المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم

علي محمد الصلابي

صفحة ٦ من ٨

81 وعمل معاوية رضي الله عنه، على استمالة كبار أعيان القبائل وعمال علي رضي الله عنه فقد حاول سحب قيس بن سعد رضي الله عنه عامل علي على مصر إليه فلم يستطع، ولكنه استطاع أن يثير شك حاشية علي ومستشاريه فيه فعزله1، وكان عزل سعد بن قيس مكسباً كبيراً لمعاوية، كما حاول سحب زياد ابن أبيه عامل علي رضي الله عنه على فارس ففشل في ذلك2 وقد استطاع معاوية رضي الله عنه، أن يؤثر على بعض الأعيان والولاة بسبب ما يمنيهم ويعدهم به، ولما يرونه من علو أمر معاوية، وتفرق أمر علي رضي الله عنه إذ يقول في إحدى خطبه: إلا أن بسراً قد اطلع من قبل معاوية، ولا أرى هؤلاء القوم إ لا سيظهرون عليكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، وبطاعتهم أميرهم ومعصيتكم أميركم، وبأدائهم الأمانة وبخيانتكم، استعملت فلاناً فغل وغدر وحمل المال إلى معاوية، واستعملت فلاناً فخان وغدر وحمل المال إلى معاوية، حتى لو ائتمنت أحدهم على قدح خشيت على علاقته، اللّهم إني أبغضتهم وأبغضوني فأرحهم مني وأرحني منهم3. 1ولاة مصر،45-46.) 2الاستيعاب(2/525-526.) 3التاريخ الصغير للبخاري1/125) بسند منقطع وله شواهد

عدد الصفحات ٨١

82 ثانياً: استنهاض أمير المؤمنين علي همة جيشه ثم الهدنة مع معاوية لم يستسلم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لهذه المصائب، وهذا التقاعس والتخاذل، فقد بذل جهده في استنهاض همة جيشه بكل ما أوتي من علم وحجة وفصاحة وبيان، فخطبه الحماسية المشهورة التي اشتهرت عنه، وتعتبر من عيون التراث لم يلقها من فراغ أو خيال، بل من مر تجرعه وواقع أليم عاصره، فمن خطبه التي قالها لما أغير على أطرافه قال: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجُنّته 1 الوثيقة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه ا ثوب الذل وشملة البلاء، ودُي ث بالصغار والقماءة 2، وضرب على قلبه بالأسداد3، وأديل4 الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف5 ومنع النصف6 . ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم7 إلا ذلوا، 1الجُنة بالضم: الوقاية 2ديث: ذلل، الصغار: الذل والصغر، القماءة: الذل والصغار 3الأسداد: الحجب التي تحجب عنه الهدى والرشاد 4أديل الحق منه: تحول الأمر عنه إلى الحق فألمت به كوارث 5سيم الخسف: أصبح محل الإذلال والمهانة 6منع النصف: النصف: العدل. أي حرم العدل 7عقر الدار: وسطها وأصلها، تواكلتم: وكل كلٌ منكم أمر الجهاد إلى الآخر

عدد الصفحات ٨٢

83 فتواكلتم وتخاذلتم، حتى شنّت عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان، وهذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار1 وقد قتل حسّان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها2، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة3، فينتزع حجْلخها وقُلْبها وقلائدها ورغاثها 4، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع5، والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين6، ما نال رجل منهم كلم ولا أريق له دم، فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان عندي جديراً. فيا عجباً والله يميت القلب ويجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، فقبحاً لكم وترحاً 7 حين صرتم غرضاً يُرْمى، يُغار عليكم ولا تُغيرون، وتُغزون ولا تخغزون، ويعصى الله وترضون. فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحرّ قلتم: ه ذه حمّارة القيظ 8 . أمهلنا يسبّخ عنّا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة 1الأنبار: بلدة شرقي الفرات 2مسالح: جمع مسلحة وهي الثغر 3المعاهدة: الذمية وهي غير المسلمةالمقيمة في بلاد المسلمين. 4الحجل: الخلخل، القلب: السوار، الرغاث: جمع رغثة وهو القرط 5الاسترجاع: ترديد الصوت بالبكاء 6وافرين: تامين لم ينقص عددهم. الكلم: الجرح 7ترحاً: هماً أو حزناً أو فقراً 8القيظ: الحر، حمارة القيظ: شدته، يسبخ: يخفف

عدد الصفحات ٨٣

84 القّر 1، أمهلنا ينسلخ عنّا البرد، كل هذه فراراً من الحرّ والقرّ، فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرون، فإذاً أنتم والله من السيف أفرّ يا أشباه الرجال ولا رجال2، حلوم ا طفال وعقول ربّات الحجال 3، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفةً والله جرّت ندماً، وأعقبت سدماً 4، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً 5، وشحنتم صدري غيظاً، وجرّعتموني نُغخبخ التهام أنفاساً 6. وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طال ب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب.. لله أبوهم، وهل أحد منهم أشد لها مراساً منّي 7، وأقدم فيها مقاماً مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنذا قد ذرّفت على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع 8. إن هذه الخطبة كتلة نارية يصبها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قذائف ساخنة فوق رؤوس أولئك القوم، الذين حرموه من قطف ثمار جهاده، 1صبارة الشتاء: شدة البرد، القر : البرد. 2يقصد أن صفات الرجولة انعدمت فيهم 3حلوم: عقول، ربات الحجال: كناية عن النساء 4سدم: الهمّ المشوب بالأسف والغيظ 5القيح: ما في القرحة من الصديد، شحنتم صدري: ملأتموه 6النغب: جمع نغبة (كجرعة): الجرعة، التهامالهمّ. 7المراس: المعالجة والمزاولة والمعاناة 8البيان والتبيين للجاحظ، ص238،239.)

عدد الصفحات ٨٤

85 وتحقيق النصر الذي كان يسعى له، وقد صاغها بأسلوب أدبي رائع، يهز بعباراتها المشاعر، ويحرك بألفاظها مكامن النفوس، بعيداً عن الغموض والإبهام، كما أنها خالية من السجع والصناعة اللفظية1. إن الخطب التي تثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه - وأعني بها التي تتحدث عن خلافته - تعكس صورة تاريخية تتعدى الوصف الظاهري لتكشف عن شعور أمير المؤمنين رضي الله عنه تجاه ما يلفيه من جيشه من تخاذل بعد معركة النهروان، ولكن معظم الخطب التي نسبت إليه رضي الله عنه لا تصح، فعدد من العلماء يقولون عن خطب علي رضي الله عنه في نهج البلاغة أنها من تأليف ووضع الشريف الرضي 2، فلا بد من إعمال منهج نقدي دقيق عند التعامل معها باعتبارها مصدراً تاريخياً. هذا ومن ناحية أخرى أخذ علي رضي الله عنه يذكر أصحابه بفضائله ومناقبه ومنزلته الرفيعة في الإسلام، فيحدثنا عدد من شهود عيان، أن علياً رضي الله عنه ناشد الناس في الرحبة: من سمع رسول الله يوم غدير خم: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟»قالو: بلى، قال «فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، فقام اثنا عشر 1الأدب الإسلامي، نايف معروف، ص59.) 2ميزان الاعتدال 3/124) وله نقد جيد في هذا الموضوع، خلافة علي بن أبي طالب، ص (355.)

عدد الصفحات ٨٥

86 رجلاً - وفي رواية - ستة عشر رجلاً فشهدوا بذلك 1. وهذا يذكرنا بعثمان رضي الله عنه عندما كان يستشهد بالصحابة على مناقبه وفضائله عندما حصره الغوغاء، وكأنه يقول: من هذا عمله وخدمته للإسلام أهكذا يكون جزاؤه؟ مع اختلاف المناسبات، وبالرغم من كل هذه المحاولات والجهود المضنية لم يستطع رضي الله عنه أن يحقق ما يريد، إذ لم يستطع أن يغزو الشام بسبب التفكك والتصدع الذي حدث في داخل جيشه، وتفرق كلمتهم وظهور الأهواء، فاضطر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في سنة أربعين للهجرة أن يوافق لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه على أن يكون العراق له، والشام لمعاوية، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو2، قال الطبري في تاريخه: وفي السنة- 40 هـ- جرت بين علي ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات جرت بينهما - يذكرها الكتاب - على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو3. 1فضائل الصحابة2/705) إسناده صحيح 2خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص356.) 3تاريخ الطبري6/56.)

عدد الصفحات ٨٦

87 ثالثا: دعاء أمير المؤمنين علي ا- عزّ وجلّ - أن يعجل له بالشهادة: هادن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه معاوية رضي الله عنه، ويبدو أن الهدنة لم تستمر، فمعاوية أرسل بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز واليمن في العام الذي استشهد فيه علي رضي الله عنه1، ولما لم يتمكن علي رضي ا عنه من تجهيز الجيش بما يصبو ويريد، ورأى خذلانهم كره الحياة وتمنى الموت، وكان يتوجه إلى الله بالدعاء ويطلب منه عز وجل أن يعجل منيته، فمما روي عنه أنه خطب يوماً فقال: اللهم إني قد سئمتهم وسئموني، ومللتهم وملوني، فأرحني منهم وأرحهم مني، فما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم، ووضع يده على لحيته2، وقد ألح علي رضي الله عنه في الدعاء في أيامه الأخيرة، فعن جندب قال: ازدحموا على علي رضي الله عنه، حتى وطئوا على رجله فقال: إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، ف أرحني منهم وأرحهم مني3. وفي رواية أخرى عن أبي صالح قال: شهدت عليّا وضع المصحف على رأسه حتى تقعقع الورق فقال: اللهم إني سألتهم ما فيه فمنعوني، اللهم إني قد مللتهم وملوني وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على خير أخلاقي، فأبدلهم 1التاريخ الصغير للبخاري1/41)، خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص431.) 2مصنف عبد الرزاق10/154) بإسناد صحيح، الطبقات3/4) بإسناد صحيح 3الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم1/37) بإسناد حسن، خلافة علي، ص (432.)

عدد الصفحات ٨٧

88 بي شرّا مني، وأبدلني بهم خيراً منه م ومث قلوبهم ميثة الملح في الماء1 . وفي رواية: فلم يلبث إلا ثلاثاً أو نحو ذلك، حتى قتل عز وجل 2، وقال الحسن بن علي: قال لي علي رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنح لي في الليلة في منامي، فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد3؟ قال: «ادع عليهم»، قلت: اللهم أبدلني بهم من هو خيراً منهم، وأبدلهم من هو شر مني لهم، قال الحسن رضي الله عنه : فخرج فضربه الرجل4. رابعاً: علم أمير المؤمنين بأنه سيستشهد تفيد بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، التي تعد من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، إخبا ره بأن علياً سيكون من الشهداء، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اهدأ فما عليك إ 1سير أعلام النبلاء3/144.) 2المحن، ص99) لأبي العرب، خلافة علي، عبد الحميد، ص432.) 3الأود: العوج، اللدد: الخصومة 4تاريخ الإسلام، عهد الخلفاء الراشدين، ص649.)

عدد الصفحات ٨٨

89 نبي أو صديق أو شهيد»1. وهناك أحاديث أخص من هذا الحديث، تخبر أن عليّا سيستشهد بأرض العراق وتبين كيفية اغتياله أيضاً، وهذا كله يبين صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وبأنه لا ينطق عن الهوى، وإنما يخبر بما أطلعه الله عز وجلعليه عن طريق الوحي، وقد أطلع النبي صلى الله عليه وسلم علياً على ما سيحدث له، وقد آمن علي بذلك وأيقن، فكان يتحدث إلى الناس بذلك، فمما حدث من ذلك في العراق، إذ يروي عنه أبو الأسود الدؤلي، يقول أبو الأسود: سمعت علياً يقول: أتاني عبد الله بن سلام وقد أدخلت رجلي في الغرز، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: العراق، فقال: أما إنك إن جئتها ليصيبك بها ذباب السيف، فقال علي: وايم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله يقوله، قال أبو الأسود: فعجبت منه، وقلت: رجل محارب يحدث بمثل هذا عن نفسه2، وحدث بهذا الحديث في ينبع قبل توليه الخلافة، على من عاده في مرضه، وهو أبو فضالة الأنصاري البدري رضي الله عنه إذ قال علي رضي الله عنه: إني لست ميتاً في مرضي هذا، أو من وجعي هذا، إنه عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أني لا أموت حتى تخضب هذه - يعني لحيته - من هذه - يعني هامته3، 1مسلم4 /1880.) 2تاريخ الذهبي، عهد الخلفاءالراشدين، ص (648.) 3خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص433) طرق الرواية صحيحة بمجموعها

عدد الصفحات ٨٩

90 وحدث به الخوارج وحدث به أصحابه، وقد جمع البيهقي هذه الأحاديث ونحوها في كتابه (دلائل النبوة)1 ، وجمعها الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية2، وعن عبد الله بن داود قال: سمعت الأعمش، عن مسلمة بن سهيل عن سالم بن أبي جعدة، عن عبد الله بن سبع قال: سمعت علياً رضي الله عنه على المنبر يقول: ما ننتظر إلا شقياً، عهد إلي رسو ل الله صلى الله عليه وسلم لتخضبن هذه من دم هذا، قالوا: أخبرنا بقاتلك حتى نبير عترته، قال: أنشد الله رجلاً قتل بي غير قاتلي 3، وقد تمثل رضي الله عنه بأبيات شعر فقال: اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقـيكا ولا تجزع من القتل إذا حلّ بواديـكا 4 وتذهب بعض الروايات إلى أبعد من هذا، إذ تفيد أن عليّا رضي الله عنه يعرف هذا الشقي الذي سيقتله، فيروي عبيدة السلماني، بسند صحيح إليه يقول: كان علي إذا رأى ابن ملجم قال: 1دلائل النبوة6/438-441) تحقيق عبد المعطي قلعجي 2البداية والنهاية7/323-325.) 3كتاب الشريعة للآجري4/2105) تحقيق الدميجي إسناده حسن 4تاريخ الذهبي، عهد الخلفاء الراشدين، ص (648.)

عدد الصفحات ٩٠

91 أريد حـيـاته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مرادى1 وفي رواية أخرى قال علي رضي الله عنه، عن عبد الرحمن بنملجم: أما إن هذا قاتلي، قيل: فما يمنعك منه؟ قال: إنه لم يقتلني بعد2، وقد طلب منه الناس أن يستخلف لما أخبرهم بأنه مقتول، فاعتذر عن ذلك، فعن عبد الله بن سبع، قال: سمعت علياً يقول: لتُخضبنّ هذه من هذا، فما ينتظر بي الأشقى؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، فأخبرنا به نُبير عترته 3 قال: إذاً تالله تقتلون بي غير قاتلي. قالوا: فاستخلف علينا. قال: لا ولكن أترككُم إلى ما ترككم إليه رسول الله، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ - وقال وكيع مرة: إذا لقيته؟ - قال: أقول: اللهمّ تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم فإن شئ ت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم 4. وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم يقول: «إنك ستضرب ضربة ههنا- 1طبقات ابن سعد3/34) إسناده صحيح 2الاستيعاب3/127.) 3نبير عترته: نهلك ذريته 4مسند أحمد2/325) الموسوعة الحديثية، حسن لغيره

عدد الصفحات ٩١

92 وأشار إلى صدغيه - فيسيل دمه حتى يخضب لحيتك، ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود»1. خامساً: استشهاد أمير المؤمنين علي رض ي الله عنه وما فيه من دروس وعبر وفوائد: لقد تركت معركة النهروان في نفوس الخوارج جرحاً غائراً لم تزده الأيام والليالي إلا إيلاماً وحسرة، فاتفق نفر منهم على أن يفتكوا بعلي رضي الله عنه، ويثأروا لمن قتل من إخوانهم في النهروان. وأجمع أهل السير والمؤرخون على ذكر رواية مشهورة2، لا تسلم من انتقادات لاحتوائها على عناصر متضاربة وأخرى مختلفة، ولا نستبعد بدورنا أن تكون هذه الحادثة المهمة قد تعرضت مثل غيرها إلى إضافات وزيادات في الفترات المتأخرة، ويبدو من خلال المصادر والدراسات أن هناك إجماعاً على أن عملية قتل علي تمت على أيدي عناصر خارجية انتقاماً لضحايا معركة النهروان، أما بقية المعلومات الخاصة بالعملية مثل قصة الحب بين ابن ملجم وقطام والدور المزعوم للأشعث الكندي - وسيأتي بيان براءته بإذن الله لاحقاً - وغيرها فيصعب قبولها والتصديق بها، وإليك تفصيل مقتله رضي الله عنه. 1خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ص163،164)، حكم المحقق أحمد ميرين البلوشي - رحمه الله - بالصحة. 2الطبقات لابن سعد 3/35)، تاريخ الطبري 6/58 إلى66) بسند منقطع، مروج الذهب (3/423)، الطبراني1/55-58)، مجمع الزوائد6/249) تاريخ الإسلام والخلفاء الراشدون للذهبي، ص (649)، وفيات الأعيان7/218)، البداية والنهاية7/325.)

عدد الصفحات ٩٢

93 1 - اجتماع المتآمرين كان من حديث ابن مُلجخم وأصحابه أن ابن ملجم والبُرخك بن عبد الله وعمرو بن بكر التيمي اجتمعوا، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهروان، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بهم شيئاً، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسهم فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب - وكان من أهل مصر - وقال البُرخك بن عبد الله: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم، فسموها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثبت كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي صاحبه فيه يطلب1. 2 - خروج ابن ملجم ولقاؤه بقطام ابنة الشّجنة: فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كِنْده، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئاً من أمره، فإنه رأى ذات يوم أصحاباً من تخيْم الربّاب - وكان علي قتل منهم يوم النهر عشرة - فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها: قخطخام ابنة الشّجنة - وقد 1تاريخالطبري (6/59.)

عدد الصفحات ٩٣

94 قتل أبوها وأخوها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال- فلما رآها التبست بعقله، ونسي حاجته التي جاء لها، ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي، قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب، قال: هو مهر لك، فأما قتل علي فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني، قالت: بلى التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينة أهلها. قال: فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سألت، قالت: إني أطلب من يسند ظهرك، ويساعدك على أمرك، فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: وردان فكلمته فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئاً إدّا، كيف تقدر على عليٍّ، قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قال: ويحك لو كان غير عليٍّ لكان أهون علي ، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه - فجاؤوا قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة - فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل علي، قالت: فإذا أردتم فأتوني، ثم عاد

عدد الصفحات ٩٤

95 إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها عليّ سنة 40 للهجرة- فقال: هذه الليلة التي وعدت فيها صاحبي أن يقتل كل منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف، فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف وهرب وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل من أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره بما كان وانصرف فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه، وجثم عليه الحضرمي، فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه، وسيف شبيب في يده، خشي على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غمار الناس فشدوا على ابن ملجم، فأخذوه، إلا أن رجلاً من همدان يكنى أبا أدماء أخذ س يفه فضرب به رجله، فصرعه، وتأخر علي، ورفع في ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بالناس الغداة، قال عليٌّ: علي بالرجل، فأدخل عليه، ثم قال: أي عدو الله، ألم أحسن إليك، قال: بلى، قال: ما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحاً، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، ف قال علي رضي الله عنه : لا أراك إلا مقتولاً به، ولا أراك إلا من شر خلقه 1. 1تاريخ الطبري6/62.)

عدد الصفحات ٩٥

96 3 - محمد ابن حنفية يروي قصة مقتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال ابن الحنفية: كنت والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المصر قريباً من السدّة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة الصلاة، فما أدري أخرج من السدة، فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفاً، ثم رأيت ثانياً، ثم سمعت علياً يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه من كل جانب. قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على عليٍّ، فدخلت فيمن دخل الناس، فسمعت علياً يقول: النفس بالنفس، أنا إن مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي. وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه، إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك، قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف، وسمخمْته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد1. 1المصدر نفسه

عدد الصفحات ٩٦