المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

خليل الميس

غير معروف

صفحة ١ من ٢

الدورة الحادية والعشرون لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي 5341هـ- 3154م الجهاد بين النظرية والتطبيق إعداد الشيخ خليل الميس عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي 4141هـ-3144م

عدد الصفحات ١

1 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده محمد و على آله و صحبه، و أما بعد، مجمع الفقه الإسلامي قد أحسن صنعاً بطرح موضوع التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد موضوعاً للبحث، لما له من أهمية و حضور على اتساع الوطن العربي و العالم الإسلامي، فهذا الموضوع تقاذفته الأهوا ء ، و تضاربت فيه الآراء و تشتت،الى الحد الذي إختلط فيه الحابل بالنابل كما يقال،إذ عمت الفوضى و تبادل العديد من الفرقاء التهم ، حتى طاشت السهام و تكسرت السيوف و قطعت الرؤوس . فاغتنم الأعداء هذه الفتنة ليصوبوا سهام نقدهم الى الإسلام ديناً و الى المسلمين أمة و شعوباً، و جعلوا من ذلك ذريعة تسوغ لهم اعلان الحرب على المسلمين حيثما كانوا، و غني عن البيان أنه منذ اكثر من ستين عاماً إغتصب الصهاينة فلسطين ، و شردوا شعبها و د نسوا مقدسات المسلمين ، و على الرغم من هذه الجريمة النكراء ، فإن الدول الكبرى تقبلت ذلك و لم تعترض عليه متجاهلة حقوق العرب و المسلمين، كما أنكروا حق الفلسطينيين في إسترداد وطنهم المغتصب و تحريره من دنس الغاصبين الصهاينة المحتلين . و وصفوا جهادهم بالإرهاب ، علماً أنه من صحيح الشريعة الإسلامية بشرط أن يحكم نهجه و يمارس كما مورس زمن الرسول الكريم و ا لخلفاء الراشدين. حيث مر الجهاد بحقب ففي مكة المكرمة كان هناك جهاد بالحجة و البيان و تبليغ القرآن ، و في المدينة المنورة إتسع فصار الجهاد بالقتال إذناً لا وجوباً ، وأخيراً أصبح الجهاد بالقتال وجوباً، و هكذا إستقر المفهوم الإصطلاحي شاملاً هذه المفاهيم كلها حتى قيل : الدعوة دعوتان ، دعوة بالبيان و دعوة بالبنان ، و بالطبع فإن الدعوة بالبيان أهون من الثانية ، لأن في القتال مخاطرة الروح و النفس و المال، و ليس في دعوة التبليغ شيء من ذلك، و عليه فإذا إحتمل المقصود بأهون الدعوتين لزم الإفتتاح بها . و هذا ما فعله الرسول الكريم و هو من هو في حكمته و نفاذ بصيرته ، و لكن أمر الجهاد قد اختلف المسلمون فيه بزماننا الحالي كما أسلفنا، و هكذا نرى لابد من تصويب المسار و اعادته الى ما كان عليه الحال زمن الرسول صلى الله عليه و سلم . و من يتولى هذه المهمة المباركة غير فقهاء الإسلا م جنداً ، و مجمعكم الفقهي منبراً ؟ وفي ما يلي مساهمتنا في مؤتمركم الموقر بخصوص التقاتل بين المسلمين ب اسم الجهاد و هو بحثنا المعنون (الجهاد بين النظرية و التطبيق ).

عدد الصفحات ٢

2 في تعريف الجهاد: الجهاد لغةً : محاربة الأعداء، وهو المبالغة، واستفراغ ما في الوسع، والطاقة من قول أو فعل(1). وجاهد في سبيل الله جهاداً، واجتهد في الأمر، بذل وسعه وطاقته في طلبه، ليبلغ مجهوده، ويصل إ نهايته(2). الجهاد: المجاهدة، وغلب على القتال في سبيل الحق(3). مدلول الجهاد في الكتاب والسنّة: هو استفراغ الوسع والطاقة، وتحمل المشقة والصبر عليها في الدعوة إلى الله تعالى حسب ما يقتضيه حال المدعو، من الحج والبيان وبذل الأموال، أو المحاربة بالسيف والسنان بكل ما يمكن أن يجاهد به في كل مكان وزمان، وكل ذلك مبين في الكتاب والسنة . قال عز وجل: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ الآية(4) :أبهم الله في هذه الآية ما يجاهد به ليعمم كل آلات الجهاد ، وقال تعالى : ﴿وجاهدهم به جهاداً كبيراً﴾(5) أي: بالقرآن ، وقال عز من قائل : ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾(6). وأما السنة: فقد قال رسول الله  :«جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم »(7). ومن هنا نعرف أن الجهاد مدلول الشرع أعم من أن يكون قتالاً كما فهمه بع أهل العلم، ماا جعل المستشرقين ينالون من الإسلام بسببه، بل القتال بع أنواع الجهاد، ولا يستعمل إلا عند الضرورة والاضطرار إليه، كالكي للعلاج، وأكبر شاهد على ذلك وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير الجيش، أو السرية وهي: « . . .وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال)، فأي َّتُهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا، فاستعن بالله وقاتلهم»الحديث(8). (1) لسان العرب : 4/901 . (2) المصباح المن (3) معجم متن اللغة9/685 . (4) سورة الحج : الآية 88. (5) سورة الفرقان : الآية 65. (6) سورة التوبة : الآية 49. (7) صحيح، رواه أبو داوود:3/55، والنسائي، المجت: 5/8، وأحمد في المسند: 3/954. (8) مسلم: 3/9368.

عدد الصفحات ٣

3 نلاحظ من هذه الوصية النبوية، أن دعوة الكفار إلى الله بالحجة والبيان، مقدمة دائماً على الدعوة بالسيف والسنان، ومن هنا صار القتال حسناً في نظر العقلاء عكس ما يصوره أعداء الإسلام من الهمجية والوحشية، ولم يدروا أنه علاج للفرد والمجتمع، ويعالج الفرد بأن يخرجه من مرض الكفر إلى عافية الإسلام، والكفر أكبر مرض مدمر للإنسانية، والإسلام هو الشفاء التام. قال ابو عبد الله حمد بن عبد الرحمن البخاري رحمه الله : في الجهاد حسن لمعنى في غيره، إذ فيه قمع أعداء الله، ونصر أوليائه، و إعلاء كلمة الإسلام ... يحمل الكافر على تركه للكفر الذي هو أقبح الأشياء، والإقبال على ما هو أحسن الأشياء، فنفس القتال وإن كان فيه ذم الكفرة ومدح الشهداء، إفساد لهذه البنية الإنسانية، فقد تضمن إصلاحاً وإحياءً وإعلاءً، فكان صلاحاً باعتبار عاقبته والأمور بعواقبها، كالحجامة، والفصل، والزراعةإفساد بصورتها لكن لما آلت إلى الصلاح، جعلت إصلاحاً باعتبار المآل، ثم القتال شرع لدفع الكفرة عن أه ل الإسلام، إذ هم أعداء دين الله، فإن أمكن الدفع بدون القتال لا يتسارع إلى القتل، وإلا حين إذاً تقدم على القتال، انتهى(1). هذا هو الجهادالإسلام،وهكذا فهمه المسلمون الأولون، وقاموا به حق القيام، ولم يكونوا يتنازعون فيما بينهم، هل الجهاد دفاعي أو هجومي. الجهاد ليس هجومياً ولا دفاعياً : لا يجوز وصف الجهاد بالهجوم، ولا بالدفاع، لأنهما كلمتان مستوردتان من قبل أعداء الإسلام، ومفهومهما يخالف مفهوم الجهاد، الهجوم في اللغة: الدخول على غيره بغتة على غفلة منه(2). ويعنون بالهجوم اعتداء دولة أخرى بغير حق كما فعلت روسي ا قديماً في تشيكوسلوفاكيا،وحديثاً في أفغانستان، وهذا يحرمه الإسلام، وكيف يفرضه على المسلمين، هذا معنى الهجوم عند المستشرقين . وأما الدفاع فيعنون به اقتصار دولة بمدافعة من يعتدي عليها، وكل من لا يدخل في دولتها اعتداء، ويحترم حدودها فهو صديقها الحميم، ولا شأن لها فيما وراء ذلك كفر أو أسلم، وهذا أيضاً لا يتفق مع عالمية الإسلام، لأن الإسلام دين الله له حق نشر راياته في جميع أنحاء العالم، ولا غرابة في أن يخطئ المستشرقون في فهم معنى الجهاد، كما أنه لا غرابة في مغالطاتهم، ولكن العجب كل العجب في هؤلاء المسلمين الذي قلدوهم، وفهموا الإسلام بفهمهم، ونظروا إليه بنظرتهم، وكتبوا وما زالوا يكتبون في أن الجهاد دفاعي وليس ابتدائياً، وأعجب من ذلك كله أنهم يستدلون على فكرتهم ببع هذه الآيات القرآنية، ويحملونها ما لا تحتمله. (1) كتاب محاسن الإسلام: ص 89. (2) انظر: المصباح: ص 534.

عدد الصفحات ٤

4 ونرى أن الدفاع بالمفهوم الشرعي، بمعنى أننا لا ننتظرهم حتى يدخلوا بلادنا فندافع، وإنما ندعوهم إلى الإسلام أولاً فإن لم يقبلوا فإلى الاستسلام، فإن لم يقبلوا قاتلناهم، فهذا فيه تفصيل، إن كان مرادهم بالجهاد القتال، وهو بع أنواع الجهاد كما قدمنا، وليس هو كل الجهاد، من إطلاق العام وإرادة الخاص، فنحن معهم، القتال دفاعي، ولا ينازع فيه إلا المكابر، لأنهم إذا امتنعوا من قبول الإسلام أو الاستسلام فهم مقاتلون، أما بالفعل بأن يرفع السلاح علينا ويبدؤوننا بالقتال، وإما بالقوة أي في الحكم بأن يكونوا على تأهب للقتال، ونحن في كلتا الحالتين مدافعون، ويكون الصواب في التعبير الق تال دفاعي، وهذا حق، والواقع يشهد له، ولا يقال: الجهاد دفاعي البتة. في سبب الجهاد: اختلف أهل العلم في السبب الباعث على الجهاد، قال بعضهم : سببه الكفر، وينسب ذلك إلى الشافعي رحمه الله، وقال الجمهور : سببه القتال، وترتب على هذا الاختلاف، أخطاء: الخطأ الأول : فهم بع المتأخرين من قول الشافعي : سببه الكفر، أنه يجيز قتل غير المقاتلة كالراهب، والشيخ الكبير والمقعد، والأعمى والفلاح(1). وهذا يرده قول الشافعي رحمه ا : «ولا يجوز لأحد من المسلمين أن يعمد قتل النساء والولدان، لأن الرسول  نهى عن قتلهم. . .وأنهم ليسوا مان يقاتل، فإن قاتل النساء أو من لم يبلغ الحلم، لم يتوق ضربهم بالسلاح. . . ويترك قتل الرهبان وسواء رهبان الصوامع، ورهبان الديارات، والصحارى، وكل من يحبس نفسه في الترهيب تركنا قتله، إتباعاً لأبي بكر رضي الله عنه(2). والخطأ الثاني: هو بناء بع الكتاب المعاصرين عليه كون الجهاد دفاعياً لا غير، بناء على أن سببه القتال. وأما بالنسبة لمسألة سبب الجهاد فالصحيح أن فيها تفصيلاً، وهو أن الجهاد بمعناه العام سببه الكفر وعلى هذا يدل الكتاب والسنة كما تقدم، وإن أريد بالجهاد القتال من إطلاق الكل وإرادة بعضهم فلا شك أن سببه القتال، وعلى هذا يدل قوله عز وجل: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببع لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز﴾(3). (1) انظر: آثار الحرب ص 908. (2) انظر: الأم 4/531-540 (3) سورة الحج : الآيتان 31-40.

عدد الصفحات ٥

5 حقبالجهاد: للجهاد ثلاث حقب:  الأولى: الجهاد المكي: وهذا الجهاد، كان فرضاً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ أن بعثه الله وأمره بالإنذار، وكان هذا أشق أنواع الجهاد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكم أوذي في سبيله من جهة قومه، حتى اضطر إلى السفر إلى الطائف لعله يجد من يقوم معه في هذا الأمر، ولكنه رجع كما ذهب لحكمة بالغة، وهي كمال رفعته ومنزلته بين العالمين كما قال الإمام ابن الجوزية رحمه الله : «لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام و قبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كم ا لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة كان رسول الله ﷺ في الذروة العليا منه، فاستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان، والدعوة والبيان، والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه، ويده،ولهذا كان أرفع ال عالمين ذكراً وأعظمهم عند الله قدراً، وأمره الله بالجهاد حين بعثه وقال: ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً . فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً﴾(1). فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان،وتبليغ القرآن(2).  الثانية: الجهاد الهجري: من ثمرة جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفردي أن الناس بدأوا في مكة يدخلون في الإسلام شيئاً فشيئاً، ابتداءً من الصديق الأكبر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار، ولما رأت قريش هذا ضيقت عليهم الخناق وآذتهم، وعندئذٍ أمرهم رسول الله ﷺ بالهجرة إلى الحبشة فهاجر إليها طائفة من المسلمين وفيهم ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وزوجه رقية ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إلى المدينة الطيبة، ابتداءً بمصعب بن عمير رضي الله عنه، وانتهاءً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا النوع من الجهاد أشد أنواع الجهاد الذي مر على الصحابة رضوان الله عليهم، إذ هو فراق للوطن والأهل والمال والأحباب إلى ناس لا يعرفون حالهم، وإلى بلد ليس فيه أنيسهم ولا يدرون إلى أين مصيرهم، وهذا كله شاق على النفس تحمله، خاصة إذا كان الإنسان في بلده، ذو نعمة ورفاهية، مثل مصعب بن عمير، كان شاباً من أنعم قريش عيشاً و أعطرهم، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرمية من النعال، وكان رسول الله صلى الله (1) سورة الفرقان : الآيتان 69-65 . (2) زاد المعاد : 5/45، مطبعة مصطفى البابي الحل.

عدد الصفحات ٦

6 عليه وآله وسلم يذكره فيقول : «ما رأيت بمكة أحسن لمة، ولا أرق حلة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير»(1). هذه حاله في بلده مكة وماذا حدث له في المدينة؟ تغيرت الأحوال تماماً، وتبدلت النعومة بالخشونة، حتى وصل الأمر، إلى أنه لم يجدوا ثوباً يكفنونه به عند موته، يروي الإمام البخاري رحمه الله، عن خباب رضي الله عنه، أنه قال: «هاجرنا مع رسول الله ﷺ، نبتغي وجه الله ووجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب من عمير، قتل يوم أحد فلم نجد شيئاً نكفنه فيه، إلا نمرة كنا إذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي رأسه بها، ونجعل على رجليه من اذخر »(2). وكذلك يتجلى صع وبة هذا النوع من الجهاد على بع الصحابة، من قول بلال رضي الله عنه : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أرِدنّ يوماُ من مياه مجنة وهل ي َبْدُوَنْ لي شامة وطفيل(3) ثم يقول : اللهم العن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، ك ما أخرجونا إلى أرض الوباء(4). ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما هم عليه من معاناة شدة الغربة قال: «اللهم حبب إلينا المدينة، كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حمُّاها، فاجعلها بالجحفة(5).  الثالثة: الجهاد المدني: هذه الحقبة من الجهاد، لها ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: الجهاد بالحجة والبيان،وتبليغ القرآن. والمرتبة الثانية: الجهاد بالقتال إذناً لا وجوباً، لقوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير . اللذين أخرجوا من ديارهم بغير حق﴾ . . .الآية(6). (1) انظر: الروض الأنف 9/551. (2) فتح الباري : 8/563 . (3) الفتح: 8/555 .بواد: يريد وادي مكة، وجليل : نبت ضعيف يحشى به خصاص البيوت، مياه مجنة: موضع على أميال من مكة. وكان به سوق، وشامة وطفيل : جبلان بقرب مكة أو هما عينان . انظر الفتح 8/553 . (4) انظر فتح الباري 8/553. (5) انظر الفتح8/555 . (6) سورة الحج : الآيتان 31-40 .

عدد الصفحات ٧

7 قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لما خرج النبي  من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهّلِكُن، فأنزل الله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير﴾ قال: وهي أول آية نزلت في القتال(1). المرتبةالثالثة:القتال وجوباً ، وذلك قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾الآية (2). وبذلك نعلم أن القتال بالمدينة لم يكن مانوعاً يوما من الأيام، هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وإلى هذا يشير الإمام الشافعي رحمه الله بقوله : فأذن لهم بأحد الجهادين بالهجرة قبل أن يؤذن لهم أن يبتدئو ا مشركاً بقتال، ثم أذن لهم أن يبتدئوا المشركين بقتال، قال الله عز وجل: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق﴾ . . .الآية(3). وقال رحمه ا : لما مضت لرسول الله مدة من هجرته، أنعم الله على جماعة باتباعه، حدثت لهم بها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها ففرض الله تعالى عليهم الجهاد، بعد إذ كان إباحة لا فرضاً، فقال تبارك وتعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾(4). وفي العصر الحالي يمكن القول أنه ظهرت في الجهاد ثلاثة مواقف، أو ثلاث فئات: 9- الفئة التي تريد إماتة الجهاد: فئة تريد أن تهُيل التراب على الجهاد، وأن تسقطه من حياة الأمة، وأن تجعل أكبر همها ومبلغ علمها: أن تربي الأمة- كما تقول – على القيم الروحية، والفضائل السلوكية، وتعتبر هذا هو (الجهاد الأكبر): جهاد النفس والشيطان. ومن الغريب أن يتَّفق في هذا الاتجاه: دعاةُ التصوف السلبي الموروث من عهود التراجع والتخلُّف، ودعاة العلمانية الدخيلة، المغتربون، يشاركهم عملاء الاستعمار الغربي والشرقي، من اليمين واليسار، الذين يريدون أن يجردّوا الأمة من أسلحتها، لتبقى عارية مكشوفة أمام اعدائها، فهاجموا فكرة الجهاد، وحركة الجهاد، قديماً وحديثاً، واتهموا الجهاد الحديث بالعدوانية. (1) رواه الحاكم في المستدرك ط /545، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي . (2) سورة البقرة : الآية 595. (3) سورة الحج : الآيتان 31-40 (4) سورة البقرة 595 .انظر: الأم م/959، دار الكتب العلمية ببيروت.

عدد الصفحات ٨

8 2- الفئة التي تعلن الحرب على العالم كله : وفي مقابل هذه الفئة: فئة فهمت الجهاد على أنه (قتال للعالم كله ): من حارب المسلمين، أو وقف في سبيل دعوتهم، أو فتن المسلمين في دينهم . . . ومَن ألقى إلى المسلمين السلم، ومدَّ يد المسالمة و المصالحة للمسلمين، فلم يَشهَر في وجوههم سيفاً، ولم يظاهر عليهم عدواً، فكل الكفار في هذه الفئة سواء في وجوب مقاتلتهم. 3- فئة التوسط والاعتدال: والفئة الثالثة، هي (الأمة الوسط)، التي هداها الله إلى الموقف الوسط، وآتاها العلم والحكمة، ورزقها البصيرة في فقه الشرع، وفقه الواقع، فلم تقع في تفريط الفئة الأولى التي تريد للأمة أن يبقى حقها بلا قوة، ومصحفها بلا سيف، وأن تبقى دارها بلا حرّاس، وحرماتها بلا حمُاة . كمالم تقع في إفراط الفئة ا لثانية وغلوّها، التي تريد أن تقاتل المسالمين، وتشّن الغارة على الناس أجمعين، وتعلن الحرب على الأحمر والأسود، و الشرق والغرب بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان. هل من علاقة بين الجهاد و مصطلح الإرهاب؟ أ - تعريف الإرهاب: يثير لفظ «إرهاب »منذ الوهلة الأولى معاني ا وف أو التخويف، ولفظ إرهاب ومصدره رهب والذي جاءت مشتقاته في أكثر من موضع في القرآن الكريم وهي جميعاً تشير إلى تلك المعاني(1). أما في قواميس اللغة العربية فقد كان القاسم المشترك فيما بينها وفيما يتعلق بمشتقات كلمة «رهب » هو ذلك المعنى الآنف الذكر أي المتعلق بالخوف والتخويف، وقديماً قالوا «رهبوت خير من رحموت »أي لأن ترهب خير من أن ترحم (2)، وتكتنف محاولة التعريف بأي ظاهرة من الظواهر لا سيما في نطاق العلوم الاجتماعية بصورة عامة العديد من الصعوبات، و يواجه الباحث في هذا الخصوص بكم هائل من التحديات التي تجعل من محاولته هذه أمراً غير متيسر أو غير دقيق وغير محدد، ولا عجب في ذلك فالظواهر الاجتماعية هي ظواهر مركبة ومتعددة الأبعاد يختلط فيها العنصر النفسي بالعناصر المادية و الاجتماعية والثقافية والتاريخية. (1 ) انظر: محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (بيروت، دار إحياء التراث العربي، 9146 .)ص 356. وقد وردت مشتقات كلمة «رهب»في الآيات الكريمة التالية : «وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإيي فارهبون » سورة البقرة، آية 40 . «إنما هو إله واحد فإيي فارهبون »سورة النحل، آية 69 .وغيرها من الآيات. (2 ) الشيخ أبي نصر اسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح (بدون نشر، بدون مكان نشر، 9585 ه) ص 65 .

عدد الصفحات ٩

9 أولاً:التعريف الموسوعي والقاموسي للإرهاب:  في موسوعة السياسة نجد أن الإرهاب يعني «استخدام العنف - غير القانوني - أو التهديد به بأشكاله المختلفة كالاغتيال والتشويه والتعذيب والتخريب والنسف بغية تحقيق هدف سياسي معين مثل كسر روح المقاومة والالتزام عند الأفراد وهدم المعنويات عند الهيئات والمؤسسات أو كوسيلة من وسائل الحصول على معلومات أو مال وبشكل عام استخدام الإكراه لإخضاع طرف مناوئ لمشيئة الجهة الإرهابية »(1).  وفي المعجم العربي الحديث نجد أن كلمة إرهاب تعني الأخذ بالعسف والتهديد، والحكم الإرها هو الحكم القائم على أعمال العنف(2).  وفي القاموس السياسي نجد أن كلمة إرهاب تع «محاولة نشر الذعر والفزع لأغراض سياسية، والإرهاب وسيلة تستخدمها حكومة استبدادية لإرغام الشعب على الخضوع والاستسلام لها والمثال التقليدي هو قيام حكومة الإرهاب إبان الثورة الفرنسية عام 9813»(3).  وفي المعجم الوسيط نجد أن«الإرهابي » وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية(4).  وفي موسوعة العروس نجد أن كلمة إرهاب Terrorism تشير إلى مجموع أعمال العنف ال ترتكبها المجموعات الثورية، والإرهابي Terrorist هو ذلك الشخص الذي يمارس العنف، وقد ارتبط وصف إرهابي بزعماء الثورة الفرنسية من اليعا قبة الذين أقاموا حكماً من الرعب والإرهاب في فرنسا 9813(5).  وفي قاموس السياسة نجد أن كلمة إرها Terrorist تعني الشخص الذي يلجأ إلى العنف والرعب ليحقق أهدافه السياسية التي كثيراً ما تتضمن الإطاحة بالنظام القائم(6). (1) د. عبد الوهاب الكيالي وآخرون، موسوعة السياسة (الطبعة الثانية، بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 9186 )الجزء الأول، ص 963. (2) د. خليل الجر، المعجم العربي الحديث (باريس : مكتبة لاروس، 9183 )ص58. (3) أحمد عطية، القاموس السياسي(الطبعة الثالثة، القاهرة : دار النهضة العربية، 9158 )ص46. (4) الدكتور هيثم كيلاني، «إرهاب الدولة بديل الحرب في العلاقات الدولية »مجلة الوحدة (العدد 58، أبريل9110 )ص 34 نقلاً من معجم الوسيط، الجزء الأول، ص385. (5) Grand LarousseEncyclopedique (Paris: Librairie Larousse 1964) Tom dixiem, p.261. (6) Florence Eliott and Michael Summerskill, A dictionary of politics (U.S.A: Ponguin Books,1961), p.329.

عدد الصفحات ١٠

10  وفي قاموس العلوم الاجتماعية نجد أن كلمة ا رهاب تشير إلى «نوع خاص من الاستبداد غ المقيد بقانون أو قاعدة ولا يعير اهتماماً لمسألة أمن ضحاياه وهو يوجه ضرباته – التي لا تأخذ نمطاً محدداً – إلى أهدافه المقصودة بهدف خلق جو من الرعب والخوف وشل فاعلية ومقاومة الضحايا»(1).  وفي قاموس أكسفورد نجد أن كلمة إرهاب Terrorism تعني سياسة أو أسلوب يعد لإرهاب وإفزاع المناوئين أو المعارضين لحكومة ما، بينما كلمة إرهاب Terroristفتستخدم للإشارة إ الأسلوب الذي مارسه اليعاقبة وعملاؤهم إبان الثورة الفرنسية كما أن كلمة «إرها »تشير بوجه عام إلى أي شخص يحاول أن يدعم آراءه بالإكراه أو التهديد أو الترويع(2).  وفي الموسوعة العالمية نجد أن الإرهابي هو ذلك الشخص الذي يمارس العنف وهو لا يعمل بمفرده ولكنه ينخرط في إطار جماعة أو نظام معين وذلك وفقاً لاستراتيجية محددة(3).  وفي قاموس السياسة الحديثة نجد أن كلمة إرهاب تستخدم لوصف ا موعات السياسية التي تستخدم العنف كأسلوب للضغط على الحكومات لتأييد الاتجاهات المنادية أو المطالبة بالتغييرات الاجتماعية الجذرية(4). ثانياً : مساهمات الفقه الدولي في التعريف بالإرهاب بذل المتخصصون في القانون الدولي العام جهوداً ملموسة في مجال التعريف بالإرهاب وتحديد طبيعته وتوضيح جوانبه، وإن كانت هذه المساهمة وحدها تعد غير كافية لتفهم الظاهرة وتلمس طبيعتها وأبعادها حيث غلبة الطابع والنظرة القانو نية على معظم ما قدم في هذا الشأن، و نكتفي بهذه الإشارة بالنظر لكثرة التعاريف و شدة تناقضاتها و التأثير الذي تمارسه ب ع الدول لكي تأتي التعاريف متفقة و مصالحها الخاصة. دوافع الإرهاب: تتعدد دوافع الإرهاب ومثيراته بتعدد وتنوع المواقف التي ينبثق منها الإرهاب وتختلف باختلاف الزمان والمكان وتتعدد أيضاً آراء الباحثين فيمايتعلق بدراسة وتحليل دوافع الإرهاب ومثيراته، (1) Julius Gould (ed) A Dictionary of the Social sciences (London: Tavistock Publications Limited, 1964),p.719. (2) Wiliam Litt le et al. The Shorter Oxford English Dictionary (London: Oxford University Press, 1967), pp, 2155-2156 (3) Encyclopedia Universalies (France: Soutine Tirso, 1985), p.956. (4) David Robertson, A Dictionary of Modern Politics( London: Europa Publication Limited, 1985) ,P.314.

عدد الصفحات ١١

11 - دوافع ارهاب على المستوى الفردي: تتعدد وتتنوع الدوافع التي تقود الفرد إلى الإرهاب وتختلف باختلاف شخصية الإرهابي والظروف التي يعيش فيها والضغوط التي يتعرض لها، وقد عرض الكثيرون لنظريات عديدة توضح لماذا يندفع الفرد إلى الإرهاب وهذه النظريات تختلف باختلاف منظور الباح ث وتركيزه على زاوية دون أخرى فمن الباحثين من يركز على الجوانب السيكولوجية باعتبارها السبب الأساسي في انضواء الفرد تحت لواء الإرهاب ومنهم من يركز على الجوانب المادية حين يذهب فريق ثالث إلى القول بأن العامل الهام في دفع بع الأفراد إلى خضم الإرهاب يكمن في ال ناحية الوجدانية وها نحن نشير إلى هذه الاتجاهات الرئيسية الثلاث مع ضرورة تذكر أن أي منها لا يكفي وحده لكي يكون مفسراً لدوافع الإرهاب لدى الفرد بل إن جميعها مكتملة تلقي لنا الضوء على الدوافع الحقيقية للإرهاب على المستوى الفردي . دوافع الإرهاب على المستوى الوطني: تتنوع دوافع الإرهاب ومثيراته على المستوى الوطني – أي مستوى الدولة الواحدة – وتختلف هذه الدوافع باختلاف الظروف التاريخية والجغرافية والديموغرافية للمجتمع، وعلى أي الأحوال فإنه يمكن إرجاع الإرهاب على هذا المستوى إلى عوامل محددة مثل الحرمان الاجتماعي والاقتصادي، والصراعات العرقية والدينية، والاتجاهات الانفصالية– الثورية – وعدم الشرعية، افتقاد الممارسة الديمقر اطية وظلم واستبداد الفئات الحاكمة. . . إلخ(1). مواقف إسلامية في التأريخ: لم تحدثنا الخبرة الإسلامية في عهدها الذهبي الأول(2) عن الظواهر الإرهابية ال نشهدها تتنشر في أرجاء العالم الذي نعيشه اليوم، ولم تأت هذه الحقيقة مصادفة أو على نحو عشوائي، فالإسلام وهو دين سماوي إلهي يتميز بالعدالة والسماحة والسمو عالج ومنذ البداية في عقيدته وشرعه معالجة مثالية عظمى ما في النفس البشرية من جموح ورغبات غريزية مستهجنة (3)، واستأصل منها غرائز العدوان والهدم والعنف وبث في الأنفس التي اقتنعت بالرسالة الإسلامية وغرس فيها من المبادئ والقيم والمثل ما جعل منها أنفساً مثالية تعرف ما لها من حقوق وتؤدي ما عليها من واجبات، والإسلام حين أقام هذا التو ازن الخلاق المبدع بين الحقوق والو اجبات في نفوس المسلمين قضى ومنذ البداية على أي بذور أو نزاعات عنيفة هدامة في (1) د. جلال عبد الله معوض، مجلة المستقبل العربي، مرجع سبق ذكره، ص 989. د. السيد عبد اللطيف غانم، المجلة السياسية الدولية، مرجع سبق ذكره، ص 560. (2) أعني بهذا فترة حكم رسول ا ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده رضوان الله عليهم أجمعين . (3) انظر في هذا المع: د. محمد عبد القادر أبو فارس، في الأحكام السلطانية (الطبعة الثانية، بيروت، مؤسسة الرسالة، 9183)، ص4.5.

عدد الصفحات ١٢

12 النفس البشرية وبذلك لم يقم إرهاب ولم ينشأ عنف يذكر لأن الأسباب التي تؤدي إليه عالجتها المبادئ والقيم الإسلامية معالجة صادقة حقة، فإذا كانت دوافع الإرهاب تعود إلى جوانب قومية انفصا لية حيث تمارس الجماعات القومية أنشطة إرهابية كوسيلة ضغط وكأداة لتحقيق الانفصال وبلورة شخصية قومية ذاتية مستقلة أو جوانب دينية(1)، فقد كفلت مبادئ الإسلام والممارسة السياسية الإسلامية في عهدها الذهبي للجميع أقليات وأغلبية عرباً كانوا ام عجماً بيضاً أم سوداً درجة عالية ومثالية من المساوا ة بكل أبعادها وجوانبها، من مساواة اقتصادية ، فالعمل متاح للجميع ، إلى درجة مثالية من العدالة، إذ الكل سواء أمام الحاكم، كما هناك مساواة سياسية ، ولكل واحد الحق في إبداء رأيه ، أما حرية العبادة فهي مكفولة ، ولا يرغم أحد على ترك دينه، فقد كان دخول الإسلام عن طواعية وإختيار . وهكذا يمكن القول بأن الإسلام هذب النفوس وأنشأها نشأة طيبة صالحة اجتث ما فيها من ميول عدوانية وقضى على ما يمكن أن يكون بها من غرائز وعوالق عنف. وبالإضافة إلى هذا السبيل أو الطريق الحقيقي في وقاية النفس البشرية و حمايتها من الوقوع في براثن الأنانية وحب الذات وما ينجم عن ذلك من ميل إلى العدوان و العنف فقد وضع الشرع الإسلامي قواعد وعقوبات صارمة تردع كل نفس ضعيفة يمكن أن ترتكب درجة أو أخرى من الاعتداء على الغير سواء كان اعتداء على الأنفس أو الأموال أو الأخلاق والقي م ا لعامة في المجتمع أو الخروج على طاعة أولي الأمر، وهنا نجد أنفسنا إزاء نوعين من الجرائم التي تقع على مجموع المجتمع وضع لها الشرع الإسلامي من الحدود ما يزجر النفس ويردعها قبل التفكير في الإقدام على أي منها، وأن هذه الحدود لو طبقت على وجهها الصحيح لانقطعت الجر ائم وتحول المجتمع إلى مجتمع ترفرف عليه راية الإسلام والأمن والاستقرار(2). النوع الأول من الجرائم التي تقع على مجموع المجتمع هو ما يعرف بجرائم الحرابة والنوع الثاني هو ما يعرف بجرائم البغي – هذان النوعان من الجرائم يمثلان نمطاً من أنماط العنف الموجه ضد المجتمع وإن كان النوع الثاني أقرب الى الجرائم الإرهابية في مفهومها الحديث (3)- . لنرى الآن كيف رسم لنا الشرع الإسلامي طريق العلاج إزاء الجرائم الموجهة ضد المجتمع بعد أن تعرفنا منذ قليل على طريق الوقاية الذي كفلته المبادئ الإسلامية السامية . (1) راجع دوافع الإرهاب في الفصل السابق . (2) لجنة القرآن الكريم، المنتخب في تفسير القرآن الكريم، ، ص 969 – 965 . (3) د. أحمد جلال عز الدين، الإرهاب والعنف السياسي، ، ص 909.

عدد الصفحات ١٣

13 -أولاً: جرائم الحرابة: ذكر هذا النوع من الجرائم في كتاب الله القويم – القرآن العظيم – في الآية 33 من سورة المائدة : «إِنمََّا جَزَآؤُا الَّذيِن يحَُارِبُون اللهَ وَ رَ سُ ولَ هُ وَ يَ سعَ ونَ فيِ الأرضِ فَ سَ اداً أن ي ُ قَ ت لُ وا أو يُ صَ لً بُ وا أو ت ُ قَ طً ع أيدِ هِ م وَ أرجُ لُ هُ م من خِ لافٍ أو يُ نفَ وُ ا مِ نَ الأرضِ ذَ لِ كَ لهَ مُ خِ زى في الدُّ ن ْ يَ ا ولهَُ مْ في الآخِ رَ ةِ عَ ذَ اب عَ ظِ يم »صدق الله العظيم وقيل إن الآية نزلت في بيان حكم قطاع الطريق على وجه العموم فالعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(1). وبالإضافة إ الآية القرآنية الكريمة فقد جاءت أحاديث نبوية تشير إلى هذا المعنى، ومنها ما رواه ابن عمر عن النبي  أنه قال«من حمل علينا السلاح فليس منا»حديث متفق عليه(2)، وقد روى أبو هريرة عن رسول الله  أنه قال«من خرج على الطاعة وفارق الجماعة ومات فميتته جاهلية »وقال الأشجعي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول«من أتاكم وأمركم جميع – أي مجتمع – على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه»وفي رواية أخرى «ستكون بعدي هنات وهنات فمن اراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان »(3). وصفة المحاربة مشتقة من قول الله تعا«يحُارِبُونَ اللهَ ورَسولَهُ »والمحاربة هنا تعني محاربة شرع ا ومحاربة المجتمع الذي يقوم على تنظيمه وضمان أمنه(4). والحرابة تعني إشهار السلاحوقطع السبيل خارج المصر واشترط بعضهم فيها الشوكة أي قوة المغالبة – والبعد عن العمران وكما يقول الشافعي – رضي الله عنه - «إنه إذا ضعف السلطان ووجدت المغالبة المصر – أي الإقليم الخاضع للسلطان – كانت محاربة » .في حين ذهب الإمام أبو حنيفة إلى القول بأن الحرابة لا تكون إلا خارج المصر (5). (1) لجنة القرآن الكريم، المنتخب من السنة، ، ص 54. (2) المرجع السابق، ص 981. (3) الإمام محمد ماضي أبو العزائم، النور المب (القاهرة : المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 9185 )، ص331 نقلاً عن المسند 4/349 (4) محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير، ، ص 340 . (5) الإمامأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقصد ( الطبعة الخامسة ، القاهرة : مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 9189)، الجزء الثاني، ص 466 .

عدد الصفحات ١٤

14 - حد الحرابة وعقوبة المحاربين: بعد أن تعرفنا على مضمون الحرابة وموضوعها والسمات التي تميزها عما سواها من جرائم يكون من المناسب الآن التعرف على العقوبات التي وضعها الشرع الإسلامي لمرتكبي أعمال المحاربة والتي تعرف فقهاً بالحدود. - تعريف الحدود: الحدود جمع حد والحد هو الحاجز بين الشيئين ويطلق على العقوبة المقدرة في الشرع لحجز الناس عن ارتكاب المعاصي ومنعهم من اقترافها حماية للفضيلة و تنظيماً للمجتمع وهي عقوبات ثابتة بنص قرآني أو حديث نبوي وهي طهرة للذين زلت أقدامهم وغلبتهم شهواتهم واتبعوا أهواءهم (1)، وهي في الوقت نفسه حقوق خالصة لله تعالى(2)،. عقوبة المحاربين: التبعات التي تلقى على كاهل المح ارب تتمثل بحقين أحدهما لله تعالى والآخر للعباد، فأما حق الله تعالى فهو ماا جاء في الآية الكريمة المذكورة من القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي حسب درجة الجرم الذي اقترفه المحارب، وحق العباد في مواجهة المحارب يتمثل بوجوب مقاومتهم له بكل سبل القوة والمنع والدفاع عن أموالهم وأنفسهم بما يعنيه ذلك من إمكانية قتل المحارب أو إصابته أو أسره أو تسليمه للإمام ليقيم عليه حق الله بعد أن يسترجعوا ما أخذه من أموال(3) . ثانياً: جرائم البغي: التعريف بجريمة البغي والبغاة: جريمة البغي تعني الخروج على طاعة الإ مام مغالبة(4)، وهو خروج بتأويل (5)، والبغاة هم قوم يخرجون على الإمام بتأويل سائغ ولهم منعة وشوكة (6)، ويقول الماوردي: «إن البغاة هم طائفة من المسلمين خالفوا خالفوا رأي الجماعة وانفردوا بمذهب ابتدعوه»(7). (1) د. محمد رأفت عثمان، الحقوق والواجبات والعلاقات الدول ية في الإسلام ( الطبعة الثانية، القاهرة : مطبعة السعادة، 9186)، ص954؛وانظر: لجنة القرآن الكريم، المنتخ ب من السنة، مرجع سبق ذكره، ص 1 ؛ محمد أبو زهرة، ص 15. (2) د. محمد يوسف موسى، ص 996 ؛د. توفيق محمد الشاوي، ، ص 10. (3) المرجع السابق، ص 468 . (4) أحمدفتحي بهنسي، ، ص 13. (5) محمد أبو زهرة، ، ص 955 . (6) د. عبد الوهاب حومد، ، ص 56 . (7) أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي، ، ص 68.

عدد الصفحات ١٥

15 ويتضح من التع ريف أن ما يميز جريمة البغي م ن جرائم المحاربة ه و وجود تأويل ينادي البغاة به ويسعون إلى تطبيقه وتنفيذه هذا التأويل سائغ من وجهة نظرهم كالقول مثلاً بأن ولاية الإمام علي غير شرعية وأن شخصاً ما أحق بالولاية منه كما كان عليه الوضع بالنسبة لبع المجموعات من الخوارج الذين خرجوا على طاعة الإمام علي بن أبي طال ب – رضي الله عنه وكرم وجهه – فإذا لم يكن لهم تأويل أصبح الوضع متعلقاً بأعمال المحاربة الآنف دراستها والسالف التعرف عليها(1)، وبالإضافة إلى وجود التأويل– كعنصر مايز لجريمة البغي ينبغي أن يكون هناك أمير مطاع فيما بين البغاة يقودهم ويعبر عنهم ويقوم على تنظيم شؤونهم، هذا فضلاً عن وجوب تمتعهم بالمنعة والقوة وإلا كانوا مجرد مجموعات ضعيفة محدودة التأثير لا قيمة لها أو وزن(2)، ومن ثم فإن العناصر المميزة لجريمه البغي يمكن تحديدها : - وجود تأويل سائغ فيما بين البغاة. - وجود أمير مطاع فيما بينهم . - الخروج على طاعة الإمام بالفعل لا بمجرد القول. -عقوبة البغاة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد منكم يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه »، وقال عليه الصلاة والسلام: «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه إن أطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر »(3). وقد ذهب الأئمة الأربعة– مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل- إلى القول بأنه إذا خرجت طائفة ذات منعة ولها تأويل مشتبه ولها أمير على طاعة الإمام فإنه يباح له مقاتلتهم حتى يعودا إلى صوابهم ويرجعوا إلى الطاعة و الالتزام فإن جاء ذلك منهم توقف عن قتالهم (4). مستويات البغي ودرجات البغاة:  قد يكون البغاة عدد من الأفراد المتفرقين ليست لهم منعة ولا قوة ويمكن أن تنالهم اليد ففي هذه الحالة يتركون ويحاسبون بما عليهم من حقوق وحدود (5). (1) د. عبد الوهاب حومد، مرجع سبق ذكره، ص 55 . (2) المرجع السابق، ذات الصفحة . (3) نقله عن مسلم في كتاب «الإمارة »، وأبو داوود«الف»، والنسائي«البيعة»، وأحمد«المسند»5/959، 919 ؛ الإمام محمد ماض أبو العزائم، ، ص 331 . (4) الشيخ محمد عيد الشافعي، ، ص 568 . (5) د. عبد الوهاب حومد، ، ص 55 .

عدد الصفحات ١٦