المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ورسائل الدكتور سعيد الرقيب – . مسالك العلة في أحاديث الثقات

سعيد بن صالح الرقيب

صفحة ١ من ٣

9 مسالك العلة في أحاديث الثقات مستل من رسالة الدكتوراه د.سعيد تن صالح الرقية أستاذ هشارك في الحديث وعلوهه ، قسن الدراسات الإسلاهية ، تكلية الآداب والعلوم والإنسانية ، جاهعة الثاحة ، الوولكة العرتية السعودية. ssalghamdi@gmail.com

عدد الصفحات ١

10 المبحث الأول: تعريف العلّة لغة، واصطلاحاً . تعريف العلّة لغة : العلّة : مفرد تٚعو علل . والعلّة : بكسر العتُ وتشديد اللام ات١فتوحة ، وىي أصل تطلق في اللغة على ثلاثة معان ذكرىا ابن فارس :- الأول : التكرار والتكرير ، وىو الشربة الثانية ، ويقال علل بعد نهل . الثاني : العائق الذي يعوق ،قال ات٠ليل : العلة : حدث يشغل صاحبو عن وجهو . الثالث : الضعف في الشيء ؛ كات١رض ، قال ابن الأعرابي :" علّ ات١ريض يعل فهو عليل " (). وتطلق العلة ويراد بها السبب ، فيقال :" ىذه علتو أي : سببو ، وىذا علة ت٢ذا: أي سبب لو" (). وتطلق على ات١ادي وات١عنوي سواءً فتكون : كل وصف حل تٔحل وتغتَ بو حالو معاً (). تعريف العلّة اصطلاحاً : قال ابن الصلاح :" ىي عبارة عن أسباب خفية قادحة فيو – أي اتٟديث – " (). وقال النووي : " عبارة عن سبب غامض قادح ، مع أن الظاىر السلامة منو " (). ويتضح ت٦ا سبق أن العلة في الاصطلاح مقيدة بقيدين :- الأول : أن تكون خفية وغامضة ، وغتَ ظاىرة عند ت٣رد النظر في إسناد حديث أو متنو . الثاني : أن يكون ت٢ا أثر في قبول اتٟديث ؛ فتقدح فيو وتنقلو من حيز ات١قبول إلى ات١ردود . ويُشكِل على ىذا إطلاقُ العلّة خارج حدود ىذين القيدين ، أو تٔجيء العلّة كقيد يتعدى اتٟكم على اتٟديث إلى ات٢دف من اتٟكم عليو وىو العمل بو. ( ) معجم مقاييس اللغة مادة علل ، 4/13-15 . ( ) لسان العرب ، مادة علل ،11/467 . ( ) الكليات ص599 . ( ) مقدمة ابن الصلاح ص261 . ( ) التقريب والتيسير ص35 .

عدد الصفحات ٢

11 فمن إطلاقها خارج ىذين القيدين يقول ابن الصلاح :" بٍ اعلم أنو قد يطلق اسم العلة على غتَ ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في اتٟديث ات١خرجة لو من حال الصحة إلى حال الضعف ، ات١انعة من العمل بو على ما ىو مقتضى لفظ العلة في الأصل ، ولذلك تٕد في كتب العلل الكثتَ من اتٞرح بالكذب ، والغفلة ، وسوء اتٟفظ ، وت٨و ذلك من أنواع اتٞرح " (). وقال ابن حجر :" والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غتَ قادحة " (). وقال الصنعاني :" وكأن ىذا التعريف أغلبي للعلّة ، وإلا فإنو سيأبٌ أنهم يعلّون بأشياء ظاىرة غتَ خفية ولا غامضة ،ويعلون تٔا لا يؤثر في صحة اتٟديث "(). ويوجو ىذا الإشكال بصدر كلام الصنعاني وأن ىذا ىو الإطلاق الأغلبي ، أو أن المحدثتُ إذا تكلموا عن العلة باعتبار خلو اتٟديث منها يعد قيداً لا بد منو لتعريف اتٟديث الصحيح ، فإنهم في ىذه اتٟالة يطلقون العلّة ويريدون بها ات١عتٌ الاصطلاحي للعلّة ات٠اص ؛ وىو : السبب ات٠في القادح ، وإذا تكلموا في نقد اتٟديث بشكل عام فإنهم في ىذه اتٟالة يطلقون العلّة ويريدون بها : السبب الذي يعل اتٟديث بو : سواءً كان خافياً أم ظاىراً ، قادحاً أم غتَ قادح (). وأما ت٣يء العلة كقيد يتعدى اتٟكم على اتٟديث إلى العمل بو . قال ابن الصلاح :" وتٝى التًمذي النسخ علّة من علل اتٟديث " () ، فقد بتُ في آخر اتٞامع أن تٚيع ما فيو معمول بو خلا حديثتُ حديث ابن عباس :" أن النبي  تٚع ب الظهر ، والعصر بات١دينة ، وات١غرب ، والعشاء من غتَ خوف ، ولا سفر ، ولا مطر ، و حديث النبي  ":إذا شرب ات٠مر فاجلدوه ، فإن عاد في الرابعة فاتلوه " ، بقولو :"وقد بينا ( ) المقدمة ص 262 . ( ) النكت2/771 . ( ) توضيح الأفكار2/27 . ( ) ينظر كتاب : أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء – ماىر ياسين الفحل ص 17 . ( ) المقدمة ص262 .

عدد الصفحات ٣

12 علّة اتٟديثتُ تٚيعاً في الكتاب"() ، قال ابن رجب شارحاً لكلامو :" فإنما بّتُ ما قد يستدل بو للنسخ ، لا أنو ضعف إسنادهما " (). قال العراقي :" إن أراد التًمذي أنو – النسخ - علّة في العمل باتٟديث فهو كلام صحيح ، وإن أراد أنو علّة في صحة نقلو فلا ، لأن في الصحيح أحاديث كثتَة منسوخة "() والاحتمال الأول أقرب إلى صنيعو في تٗريجو ت٢ذين اتٟديثتُ فبعد أن أخرج اتٟديثتُ ذكر حديثاً معارضاً لكل واحدٍ منهما وصدرهما ببيان وجو العمل بو عند الفقهاء فقال :" والعمل على ىذا عند أىل العلم ؛ أن لا يجمع بتُ الصلاتتُ إلا في السفر أو بعرفة " (). وأما حديث معاوية  فقد عارضو تْديث جابر  أن الن قال من شرب ات٠مر فاجلدوه ، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ، قال : بٍ أُبٌ النبي  بعد ذلك برجل قد شرب ات٠مر في الرابعة فضربو ولم يقتلو و قال :" وإنما ىذا في أول الأمر بٍ نسخ بعد " (). ( ) العلل الصغير ، الملحق بالجامع الكبير 6/227 . ( ) شرح علل الترمذي1/23 . ( ) فتح المغيث للعراقي ، ص120 . ( ) سنن الترمذي1/357 . ( ) سنن الترمذي4/39 .

عدد الصفحات ٤

13 الحديث المعلّ ،المعلل ، المعلول. المعلّ : اسم مفعول من علّ يعل وأعتل ، وأعلو الله فهو معل (). المعلل : فلا يوجد في كتب اللغة إلا تٔعتٌ أت٢اه بالشيء وشغلو بو ، ومنو تعليل الصبي بالطعام () . ويدكن استخدام ىذه اللفظة لتناسب ات١عتٌ الاصطلاحي للعلة إذا شبهنا علة اتٟديث بذلك ، وجعلنا الشبو الشغل لاشتغال المحدث تٔا في اتٟديث من العلل (). قال ات١لا علي القاري :" وجو الشبو الشغل فإن المحدث يشتغل تٔا فيو من العلل "(). وقد استخدمو تٚع ت٦ن صنف في علوم اتٟديث ، كابن الصلاح ، وابن كثتَ ، النووي ، والذىبي ، والعراقي ، وابن حجر () . المعلول : قال اتٟريري فيما يخطئ فيو العامة :" يقولون للعليل : معلول ، فيخطئون بو لأن ات١علول : ىو الذي سقي العلل وىو الشرب الثاني ، والفعل منو عللتو " (). وقال ابن سيده :" وباتٞملة فلست منو على ثقة ، ولا على ثلج () " (). قال ابن الصلاح :" وات١علول مرذول عند أىل العربية ، واللغة " (). وقال النووي :" إنو تٟن "(). ( ) القاموس المحيط ، ص 1338 ، مادة(( علل )). () لسان العرب 11/471 ، مادة(( علل )). ( ) مقدمة شرح علل الترمذي لابن رجب ، د . ىمام عبد الرحيم سعيد 1/21 ، وكتاب الحديث الضعيف د . عبد الكريم الخضير ص 230 . ( ) شرح شرح النخبة ص459 . () ينظر: مقدمة ابن الصلاح ص 259 ، الموقظة ص51 والنكت1/771 . ( ) درة الغواص ص588 . ( ) ثلج: ثلجت نفسي : كنصر وفرح ، ثلوجاً ، وثلجاً ، اطمأنت ، القاموس المحيط ص 233 ، مادة (( ثلج )). ( ) المحكم والمحيط الأعظم في اللغة 1/64 ، ولسان العرب11/471 .مادة(( علل )). ( ) المقدمة ص 259 . ( ) التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير ص35 .

عدد الصفحات ٥

14 لكن قد استخدمو تٚع من أىل العربية ، ومن المحدث . قال ات١طرزي :" رجل عليل : ذو علة ، ومعلول مثلو "(). قال ابن سيده : استخدم أبو إسحاق – الزجاج – لفظ ات١علول في ات١تقارب من تْور العروض ، واستعملو ات١تكلمون من اللغويتُ " (). وقال العكبري :" كل أمر يصدر عنو أمر آخر بالاستقلال أو بواسطة انضمام الغتَ إليو فهو علة لذلك الأمر ، والأمر معلول لو "(). وىذا موجود في كلام المحدثتُ كالبخاري ، وأبي داود السجستاني ، و التًمذي ، وابن حبان ، واتٟاكم، وابن عبد البر ، وات٠ليلي () . وأولل هه الأللاا معلّ . وقد استحسنو ورجحو من اللغويتُ اتٟريري فقال :" فأما ات١فعول من العلّة فهو معلّ "(). وقال العراقي :" والأحسن أن يقال فيو معلّ بلام واحدة ، لا معلل "(). الحديث المعلّ اصطلاحاً : قال اتٟاكم :" وإنما يعلل اتٟديث من أوجو ليس للجرح فيها مدخل فإن حديث المجروح ساقط واه ، وعلة اتٟديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا تْديث لو علة فيخفى عليهم علمو فيصتَ اتٟديث معلولاً "(). ( ) المغرب ص 326، مادة(( علل )). ( ) المحكم والمحيط الأعظم في اللغة 1/64 ، مادة(( علل )). ( ) الكليات ص 599 . ( ) ينظر حسب الترتيب: العلل الكبير للترمذي 1/206 ح365 ، رسالة أبي داود إلى أىل مكة ص34 ، وسنن الترمذي 1/163 ح164 ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان3/408 ح1125 ، معرفة علوم الحديث ص 59 ، التمهيد16/237 ، الإرشاد للخليلي1/322 . ( ) درة الغواص ص588 . ( ) التقييد والإيضاح ص96 . ( ) معرفة علوم الحديث ص175 .

عدد الصفحات ٦

15 بٍ جاء ابن الصلاح وحرر كلام اتٟاكم () بقولو :" اتٟديث الذي اطلع فيو على علة تقدح في صحتو ، مع أن ظاىره السلامة منها ، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجالو ثقات اتٞامع لشروط شروط الصحة من حيث الظاىر"(). وقال ابن حجر في أثناء تعداده لأنواع اتٟديث الضعيف :" بٍ الوىم إن اطلع عليو بالقرائن وتٚع الطرق فات١علل "() ، وىذا بيان لطريقة كشف العلة وليس تعريفاً ت٢ا. وأدق ما جاء من تعريفات ما قالو السخاوي :" فات١علل أو ات١علول : خبر ظاىره السلامة ، اطلع فيو بعد التفتيش على قادح " (). المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي :- سبق في أول ات١بحث بيان أن العلة في اللغة تطلق على ثلاثة معان ، ومناسبتها للتعريف الاصطلاحي ظاىرة : فعلى ات١عتٌ الأول : التكرار والتكرير : فإن العلة ناشئة من تكرار نظر المحدث وإعادتو في اتٟديث مرة بعد مرة . وعلى ات١عتٌ الثاني : العائق الذي يعوق ، فالعلة تقدح في صحة اتٟديث وتعيق طريق العمل بو . وعلى ات١عتٌ الثالث : الضعف في الشيء ، فاتٟديث ات١علّ مصاب تٔا يضعفو ويدخلو في عداد الأحاديث الضعيفة (). ( ) قال ابن حجر :" وىذا تحرير لكلام الحاكم في علوم الحديث ". النكت 1/771 . ( ) المقدمة ص259 . ( ) نخبة الفكر بأصل شرح الملا علي القاري ص458 . ( ) فتح المغيث1/261 . ( ) مقدمة شرح علل الترمذي لابن رجب ،د . ىمام عبد الرحيم سعيد 1/21 .

عدد الصفحات ٧

16 المبحث الثاني: أ مية علم العلل ، وفائدة دراسته. تكمن أهمية علوم اتٟديث في تٙرتو التي يؤدي إليها ؛ وىي ت٘ييز ات١قبول من ات١ردود ت٦ا ورد من حديث عن النبي  ؛ فحتى يحكم على حديث بالقبول لابد من توفر شروط ، وانتفاء موانع ، فالشروط التي يجب توفرىا للحكم بقبول اتٟديث ثلاثة : عدالة الرواة ، وت٘ام الضبط ، و اتصال السند. وات١وانع التي ت٘نع من اتٟكم بقبول اتٟديث اثنان : عدم الشذوذ ، و عدم العلة والشروط قد استوعبتها مصنفات علوم اتٟديث ، بدءً من ات١صنفات التي صنفت في بيان مراتب الرواة من حيث العدالة في الدين والاستقامة على منهج أىل السنة ، وكون الراوي معروف العتُ واتٟال عند ات١زكتُ لرواة الأخبار من المحدثتُ ، وبينت تلك ات١صنفات مكانة كل راو من حيث تٖمل اتٟديث وضبطو لو عند الأداء ، كما تكلمت عن خصيصة من خصائص تراجم الرواة ؛ وىي بيان من لقيو من العلماء ومن أخذ عنو من التلاميذ ت١عرفة اتصال السند بتُ طبقات الرواة ؛ وذلك حتى تنتفي شبهة الانقطاع في الإسناد بتُ الرواة ، وىذه الشروط وتطبيقها عند الكلام على إسناد حديث ما أصبحت ظاىرة ويستَة من خلال النظر في كتب الرجال ؛ فمنها يدكن اتٟكم على راوٍ ما بالطعن في عدالتو باتٞهالة أو البدعة ، ويدكن معرفة الانقطاع في إسناد اتٟديث بتحديث الراوي عمن لم يلقو أو يعاصره ، أما إذا توافرت تلك الشروط وطبقت ت٤تًزاتها ات١تشعبة ات١عروفة يدكن اتٟكم بقبول حديث ما ، ولكن بقي اتٞزء الأصعب والأىم وات٠في وىو انتفاء ات١وانع والتي تكون في غالب الأحوال خافيةً وغامضةً على كثتَ ت٦ن ينظر نظرة غتَ دقيقة في إسناد اتٟديث الذي بتُ يديو . ولذلك عد العلماء الكلام في العلل قدراً زائداً عن ت٣رد النظر في كتب اتٞرح والتعديل وتطبيق ظاىر الشروط عند اتٟكم على إسناد حديث ما قال اتٟاكم :" معرفة علل اتٟديث ، ىو علم برأسو غتَ الصحيح والسقيم ، واتٞرح والتعديل " (). ( ) معرفة علوم الحديث ص 174 .

عدد الصفحات ٨

17 ولأهمية ىذا العلم وجلالة قدره حرص عليو اتٟفاظ من علماء اتٟديث حتى صارت ات١سألة الواحدة من ىذا العلم ذات شأن كبتَ ومنزلة عالية عند من يقف عليها من العلماء ، ويكون ىذا العلم مقدماً على الرواية المجردة للأحاديث يقول عبد الرتٛن بن مهدي :" لأن أعرف علة حديث ىو عندي ، أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي "(). وت٧د الواحد منهم يفرح كثتَاً عندما يوقفو غتَه على علة من العلل ، وتٕعلو يصدر شهادة تقدير وإجلال ت١ن أفاده إياىا فهذا الإمام مسلم بن اتٟجاج بعد أن أبان لو البخاري علة حديث كفارة المجلس يقبل بتُ عينيو ويقول :" دعتٍ حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثتُ وطبيب اتٟديث في عللو" (). وأصبح العلماء ات١تبحرون في ىذا الفن مرجعاً ت١ن يصنف كتاباً في اتٟديث لأخذ الإجازة منهم فهذا الإمام مسلم مع جلالة قدره وت٘كنو في ىذا العلم يعرض كتابو الصحيح علي أبي زرعة الرازي يقول مسلم :" عرضت كتابي ىذا على أبي زرعة الرازي ، فكل ما أشار أن لو علة تركتو ، وكل ما قال أنو صحيح وليس لو علة خرّجتو " () ، وذلك لأن ىذا العلم لو مزية خاصة فأصبح كات١يزان الذي يعرف بو ات٠طأ والصواب ، والصحيح والسقيم ت٦ا يضاف إلى النبي  . وموت العام ثلمة لا يعرف عظمها وجلل ات١صاب بها إلا من يعرف أهمية العلم وقدر حاملو ، يقول أبو حابً الرازي عن أبي زرعة :" ذىب الذي كان يحسن ىذا ات١عتٌ – علل اتٟديث – يعتٍ أبا زرعة ، ما بقي تٔصر ولا بالعراق أحد يحسن ىذا " (). ويزيد ىذا العلم أهمية أنو من العلوم الغامضة ، التي تٖتاج إلى سعة رواية ، وذىن ثاقب ، وفهم دقيق ، يقول ابن حجر :" وىو من أغمض أنواع علوم اتٟديث وأدقها مسلكاً ، ولا ( ) علل الحديث لابن أبي حاتم 1/9، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص175، والجمع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب 2/250 . ( ) تاريخ بغداد13/102 ، سير أعلام النبلاء12/432 . ( ) صيانة صحيح مسلم ، لابن الصلاح ص67 ، و شرح مقدمة صحيح مسلم للنووي1/15، وسير أعلام النبلاء 12/568 . ( ) الجرح والتعديل ، المقدمة ص356 .

عدد الصفحات ٩

18 يقوم بو إلا من رزقو الله تعالى فهماً ثاقباً وحفظاً واسعاً ، ومعرفة تامة تٔراتب الرواة" () ، ولذلك أضحى الكلام فيو عند من لا يعرف حقيقتو يعد ضرباً من الكهانة ، وفسره العلماء بأنو أمر يهجم على قلوبهم لا يدكنهم رده ، وىيئة نفسانية لا معدِل عنها" (). وت٦ا يُظهر أهمية ىذا العلم ما جاء من أقوال أىل العلم في بيان أهميتو ، وشرفو ، وعزتو ، وأن لو شأناً خاصاً يختلف فيو عن بقية علوم اتٟديث ومن ذلك :- قال ات٠طيب البغدادي:" معرفة العلل أجل أنواع علم اتٟديث " (). وقال ابن الصلاح :" اعلم أن معرفة علل اتٟديث من أجل علوم اتٟديث وأدقها وأشرفها، وإنما يضطلع بذلك أىل ات٠برة والفهم الثاقب " (). وقال ابن رجب :" وقد ذكرنا في كتاب العلم فضل علم علل اتٟديث ، وشرفو ، وعزتو ، وقلة أىلو ات١تحققتُ بو ،من بتُ اتٟفاظ والمحدثتُ "() . ونظراً لأهمية ىذا الفن وشدة اتٟاجة إليو فقد اعتتٌ العلماء بالتصنيف فيو حيث توالت ات١صنفات فيو على مدى تاريخ علوم اتٟديث ، قال ابن رجب :" وقد صنفت فيو كتب كثتَة مفردة " () ، وقد أحصى أحد الباحثتُ ما وقف عليو من مطبوع وخطوط وما ذكر في كتب التًاجم وغتَىا فوجدىا تربو على أربعة وستتُ كتاباً (). وأصبح التأليف فيو تٝة من السمات التي يثتٌ بها على العالم ، قال ابن كثتَ :" ومن أحسن ما وضع في ذلك وأجلو وأحفلو كتاب العلل لعلي بن ات١ديتٍ شيخ البخاري ، وسائر المحدثتُ بعده في ىذا الشأن عيال عليو " () ، وقال الذىبي :" قال أبو بكر البرقاني : كان الدارقطتٍ يدلي عليّ العلل من حفظو ، قلت: إن كان كتاب العلل ات١وجود قد أملاه الدارقطتٍ ( ) نزىة النظر ص 47 . ( ) من كلام السخاوي في فتح المغيث 1/236 . ( ) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع2/294 . ( ) المقدمة ص259 . ( ) شرح علل الترمذي2/805 . ( ) شرح علل الترمذي2/805 . ( ) مرويات الإمام الزىري المعلة1/101-104 ، د. عبد الله بن حسن دنمفو ( ) اختصار علوم الحديث ص 64 .

عدد الصفحات ١٠

19 من حفظو كما دلت عليو ىذه اتٟكاية فهذا أمر عظيم يقضى بو للدارقطتٍ أنو أحفظ أىل الدنيا "(). وت٦ا يظهر أهمية ىذا العلم وشرف مكانتو الفوائد التي تٕتٌ من فهمو وتطبيق قواعده ، ومن تلك الفوائد :- ٔ- معرفة منزلة الرواة في الضبط والحفظ. يعتمد كثتَ من علماء اتٞرح والتعديل على علم علل اتٟديث في أحكامهم على الرواة ، وذلك تّمع أحاديث الراوي وعرضها على روايات غتَه فكلما كان الراوي موافقاً لغتَه دلّ ذلك على ضبطو وإتقانو ، وكلما خالف دل ذلك على قلة ضبطو وسوء حفظو . يقول مسلم رتٛو الله :" وكذلك من الغالب على حديثو ات١نكر أو الغلط أمسكنا أيضاً عن حديثهم وعلامة ات١نكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايتو للحديث على رواية غتَه من أىل اتٟفظ والرضا خالفت روايتو روايتهم أو لم تكد توافقها فإذا كان الأغلب من حديثو كذلك كان مهجور اتٟديث غتَ مقبولة ولا مستعملة "(). يقول يحتِ بن معتُ :" قال لي إتٝاعيل بن علية يوماً كيف حديثي ؟ . قلت :" أنت مستقيم اتٟديث ". فقال لي : " وكيف عرفتم ذلك ؟ ". قلت لو :" عارضنا بها أحاديث الناس ، فرأيناىا مستقيمة ". قال :" فقال : اتٟمد لله " (). ٕ- بيان أخطاء الثقات . فميدان ىذا العلم الذي يجول فيو ىو أحاديث الثقات قال اتٟاكم :" وعلة اتٟديث يكثر في أحاديث الثقات " ()، فمن يقف على حديث يرويو أحد الثقات يطمئن إلى ضبطو ( ) سير أعلام النبلاء 16/455 . ( ) مقدمة صحيح مسلم ص7 . ( ) سؤالات ابن محرز2/39 . ( ) معرفة علوم الحديث ص175 .

عدد الصفحات ١١

20 وإتقانو ، فيحكم بصحة ماروى ، وليس من شرط الثقة ألا يخطئ ، قال الإمام أتٛد :" كان مالك من أثبت الناس ، وكان يخطئ ". وقال ابن ات١بارك :" من يسلم من الوىم " (). قال مسلم " فليس من ناقل خبرٍ وحامل أثرٍ من السلف ات١اضتُ إلى زماننا - و إن كان من أحفظ الناس، و أشدىم توقياً و اتقاناً ت١ا يحفظ و ينقل - إلا الغلط و السهو ت٦كن في حفظو و نقلو "(). ويدكن الوصول إلى معرفة خطأ الثقة تّمع طرق اتٟديث ، فإذا وافق الثقة بقية الرواة فبها ونعمت ، وأما إذا تفرد أو خالف غتَه فحينئذ ينظر إلى مكانتو بينهم بٍ بات١فاضلة بينو وبتُ غتَه ت٦ن خالفو ، قال ابن الصلاح :" ويستعان على إدراكها – أي العلة – بتفرد الراوي ، وتٔخالفة غتَه لو ……. وت٢ذا اشتملت كتب علل اتٟديث على تٚع طرقو "(). ويقول ات٠طيب :" والطريق إلى معرفة علة اتٟديث أن يجمع بتُ طرقو ، وينظر في اختلاف رواتو ، ويعتبر تٔكانهم من اتٟفظ ، ومنزلتهم من الإتقان والضبط "(). ٖ- بيان المقبول من المردود من الحديث. جعل العلماء رتٛهم الله تعالى خلو اتٟديث من العلة شرطاً في صحتو ، فإذا طُبق منهجُ المحدثتُ في اتٟكم على اتٟديث لا يدكن أن يتطرق إلى السنة النبوية ما ليس منها. قال ابن رجب رتٛو الله :" وأما أىل العلم وات١عرفة والسنة واتٞماعة فإنما يذكرون علل اتٟديث نصيحة للدين وحفظاً لسنة النبي  ، وصيانة ت٢ا ، وت٘ييزاً ت٦ا يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوىم ، ولا يوجب ذلك عندىم طعناً في غتَ الأحاديث ات١عللة ، بل تقوى بذلك الأحاديث السليمة عندىم لبراءتها من العلل وسلامتها من الآفات ". و قال :" اعلم أن معرفة صحة اتٟديث وسقمو تٖصل من وجهتُ : ( ) شرح علل الترمذي 1/94 . ( ) التمييز ص120 . ( ) المقدمة ص260 . ( ) الجامع لأخلاق الراوي والسامع2/296 .

عدد الصفحات ١٢

21 أحدهما: معرفة رجالو وثقتهم وضعفهم ومعرفة ىذا ىَتُّ ؛لأنّ الثقات والضعفاء قد دونوا في كثتٍَ من التصانيف وقد اشتهرت بشرح أحوات٢م التواليف. والوجو الثاني : معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إمّا في الإسناد وإمّا في الوصل والإرسال وإمّا في الوقف والرفع وت٨و ذلك وىذا ىو الذي يحصل من معرفتو وإتقانو وكثرة ت٦ارستو الوقوف على دقائق علل اتٟديث " () . وقال ابن كثتَ في نوع ات١علل من اتٟديث :" فمن الأحاديث ات١روية ما عليو أنوار النبوة ، ومنها ما وقع فيو تغيتَ لفظ أوزيادة باطلة ، أو ت٣ازفة أو ت٨و ذلك ، يدركها البصتَ من أىل ىذه الصنعة "() . ٗ- الفصل في الأحاديث المختلف فيها. فقد يرد حديث ما من طريق راوٍ واحد بروايات متباينة في سند اتٟديث أو متنو ، فإن كان الراوي ثقة فلا يتصور أن يروى اتٟديث الواحد على أوجو ت٥تلفة لا يدكن اتٞمع بينها فيقع الناظر في ىذه الروايات في حتَة عند الرغبة في اتٟكم عليها ، أ معرفة الراجح منها ، ولا سبيل للفصل في الاختلاف بينها إلا بتطبيق قواعد ىذا العلم . قال مسلم :" و اتٞهة الأخرى أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزىري أو غتَه من الأئمة بإسناد واحد و متن واحد، ت٣تمعون على روايتو في الإسناد و ات١تن، لا يختلفون فيو في معتٌ، فتَويو آخر سواىم عمن حدث عنو النفر الذين وصفناىم بعينو فيخالفهم في الإسناد أو يقلب ات١تن فيجعلو تٓلاف ما حكى من وصفنا من اتٟفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتتُ ما حدث اتٞماعة من اتٟفاظ، دون الواحد ات١نفرد و إن كان حافظاً، على ىذا ات١ذىب رأينا أىل العلم باتٟديث يحكمون في اتٟديث، مثل شعبة و سفيان بن عيينة و يحتِ بن سعيد و عبد الرتٛن بن مهدي و غتَىم من أئمة أىل العلم "(). وقال العلائي أثناء كلامو عن الاختلاف الوارد في حديث ذي اليدين الذي اختلف فيو على الزىري ، :" فيتعتُ حينئذٍ إما اتٞمع أو التًجيح بينها بوجو ما ، وىذا يتعلق بقاعدة شريفة ()شرح علل الترمذي 2/663 . ( ) الباعث الحثيث ص39 . ( ) التمييز ص5 .

عدد الصفحات ١٣

22 عظيمة اتٞدوى في علم اتٟديث: وىي الاختلاف الواقع في ات١تون تْسب الطرق ورد بعضها إلى بعض إمّا بتقييد الإطلاق أو تفستَ المجمل أو التًجيح حيث لا يدكن اتٞمع أو اعتقاد كونها وقائع متعددة (). ومن أهميتو أن اتٟديث قد يرد مرة مسنداً ومرة مرسلاً أو يختلف اسم الصحابي فمرة عن أنس ومرة عن عبدالله بن عباس مثلاً فيظن الناظر فيهما اديء الرأي أنو متابع أو شاىد وىو في الأصل سند واحد اضطرب فيو راويو؛ قال ابن دقيق العيد :" لأن ات١عروف عندىم أن الطريق إذا كان واحداً ورواه الثقات مرسلاً وانفرد ضعيف برفعو أن يعللوا ات١سند بات١رسل ويحملوا الغلط على رواية الضعيف " (). وقال العلائي: "بعض ات١راسيل رويت من وجوه متعددة مرسلة والتابعون فيها متباينون فيظن أن ت٥ارجها ت٥تلفة وأن كلاً منها يعتضد بالآخر بٍ عند التفتيش يكون ت٥رجها واحداً ويرجع كلها إلى مرسل واحد " () . ومن أهميتو أنو يدرس الأحاديث مبيناً طرقو واختلاف الرواة فيو وىذا من أعلى مراتب التصنيف فيو. قال ابن الصلاح:" إنّ من أعلى ات١راتب في تصنيفو - أي اتٟديث - معللاً بأن يجمع في كل حديث طرقو واختلاف الرواة فيو كما فعل يعقوب بن شيبة في مسنده " (). ٘- الرد على الطاعنين في منهج المحدثين في نقد الحديث. فقد صدر عن تٚع من الطاعنتُ في سنة النبي  التشكيك في منهجية علماء اتٟديث تٚع سنة النبي  ، وعلم علل اتٟديث بنظرياتو ات١بثوثة في كتب مصطلح اتٟديث ، وبتطبيقاتو الدقيقة في كتب الرواية ، وفي ات١صنفات التي كتبت في علم العلل ، ترد على تلك الشكوك والتخرصات التي صدرت ت٦ن أعماه الباطل عن رؤية ىذه ات١نهجية الفريدة والتي لم يعرف ت٢ا التاريخ مثيلاً في التحقق من صحة النصوص والنقول. () نظم الفرائد لما تضمنو حديث ذي اليدين من الفوائد 111 ـ112 . ()نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي3 /8 . ()جامع التحصيل في أحكام المراسيل45 . () المقدمة ص434 .

عدد الصفحات ١٤

23 المبحث الثالث: مسالك العلة . تسلك العلة عدة مسالك لتقدح في الإسناد أو ات١تن ، أو فيهما معاً ، ومن تلك ات١سالك :- 1- النسيان. النسيان :" ىو غفلة القلب عن الشيء تْيث يحتاج إلى تٖصيل جديد " أو " زوال الصورة عن القوة ات١دركة ، مع بقائها في اتٟافظة " () ، وىذا ات١سلك للعلة ناتج عن الضعف البشري الذي لا يسلم منو أحد ، فقد ينسى الراوي شيئاً ت٦ا كان يحفظو ، أو يحدث تٔا يذكره في حينو غافلاً عن الوجو الصحيح للرواية. قال ابن تيمية :" ومنها أن يكون المحدث قد نسي ذلك اتٟديث فلم يذكره فيما بعد أو أنكر أن يكون حدث بو معتقداً أن ىذا علة توجب ترك اتٟديث " (). قال شعبة:" قال لي تٛاد بن أبى سليمان :" يا شعبة لا توقفتٌ على إبراىيم فإن العهد قد طال وأخاف أن أنسى أو أكون قد نسيت " (). قال اتٟميدي : " كان سفيان ابن عيينة يحدث تْديث عن عاصم بن كليب ، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري ، عن أبيو  ، فقيل لو: إنما يحدثونو عن أبي بردة بن أبي موسى ، فقال : أما الذي حفظت أنا فعن أبي بكر فإن خالفوني فيو فاجعلوه ، عن ابن أبي موسى ، فكان سفيان بعد ذلك رتٔا قال : عن ابن أبي موسى ، ورتٔا نسي فحدث على ما تٝع عن أبي بكر " (). و يكون النسيان مسلكاً من مسالك العلة إذا نتج عنو اختلاف بتُ ما ثبت عن الراوي أنو قد حدث بو ، وتُٛل عنو ، و نسيو تٔرور الزمن ، فلا يذكر ذلك اتٟديث أو يسئل عنو فينكره ، أو يعمل تٓلافو ، فتعل إحدى الروايات تٔا يخالفها . 2- خطأ الراوي ، وو مه. ( ) الكليات ص 506 . ( ) رفع الملام ص5 . ( ) الجرح والتعديل1/166 . ( ) مسند الحميدي1/29 ، وأخبار المكيين ص409 .

عدد الصفحات ١٥

24 الوىم لغة:" وىم القلب واتٞمع أوىام ،وتوهمت في كذا وأوهمتو أي أغفلتو ووىم يوىم وهما أي : غلط " (). قال الكفوي في بيان ورود أمر ما :" إن كان طرف الوقوع على السوية فهو الشك ، وإن كان أحد الطرفتُ راجحاً والآخر مرجوحاً ، فات١رجوح يسمى وهماً ، والراجح يسمى ظناً ". وقال الفتَوزآبادي الوىم :" مرجوح طرفي ات١تًدد "(). وقال التهانوي :" الوىم : بالفتح وسكون ات٢اء قد يطلق على الاعتقاد ات١رجوح "(). الوىم عند المحدثتُ :" رواية اتٟديث على سبيل التوىم " (). فكأن الراوي روى اتٟديث على الوجو ات١رجوح ، متوهماً صحتو ، قال عبد الرتٛن بن مهدي :" الناس ثلاثة رجل : حافظ متقن فهذا لا يختلف فيو ، وآخر يهم والغالب على حديثو الصحة فهو لا يتًك ولو ترك حديث مثل ىذا لذىب حديث الناس ، وآخر الغالب على حديثو الوىم فهذا يتًك حديثو "(). وقال اتٟاكم :" فان ات١علول ما يوقف على علتو أنو دخل حديث في حديث أو وىم فيو راو أو أرسلو واحد فوصلو واىم "(). وقد كثر في كلام أىل العلم بالعلل وصف غلط الراوي وخطئو بالوىم ، قال مسلم :" وسألت أن أذكر لك في كتابي رواية أحاديث ت٦ا وىم قوم في روايتها فصارت تلك الأحاديث عند أىل العلم في عداد الغلط وات٠طأ " (). ومن الأمثلة على أن الوىم يعد مسلكاً من مسالك العلل ما يلي :- ( ) العين 4/100 . ( ) القاموس المحيط ص1507 . ( ) كشاف اصطلاحات الفنون2/1808 . ( ) شرح شرح النخبة للملا علي القارئ ص455 . ( ) التمييز لمسلم ص179 ، و شرح علل الترمذي1/109 . ( ) معرفة علوم الحديث ص183 . ( ) التمييز ص170 .

عدد الصفحات ١٦