16 وقد يكون البغاة من الذين يتظاهرون باعتقادهم ويتحيزون بدار ويبتعدون عن مخالفة الجماعة، ولم يحدث أن امتنعوا عن حق أو خرجوا على الطاعة ففي هذه الحالة وجب على الإمام أن يعزر (1) منهم من تظاهر بالفساد ووجب عليه الامتناع عن قتالهم (2). وقد يكون للبغاة قوة ومنعة ويتظاهرون باعتقادهم ويبتعدون عن مخالطة الجماعة ويمتنعون عن الحق ويخرجون على الطاعة وقد نصبوا لأنفسهم قائداً وإماماً وفي هذه الحالة يجب محاربتهم حتى يفيئوا إلى أمر الله وطاعته. وجريمة البغي هذه – وكما سبقت الإشارة إلى ذلك – هي أقرب ما تكون إلى الإره اب في مفهومه الحديث حيث يقارب بعضهم بين المغزى و الهدف السياسي للعمليات الإرهابية وبين التأويل الذي يقول به البغاة(3). وخلاصة القول بعد هذا العرض أن الإسلام أوضح أسلوبين لتخليص المجتمع – أي مجتمع من المجتمعات – من أعمال العنف بصورة عامة والتي تنطوي في بع زواياها على أعمال الإرهاب وأخذت بهما الممارسة السياسية الإسلامية وهي على وجه الخصوص إبان عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وهما أسلوب الوقاية والعلاج، الوقاية وقد تمثلت في مجموعة القيم والمبادئ الإسلامية السامية التي تستهدف تهيئة الروح والنفس البشرية تهيئة صالحة قويمة و التي أشرنا إليها من قبل، والعلاج الذي تمثل بمجموعة الحدود الزاجرة الفاصلة التي تقضي على الداء وتحول و استشرائه وانتشاره والتي تعرضنا لها أيضاً . مواقف إسلامية حديثة القتال لإقامة الدولة الإسلامية -المسألة الأولى: آراء الكتَّاب الإسلاميّ ين في فكرةِ القتال لإِقامَةِ الدولة الإسلامية. أ- الاتجاه الأول: رف استخدام السلاح لإقامة الدولة الإسلامية. ب-الاتجاه الثاني: الدعوة إلى القتال للإقامة الدولة الإسلامية. (1) التعزير : هو ما دون الحد وهو نوع من العقوبة لم يرد به نص ويجوز فيه العفو وقد ترك للإمام حرية تقديره شريطة ألا يتساوى مع عقوبة حد من الحدود، والتعزير قد يكون بالجلد أو تسويد الوجه أو التوبيخ والتأنيب بالكلام، راجع : د. محمد عبد القادر أبو فارس، ، ص 493 ؛ أحمد فتحي بهنسي، ، ص 983 ؛د. محمد رأفت عثمان، ، ص 956 . (2) أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي ، ، ص 61 . (3) د. أحمد جلال عز الدين، الإرهاب والعنف السياسي، ، ص 904 .
عدد الصفحات ١٧17 - المسألة الثانية: ادلة القائلين بعدم مشروعية القتال، أو مشروعيته، لإقامة الدو لة الإسلامية، وبيان الرأي الذي ن ُرَجّحُهُ مع الدليل. أ- أدلة القائلين بعدم مشروعية القتال لإقامة الدولة الإسلامية. الدليل الأول: الضرر المتوقع من استخدام السلاح. الدليل الثاني: أمر الشرع بالصبر على جور الأئمة، واعتبار الحكام، اليوم كالأئمة المنحرفين . . . الدليل الثالث: الانقلابات العسكرية، اليوم من البدع العصرية . الدليل الرابع: الطريقة الشرعية لتغيير الأوضاع هي تغ يير ما بالأنفس. ب-أدلة القائلين بمشروعية القتال لإقامة الدولة الإسلامية: الدليل الأول: دليل الرّدة. الدليل الثاني: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الدليل الثالث: وجوب الجهاد على كل مسلم في كل بلد إسلامي احتله العدو الكافر . الدليل الرابع: الكفر البواح. المسألة الثالثة :هل القتال من أجل إقامة الدولة الإسلامية وحمايتها هو من الجهاد في سبيل الله بمعناه الاصطلاحي؟ الرأي الذي نرجحه ودليله : يقول عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي »(1). ويقول أيضاً: «خذوا عني مناسككم. .»(2). ويقول الله عز وجل في نص عام يشمل الصلاة والحج كما يشمل غيرهما من سائر أحكام الإسلام : ﴿لقد كان لكم في ر سول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾(3). (1) البخاري (جامع الأصول. حديث رقم 3850 ج6/685)، وهو في صحيح البخاري، برقم (539 )فتح الباري : ج 5/999. (2) مسلم وأبو داود والنسائي (جامع الأصول. حديث رقم 9683 ج3/586 )وهو في صحيح مسلم، برقم (9518 ) بلفظ«لتأخُذُوا مناسككم»ج5/143. (3) سورة الأحزاب الآية 59.
عدد الصفحات ١٨18 وبناءً على ما تقدم نقول: كما أن علينا أن نقيم صلاتنا كما أقامها رسول الله ﷺ، وأن نقيم حجنا كما أقامه رسول الله ، كذلك علينا أن نقيم الدولة الإسلامية كما أقامها رسول ا ، لأن النص الشرعي ع لنا جهة الأسوة والقدوة لكل مسألة من مسائل حياتنا، ومنها إقامة الدولة الإسلامية. فكيف أقامها رس ول الله ؟ وهل أذن بالحرب والقتال من أج ل إقامتها أم لا؟ هذه هي المسألة، ومن هنا يلتمس دليلها. - أما الحديث عن مشروعية إقامة الدولة الإسلامية في الأصل، قبل الحديث عن كيفية إقامتها، فلا داعي للبحث الطويل فيه، ولا للوقوف عنده، لأن هذه ا لمشروعية أمر مفروغ منه لا يجادل فيه أحد . هذا و قد ردّ الأستاذ الدكتور «فتحي الدري »على تشكيك بع الكاتبين المحدث(1) في هذه المسألة، فقال: «ليست السياسة في التشريع الإسلامي أمراً عارضاً قد ألجأت الظروف إلى اتخاذه سبيلاً لتدبير شؤون المسلمين في مجتمعهم الجديد في «المدينة»بعد الهجرة، وإنما كانت استمراراً لما بدأ أولاً في مكة قبل الهجرة، إبان ظهور الدعوة، يؤكد هذا بيعة العقبة الأولى والثانية (2) .إذ كانت كلتاهما عقداً تاريخياًحقيقياً بين الرسول وبين وفود المدينة، قامت على أساسه الدولة الإسلامية، وكانت الهجرة إحدى النتائج التي ترتبت عليهما، بأمر الله عزّ و جلّ ، وأما بعد الهجرة فقد رأينا من مظاهر سيادة الدولة من الناحية العملية ما يثبت قيام الدولة فعلاً، وليس أدل على ذلك من توافر عناصرها : من المجتمع، والتشريع، والموطن ، والسلطة الحاكمة، إذ لم يثبت أن كان لغير الرسول سلطة في هذا المجتمع الجديد، أو تدبير شؤون الحكم فيه. . »(3). إذن، مشروعية إقامة الدولة الإسلامية أمر لا جدال فيه، ولسنا هنا بشأن البحث فيه! وإنما بحثنا هنا في مسألة إقامة الدولة الإسلامية، وهل من المشروع استخدام القتال أو الاستعداد لاستخدام القتال من أجل إقامتها، أم لا؟ و يشير الكلام السابق للأستاذ الدكتور فتحي الدريني على أن الدولة الإسلامية قامت على أساس «البيعة»بوصفها عقداً قد تم بين الرسول، وبين وفود المدينة، عند العقبة. ويقول في كتاب آخر له بخصوص الحديث عن نص «بيعة العقبة الكبرى»:« ويستنبط من مضمون هذا النص الذي أقره الرسول .فكان شرعاً ثابتاً بالسنة التقريرية(4)- مبادئ على غاية من الأهمية والخطورة (1) وهو القاضي الشرعي المصري في عهد الملك فؤاد (علي عبد الرزاق ) في كتابه : «الإسلام وأصول الحكم» (2) سيرة ابن هشام، وشرحها : الروض الأنف: 984-590 . (3) خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم –الدكتور فتحي الدريني : 353- 354. (4) الإشارة هنا إلى كلام العباس بن عبادة الخزرجي في بيعة العقبة الذي جاء فيه : « . . .إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس»سيرة ابن هشام(الروض الأنف 5/919.)
عدد الصفحات ١٩19 نعرضها فيما يلي : ... (ثم يقول): سادساً : إن بيعة العقبة الكبرى بما ثبت أنها كانت مفتاحاً للنصر . . . ولإقامة الدولة الإسلامية بعد مد ة وج يزة منها، قد جعلت هذا العهد والميثاق حقاً في عنق كل مسلم عبر العصور والاجيال إلى يوم القيامة . . .»(1). فإذا كانت بيعة ا لعقبة - كما يقول د . فتحي الدريني – مفتاحاً للنصر، ومفتاحاً لإقامة الدولة الإسلامية – فمعنى هذا الدليل على طريقة إقامة الدولة الإسلامية يكمن فيما جاء في هذه البيعة. ومن هنا فعلينا أن ننظر فيما جاء فيها: هل أشير إلى استعمال الحرب والقتال لإقامتها أم لا؟ إذن، لابد من الرجوع إلى المداولات التي جرت في بيعة العقبة، والبنود التي تمت البيعة على أساسها لنفتش فيها عن الحكم الشرعي في مسألتنا هذه. 9- جاء في زاد المعاد لابن القيم ما نصه: «عن جابر: إن النبي لبث بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في المواسم، ومجنة(2)، وعكاظ(3)، يقول: من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي، وله الجنة؟ فلا يجد أحداً ينصره، ولا يؤويه، حتى إن الرجل ليرحل من مضر، أو الي من إلى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون له : احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمش ي بين رجالهم يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ ، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى اهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الا نصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، وبعثنا الله إليه، فائتمرنا، واجتمعنا، وقلنا : حتى متى رسول الله يطرد جبال مكة، ويخاف، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا بيعة العقبة . فقال له عمه العباس: يا ابن أخي ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب ، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين ، فلما نظر العباس في وجوهنا قال : هؤلاء قوم لا نعرفهم ، هؤلاء أحداث ! فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال : تبايعوني على السمع والطاعة، في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، وتمنعوني ماا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم ولكم الجنة. فقمنا نبايعه فأخذ بيده «أسعد بن زرارة »وهو أصغر السبع فقال: رويداً يا أهل يثرب! إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فأما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله . وإما (1) دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر 5/881 . (2) مجنة: موضع بأسفل مكة على أميال ، وكان يقام بها سوق . (3) عكاظ: سوق بصحراء بين نخلة والطائف، كانت تقوم هلال ذي القعدة وتستمر عشرين يوماً،تجتمع قبائل العرب فيتعاكظون«يتفاخرون ويتناشدون».
عدد الصفحات ٢٠20 أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند ا. فقالوا: يا أسعد! أمط عنا يدك فو الله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلاً رجلاً، فأخذ علينا وشرط، يعطينا بذلك الجنة». جاء في تحقيق هذا النص: أخرجه أحمد والبيهقي وصححه الحكام ووافقه الذهبي وقال ابن كثير في السيرة هذا إسناد جيد على شرط مسلم، وصححه ابن حبان (1). 5- وجاء في سيرة الن لأبن هشام: «قال ابن اسحاق: وكان في بيعة الحرب – حين أذن الله لرسوله بالقتال – شروط سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى . . . وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله في الحرب، فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه، و اشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة». ثم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وكان أحد ال نقباء ببيعة العقبة الثانية. يروى عنه قوله : «بايعنا رسول الله بيعة الحرب... على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف بالله لومة لائم!»(2). 3 - هذا بع ما جاء في بيعة العقبة وبنودها ماا يتصل بمسألتنا، مسألة : «طريقة إقامة الدولة الإسلامية، والحكم في استعمال القتال لأجل ذلك»؟ و إننا نستنتج مما تقدم عدة أمور منها: (9) أن الرسول في العهد المكي كان يطلب النصرة من زعماء القبائل العربية، ورجالها، القادمين إ الحج، حتى يستطيع أن يُبلّغ الدعوة الإسلامية إلى الناس، فيعتنقوها من دون خوف من فتنة أو بطش. (5) أن طلب النصرة للدعوة الإسلامية استجاب له بع أهل القوة والمنعة من أهل يثرب، فنصروا الدع وة الإسلامية في بلادهم، في حين بقي رسول الله في مكة، وسرعان ما انتشر الاسلام في المدينة، وتجاوبت أجواؤها مع الدعوة الإسلامية . «ح لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام» .كما جاء في الرواية الأولى ومثل هذا التعبير لا يفيد أنأهل المدينة قد أصبحوا كلهم مسلمين، حتى ولا أن المسلمين صاروا هم الأكثرية، وإنما يدل على أن الجو في المدينة صار جو تجاوب ظاهر مع الدعوة الإسلامية. (1) زاد المعاد لابن القيم بتحقيق : شعيب الأرناؤوط ج 3/46-45 . (2) سيرة ابن هشام، وشرحها : الروض الأنف:5/505 .
عدد الصفحات ٢١21 (3) شعور الممثلين للمسلمين في المدينة من أهل القوة والمنعة أنهم يستطيعون أن يأتوا برسول ا ﷺ إلى بلادهم، وأن يبذلوا له الحماية، وأن يقدموا النصرة للدعوة، وأن يقيموا الدولة الإسلامية على أرضهم، مع أنهم ليسوا من القادة المشهورين . بل كما وصفهم العباس عم النبي - وهو الخبير بأهل يثرب وزعمائها - «هؤلاء لا نعرفهم، هؤلاء أحداث » !ولكنهعلى الرغم من ذلك أحس بلهجة الصدق في حديثهم، وتيار العزيمة الماضية في نفوسهم، والوفاء بما هم قادمون من أجله، ولو على محاربة كبار قاداتهم وأشرافهم !. (4) أن تنفيذ عهد النصرة للرسول ، بوصفه رئيساً على المدينة، أي: بوصفه رئيساً للدولة الإسلامية التي ستقوم على الحكم بالإسلام إنما يبدأ منذ وصول رسول ا لله إلى المدينة: «وأن تنصروني إذا قدمت عليكم»أي: منذ إقامته للدولة الإسلامية في المدينة. (6) تسميته هذه البيعة، بيعة الحرب، لما فيها من نص على وجوب الحرب والقتال ضد كل من يتعرض للوضع الجديد الذي سيقوم في المدينة، حتى ولو كانت القوى المعادية لهذا الوضع الجدي د تنتمي إلى الأحمر والأسود من الناس. جاء في السيرة الحلبية: «أي: على حرب من حاربه من العجم والعرب »(1). (5) أخذ العهد على أصحاب القوة والمنعة الذين استعدوا لحمل السح في سبيل حماية الوضع الجديد. نقول: أخذ العهد عليهم أن يسمعوا ويطيعوا للقيادة الجديدة، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، مان يعينهم الرسول ، أو يختارهم المسلمون للحكم وتولي المناصب، ولو كانوا من غير الأنصار – أي: أن لا ينازعوا أهل السلطة بحجة أنهم أولى من غيرهم بتولي مقاليدها، لأنه بنصرتها قامت الدولة الإسلامية، وباستعدادهم للموت انتصرت الدعوة الإسلامية . هذه هي أهم الأمور التي قامت عليها الدولة الإسلامية على عهد رسول الله ﷺ ومنها يتجلى بوضوح مشروعية القتال واستعمال السلاح ضد كل من يقف في وجه إقامتها بمجرد وصول من أخذ البيعة على رئاسة هذه الدولة إلى البلد الذي تقرر إقامة الدولة الإسلامية فيها. صحيح أنه لم ترق قطرة دم واحدة حين إقامة هذه الدولة الإسلامية ولكن لم يكن ذلك بسبب المنع من القتال من أجل إقامة الدولة الإسلامية فالنصوص الشرعية المتعلقة ببيعة العقبة أكدت على مشروعية القتال من أجل هذا العرض بما لا يدع مجالاً للشك في تلك المشروعية. وإنما الذي حدث أن أصحاب القوى المعادية حين رأوا أن البساط قد سُحب من تحتهم من حيث لا يشعرون، ورأوا القادة الجدد للبلاد عازمون على سحق كل تحرك مريب، أو ثورة مضادة، و عازمون على الصمود، بل على حرب الأحمر والأسود من الناس، فيما لو تعرضوا للدعوة الإسلامية، والدولة الجديدة . (1) السيرة الحلبية، لابن برهان الدين الحل : ج 5 /98 –91 .
عدد الصفحات ٢٢22 نقول: حين أحس أصحاب القوى المعادية هذا العزم من قادة البلاد الجدد، انكفؤوا على أنفسهم يجترون أحقادهم في قلوبهم المريضة، و راحوا ينافقون على الدعوة الإسلامية الجديدة، والسلطة الجديدة. و التي هي على علم بما يقوم به هؤلاء جميعاً ، وبما تُكن قلوبهم – ولكن السلطة الإسلامية الجديدة تسامحت و بذلت لهم كل تكريم وإغضاء، ما داموا لا يُظهرون ما يبطنون، ولا يتحركون في نشاط تكون منه الدعوة الإسلامية و دولتها في خطر! وبناءً على هذا، فطريقة إقامة الدولة الإسلامية اليوم – و إعادتها بعدما زالت ، ومضى على زوالها ردح من الزمن – هي الطري قة نفسها التي اتبعها رسول الله من أجل إقامتها. ويتحقق ذلك بعدة أمور هي: (9) إيجاد أجواء في بلد ما من البلاد الإسلامية تتجاوب مع الدعوة الإسلامية حتى يصبح لها رأي عام يؤمن بهذه الدعوة، ويطالب بما تنادي به من أفكار وأنظمة ! مع الاستعداد لنصرتها، والتضحية في سبيلها. (5) فإذا حدث ذلك، أو كان التجاوب مع الدعوة الإسلامية موجوداً في أي بلد تتوافر فيه مقومات الدولة – كما ك ان عليه وضع المدينة على عهد رسول الله بالنسبة لظروف ذلك الزمان –حينئذ يجر ي البحث عن أهل نصرة قادرين على تسليم السلطة لمن تأخذ له البيعة، بوصفه رئيساً للدولة الإسلامية، بحيث تستطيع القوى التي يملكها أهل النصرة هؤلاء أن تسحق كل تمرد على الوضع الجديد من الداخل، وأن تتصدى لأي قوة خارجية مح تملة تحاول ضرب هذا الوضع الجديد من الخارج . (3) فإذا تم جمع أهل النصرة هؤلاء أُخذت البيعة لمن يختار رئيساً للسلطة وأُعلن قيام الدولة الإسلامية، وتغيير النظام القائم، وجعله نظاماً إسلامياً، ووُضعت القوى التي يملكها أهل النصرة على أهبة الاستعداد للتصدي لكل من تسول له نفسه أن يحارب الحكم بما أنزل الله الذي يطالب به الرأي العام في البلاد. وهنا: - إذا سكتت سائر القوى على هذا الوضع الجديد، واعطت ولائها له، صارالأمر كما تم على عهد رسول الله ، وبقي كل في مكانه من أصحاب المناصب في ضوء أحكام الإسلام، ومصلحة الدولة الإسلامية. - وأما إذا تمردت بع القوى لضرب الدولة – فإن نص بيعة العقبة الثانية يقرر مشروعية القتال لتأمين الحماية للوضع الجديد، و هذه هي طريقة إقامة الدولة الإسلامية اليوم. وهذا هو الحكم الشرعي في مسألة القتال أو ما يوصف بالجهاد - تجوزاً - لإقامة الدولة الإسلامية ، و ذلك إستنباطاً ماا تدل عليه بيعة العقبة الثانية التي أقام الرسول على أساسها الدولة الإسلامية.
عدد الصفحات ٢٣23 وهنا قد يخطر بالبال سؤال، وهو: قد يقف في وجه إقامة الدولة الإسلامية قطعات عسكرية، وقد يأمرها قائدها بالقتال، وسيكون فيها – حتماً – مسلمون، فما الحكم الشرعي هل هو في القتال في صفها، أو القتال ضدها؟ والجواب: أن القتال في صفها حرام، لأنها قوة باغية خرجت على سلطان الدولة الإسلام ية. ولذا، فعلى كل مسلم في تلك القطعات العسكرية أن ينسحب منها وإذا أكره على البقاء فيها فعليه أن لا يمارس أي دور يؤدي إلى إراقة دماء المسلمين من أهل العدل مان يقف في صف الدولة الإسلامية . وذلك لحرمة دماء المسلمين بلا سبب شرعي يبيح ذلك .«كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله »(1). -وأما القتال ضد هذه القطعات فهو قتال واجب: لأنه قتال للبغاة، الذين خرجوا على طاعة الإمام كما تقدم في بحث قتال أهل البغي. -فإن كان لا خطر من التفاوض معهم لجلبهم إلى الطاعة مًشًت رُسُلُ الصلح بينهم وبين الدولة الإسلامية – وإن كان هن اك خطر من تأخير الحسم في هذاالأمر، حسم أمرهم بالقتال (2).ومن ُيقتًل منهم من المسلمين فهو مسلم ولكنه عاصٍ إذا كان عارفاً بالحق وقاتل ضده، ومن قتل من أنصار الدولة الإسلامية الناشئة فهو من شهداء الآخرة، كما سبق تقريره في «قتال البغاة». ونأتي إلى المسألة الأخة من هذا البحث وهي: هل القتال من أجل الدولة الإسلامية وحمايتها هو من الجهاد في سبيل الله بمعناه الاصطلاحي؟ والجواب عن ذلك يختلف باختلاف الجهات التي تتحرك لضرب الدولة الإسلامية حين الإعلان عن قيامها. فإذا كانت هذه الجهات هي جهات داخلية تنتمي إلى الإسلام، فالقتال ضدها هو نوع من قتال البغاة. وقد سبق اختلاف الرأي في وصف هذا القتال، ورجحنا القول بأنه ليس من الجهاد في سبيل الله بمعناه الاصطلاحي. وإن كانت الجهات التي تحركت لضرب دولة الإسلام هي جهات داخلية، ولكنها غير إسلامية وإنما هي من مواطني الدولة الإسلامية، من أهل الذمة، قد خلعت الطاعة، وراحت تقاتل الدولة الجديدة لإعادة الوضع في البلاد إلى ما كان عليه من الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا هو: «القتال ضد الثائرين على الدولة الإسلامية من المواطنين غير المسلمين». (1) مسلم: رقم (5654 )ج4/9185 .وانظر جامع الأصول: ج 5/653، وجاء هذا المعنى عند البخ اري في حديث آخر، يقول فيه: « . .فإن دماءكم واموالكم وأعراضكم عليكم حرام . . . ». (2) المغني لابن قدامة: 90/64 .
عدد الصفحات ٢٤24 و أما إن شن هذا القتال على الدولة الإسلامية جهات خارجية فإن كانت جهات من دول العالم الإسلامي – أي من بلاد المسلمين، فالحكم في شأنها كالحكم في شأن الخارجين على الدولة من الداخل . أي: للمسلمين من الخارجين حكمهم، ولغير المسلمين من الخارجين حكمهم؛ وذلك لأن الدولة الإسلامية تعتبر بلاد المسلمين كلها بلاداً واحدة، كما تعتبر رعايا تلك البلاد كرعايا الدولة الإسلامية، وتعمل على أن تنضم هذه البلاد ورعاياها في دائرة هذه الدولة الإسلامية الوليدة، لأن الإسلام يوجب على كل المسلمين، على اختلاف بلادهم الإسلامية،أن تكون في عنقهم بيعة لخليفة المسلمين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية »(1) ولذا يجب عليهم إرسال البيعة، أو إعلان الولاء للخليفة الجديد . وهذا معناه : الانضمام للدولة الإسلامية. فالبلاد التي تأبى الانضمام تعامل معاملة بلاد اهل البغي.أي : تمشي رسل الصلح بينها وبين السلطة الاسلامية الجديدة،قبل أن يلجأ إلى الحسم العسكري معها . وأما إذا كانت الجهات الخارجية التي شنت القتال على الدولة الاسلامية ، إنما هي من دول غير العا الإسلامي – أي :من بلاد الكفار والمستعمرين فإن القتال ضد هؤلاء هو من الجهاد في سبيل الله بمعناه الاصطلاحي ،لأنه ينطبق عليه تعريف الجهاد الشرعي وهو : «قتال من لا ذمة له من الكفار(2)،لإعلاء كلمة الله عز وجل » . (1) أخرجه مسلم رقم : 9869 .ج3/9488 – وانظر: جامع الأصول: ج 4/88 . (2) المعجم الوسيط: مادة (جهد) .
عدد الصفحات ٢٥25 الخاتمة: في بحثنا هذا تعرضنا لموضوع الجهاد، وقدمنا تعريفاً له ، لغةً و اصطلاحاً، و قد أوضحنا أن للجهاد مدلولاً أعم من القتال كما فهمه بعضهم ، و منهم المستشرقون الذي ن حاولوا النيل من الإسلام، نتيجة من فهم القاصر لحقيقة و معنى الجهاد في الإسلام. و بالرجوع الى السنة النبويةالشريفة، تبين لنا أن الجهاد ليس هجومياً و لا دفاعياً بالمعنى الذي يزعمه المستشرقون و من يتبعهم، فالهجوم على الغير دونما سبب أمر يحرمه الإسلام،كما أن عالمية الإسلام تستوجب الدعوة له، و نشره ما استطعنا الى ذلك سبيلاً، و عندها أولاً يدعى الى الإسلام غير المسلمين، فإن لم يقبلوا، فيطلب منهم الإستسلام، فإن لم يقبلوا قاتلناهم، و لكن بالتفصيل الذي أوضحناه في متن البحث. و قد تناولنا سبب الجهاد و ذكرنا آراء من ي رى أن السبب هو الكفر، وهناك من قال : أن السبب هو القتال، و قد رتب هذا الإختلاف أخطاء ذكرناها، و أوضحنا الردود عليها . و لأن الجهاد قد مر بحقب مختلفة، لكل واحدة منها صفاتها الخاصة بها، فقد ميزنا حقبة الجهاد المكي ، و الجهاد الهجري، و الجهاد المدني، و نود الإشا رة الى الجهاد في المدينة المنورة قد تنوع ، إذ كان هناك جهاد بالحجة و البيان، و تبليغ القرآن، ثم جهاد بالقتال إذناً لا وجوباً، و بعد ذلك الجهاد بالقتال وجوباً . و بعدها إستعرضنا الجهاد في العصر الحالي، حيث ظهرت مواقف لثلاث فئات : فهناك فئة تريد إماتة الجهاد، و فئة ثانية تعلن الحرب على العالم كله، و الفئة الثالثة هي فئة التوسط و الإعتدال. ثم انتقلنا الى بيان العلاقة بين الجهاد و مصطلح الإرهاب، نتيجة من الخلط الحاصل و التداخل القائم بين المفهومين، فقدمنا عدة تعاريف للإرهاب من أكثر من مصدر،وأشرناالى مساهمات الفقه الدولي في التعريف بالإرهاب، و بعدها تحدثنا عن دوافع الإرهاب، و التي تتعدد و تتنوع نتيجة من تباين وجهات نظر الباحثين الدارسين لموضوع الإرهاب، و تمكنا من بيان دوافع الإرهاب على المستوى الفردي، و هي تختلف بإختلاف شخصية الإرهابي و الظروف التي يعيش فيها، و الضغوط التي يتعرض لها، و من الباحثين من ركز في الدوافع النفسية ، و منهم من إهتم بالجوانب المادية، و آخرون أعاد الأمر الى غير ذلك من الأسباب، فتحدثوا عن ظروف تأريخية و جغرافية، و حرمان اجتماعي و اقتصادي، و صراعات عرقية و دينية، و اتجاهات إنفصالية، و افتقاد الممارسة الديمقراطية، و استبداد بع الأنظمة الحاكمة .
عدد الصفحات ٢٦26 و كان لابد أن نذكّر بمواقف إسلامية في التأريخ، فالإسلام دين سماوي الهي، يتميز من العدالة و السماحة و السمو، و قد عالج معالجة مثالية ما في النفس البشرية من جموح و رغبات، و استأصل منها غرائز العدوان و العنف، و غرس فيها من المباديء و القيم ما جعلها تعرف حقوقها و تؤدي واجباتها، و هكذا أقام الإسلام توازناً انعكست آثاره على حياة المسلمين أمناً و رخاءً ، و تقدماً في المجالات كافة، بعدما كفلت مباديء الإسلام، الحرية للجميع من عرب و عجم، بي أم سود، فكانت المساواة ا لإقتصادية مضمونة للجميع و العمل متاح لكل قادر عليه، و الحرية سمحت لكل واحد ابداء رأيه و اسماع صوته للحاكم الى جانب حرية العبادة، فلم يكره أحد على دخول الإسلام، و إنما كان ذلك طواعية ، واختيار و اقتناع بالحجة و المنطق السليم، و الجدل بالتي هي أحسن، و في مقابل هذا كله وضع الشرع الإسلامي قواعد و عقوبات لمرتكبي الجرائم و كل من يعتدي على الأنفس أو الأموال أو الأخلاق العامة و قيم المجتمع . وهكذا حدد الشرع الإسلامي الجرائم التي تقع على عموم المجتمع، و هو ما يعرف بالحرابة، و جرائم البغي، و هذان النوعان من الجرائم يمثلان نمطاً من أنماط العنف الموجه ضد المجتمع، و موازنة بما هو حادث في عصرنا هذا، فإن جرائم البغي أقرب الى الإرهاب بمفهومه الشائع . و بعد تحديد هذه الجرائم فقد قرر الشرع الإسلامي العقوبات المناسبة لها في الحدود التي شرعت عقاباً على هذه الجرائم. و ارتأينا الإ شارة الى مواقف اسلامية حديثة بشأن القتال لإقامة الدولة الإسلامية، فإن هذه القضية أثارت مسائل عدة اختلطت فيها المفاهيم، وحدث اختلاف في توصيف هذا القتال، و بيان طبيعته، هل هو جهاد بالمفهوم الإصطلاحي للجهاد أم أنه أمر آخر؟ كما ظهرت اتجاهات عدة بين مؤيد و راف للقتال لإقامة الدولة الإسلامية، فهناك من دعا الى القتال لإقامة الدولة الإسلامية، و في المقابل هناك من رف استخدام السلاح لإقامة الدولة الإسلامية، و كان لكل فريق ادلته و حججه ، التي يستند اليها لتسويغ رأيه و وجهة نظره، و بعد أن عرضنا هذا كله، انتقلنا لبي ان الرأي الذي نرجحه مع الدليل عليه .و قد أثبتنا أولاً على أن مشروعية اقامة الدولة الإسلامية أمر مفروغ منه، و لا جدال فيه أو عليه.و بالإستناد الى السنة النبوية الشريفة استنتجنا أن الرسول الكريم طلب النصرة للدعوة الإسلامية، و قد استجاب له بع أهل القوة و المنعة من أهل يثرب (المدينة المنورة فيما بعد ) فنصروا الدعوة الإسلامية ، بينما بقي الرسول صلى الله عليه و سلم في مكة المكرمة، وان هجرة الرسول الكريم الى المدينة المنورة هي بدايةاقامة الدولة الإسلامية،التي اصبح على رأسها الرسول صلى الله عليه و سلم . و في هذه الدولة الجديدة ، دولة الإسلام، تنوع الجهاد بمفهومه الإصطلاحي، فكان هناك جهاد بالحجة و البيان، وتبليغ القرآن، ثم جهاد بالقتال إذناً لا وجوباً، و أخيراً أصبح الجهاد بالقتال وجوباً، و من الواضح أن هناك تدرجاً في الدعوة الى الجهاد، وهذا أسلوب تميز منه الدين الإسلامي،و كان سمة بارزة لمعالجة الكثير من المسائل، وهكذا يمكننا بالإستناد الى السنة النبوية الشريفة أن نستدل و نستنتج ، ان الجهاد الوجوبي حدث
عدد الصفحات ٢٧27 زمن الرسول محمد صلى الله عليه و سلم،بعد اقامة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، و جرى تطبيق الجهاد و ماارسته فعلياً ، إما تحت إمرة الرسول الكريم مباشرة، أو بتفوي منه، حيث جاهد المسلمون تحت امرة غير مباشرة من الرسول صلى الله عليه وسلم . و بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه و سل م، فإن الخلفاء الراشدين ساروا بالجهاد في الطريق نفسه، و اتبعوا الأسلوب ذاته، و في زمنهم جاهد المسلمون ، إما بإمرة الخليفة مب اشرة، أو بصورة غير مباشرة ، حينما يفوض الخليفة قائداً معيناً للجهاد في حدود الدولة الإسلامية أو خارجها. و في العصر الحالي إذا أردنا تحديد مفهوم الجهاد، قلنا أنه لا بد أن يشابه الجهاد زمن الرسول الكريم و الخلفاء الراشدين ، و ذلك من حيث المعنى و أسلوب التطبيق و الممارسة على حد سواء، فالجهاد جائز و صحيح في ظل دولة إسلامية، و يكون القيام به بأمر الحاكم المسلم، و تحت قيادته و إمرته مباشرة، أو بتفوي منه عندها يكون الجهاد تحت قيادته بصورة غير مباشرة، وهذا هو رأينا فيما مطروح من مسائ ل الجهاد في زمننا الحاضر، و الله من وراء القصد . كتبه الشيخ خليل الميس عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي 4131هـ2143م
عدد الصفحات ٢٨