العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 182 إشكالي ّةّالبديعّوإعجازّالقرآنّ رؤيةّ(الباقلاني)ّمثالاّّ ّ ّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّأ.ّد.ّفاضلّعبودّخميسّالتميميّ ّّّّّّّّّّّكليةّالتربية:الأصمعيّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ جامعةّديالىّ ّ هدف الدراسة : تسعى هذه(الدراسة )إلى قراءة علاقة (البديع) بقضيّة(الإعجاز)التي تبناها الباقلاني(304هـ) في كتابه(إعجاز القرآن )( )،وهي تدرك أن البحث في الإعجاز البلاغي صار ((منحى قائم الذات يُــفتتح الحديث فيه في الغالب بديباجة تُذكّر بالأوجه الإعجازية الأخرى المقبول منها، والمرفوض كما نجد عند علماء القرن الرابع :الرماني (483هـ)،والخطابي(488هـ)،و الباقلاني ))( )،ليكتمل في القرن الخامس على يد عبد القاهر الجرجانيّ (37 هـ) خطابا له مقدمات،ونتائج. البديع في اللغة: الجديد، والبارع، والعجيب (4)، وكان القدماء قد فهموا البديع على ما يرى باحث معاصر :((درجة خاصة من التمييز، يظفر بها الفنان المبدع))(3)، ولهذا شاع في الأدب العربي، ولاسيّ ما في العصر العباسي إلى درجة لافتة النظر، علّ لها عدد من النقاد المعاصرين، و ردوها إلى أسباب مختلفة ( )، وكان ابن المعتز(93 هـ) قد استدلّ أن البديع موجود ((في القرآن، واللغة، وأحاديث رسول الله(صلى الله عليه وسلم )، و كلام الصحابة، و الأعراب، و غيرهم،و أشعار المتقدمين))(3)،وبهذا الإستدلال حسم القول في قضيّة شغلت علماء العربيّة ردحا من الزمن . والبديع في عهد الباقلاني لا يراد به العلم الثالث من علوم البلاغة تلك التي وضع تقسيماتها الدقيقة القز ويني (749هـ) فيما بعد في كتابه (الإيضاح...)(7)، وا نما علوم البلاغة بعامة، وهو ما يعنيه هذا البحث ؛ و لهذا فالبديع يشمل الاستعارة،و التشبيه فضلا عن الفنون الأخرى، لا علم البلاغة الذي هو في لغة
عدد الصفحات ١العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 181 الاصطلاح عند القزويني قسيم علمي البيان ،والمعاني الذي :(( يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال، ووضوح الدلالة ))(8). أماالإعجاز عند الباقلاني فـ((ينفرد به الخالق ))(9)، و هو من المعجزة التي هي في لسان الشرع أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة (0)،عام في سائر العصور،لا يحدّه زمن ، ولا يستوعبه مكان ،وقد وُفق السكاكي(3 3هـ) حين وصف الإعجاز بأنه((عجيب يدرك،ولا يمكن وصفه،كاستقامة الوزن :تدرك ولا يمكن وصفها ،وكالملاحة))( )،وهو وصف يتناسب وبراعة الموصوف . المدخل: كان الباقلاني من أوائل علماء البلاغة الذين عنوا بدراسة إعجاز القرآن فهو برأيه أحق بالدرس بكثير مم ا صنف علماء العربيّ ة في علوم كثيرة ( )،وقد نوّه بطريقة نقديّة عن تقصير قسم من أولئك العلماء في دراسة الإعجاز((حتى أدى ذلك إلى تحوّل قوم منهم إلى مذاهب البراهمة ))(4)،وهو بهذا النقد الصريح أراد أن يؤكد قضيّة مؤداها ((أن الحديث في الإعجاز لا ينتهي،والقول فيه يت نامى مع الزمان،والمكان،ويجد الباحث فيه وجها يتناسب مع سلاسة تفكير العصر،وثقافة الجيل الذي يدور الحديث فيه حوله،وهذه نظرة من الباقلاني تنبئ عن واسع فكره ،وا ن أخذ عليه بعض الباحثين أنه يتهم غيره بالتقصير ))(3)،وقد أثبت الباقلاني بالبحث ،والمدارسة وحدانيّة الله بوساطة(الإعجاز البلاغي ) فهو-مثلا- حين أمعن النظر في قوله تعالى:((أم يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، وأن لا اله إلا هو، فهل انتم مسلمون)) هود 4- 3،قال:((فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه، ودليلا على وحدانيته))( )،وبهذه الملاحظة،وغيرها استطاع أن يستنبط إشارات الإعجاز من القرآ ن نفسه. و كان الباقلاني في كتابه قد نقل أوجه الإعجاز القرآني عن (الأشاعرة ) جماعته في المنهج ،والتفكير الذين سمّ اهم (أصحابنا)،وعن غيرهم وهي عنده(3) : أو: الإخبار عن الغيوب.
عدد الصفحات ٢العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 182 ثانيا: الإخبار عن قصص السابقين. ثالثا: كون القرآن بديع النظم عجيب التأليف، وهذا الوجه بُ نى عليه مجمل تصوراته البلاغية في هذه المسألة المهمّة، فبديع نظمه المتضمن لفكرة الإعجاز يكمن في وجوه لعلّ م ن أهمها أنّ نظم القرآن ((خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم [الهاء يعود على العرب ]، ومباين من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميّز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد))(7)،وقد بيّن الباقلاني أن((نظم القرآن جنس متميّز، وأسلوب متخصّص، وقبيل عن النظير متخ لّص))(8)، وأضاف:((فأما نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه في جهته، وتحار في بحره، وتضلّ دون وصفه))(9). بالعودة إلى الوجه الأخير(الثالث) فإن (الباقلاني) تجاوز فيه دور الناقل إلى دور المحلّل،والمعلّل حين دقّق النظر في بلاغة القرآن الكريم، واجدا فيها الأوجه الإعجازيّ ة التي تحيل على طبيعة نظمه، وأسلوبه، وقد وفق في مسألة إخراج القرآن من نُظِم تجنيس الكلام الأدبي عند العرب حين عدّه خارجا عن شكل النثر، والشعر؛ لأنه جنس متميز((ليس من باب السَجْع ،ولا فيه شيء منه ،وكذلك ليس من قبيل الشعر ... إذا تأمله المتأمل تبين - بخروجه عن أصناف كلامهم،وأساليب خطابهم - أنه خارج عن العادة ، وأنه معجز ))(0)،وذلك برأيه السديد سر تفرّده. الإعجاز البلاغي: يُعد كتاب(إعجاز القرآن ) للباقلاني منزلة مهمّ ة في تاريخ التأليف في القرآن،ووقفة علميّة ((عَ بَ رَ عليها حديثُ بلاغة القرآن من أفكار تدور على ألسنة العلماء، والأدباء، ينقلها واحد عن آخر، وآراء متشعّ بة فرديّ ة إلى أفكار ثابتة منظّ مة في أسلوب علميّ سليم))( )،ضمّه كتاب قائم بذاته بلور فيه مؤلّ فه ((مسائل المدرسة الأشعريّة،وصاغ آراءها في وضوح ودقة أمام المدرسة الاعتزالية ))( )،ليشكّل فيه متنا حافلا برؤى الإعجاز،والنقد معا . لقد أفاض الباقلاني البحث في (الإعجاز البلاغي) بوصفه وجها مهمّ ا من وجوه البلاغة العربية التي دافعت عن حقيقة القرآن،وصحّة العقيدة محددا وجوهه في:
عدد الصفحات ٣العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 182 أ- ما يرجع إلى بلاغة القرآن جميعه . ب- ليس للعرب كلام مشت مل على هذه الفصاحة والغرابة، ولهذا صار القرآن معجزا عندهم. ت-إن بديع تأليف القرآن لا يتفاوت، ولا يتباين، بخلاف خطابات العرب . ث- إن كلام الفصحاء يتفاوت في الفصل والوصل، والعلو والنزول، والتقريب، والتبعيد، فهو نازل دون القرآن الكريم . ج-إن نظم القرآن يخرج عن عادة كلام الجن والإنس، فهو فريد في نمطه، ونوعه ولهذا صار معجزا . ح-إشتمال القرآن الكريم على جميع أنواع خطابات العرب، وتجاوزه المعتاد عندهم . خ-إن معاني القرآن الكريم مما تتعذّ ر على البشر وتمتنع؛ ولهذا صار معجزا . د-الكلمة في القرآن الكريم يتمثل بها البشر في تضاعيف كلامهم دائما. ذ-إن حروف العربية تسعة وعشرون حرفا، وعدد السور التي افتُتِحَ ف يها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة ، وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور أربعة عشر حرفا، فهذه الإحصاءات الدقيقة أعطت فكرة عن سرّ القرآن، وا عجازه، وعلاقة الإعجاز بحروف العربيّ ة التي عدّ ها تسعا وعشرين بعد إضافة الهمزة إليها، أي إنها ثمان ية وعشرون ضعف عدد الحروف المقطعات في أول السور،فالعدد(3)وضعفه لم يأتيا اعتباطا في سياقات الكتاب العزيز، وا نما جاءا ليدعما فكرة الإعجاز العددي في القرآن الكريم، وهي مسألة لا يمكن فصلها عن بلاغة القرآن . ر- سهولة القرآن، وخروجه عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر (4). إن تحديد وجوه الإعجاز البلاغي، وحصرها مهمة نجح الباقلاني في إدراكها، بعد سلسلة من المحاولات الب حثية التي بُدأت على يد الرماني الذي أدرك أن البلاغة في أبوابها العشرة وجه من وجو ه الإعجاز القرآني (3)، والخطابي(488هـ)الذي رأى أنّ القرآن صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ( )،ثم أبي هلال العسكري (49 هـ) الذي أكّد((أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة،و أخلّ بمعرفة
عدد الصفحات ٤العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 182 الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصّه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب، وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، وضمّ نه من الحلاوة، وجلّ له من رونق الطلاوة، مع سهولة كَلِمِهِ وجزالتها، وعذوبتها، وسلاستها إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها، وتحيّرت عقولهم فيها))(3) . تلك المحاوت كان لها أثر كبير في تحديد متعلقات الإعجاز عند الباقلاني ((في نظم الحروف التي هي دلالات وعبارات عن كلامه ،والى مثل هذا النظم وقع التحدي))(7)،وقد أسهب الباقلاني في تفسير دلالة (نظم الحروف ) في كتاب آخر حين قال:((ليس الإعجاز في نفس الحروف – يريد الألفاظ - ،و ا نما هو في نظمها وا حكام رصفها ،وليس رصفها أكثر من وجودها متقدمة ،أو متأخرة ،ومترتبة في الوجود ،وليس لها نظم سواها ،وهو كتتابع الحركات ،ووجود بعضها قبل بعض ،ووجود بعضها بعد بعض ))(8)،فالقرآن معجز على رأيه لأنه ((لا يقدر العباد عليه ،وقد ثبت أن المعجز الدال على صدق النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح دخوله تحت قدرة العباد ،وا نما ينفرد الله تعالى بالقدرة عليه))(9)،وقد ذهب مذهب أصحابه الأشاعرة في تحديد مقدار المعجز من القرآن بـ ((السورة قصيرة كانت أو طويلة أو ما كان بقدرها ...وا ن كانت سورة الكوثر فذلك معجز ))(40)،وهذا يعني -عنده- أن القرآن كلّه معجز؛ لأنه مجموعة من السور،وهو القائل :((اعلم أنّا لم نقصد فيما سطّرناه من الآيات،وسمّيناه من السور،والدلالات،ذكر الأحسن ،والأكشف،والأظهر؛لأنّا نعتقد في كلّ سورة ذكرناها ،أو أضربنا عن ذكرها اعتقادا واحدا في الدلالة على الإعجاز ))(4 ). هذه المسائل وغيرها كانت مهادا فكريا بنى عليه العلماء نظرهم فيما بعد وهم يتدارسون فكر الإعجاز لاسيّما :عبد الجبار الأسدآبادي(3 هـ) في كتابه (المغني في أبواب العدل والتوحيد)،وعبد القاهر الجرجاني في (دلائل الإعجاز) . إعجاز القرآن من جهة البديع : كان (الباقلاني) قد ابتكر سؤالا بحث فيه إمكانية الاستدلال على الإعجاز القرآني من جهة البديع ،وأدار حوله فصول الكتاب حين سأل:((هل يمكن أن يعرف
عدد الصفحات ٥العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 182 إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه من البديع؟ ))(4 )، وقبل أن يجيب على هذا السؤال المهم راح يتملى أطروحة البلاغي (ابن المعتز) في ورود البديع في القرآن الكريم، واللغة،وكلام الصحابة، والشعر من دون أن يحيل عليها(44)،ثم نقل رأيين يخصان تلك العلاقة : الأول: مؤداه((أن من الناس من يريد أن يأخذ إعجاز القرآن من وجوه البلاغة التي... تسمى البديع))(43)، وهي: الاستعارة، والتشبيه، والغلو والإ فراط، والمماثلة، والمطابقة، والتجنيس، والمقابلة، والموازنة، والمساواة، والإشارة، والمبالغة والغلو، والإيغال، والتوشيح، ورد عجز الكلام على صدره، وصحة التقسيم، وصحة التفسير، والتكميل والتتميم، والترصيع، والتكافؤ، والسلب والإيجاب، والعكس والتبديل، والالتفات، والتذييل، والاستطراد، والتكرار (4 )، و (الناس) الذين عناهم في كلامه السابق هم:((أهل الصنعة مَنْ صنّف في هذا المعنى من صنعة البديع ))(43)،وقد جاء على ذكرهم فيما بعد وهم : الخليل بن احمد الفراهيدي (7 هـ)، والأصمعي(3هـ)، وعبد الله بن المعتز(493هـ)، و قدامة بن جعفر(447هـ)(47). ثم أجاب صراحة عن سؤاله السابق بقوله:((ليس كذلك عندنا؛ لأن هذه الوجوه [وجوه الرأي الأول ]إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب، والتعود، والتصنع لها،وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له، وأمكنه نظمه))(48)،بمعنىلا يجوز أن يعلم إعجاز القرآن من وجوه البديع السابقة لان((الوجوه التي نقول:إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع له، والتوصل إليه بحال))(49)،وربما كان قد اطّلع على نظرات نقديّة قرأت علاقة البديع بالشعر من منظار القاضي علي بن عبد ال عزيز الجرجاني (49 هـ) الذي رأى أن الشعر لمّا أفضى ((الى المحدثين ،ورأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن ،وتميزها عن أخواتها في الرشاقة واللفظ تكلّفوا الاحتذاء عليها فسموه البديع،فمن محسن ومسيء،ومحمود ومذموم،ومقتصد ومفرط ))(30)؛ولهذا عدّ الباقلاني((كثيرا من المحدثين قد تصنّع لأبواب الصنعة حتى حشي جميع شعره منها))(3 ).
عدد الصفحات ٦العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 182 إن حشو الشعر بوجوه البديع قضيّة أسلوب لا صلة لها بقضية إعجاز القرآن لكن الباقلاني حاول أن يستثمرها ليجعل منها إشكاليّة كبرى يصنع من خلالها مقايسة يخصّ بها النص القرآني، وهذا شيء خطير إذ إ ن كثرة البديع في الشعر المحدث لا علاقة لها بوجود البديع في القرآن الكريم،ويبدو انه لجأ الى هذه المقايسة امتثالا لموازنته الكبرى التي أجراها بين القرآن الكريم،وشعر امرئ القيس في الكتاب نفسه(3 ). خلاصة الإجابة على سؤاله السابق ((لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآ ن من البديع))(34)،وذلك لان البديع ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العرف،بل يمكن استدراكه بالتعلم، والتدرب به، والتصنع له كقول الشعر، ورصف الخطب وصناعة الرسائل، وله طريق يسلك، وسلم يرتقى فيه إليه، وهو عنده زينة ومحسن، وأدباء زمانه (( يضعون المحاسن في جزء وكذ لك يؤلفون أنواع البارع، ثم ينظرون فيه إذا أرادوا إنشاء قصيدة أو خطبة فيحسنون به كلامهم )) (33)،بمعنى أن البديع وجه بلاغي يقع في المرتبة الثانية من مراتب الأساليب البلاغية،وانه ظاهرة شكلية لا علاقة لها بجوهر الخطاب يمكن تجاوزها ، والتحكم في إبعادها (3 ) . كلام الباقلاني السابق واضح الدلالة فالبديع عنده لا يمكن أن يكون سبيلا لمعرفة الإعجاز ، أو مؤدّيا أليه، ولكنه -الباقلاني- ما أن انتهى من تحليله هذا وقد أقصى البديع جملة، وتفصيلا جاعلا له وظيفة التحسين فحسب فاجأ المتلقي بمسألة لم تكن بحسبانه حين تنقل من الحدّ ة في الطرح إلى اللين في التقديم رائيا أن من الأدباء من تدرب،وتقدم في فهم البديع،وا بداعه ليكون تدربه،وفهمه حالة تدرأ عنه((هذا التوصيف))(33)،أي الاستغناء عن وصف الوقوع في شرك التحسينيّة ليكون هذا الأديب الذي تدرب على البديع وفهمه استثناء ((لم يحتج إلى تكلف هذا التأليف وكان ما أشرف عليه من هذا الشأن باسطا من باع كلامه ،وموشحا بأنواع البديع ما يحاوله من قوله))(37). ما ورد في أعلاه تعبير دقيق عن نزعة الباقلاني الناقد الذي يرى أن طريق الأدب مشرع للجميع ،والخوض فيه يكون بأساليب مختلفة تخضع لمواهب متباينة
عدد الصفحات ٧العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 188 فالأدب((لا يُتعذر ،وباب لا يُمتنع ،وكل يأخذ فيه مأخذا، ويقف منه موقفا على قدر ما معه من المعرفة ،ويحسب ما يمده من الطبع ))(38)،أي أن طباع الأدباء، واستعداداتهم النفسيّة،والفنيّة هي الفيصل في تميّز أدبهم من عدمه على طريق المغايرة والتحول الذي يختلف في نظم الكلام ت بعا لاختلاف مواهب الناظم وطرائق صياغته للأسلوب، بخلاف نظم القرآن الذي ((ليس له مثال يحتذى عليه ،ولا إمام يقتدى به،ولا يصح وقوع مثله اتفاقا ))(39) . لقد أشار الباقلاني ضمنا إلى ثبات اللغة القرآنية في مثالها الأعلى المنبثق من الذات الإلهية ،وتحول اللغة الأ دبية التي تقوم عادة على أمثلة تحتذى،وتجارب تقتدى،ويصح وقوع أمثلة لها بالاتفاق وغيره،فالأدباء ليسوا سواسية في استثمار البديع ،والإفادة من وجوهه ؛فذلك يخضع لعوامل كثيرة ،لعلّ من أهمها المواهب التي سماها الباقلاني الطباع. إن طروحات الباقلاني وأفكاره الم غايرة ل نمط تفكير إجابته السابقة لم تأت من فراغ نقدي إنما جاءت بعد إيمانه أن إجابته تلك (( جملة تحتاج إلى تفصيل ، ومبهم قد يحتاج في بعضه إلى تفسير))(0)،وأن(التفصيل) و(التفسير) سيعطيان البديع مساحة من الفاعليّ ة،تردّ الاعتبار إلى صورته الحقيقيّ ة،لتمنحه مزايا لم يكن قد تحدث عنها سابقا ، فالبديع على الرغم من كل التوصيفات التي لحقته على يد الباقلاني إلا أن ثمة ما هو غائب عنه عند الآخرين ،وحاضر عنده في حوار السائلين،فهناك معترض مفترض يتلبس عقل الباقلاني يريد أن يسأل على لسانه السؤال الآتي:((ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم :إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة ؟))( ) . إن وقوف الباقلاني أمام سؤال الآخر -المفترض -، واعتراضه أفضى إلى تقرير حقيقتين : الأولى : إن في البديع براعة وبلاغة . الأخرى :وهي مهمة جدا مؤداها أن في لغة القرآ ن وجوها بديعية أي:((أنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغتهم ،ولا وجه من وجوه فصاحتهم ))( ).
عدد الصفحات ٨العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 182 لقد وقف الباقلاني مليّا أمام هذه المسألة،وعاد إلى تقريره الأول ليؤكد مسألة جديدة مؤداها أن إجابته على سؤاله الكبير:(هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه من البديع؟) لم تكن مطلقة كل الإطلاق:((انما لم نطلق القول إطلاقا))(4)، وا نما شابها التقييد فهو لم يجعل ((الإعجاز متعلقا بهذه الوجوه الخاصة، ووقفا عليها ،ومضافا إليها ))(3)،لأنها وجوه فقط؛وا نما قال بصحة تعلق هذه الوجوه بالإعجاز من خلال وقوعها في الكلام أي في النظم، فضلا عن أنه وجد هذه الوجوه((مؤثرة في الجملة آخذة بحظها من الحسن، والبهجة متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف، الـمُسْتَبْشَع، والتعمل الـمُسْتَشْنَع ))( )، وكأنه بهذا الكلام أراد الاعتراف بالبديع،وسلطته البلاغية بشرطه المعروف لي مهد لحديثه القادم الذي قاد فيه القارئ إلى إمكانية الاستدلال على الإعجاز بوساطة قسم من مصطلحات البديع المنظومة في سياق النص القرآني . الثاني: إن الإعجاز يؤخذ من الوجوه العشرة التي قال بها (الرماني )التي هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والت صريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان(3) . حين ناقش الباقلاني هذا الرأي قال صراحة بحصول الإعجاز من البديع لا سيّما الذي لا سبيل إليه((بالتعلم،والتعمل من البلاغات))(7)،معددا فنونه في: البيان الذي هو معجز من القرآن،بل هو أعلى منازل البيان،وأعلى مراتبه ج مع وجوه الحسن،وأسبابه،وطرقه،وأبوابه ؛ولهذا صحّ أن يتعلق به إعجاز القرآن،وكذلك رأى في المبالغة في المعنى،والصفة وجوها تثمر الإعجاز، و في تضمين المعاني قد يتعلق الإعجاز إذا حصل للعبارة طريق البلاغة في أعلى درجاتها (8)،والفواصل التي يصح أن يتعلق بها الإعجاز، فضلا عن المقاطع التي تضم الفواصل سواء أكانت رأس آية، أم غيرها، وكذلك المطالع، أما التصرف في الاستعارة فيصح أن يتعلق به الإعجاز كما في حقائق الكلام ؛لأن البلاغة في كل واحد من هذين البابين تجري مجرى واحدا، وكذلك الإيجاز،والبسط يصح أن يتعلق بهما إعجاز القر آن(9).
عدد الصفحات ٩العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 122 أما التشبيه فقد اشترط في حصول الإعجاز به أن يكون داخلا في نظم القرآن حصرا ((فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه، ف إن ادعّى إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها فاني لأدفع ذلك وأصححه))(30)،بمعنى انه عدّ نظم التشبيه القرآني معجزا ،ولا علاقة للتشبيه المحض بفكر ة الإعجاز، وهذا يعني أن الباقلاني كان يؤمن ببلاغة هذه الوجوه ودلالاتها على الإعجاز التي سبق لـ(الرماني ) أن عدّها وجوها يأخذ منها إعجاز القرآن بوصفها أعلى طبقة بلاغية ((فما كان في أعلاها طبقة فهو معجز ،وهو بلاغة القران ))(3 )،وهي جميعها عند الباقلاني((لا تستوفى بالتعلم ))(3 )،وقد اشترط في ها لكي تكون معجزة شرط ا واحدا هو اندماجها في نظم مرتّب،وليس في صيغة إفراد ((أنما ننكر أن يقول قائل : إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيه الإعجاز من غير أن يقارنه ما يصل به الكلام و يفضي إليه ))(34)،وهو بهذه الملاحظة المهمّة أتاح لمن يجيء من بعده أن يرى الإعجاز في النظم حصرا،وهذا ما أدركه فيما بعد جمع من علماء العربيّة بمعنى آخر إن الباقلاني فسر الإعجاز في إطار عملية (النظم) لا التحليل الجزئي للعبارة القرآنية . لقد أورد الباقلاني البديع القرآني في شواهد تطبيقيّ ة،وترك للق ارئ حريّة الإمساك بالإعجاز وله في هذا رأي نص ّعليه :((فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي،ووقف على طرقها ومذاهبها ...فليس يخفى عليه إعجاز القران ))(33)،لاعتقاده التام((أن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك من لم يكن بليغا،فأما البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العربية، وغرائب الصنعة ،فانه يعلم من نفسه ضرورة عجزه عن الإتيان بمثله،ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه ))(3 ). إن مصطلحات البديع التي ذكر الباقلاني صحة تعلقها بالإعجاز القرآني عامّة،قد أخذ جلّ دلالاتها عن سابقيه، فمصطلح (البيان) عنده كما عند الرماني ينقسم على أربعة أقسام :كلام ، وحال، وا شارة، وعلامة من دون أن يحيل على معناها، وعنده أن التفاضل يقع في البيان الذي نقيضه العي(33) .
عدد الصفحات ١٠العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 122 وقد عرّف المبالغة في المعنى بقوله :((هي الدلالة على كثرة المعنى ))(37)، وهي على وجوه منها: المبالغة في الصفة كقولك(رحمن ) عن (راحم ) للمبالغة، فضلا عن ما جاء على زنة (فعّال) و(فعول) مثل (غفّار)، و(شكور). أما التضمين فهو عنده((حصول معنى فيه من غير ذكره له باسم، أو صفة هي عبارة عنه ))(38)، وهو على وجهين :الأول تضمين توجبه البنية مثل(معلوم) الذي لا بد له من (عالم)،والآخر تضمين يوجبه معنى العبارة مثل صفة (ضارب ) بمعنى (مضروب). والتضمين عند الباقلاني كله إيجاز،وقد عدّ البسملة من بابه لأنها تضمنت الاستفتاح باسم الله تعالى على جهة التعظيم والتبرك،و هذا ما قال به الرماني من قبل(39). ورأى في الفواصل حروفا((متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام المعاني، وفيها بلاغة))(70)،تقع متجانسة وأخرى متقاربة، ولا علاقة لها بالقوافي والأسجاع، غير أنه لم يعرّف الاستعارة مكتفيا بقوله إنها تباين التشبيه وقد مثّل لها بعدد من الاستعارات القرآنية،وهي عنده أوقع من اللفظ الظاهر، و أبلغ من ال كلام الموضوع (7 )،فيما الإيجاز يحسن في نظره مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى لأنه ((يأتي باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة ))(7 )،وينقسم على حذف وقصر،وقد مثّل لهما بآيات قرآنيّ ة كريمة . وقد عرّف التشبيه بقوله:((العقد على أن احد الشيئين يسد مسد الآخر في حس أو عقل))(74)،أخذا إياه من الرماني (73)،ومثّل له بآيات قرآنية كريمة . هذه الألوان البديعية التي تحدّث عنها الباقلاني ليست من إبداعه كما تبين ؛ إنما هي منقولة عن الرماني ،ما فعله الباقلان ي انه تبناها بإضافات مبتسرة غير مغنية من دون أن يحيل على مصدرها . أما الوجوه التي لا دلالة لها على الإعجاز فهي عنده: التشبيه المحض(7 )، وكان قد ذكر((إن قلنا: ما وقع من التشبيه في القرآن معجز عرض اعتراض علينا من التشبيهات الجارية في الأشعار ما لا يخفى عليك وأنت تجد في شعر ابن المعتز
عدد الصفحات ١١العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 121 من التشبيه البليغ الذي يشبه السحر ))(73)،وكذلك المبالغة في اللفظ (77)، والسجع،والتجنيس،والتطبيق(78)،فض عن فنون(الرأي الثاني):التجانس، والتصريف،والتشبيه الذي لا يدخل في نظم القر آن الكريم . مما سبق يتبين لمن يقرأ (إعجاز القرآن ) قر اءة أولى أن البديع عند الباقلاني بديعان،بديع لا يمكن إدراك الإعجاز به، وهو الذي ذُكرت فنونه في (الرأي الأول )، فضلا عن قسم من فنون الرأي الثاني وقد نصّ عليه بقوله :((فمنها ما يمكن الوقوع عليه، والتعمل له،و يدرك بالتعلم،فما كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة إعجاز القر آن به))(79)،وبديع يمكن أدراك الإعجاز به متمثلا بقسم من فنون الرأي الثاني،وقد نص عليها بقوله:((وأما مالا سبيل إليه بالتعلم ،و التعمل من البلاغات، فذلك هو الذي يدل على إعجازه ))(80)،وهذا يعنيللقارئ المحض بطلان رأيه الذي قال فيه :((لا سبيل إلى معرفة إعجاز ال قرآن من البديع ))(8 )،فضلا عن أن الباقلاني في الرأي الأول عدّ الاستعارة،والمبالغة،والتشبيه مما لا يقع بها الإعجاز، ولكنه في الرأي الثاني عدّ التصرف في الاستعارة،والمبالغة في المعنى، والصفة،والتشبيه الذي يقع في نظم القر آن،مما يتعلق بها الإعجاز ...،فهل الاستعار ة عنده استعارتان؟اعتيادية، و أخرى إعجازيّ ة؟،وكذلك المبالغة في المعنى؟،والوجوه الأخرى، أو أنّ ثمة تعارض في رأيه؟،ذلك ما لم ينص عليه، وتركه عرضة للنقد، والتأويل. يقول د .محمد العمري معلّ قا على هذه المسألة :((إن هناك مستويين من البديع(عند الباقلاني) :مستوى بشر ي موصوف وقابل للتعلم ،ومستوى لا يمكن وصفه وا نما يمكن المساعدة على اقتناصه من طرف الخبراء))(8 ). هذا الرأي إذا ما أخذنا به يقسّ م بلاغة البديع على قسمين :(إلهيّة)،وأخرى ( بشريّة) و القسمة فيه تحيل بالنتيجة على موازنة بين ما هو (رباني )معجز،و (إنساني) متفاوت الجمال،بمعنى أن هذا التقسيم يريد أن يعكس طبيعة النظرية التي تسلح بها الباقلاني،وهو يدرس قضيّ ة الإعجاز تلك التي كان قد وازن فيها بين القرآن الكريم والشعر،أي بين((الكلام الصادر عن الربوبية،الطالع عن الإلهية ...و...شيء من الشعر المجمع عليه ،فنبين وجه النقص فيه ،وندل على انحطاط رتبته ،ووقوع
عدد الصفحات ١٢العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 122 أبواب الخلل فيه ))(84)،أي بين ما هو (مقدّ س)،والشعر الذ ي هو بحسب رأي ه(مدنّ س):((ضرب الشيطان فيه بسهمه،و أخذ منه بحظه ))(83)،لكي يثبت تفوق (المقدس) على (المدنس)، وليس هذا بالأمر الصعب على المسلم الذي يؤمن بالفطرة بتفوق القرآن على كل ا لخطابات . الحقيقة أن البديع عند الباقلاني واحد،لكنّه من منطق العارف بلغة القرآن الكريم وتركيبها فرّق ما بين البديع الذي يجيء في اللغة الاعتياديّة،الذي يتفاوت في طبيعة نظمه،وجماله ،وبين البديع الذي هو جزء من لغة القرآن . لقد كان من الصعب على الباقلاني أن ينظر بمعيار واحد إلى البديعين وهو يؤمن أن لغة القرآن الكريم بألفاظها،وتراكيبها من لغة العرب،ولكن طريقة نظمها تشكّل جنسا خاصا ليس من جنس كلام العرب أي أن (جنسيّة) لغة القرآن من غير جنسية لغة العرب ودليله أن (( نظم القرآن جنس متميّز،وأسلوب متخصص ،وقبيل عن النظير متخلص ))(8 )،فجنسيّة اللغة القرآنية لها خصوصيّة أستطاع الباقلاني أن يحدّد أبرز سماتها في كتابه (نكت الإنتصار لنقل القرآن ) فالقرآن،ولغته ((ليس من نجار شيء من كلامهم ،إنه لو كان من نجاره لم يعجزوا إن يقولوا له :وما في هذا مما يُتحدى به؟،وهو نطقنا ونطق أسلافنا))(83)،أي-والكلام للباقلاني-إن نظم القرآن ((يخرج عن إمكان الناطقين لا على معنى انه تجويد كلام هو على معنى كلام العرب ))(87)،بمعنى آخر والكلام لمّا يزل للباقلاني (( إن القرآن ليس من وزن كلامهم ولا من نجاره ،مع أنهم تُحدوا بذلك ويدل على انه ليس هو جميع أو زان كلام العرب ،أنه لو كان كذلك لم يدهش فيه ))(88)،وهذا يعني عنده((إن الله تعالى قدر على أن يأتي من كلام العرب بما لا يقدر واحد من العرب على الإتيان بمثله ))(89). مما سبق تبين أن الباقلاني رأى في نظم لغة القرآن غير ما هو كائن في نظم العربيّة مع أنه كان قد أقرّ ((لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغتهم -الهاء تعود على العرب -،ولا وجه من وجوه فصاحتهم ))(90)،أي أن القرآن الكريم وا ن كان من لغة العرب إلا إنه ليس من جنسها،أو نظمها المعتاد،وأن بديعه يمكن أن ندرك به
عدد الصفحات ١٣العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 122 إعجاز القرآن ،بخلاف البديع الآخر الذي هو من نظم بشري م تفاوت السبك ،والجمال. إن طبيعة الإجابة التي ترتّبت على سؤال الباقلاني المهم :(هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه من البديع؟ ) التي حدّدها أولا في قوله :(ليس كذلك عندنا؛ لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب، والتعود، و التصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له، وأمكنه نظمه) ، بمعنى لا يجوز أن يعلم إعجاز القرآن من وجوه البديع السابقة ؛لأن الوجوه التي يقول الباقلاني إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع لها،والتوصل إليها بحال... أقول إن تلك الإجابة : الإشكالية استدرك عليها الباقلاني بجواب ثان مؤداه :يمكن حصول الإعجاز من البديع لا سيّما الذي لا سبيل إليه بالتعلم، والتعمل من البلاغات، معددا فنونه في : البيان ،و المبالغة في المعنى والصفة، و في تضمين المعاني والفواصل ، و التصرف في الاستعارة ،وكذلك في الإيجاز، أما التشبيه فقد اشترط في حصول الإعجاز به أن يكون داخلا في نظم القرآن حصرا وهذ ا يعني أنّ الباقلاني كان يؤمن ببلاغة هذه الوجوه ودلالاتها على الإعجاز. إن وقفة (البحث)في الصفحات السابقة حاولت أن تردم المسافة الفاصلة بين الجوابين(لا يمكن :يمكن)؛لتقرّب المسافة في جواب واضح مؤداه أن لا إشكالية تعارضية في دلالة الجوابين طالما فهمنا أن البديع واحد،وأنه يتمظهر بمستويات مختلفة:منها ما هو في سياق خاص سياق الاستعمال القرآني المعجز الذي لا يدانيه كلام مخلوق،ومنها ما هو في سياق إنساني مبدع يقوم على وفق ظاهرة العدول،أو الاتساع ومثالها بديع امرئ القيس،ومنها ما يقوم على رؤية ساذجة . لقد خالف الباقلاني في هذه الأطروحة(المعتزلة )التي رأت أن الأسس البلاغيّ ة في القر آن الكريم هي نفسها الأسس البلاغية لكلام سائر البشر،و أن معايير الجمال في النص القرآني هي نفسها معايير الجمال في أي نص أدبي (9 )؛ولأنه (أشعري ) كان يرى أن بلاغة القر آن ليست من جنس بلاغة البشر،ولهذا عدّ القر آن الكريم معجزا
عدد الصفحات ١٤العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 122 بكامله،أي بحروفه،وتراكيبه، وهو عند (الأشعريّ ة) صفة من صفات الله،وليس فعلا من أفعاله تعالى،وهذا وجه الاختلاف بينه،و بين عبد القاهر الجرجاني الذي كان أشعريا هو الآخر (9 )،لكنّه رأى أنّ معايير الجمال القرآني هي معاي ير جمال العربيّة، والإعجاز عنده لا يدرك إلا من خلال فهم بلاغة الشعر،أي بلاغة العربيّ ة فقد اتخذ من معرفة الشعر سبيلا واضحا للوصول إلى حجيّ ة القرآن، وا عجازه،وهو القائل:((وكان مُحالا أن يَعْرفَ كونَه [الهاء تعود علىالقر آن]كذلك، إلا من عَرَفَ الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، الذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذا تجارَوْا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيهما قَصَبَ الرِّهان، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل، وزاد بعض الشعر على بعض، كان الصَّادُّ عن ذلك صادّاً عن أن تُعْرَف حجّة الله تعالى))(94)،وأكّد بما لا يقبل الشك منهجيته الواضحة في درس الشعر،وفهمه لغاية لم يتحرج في ذكرها ((وأردته – الهاء تعود على الشعر – لأعرف به مكان بلاغة ،وأجعله مثالا في براعة،أ و أحتج به في تفسير كتاب وسنة،وأنظر إلى نظمه ونظم القرآن ،فأرى موضع الإعجاز،وأقف على الجهة التي منها كان،وأتبيّن الفضل والفرقان ))(93)، إن قراءة البديع بوصفه وجوها بلاغيّة لها علاقاته بقضية الإعجاز على وفق رؤية الباقلاني مسألة تحيل على تتبع بعض إشكالات من غير تلك التي مرّ بها البحث لها علاقة ماسة بمنهج الإستدلال على الإعجاز لعلّ من أهمّها : أ - الموازنة التي أجراها الباقلاني بين القرآن،والشعر،والنثر وقد خصّ بها من كان في معرفة الفصاحات ،ومجاري البلاغات مُرمدا ،وقد أشار إلى بنيتها القائمة على النسق الأتي :((فاننا نضع بين يديه - الهاء تعود على مرمد الفصاحة والبلاغة- الأمثلة ونعرض عليه الأساليب،ونصور له صور كل قبيل من النظم والنثر، ونحضره من كل فن من القول شيئا يتأمله حق تأمله،ويراعيه حق رعايته ؛فيستدل استدلال العالم،ويستدرك استدراك الناقد،ويقع له الفرق بين الكلا م الصادر عن الربوبيّة ... و...شيء من الشعر المجمع عليه ،فنبين وجه النقص فيه،وندل على انحطاط رتبته ،ووقوع أبواب الخلل فيه ))(9 )،لكن الباقلاني في مناسبة أخرى
عدد الصفحات ١٥العدد السادس و الاربعون مجلة ديالى / 2010 122 جعل الموازنة تجري بمعيار آخر حين خصّ بها (أهل الصنعة )من أهل العربية بأن يعمدوا إلى قصة من قصص القرآ ن،أو حديث من أحاديثه فيعبّر عنه بعباراتهم الخاصة، ويخبرون عنه بألفاظهم الخاصة حتى يتبين لهم بعد الموازنة بين الأسلوبين النقص في أساليبهم ،وفضل نظم القرآن (93). أما المناسبة الثالثة التي وضّح فيها شكل الموازنة فهي قوله:((ونحن نعمد إلى بعض قصائد البحتري فن تكلم عليها ،كما تكلمنا على قصيدة امرئ القيس ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة ،ويستخلص من سر المعرفة سريرة ،ويعلم كيف تكون الموازنة ،وكيف تقع المشابهة والمقاربة ))(97)،وقد جعل الباقلاني هذه الموازنة ذي لموازنة القرآن بمعلقة امرئ القيس ،وهذا يعني أن الموازنة جر ت على وفق ثلاثة مستويات لكل مستوى متلق خاص :الأول خص به الجاهل في علم العربية ،والثاني خص به أهل صنعة العربية ،أما الثالث فتركه حرا،وا ن كان ذيلا للثاني ، وكان من نتائج هذه الموازنة النزول بالشعر في موازنة لا يقرها العقل ((ليثبت بالدليل أن القرآن مما لا يقد ر عليه العباد ،وأن هذه الروائع على قيمتها تحتوي على الغث والركيك والسفساف، الشيء الذي تبرأ منه القرآن ))(98) . إن هذه الموازنة أخضعها الباقلاني لقراءة أخرى قال فيها :((الشعر لا يجوز أن يوازن به القرآن ))(99)،وهي قراءة لا يمكن فهمها إلا من خلال نقد الموازنة ا لتي أجراها الباقلاني التي بسبب نتائجها المعلومة سلفا اضطر إلى تسفيه شعر شعراء فحول مثل:امرئ القيس الذي رأى أن شعره يتفاوت بين اللين والشراسة،وبين اللطف والشكاسة،وبين التوحش والاستئناس،والتفاوت والتباعد والبحتري الذي ُيسبق في هذا الميدان،ويفوت الغاية في هذا الشان(00)، ليجمل رأيه المدون في الذاكرة سلفا ((هيهات أن يكون المطموع فيه كالمأيوس منه ،وان يكون الليل كالنهار،والباطل كالحق،وكلام رب العالمين ككلام البشر ))(0 ). ب- قضيّة التعارض بين قول الباقلاني ((نظم القرآن ... لا يتفاوت ))(0 )،وقوله ((وليس بممتنع اختلاف حال الكلام ،حتى يكون الإعجاز على بعضه أظهر،وفي بعضه أغمض))(04)،فالقراءة المتسرعة للنصين توحي بتعارض دلالة (عدم تفاوت)
عدد الصفحات ١٦