرقٍ فيها تمرٌ ﷺعلى ذلكَ أتيَ النّبيُّ ، فقالَ «، فقالَ: أنا، قالَ « ِ ما بينَ لابتيها -يريدُ ِ؟ فوالله الرّجلُ: أعلى أفقرَ منّي يا رسولَ الله ،ﷺالحرّتــينِ- أهلُ بيتٍ أفقرُ منْ أهلِ بيتــي، فضحكَ النّبيُّ . (4(«حتّى بدتْ أنيابهُ، ثمَّ قالَ (.274/9 محاسن التأويل ((( (.64/8 تفسير البغوي (2( وهو الزنبيل الكب (3( .)(((()، ومسلم936 رواه البخاري (4(

عدد الصفحات ٩٩

(00 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - ملاقاة المخطئ ومجالسته؛ لأجل مناقشته34 ، قالَجاء في صحيح البخاري، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ، فكانَ يتعاهدُ كنّتهُ، فيسألها أنكحني أبي امرأةً ذاتَ حســبٍ « عنْ بعلها، فتقولُ: نعمَ الرّجلُ منْ رجلٍ، لمْ يطأْ لنا فراشاً، ولمْ ، ﷺيفتّشْ لنا كنفاً منذُ أتيناهُ، فلماّ طالَ ذلكَ عليهِ، ذكرَ للنّبيِّ قالَ:كلَّ «، فلقيتهُ بعدُ، فقالَ «فقالَ «، قــالَ:كلَّ ليلةٍ، قالَ «يومٍ، قالَ ، قالَ: قلتُ: أطيقُ أكثرَ شهرٍ ثلاثةً، واقرأ القرآنَ في كلِّ شهرٍ قلتُ: أطيقُ أكثرَ «مــنْ ذلكَ، قالَ ، قالَ: قلتُ أطيقُ «منْ ذلكَ، قالَ «أكثرَ منْ ذلكَ، قالَ ، فليتني قبلتُ يومٍ، وإفطارَ يومٍ، واقرأْ في كلِّ ســبعِ ليالٍ مرّةً ، وذاكَ أنيّ كــرتُ، وضعفتُ، فكانَ ﷺِ رخصةَ رســولِ الله يقرأُ على بعضِ أهلهِ السّــبعَ منْ القرآنِ بالنّهارِ، والّذي يقرؤهُ يعرضهُ مــنْ النّهارِ؛ ليكونَ أخفَّ عليهِ باللّيــلِ، وإذا أرادَ أنْ يتقــوّى أفطرَ أيّاماً، وأحصى، وصــامَ مثلهنَّ؛كراهيةَ أنْ يتركَ . ((( عليهِ ﷺشيئاً فارقَ النّبيَّ وفي رواية أحمد مزيد إيضاح، وفوائد حسنة: قالَ: زوّجنــي أبي امرأةً منْ ِ بنِ عمــرٍو عنْ عبــدِ الله (.5052 البخاري (((

عدد الصفحات ١٠٠

(0( الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ، فلماّ دخلتْ عليَّ جعلتُ لا أنحاشُ لها؛ ممّا بي منْ القوّةِ قريشٍ على العبادةِ منْ الصّــومِ والصّلاةِ، فجاءَ عمرو بنُ العاصِ إلى كنّتهِ، حتّى دخلَ عليها، فقالَ لها:كيفَ وجدتِ بعلكِ؟ قالتْ: خــيرَ الرّجالِ، أوْ كخيرِ البعولةِ منْ رجــلٍ، لمْ يفتّشْ لنا كنفاً، ولمْ يعرفْ لنا فراشــاً، فأقبلَ عليَّ، فعذمني، وعضّني بلسانهِ، فقــالَ: أنكحتكَ امــرأةً منْ قريشٍ ذاتَ حســبٍ، فعضلتها، ، فشــكاني، فأرسلَ ﷺوفعلتَ، وفعلتَ، ثمَّ انطلقَ إلى النّبيِّ ، قلتُ: «، فأتيتهُ، فقــالَﷺإليَّ النّبــيُّ «، قلتُ: نعمْ، قالَ «نعمْ، قالَ وأفطرُ، وأصليّ، وأنامُ، وأمسُّ النّســاءَ، فمنْ رغبَ عنْ سنّتي ، قلتُ: إنيّ أجدني «، قالَفليسَ منّي ، قلتُ: إنيّ «أقــوى منْ ذلكَ، قالَ ، قالَ: ثمَّ «أجدني أقوى منْ ذلكَ، قــالَ ، قلتُ: إنيّ أقوى منْ ذلكَ، «قالَ «قالَ: فلمْ يزلْ يرفعني حتّى قالَ ، قالَ حصينٌ في حديثهِ: أفضلُ الصّيامِ، وهوَ صيامُ أخي داودَ ، ولــكلِّ شرّةٍ فترةً، فإمّا إلى « :ﷺثــمَّ قالَ ســنّةٍ، وإمّا إلى بدعةٍ، فمنْ كانتْ فترتهُ إلى سنّةٍ، فقدْ اهتدى، ، قالَ مجاهدٌ: فكانَ ومنْ كانتْ فترتهُ إلى غيرِ ذلكَ، فقدْ هلكَ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو حيثُ ضعــفَ، وكرَ يصومُ الأيّامَ كذلكَ، يصلُ بعضهــا إلى بعضٍ؛ ليتقوّى بذلكَ، ثــمَّ يفطرُ بعدِّ تلكَ

عدد الصفحات ١٠١

(02 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس الأيّــامِ، قالَ: وكانَ يقــرأُ في كلِّ حزبهِ كذلــكَ، يزيدُ أحياناً، وينقــصُ أحياناً، غيرَ أنّهُ يــوفي العددَ، إمّا في ســبعٍ، وإمّا في ثلاثٍ، قالَ: ثمَّ كانَ يقولُ بعدَ ذلكَ: لأنْ أكونَ قبلتُ رخصةَ ، أوْ عدلَ، لكنّي فارقتهُ على أحبُّ إليَّ ممّا عدلَ بهِ ﷺرسولِ اللهِ .(((أمرٍ أكرهُ أنْ أخالفهُ إلى غيرهِ ومن فوائد القصة: ســببَ المشكلة، وهو الانهماك في العبادة، ﷺ- معرفة النبي بحيث لم يبق وقت لأداء حق الزوجة فوقع التقصير. - إن مبدأ (أعط كل ذي حق حقه) يطبق في حق كل من كان منشــغلاً، ومنهمكا بأمور من الطاعــات؛ كطالب العلم الذي يلقي دروســاً كثيرة، والداعية المنغمس في شــئون دعوته، بحيث يؤدي ذلك إلى شكاية الزوجة، وتضررها، وهذا ينشــأ عن عدم الموازنة في القيام بالطاعات المختلفة، وتوزيع الوقت على أصحاب الحقوق، فلا بأس أن يخفف هذا من دروسه شيئاً ما، وهذا من انشغالاته، بحيث يتوفر الوقــت الكافي للاهتــمام بالبيت، والزوجــة، والأولاد، وإعطائهم حقوقهم في الإصلاح، والمعاشرة، والتربية. ). وقال 6477)، وقال أحمد شاكر: إســناده صحيح58/2 المســند ((( ): ســنده صحيح على شرط 5(8/2الألباني في صفــة صلاة النبي ﷺ الشيخين.

عدد الصفحات ١٠٢

(03 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - مصارحة المخطئ بحاله وخطئه35 ، وعلى غلامهِ برداً،، قالَ: رأيــتُ عليهِ برداً عنْ أبي ذرٍّ فقلتُ: لوْ أخذتَ هذا فلبستهُ كانتْ حلّةً، وأعطيتهُ ثوباً آخرَ، فقــالَ:كانَ بيني وبينَ رجلٍ كلامٌ، وكانتْ أمّهُ أعجميّةً، فنلتُ قلتُ: «منها، فذكرني إلى النّبيِّ ﷺ، فقالَ «، قلتُ: نعــمْ، قالَ «نعــمْ، قالَ ، قلتُ: على حينِ ســاعتي هذهِ منْ كرِ السّــنِّ، فيكَ جاهليّةٌ «قالَ اللهُ أخاهُ تحتَ يدهِ، فليطعمهُ ممّا يأكلُ، وليلبســهُ ممّا يلبسُ، ولا .(((يكلّفهُ منْ العملِ ما يغلبهُ، فإنْ كلّفهُ ما يغلبهُ، فليعنهُ عليهِ وفي صحيح مسلم، عنْ المعرورِ بنِ سويدٍ ذرٍّ بالرّبــذةِ، وعليهِ بردٌ، وعلى غلامهِ مثلــهُ، فقلنا: يا أبا ذرٍّ لوْ جمعتَ بينهما كانتْ حلّةً؟ فقالَ: إنّــهُ كانَ بيني وبينَ رجلٍ منْ إخواني كلامٌ، وكانتْ أمّهُ أعجميّةً، فعيرّتهُ بأمّهِ، فشــكاني إلى «النّبيِّ ﷺ، فلقيتُ النّبيَّ ﷺ، فقــالَ ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ منْ سبَّ الرّجالَ سبّوا أباهُ وأمّهُ، جاهليّةٌ «قالَ تحتَ أيديكمْ، فأطعموهمْ ممّا تأكلونَ، وألبســوهمْ ممّا تلبسونَ، .(2(ولا تكلّفوهمْ ما يغلبهمْ، فإنْ كلّفتموهمْ فأعينوهمْ (.66()، ومسلم6050 البخاري ((( (.66( صحيح مسلم رقم (2(

عدد الصفحات ١٠٣

(04 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس كانت لأبي ذر ﷺوهذه المصارحة، والمفاتحة من النبي فالصراحة وســيلة مفيدة بقبول الصحابي لذلك؛ ﷺلعلمه تختــصر الوقت، وتوفر الجهد، وتبــين المقصود بأيسر طريق، ولكنها تكون فيما يناسب من الأحوال والأشخاص. وقــد يعــدل الداعية عــن مصارحة المخطــئ إذا كان في أو تفويــت مصلحة أعلى، مصارحته حصول مفســدة أكبر، كأن يكون المخطئ صاحب جــاه، أو منصب لا يتقبل ذلك، أو أن يكون في المصارحــة إحراج بالغ للمخطئ، أو يكون ذا حساسية زائدة تجعله ذا ردِّ فعلٍ سلبي، ولا شك أن المصارحة مكروهة للمخطئ، وثقيلةً على نفســه؛ لمــا فيها من المواجهة والإحراج، والظهور بمظهــر الناقص في مقابل ظهور الناقد في موضع المستعلي والأستاذ. وكذلك فإنه يجب التنبه إلى أن أسلوب قد يكون له سلبيات مضاعفة تفوق المصارحة أحياناً؛ وذلك لما قد يشعر به المخطئ من الاســتغفال والتلاعب، ويتضايق من الإشارات الخفية؛ لشــعوره بأنها غمز، وإيذاء مبطن، ثم إن التوجيه قد لا يصل أصلاً؛ لخفاء المقصود، وبعده عن ذهن المخطئ؛ فيمضي في خطئه قدماً. وعموماً فإن الأشخاص يتفاوتون في التقبل، والأسلوب الأمثل المناســب لكل منهم، ولكن يبقى أن حســن الخلق في العرض والتوجيه له الأثر الأكر في نجاح المهمة.

عدد الصفحات ١٠٤

(05 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - إقناع المخطئ36 إن الســعي لمناقشــة المخطئ؛ بغية إقناعه يؤدي إلى إزالة الحاجز الضبابي الذي يعــتري بصيرته، فيعود إلى الحق، وإلى طريق مســتقيم، ومن أمثلة ما ورد في الســنة بهذا الشأن: ما قال: إنَّ فتًى شــابّاً أتى رواه الإمــام أحمد عــن أبي أمامة ، فقالَ: يا رســولَ اللهِ، ائــذنْ لي بالزّنا، فأقبلَ القومُ ﷺالنّبيَّ ، فدنا منهُ قريباً، «عليهِ فزجــروهُ، وقالوا: مهْ. مهْ. فقالَ ِ جعلني قــالَ: لا، والله «قــالَ: فجلسَ، قالَ «، قالَ«اللهُ فداءكَ، قالَ ِ يا رســولَ اللهِ جعلني اللهُ فداءكَ، ، قالَ: لا، والله لابنتــكَ؟ ، «، قالَ«قالَ «قــالَ: لا، واللهِ جعلني اللهُ فداءكَ، قــالَ ِ جعلني ، قالَ: لا، والله «، قــالَلأخواتهمْ «، قالَ«اللهُ فداءكَ، قالَ « قالَ: لا، واللهِ جعلني اللهُ فداءكَ، قالَ لخالتكَ؟ «، قالَ: فوضعَ يدهُ عليهِ، وقالَ يحبّونــهُ لخالاتهمْ ، قالَ: فلمْ يكنْ بعدُ ذلكَ ذنبهُ، وطهّرْ قلبهُ، وحصّنْ فرجــهُ .(((الفتى يلتفتُ إلى شيءٍ (.370)، وصححه الألباني في الصحيحة222(( رواه أحمد (((

عدد الصفحات ١٠٥

(06 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - إفهام المخطئ بأن عذره الزائف غير مقبول37 يحاول بعــض المخطئين تقديــم مــررات مختلقة، وغ مقبولة، وخصوصاً إذا انكشــف أمرهــم بغتة على حين غرة منهــم، بل قد يبدو على بعضهم التلعثم، وهم ينطقون بالعذر الزائــف، وخصوصاً الذين لا يحســنون الكــذب؛ لنقاء في سرائرهم، فكيف يتصرف المــربيّ يا ترى إذا صادف مثل هذا الموقف من أحد المخطئين؟ إن القصــة التالية -إن صحّتْ- مع أحد أصحابه، ويظهر ﷺتبــين موقفاً رائعاً، ودقيقاً للنبي من خلال القصة المتابعة المستمرة من المربي للمخطئ إلى حين تخليه عن موقفه الخاطئ: مرَّ ﷺ، قال: نزلنا مع رســول الله عن خوّات بن جبير ، قال: فخرجت من خبائي، فإذا نســوة يتحدثن، (((الظهران ، فاستخرجت منها (2(فأعجبني، فرجعت فاستخرجت عيبتي ، ﷺحلة فلبستها، وجئت فجلست معهن، فخرج رسول الله ، (4(، فلما رأيت رسول الله هبته، واختلطت(3(فقال: أبا عبد الله؟ ، فمضى، (5(قلت: يا رسول الله جمل لي شرد، وأنا أبتغي له قيداً موضع بقرب مكة. ((( وعاء توضع فيه الثياب. (2( أي أنه ينكر عليه جلوسه مع هؤلاء النسوة الأجنبيات (3( تلعثم يبحث عن عذر (4( أتى رضي الله عنه بعذر غير صحيح ؛ ليرر به فعله (5(

عدد الصفحات ١٠٦

(07 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس واتبعته، فألقى إليَّ رداءه، ودخل الأراك، كأني أنظر إلى بياض متنه في خــضرة الأراك، فقضى حاجته، وتوضأ، وأقبل، والماء يســيل من لحيته على صدره، فقال: أبــا عبد الله ما فعل شراد جملك؟ ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟ فلما رأيت ذلك ، فلما ﷺتعجّلت إلى المدينة، واجتنبت المسجد، ومجالسة النبي طال ذلك تحيّنت ساعة خلوة المسجد، فخرجت إلى المسجد، من بعض حجره، فجاء، ﷺوقمت أصلي، وخرج رسول الله فصلى ركعتين خفيفتين، وطولــت رجاء أن يذهب ويدعني، فقال: طوّلْ أبا عبد الله ما شــئت أن تطوّل، فلست قائماً حتى ، ﷺتنصرف، فقلت في نفسي: والله لأعتذرن إلى رســول الله ، فلما انصرفت قال: الســلام ﷺولأبرئن صدر رســول الله عليك يا أبا عبــد الله، ما فعل شراد جملــك؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أســلمت، فقال: رحمك .(((الله ثلاثاً، ثم لم يعد لشيء مما كان إنه درس رائع في التربية، والخطة الحكيمة المؤدية إلى النتيجة المطلوبة، ويمكن أن يؤخذ من القصة أيضاً الفوائد التالية: - المربيّ صاحب الهيبة يســتحيي منه مــن لابس المعصية إذا مرَّ به. ) وإسناده منقطع.4(46 رواه الطراني في الكب (((

عدد الصفحات ١٠٧

(08 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - إن نظرات، وســؤالات المربيّ -عــلى وجازتها وقصرها لها دلالاتها الكبيرة، وأثرها في النفوس. - عدم مناقشة العذر الملفّق لحظة سماعه -مع وضوح الثغرة فيه- والإعــراض عن صاحبه يكفي في إشــعار المخطئ بعدم قبوله، مما يدفعــه للتوبة والاعتذار، وهذا يؤخذ من قوله - المربيّ الجيد هو الذي يجعل المخطئ يشــعر بالاستحياء منه الموجب للتواري عنه، والحاجة إليه الموجبة للإتيان إليه، ثم يتغلب الثاني على الأول. - إن تغير الموقف من المخطئ ينبنــي -في مثل هذه الحالة- على إظهار اعترافه، ورجوعه عما حصل منه. - مراعاة ما هو مركوز في الطبيعة والجبلة البشرية: 38 ومن ذلك غيرة النســاء، وخصوصاً بــين الضرائر؛ فإن بعضهن قد تخطئ خطأ لو أخطأه إنســان في الأحوال العادية يراعي ﷺلكان التعامل معه بطريقة مختلفة تماماً، وقد كان النبي مسألة الغيرة بين نسائه وما ينتج عنها من أخطاء مراعاة خاصة يظهر منها الصر، والحلم مع العدل، والإنصاف، ومن أمثلة ذلك: ما رواه البخاري -رحمه الله- في صحيحه، عنْ أنسٍ ، فأرسلتْ إحدى أمّهاتِ عندَ بعضِ نسائهِ ﷺقالَ: كانَ النّبيُّ

عدد الصفحات ١٠٨

(09 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس في بيتهاﷺفيها طعامٌ، فضربتْ الّتي النّبيُّ (((المؤمنينَ بصحفةٍ فلقَ ﷺ، فسقطتْ الصّحفةُ، فانفلقتْ، فجمعَ النّبيُّ يدَ الخادمِ ، ثــمَّ جعلَ يجمعُ فيها الطّعامَ الّذي كانَ في الصّحفةِ، الصّحفةِ حتّى أتيَ بصحفةٍ (2(«ويقولُ منْ عندِ الّتي هوَ في بيتهــا، فدفعَ الصّحفةَ الصّحيحةَ إلى الّتي .(3(كسرتْ صحفتها، وأمسكَ المكسورةَ في بيتِ الّتي كسرتْ وفي رواية النســائي، عنْ أمِّ ســلمةَ: أنهّا أتــتْ بطعامٍ في وأصحابهِ، فجاءتْ عائشةُ متّزرةً ﷺصحفةٍ لها إلى رسولِ اللهِ ﷺ، ففلقتْ بهِ الصّحفةَ، فجمعَ النّبيُّ (4( بكســاءٍ، ومعها فهرٌ مرّتينِ، ثمَّ «، ويقولُبينَ فلقتيْ الصّحفةِ ، فبعثَ بها إلى أمِّ سلمةَ، صحفةَ عائشــةَﷺِ أخذَ رســولُ الله . (5(وأعطى صحفةَ أمِّ سلمةَ عائشةَ قال: أهدى بعض أزواج عن أنس وفي رواية الدارمي، ، وهو في بيت بعــض أزواجه، قصعة فيها ثريــدﷺالنبــي ، يأخذ الثريدﷺفضربــت القصعة، فانكسرت، فجعل النبي إناء واسع. ((( يعني أوقفه وأبقاه. (2( . )5225 البخاري (3( أي: حجر (4( )، وصححه70/7 كتاب عشرة النســاء من ســنن النســائي، المجتبى (5( الألباني في صحيح النسائي

عدد الصفحات ١٠٩

((0 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ، ثم«فــيرده في الصحفة، وهــو يقول انتظــر، حتى جــاءت بقصعة صحيحة، فأخذهــا، فأعطاها .(((صاحبة القصعة المكسورة وغيرةُ المرأة أمــر مركوز فيها يحملها على أمور شــديدة، ويحول بينها وبــين التبصر في عواقب الأمــور حتى قيل: إن المرأة إذا غارت لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. (.2640 سنن الدارمي (((

عدد الصفحات ١١٠

((( الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس وبعد هذه الجولة في رياض الســنة العطرة، والاطلاع ع شيء من الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس، يحسن قبل مغادرة الموضوع التذكير بالنقاط التالية: - تصويــب الأخطاء واجب ومهم، وهــو من النصيحة في الدين، ومن النهي عــن المنكر، ولكنه ليس كل الواجب، فــإن الدين ليس نهياً عــن المنكر فحســب؛ وإنما هو أمر بالمعروف أيضاً. - ليســت التربية هي تصويــب الأخطاء فقــط، وإنما هي تلقين وتعليــم وعرض لمبادئ الديــن، وأحكام الشريعة أيضاً، واستعمال الوسائل المختلفة؛ لتأسيس التصورات، وتثبيتها في النفوس من التربية بالقدوة والموعظة، والقصة والحدث، وغيرهــا، ومن هنا يتبين قصــور بعض الآباء والأمهات، والمدرســين والمربين بتوجيه جــلِّ اهتمامهم إلى معالجة الأخطاء، ومتابعــة الانحرافات، دون ترجيح الاهتمام بتعليم المبادئ والأســس، والمبــادرة بالتحصين

عدد الصفحات ١١١

((2 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس الذي يمنع وقوع الانحرافــات والأخطاء، ويبادرها قبل حدوثها أو يقلل منها. - يتضح مما ســبق ذكــره مــن المواقف والأحــداث تنوع الأســاليب النبوية في التعامل مع الأخطاء، وأن ذلك قد اختلف باختلاف الأحوال والأشــخاص، ومن كان لديه فقه وأراد الاقتداء قاس النظير على النظير، والشــبيه على الشــبيه، فيما يمرّ به من مواقف، وأحــداث؛ ليتوصل إلى الأسلوب المناسب للحالة المعينة. هذا، ونســأل الله ســبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفســنا، ويجعلنا مفاتيح للخــير مغاليق للشر، وأن يهدينا ويهدي بنا، إنه ســميع قريب مجيــب، وهو نعم المولى، ونعم النصير، والهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله عــلى النبي الأمي، وعلى آلــه وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. بهكت الـمنجدمحمـد صـالـح 2999الخر ص ب

عدد الصفحات ١١٢