97 4 - وصية الطبيب لعلي وميل أمير المؤمنين للشورى عن عبد الله بن مالك، قال: جمع الأطباء لعلي رضي الله عنه يوم جرح، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمرو السّكوني، وكان صاحب كسرى يتطبب، فأخذ أثير رئة شاة حارة، فتتبع عِرْقاً منها، فاستخرجه فأدخله في جراحة علي، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض الدماغ، وإذا الضربة قد وصلت إلى أم رأسه فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك فإنك ميت1 . وذكر أن جندب بن عبد الله دخل على علي فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن فقدناك - ولا نفقدك - فنبايع الحسن؟ قال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر2. 5 - وصية أمير المؤمنين علي لأولاده الحسن والحسين رضي الله عنهما: دعا أمير المؤمنين علي حسناً وحسيناً، فقال: «أوصيكما بتقوى الله، وأ تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء زُوِي عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، أغيثا الملهوف، واص نعا للآخرة، وكونا للظالم وللمظلوم ناصراً، واعملا بما في الكتاب ولا تأخذكما في الله لومة لائم »ثم نظر إلى محمد ابن الحنفية، فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك3؟ 1الاستيعاب3/1128.) 2تاريخ الطبري6/62.) 3المصدر نفسه6/63.)
عدد الصفحات ٩٧98 قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك، لعظيم حقهما عليك، فاتبع أمرهما، ولا تقطع أمراً دونهما. ثم قال: أوصيكما به، فإنه ابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه، وقال للحسن: «أوصيك أي بنيّ بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش»1. فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيته «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم يقول: إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهوّن الله عليكم الحساب، الله 1
عدد الصفحات ٩٨99 الله في الأيتام، فلا تُعنوا أفواههم، ولا يضيعون بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم، ما زال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه، والله الله في القرآن، فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله والله في الصلاة، فإنها عمود دينكم. والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم يناظر، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها تطفىء غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم، فلا يظلمن بين أظهركم، والله الله في أصحاب نبيكم، فإن رسول الله أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة، لا تخافنّ في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم وقولوا للناس حسناً كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى الأمر أشراركم ثم تدعون لا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم. أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله»ثم لم ينطق إلا (بلا إله إلا الله) حتى قبض رضي الله عنه في شهر رمضان سنة أربعين1، وجاء في رواية أنه قتل في صبيحة 1تاريخ الطبري6/64.)
عدد الصفحات ٩٩100 إحدى وعشرين من رمضان1، وتحمل هذه الرواية على اليوم الذي فارق فيه الدنيا، لأنه بقي ثلاثة أيام بعد ضربة الشقي2. 6 - نهي أمير المؤمنين عن المثلة بقاتله فقد قال رضي الله عنه : احبسوا الرجل فإن مت فاقتلوه، وإن أعش فالجروح قصاص3. وفي رواية أخرى قال: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، فإن صححت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استقدت 4، وفي رواية أخرى زيادة، وهي قوله: إن مت فاقتلوه قتلتي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين5، وقد كان علي نهى الحسن عن المُثْلة، وقال: يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين، ألا لا يُقختلنّ. انظر يا حسن، إن متّ من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول: «إياكم والمثلة ولو أن ها بالكلب العقور »6. وقد جاء في شأن وصية أمير المؤمنين بأمر قاتله روايات كثيرة تتفاوت منها الصحيح ومنها 1التاريخ الكبير للبخاري1/99) بسند صحيح 2خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص439.) 3فضائلالصحابة (2/560) بسند حسن 4المحن لأبي العرب، خلافة علي بن أبي طالب، ص439.) 5الطبقات3/35) تاريخ الإسلام 6تاريخ الطبري6/64.)
عدد الصفحات ١٠٠101 الضعيف، فالرواية التي فيها أمر علي رضي الله عنه بإحراق الشقي بعد قتله إسنادها ضعيف، والروايات الأخرى تسير في اتجاه واحد فكلها فيها أمر علي رضي الله عنه بقتل الرجل إن مات من ضربته ونهاهم عما سوى ذلك، فهذه الروايات يعضد بعضها، وتنهض للاحتجاج بها، هذا من جهة. كما أن أمير المؤمنين علي لم يجعله مرتداً، فيأمر بقتله، بل نهاهم عن ذلك لما همّ بعض المسلمين بقتله، وقال: لا تقتلوا الرجل، فإن برئت فالجروح قصاص، وإن مت فاقتلوه1. وتذكر الرواية المشهورة: فلما قُ بض علي رضي الله عنه بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إني والله ما أعطيت الله عهداً إلا وفيت به، إني كنت قد أعطيت الله عهداً عند الحطيم أن أقتل عليّا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه ، ولك الله علي إن لم أقتله - أو قتلته - ثم بقيت، أن آتيك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: أما والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله2، ثم إن الناس أخذوه فأحرقوه بالنار، ولكن هذه الرواية منقطعة3. والصحيح من الروايات والذي يليق بالحسن والحسين وأبناء أهل البيت أنهم التزموا بوصية أمير المؤمنين علي في معاملة عبد الرحمن بن ملجم، ولا 1منهاج السنة5/245( )7/406) منهج ابن تيمية في مسألة التكفير، ص309.) 2تاريخ الطبري6/64.) 3خلافة علي بن أبيطالب، عبد الحميد، ص (440.)
عدد الصفحات ١٠١102 تثبت الرواية التي تقول: فلما دفن أحضروا ابن ملجم، فاجتمع الناس، وجاؤوا بالنفط والبواري، فقال محمد ابن الحنفية، والحسين، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: دعنا نشتفّ منه، فقطع عبد الله يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمّى، فلم يجزع، وجعل يقول: إنك لتكحل عيني عمّك بملمول مضٍّ، وجعل يقرأ 1]ر به فعولج عن لسانه ليقطع، فجزع، فقيل له في ذلك فقال: ما ذاك منّي من جزع، ولكني أكره أن أبقى في الدنيا فُواقاً لا أذكر الله، فقطعوا لسانه، ثم أحرقوه، وكان أسمر، حسن الوجه، أفلج، شعره مع شحمة أذنيه، وفي جبهته أثر السُجود 1. وقال الذهبي عن عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي رضي الله عنه، خارجي مُفْتخر.. شهد فتح مصر، واختط بها مع الأشراف، وكان ممن قرأ القرآن والفقه، وهو أحد بني تدول وكان فارسهم بمصر، قرأ القرآن على معاذ بن جبل، وكان من العبّاد، ويقال: هو الذي أرسل صخبيغاً التميمي إلى عمر رضي الله عنه فسأله عمّا سأله من مستعجم القرآن.. إلى أن قال الذهبي: ثم أدركه الكتاب وفعل ما فعل، وهو عند الخوارج من أفضل الأمّة ، وفي ابن ملجم يقول عمران بن حطّان الخارجي: يا ضربة من تُقى مـا أراد بـها 1طبقات ابن سعد3/40) الأخبار الطوال، ص215.)
عدد الصفحات ١٠٢103 إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكـره حيناً فأحسبه أوفى البـريّة عند الله ميزانا وابن ملجم عند الروافض أشقى الخلق في الآخرة، وهو عندنا أهل السنة ممن نرجو له النار، ونجوز أن الله يتجاوز عنه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه، وحكمه حكم قاتل عثمان وقاتل الزبير، وقاتل طلحة، وقاتل سعيد بن جبير، وقاتل عمّار وقاتل خارجة، وقاتل الحسين، فكل هؤلا ء نبرأ منهم ونبغضهم في الله، ونكل أمورهم إلى الله عز وجل1. وأما البُرخك بن عبد الله فإنه في تلك الليلة التي ضرب فيها عليّ قعد لمعاوية، فلما خرج يصلي الغداة شد عليه بسيفه، فوقع السيف في إليته، فأخذ، فقال: إن عندي خبراً أسرك به، فلأن أخبرتك فنافعني ذلك عندك ؟ قال: نعم، قال: إن أخاً لي قتل عليّا في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك، قال: بلى، إن عليّا يخرج ليس معه من يحرسه، فأمر به معاوية فقتل، وبعث معاوية إلى الساعدي - وكان طبيباً - فلما نظر إليه قال: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة، فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقرّ به 1تاريخ الإسلام، عهد الخلفاء الراشدين، ص654.)
عدد الصفحات ١٠٣104 عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرطة على رأسه إذا سجد، وأما عمرو بن بكر فجلس لعمرو ابن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة ابن حذافة، وكان صاحب شرطته، وكان من بني عامر بن لؤي، فخرج ليصلي، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو، فضربه فقتله، فأخذه الناس، فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالإمرة، فقال: من هذا؟ قالوا: عمرو. قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة بن حذافة، قال: أما والله يا فاسق ماظننته غيرك، فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، فقدمه عمرو فقتله1. 7 - مدة خلافة أمير المؤمنين علي، وموضع قبره وسنّه يوم قتل كانت مدة خلافته على قول خليفة بن خياط: أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، ويقال ثلاثة أيام، ويقال أربعة عشر يوماً 2، والذي يظهر أنها أربعة سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وذلك لأنه بويع بالخلافة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عام خمس وثلاثين، وكانت وفاته شهيداً في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان عام أربعين للهجرة3. 1تاريخ الطبري6/65.) 2التاريخ، ص199.) 3التاريخ الكبير للبخاري1/99) سنده، صحيح
عدد الصفحات ١٠٤105 وقد تولى غسل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، رضوان الله عليهم، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص1، وصلى عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما فكبر عليه أربع تكبيرات 2 وفي رواية دون إسناد كبر عليه تسع تكبيرات3. وأما موضع قبره، فقد اختلف فيه، وذكر ابن الجوزي عدداً من الروايات في ذلك ثم قال: والله أعلم أي الأقوال أصح4، ومن الروايات التي جاءت في هذا الشأن ما يلي: * أن الحسن بن علي رضي الله عنهما دفنه عند مسجد الجماعة في الرحبة مما يلي أبواب كنده قبل أن ينصرف الناس من صلاة الفجر5 . * رواية مثلها، أنه دفن بالكوفة عند قصر الإمارة عند المسجد الجامع ليلاً وعمي موضع قبره6. * رواية تذكر أن ابنه الحسن رضي الله عنه نقله إلى المدينة7. 1المنتظم5/175)، الطبقات3/27.) 2الطبقات3/338.) 3المنتظم5/175.) 4المنتظم5/178.) 5الطبقات3/38)، خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد ص441.) 6المنتظم5/77)، تاريخ الإسلام، عهد الخلفاء ص651.) 7تاريخ بغداد1/137.)
عدد الصفحات ١٠٥106 * رواية تذكر أن القبر الذي بظاهر الكوفة المشهد الذي بالنجف هو قبر علي رضي الله عنه، وأنكر بعض أهل العلم مثل شريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة (ت 178 هـ) ومحمد بن سليمان الحضرمي (ت297هـ1 ، وفي الحقيقة إن ابتداع ما يسمى مشهد علي رضي الله عنه بالنجف كان أيام بني بويه في عهد الدولة العباسية وكانوا من الشيعة الروافض، وقد صنع الشيعة ذلك على عاداتهم في القرن الرابع، وأهل المعرفة متفقون أنه ليس بقبر علي رضي الله عنه بل قيل: هو قبر المغيرة ابن شعبة، قال ابن تيمية: وأما المشهد الذي بالنجف، فأهل المعرفة متفقون أنه ليس بقبر علي بل قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة، ولم يكن أحد يذكر أن هذا قبر علي ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة سنة، مع كثرة المسلمين من أهل البيت والشيعة وغيرهم وحكمهم بالكوفة، إنما اتخذ ذلك مشهداً في ملك بني بويه - الأعاجم - بعد موت علي بأكثر من ثلاثمائة سنة2 وقال: وأما مشهد علي فعامة العلماء على أنه ليس قبره، بل قد قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة، وذلك أنه إنما أظهر بعد نحو ثلاثمائة سنة من موت علي في إمارة بني بويه3. 1خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص441.) 2الفتاوى4/502)، دراسات في الأهواء والفرق والبدع،280.) 3الفتاوى27/446.)
عدد الصفحات ١٠٦107 واختلف في سنّه يوم قتل، فقال بعضهم: وهو ابن تسع وخمسين سنة، وقيل وهو ابن خمس وستين سنة، وقيل وهو ابن ثلاث وستين سنة، وذلك أصح ما قيل فيه1. 8 - خطورة الفرق الضالة والفرق المنحرفة على المسلمين إن الفرق الضالة والطوائف المنحرفة عندما تنتشر في بلاد الإسلام تعرض أهله للخطر، وتهدد الأمن والاستقرار وتشكك الناس في عقيدتهم، وتعيث في الأرض فساداً وخراباً، وتلك هي حال الخوارج المارقين الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وكفّروه وقتله نفرٌ منهم على حين بغتة كما بيّنا ذلك من قبل، زاعمين أنهم يشرون أنفسهم بهذا الفعل ابتغاء مرضاة الله، وماعندهم في ذلك مستند ولا برهان، إن هو إلا اتباع الأهواء وطاعة الشياطين، وإذا تبي ن لنا مما سبق أن الخوارج قد تسببوا في قتل علي رضي الله عنه وعرفنا مناهجهم الفاسدة، فالواجب على أمة الإسلام أن تحذر منهم، وتحارب مناهجهم، ويقوم العلماء والدعاة بواجبهم في ذلك ليستقر الأمن، وتظهر أنوار السنة، وتخمد نيران البدعة، وفعل ذلك وأداؤه على الوجه الأمثل بالتمكين لعقيدة أهل السنة والجماعة، ومقارعة البدعة والمبتدعين، وهذا كله من أسباب نهوض المجتمعات، وهذه هي الطريقة المثلى لجمع الشمل ووحدة الصف، ومن تأمل تاريخ الإسلام الطويل وجد أن الدول التي قامت 1تاريخ الطبري6/67.)
عدد الصفحات ١٠٧108 على السنة هي التي جمعت شمل المسلمين، وقام بها الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعز به الإسلام قديماً وحديثاً، وهذا بخلاف الدول التي قامت على البدعة، وأشاعت الفوضى والفرقة والمحدثات، وفرقت الشمل، فهذه سرعان ما تندثر، وتنقرض1. 9 - الحقد الدفين الذي امتلأت به قلوب الحاقدين من الخوارج على المؤمنين الصادقين: الكشف عن الحقد الدفين الذي امتلأت به قلوب الحاقدين من الخوارج على المؤمنين الصادقين، دلّ على ذلك قول عبد الرحمن بن ملجم - يعني سيفه -: والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد2. إن كلماته هذه تبرز لنا العداء السافر الذي يكنه هؤلاء الخوارج، لا على عموم المؤمنين فحسب، بل على القادة الكبار من أمثال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي تجتمع في شخصه رضي الله عنه أعظم المناقب وأجلّ السجايا، وانظر - رعاك الله - كيف تورد المناهج الباطلة، والأفكار المنحرفة أصحابه ا إلى دركات من التعاسة والشقاء، عندما يغتالون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان3. 1سير الشهداء دروس وعبر، عبد الحميد السحيباني، ص77.) 2تاريخ الطبري6/62.) 3سير الشهداء دروس وعبر، ص78.)
عدد الصفحات ١٠٨109 10 - تأثير البيئة الفاسدة على أصحابها إن البيئة الفاسدة تؤثر على أصحابها حتى لو كان منهم من يحب العدل ويسعى إليه، فهذا عبد الرحمن بن ملجم يقابل شبيب بن بجرة فيقول له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئاً إدّا، كيف تقدر على عليّ! قال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. قال: ويحك! لو كان غير علي لكان أهون عليّ، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل العباد الصالحين؟! قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. تقول رواية الطبري: فأجابه1. فانظر- رعاك الله - كيف يؤثر أصحاب الآراء الضالة والأفكار المنحرفة على من يخالطونهم ويجلسون معهم؟ إنه على الرغم من أن شبيباً لم ينشرح صدره لقتل علي لما يعلمه عنه من بلائه في الإسلام وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه استجاب لابن ملجم لما أثر عليه بالشبهة التي ألقاها عليه عندما ذكره بقتل علي رضي الله عنه لإخوانه من الخوارج المارقين، فأثار فيه العاطفة تجاههم، رغم أنهم قتلوا بالحق لا بالباطل، فاستجاب 1تاريخ الطبري6/62.)
عدد الصفحات ١٠٩110 لصاحبه، وانقاد له فكانت النتيجة إفساد الأفكار، وتلويث السمعة، والخسران المبين، وذلك يدعو كل مسلم أن يحذر من مصاحبة من كان على نهج هؤلاء من فاسدي الاعتقاد، ملوثي الأفكار، وأن يسارع إلى مجالسة العلماء الربانيين الذين يعلمون الحق ويعملون به، ويرشدونه إلى ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة، وإن لم يرض بهذه السبيل القويمة وخالط أولئك المنحرفين في عقيدتهم فسيعض أصابع الندم، ولات ساعة مندم1 كما قال تعالى يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذو27-29.] هذه بعض الدروس والعبر والفوائد من حادثة مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه العالم الرباني، الذي أفنى عمره كله خاشعاً لله تعالى، أواهاً منيباً وخط لنا طريقاً مباركاً للاقتداء والتأسي به. هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الخميس الساعة واحدة إلا خمس دقائق ظهراً بتاريخ 11 شوال 1435 هـ الموافق7 أغسطس 2014 م، والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل ويشرح صدور العباد للانتفاع به ويبارك فيه بمنه وكرمه وجوده، وقال تعالى 1سير الشهداء دروس وعبر، ص (79.)
عدد الصفحات ١١٠111 يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيمفاطر: 2.] ولا يسعني في نهاية هذا الكتاب إلا أن أقف بقلب خاشع منيب بفضله وكرمه وجوده، متبرئاً من حولي وقوتي، فالله هو المتفضل، وهو المكرم، وهو المعين، وهو الموفق، فله الحمد على ما منّ به عليّ أولاً وآخراً، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل ع ملي لوجهه خالصاً ولعباده نافعاً، وأن يثيبني على كل ح رف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه، فإن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجابة إن شاء الله تعالى. وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين19.] سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه علي محمد محمد الصّلَّّبي
عدد الصفحات ١١١112 فهرس المحتويات المقدمة ....................................................................................... 2 المبحث الأول: الخوارج .................................................................... 6 أولاً : نشأة الخوارج والتعريف بهم: .................................................................. 6 ثانياً : ذكر الأحاديث التي تتضمن ذم الخوارج: .................................................... 11 ثالثاً : انحياز الخوارج إلى حروراء ومناظرة ابن عباس لهم: ................................... 20 رابعاً : خروج أمير المؤمنين لمناظرة بقية الخوارج وسياسته في التعامل معهم بعد رجوعهم للكوفة ثم خروجهم من جديد: ....................................................................... 26 خامساً : معركة النهروان 38 هـ: ................................................................... 33 1 - سبب المعـركة: ................................................................................ 33 2 - تحريض أمير المؤمنين علي جيشه على القتال: ......................................... 35 3 - نشوب القتال: ................................................................................. 38 4 - ذو الثدية أو المخدج وأثر مقتله على جيش علي رضي الله عنه : .................... 40 5 - معاملة أمير المؤمنين علي للخوارج: ..................................................... 42 سادساً : من الآثار الفقهية من معارك أمير المؤمنين علي: ..................................... 44 سابعاً : من أهم صفات الخوارج: .................................................................... 52 1 - الغلو في الدين: ............................................................................... 52 2 - الجهل بالدين: ................................................................................. 55 3 - شق عصا الطاعة: ............................................................................ 57 4 - التكفير بالذنوب واستحلَّل دماء المسلمين وأموالهم: ................................... 57 5 - تجويزهم على النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز في حقه «كالجور»: .......... 59 6 - الطعن والتضليل: ............................................................................. 60 7 - سوء الظن: .................................................................................... 60 8 - الشدة على المسلمين: ........................................................................ 61
عدد الصفحات ١١٢