المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حمداتي شبيهنا

غير معروف

صفحة ٢ من ٢

16 ويعزز هذه المساواة في حقوق الأرض وحرية العيش بأرض المسلمين حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي  قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما »، أخرجه البخاري، ورواه بنفس المعنى أبو داود والنسائي . وعند الترمذي من حديث أبي هريرة، وعند البيهقي في رواية صفوان ابن سليم عن ثلاثين من أبناء الصحابة معاني هذه الأحاديث والآثار دلالة لا تقبل البينة المعاكسة على أن الإسلام يفتح أحضانه ليتعايش في دولته كل معاهد يحترم أمن المسلمين ودماءهم وأموالهم. وفي سبل السلام أيضا (هذا الحديث فيه مسألتان: الأولى أنه دليل على أن من لم يعرف قاتله، فإنه تجب فيه الدية على العاقلة، وظاهر ه من غير أيمان القسامة، وقد اختلف في ذلك، فقالت الظاهرية : "إن كان الحاضرون الذين وقع بينهم القتل منحصرين لزمت القسامة، وجرى فيها حكمها من الإ يمان والدية وإن كانوا غير منحصرين لزمت الدية بيت المال ")1. وناقش الأمير قتل المسلم بالمعاهد نقاشا نقتطف منه الفقرات التالية : والثالثة عدم قتل المسلم بالكافر المعاهد وأنه لا يقتل ذو عهد في عهده فذوا العهد الرجل من أهل دار الحرب يدخل علينا بأمان، فإن قتله محرم على المسلم، حتى يرجع إلى م أمنه، فلو قتله مسلم فقالت الحنفية: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمن، واحتجوا بالحديث ولا ذو عهد في عهده، ثم ذهب في التحليل، لاستخراج دليل يفرق بين الذمي والمؤمن إلى أن قال : "ومفهوم حربي أنه يقتل بالذمي بدليل مفهوم المخالفة". ويبقى بين الحجج ما روي عن عبد الرحمن بن اليماني: أن النبي " :قتل مسلما بمعاهد وقال: (أنا أولى من وفى بذمته) أخرجه عبد الرزاق مرسلا 2. وأهم أصل لمحاولة التعايش بين المسلمين وغيرهم، هو : صلح الحديبية بين النبي ، وسهيل بن عمر بصفته ممثل مشركي مكة آنذاك . وفي هذا الصدد، وضح ابن القيم في كتاب أعلام الموقعين تحت عنوان، السياسة الشرعية، المساطر التي يجب وفقها تنفيذ القصاص والديه، وما يتحمله الجاني، والعاقلة، وما يجب أن ينفرد به ولي الأمر من إنزال العقوبات بالجاني، ملخصا بذلك من خلال منهجيته المتميزة المبادئ العامة، لمختلف الحدود والتعازير، وختم ذلك بما مضمونه : جرت مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل، وبين بعض الفقهاء، فقال ابن عقيل : العمل بالسياسة الشرعية هو الحزم، ولا يخلو منه إمام، وقال الآخر لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل : 1 - سبل السلام تأليف محمد بن إسماعيل الكحلاني المعروف بالأمير،ج. 5، ص. 547. 2 - سبل السلام تأليف محمد بن إسماعيل الكحلاني المعروف بالأمير، ج. 5، ص. 545.

عدد الصفحات ١٧

17 السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وإن لم يشرعه الرسول  ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلا إحراق ا لمصاحف كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك إحراق علي كرم الله وجهه الزنادقة في الأخاديد ونفي عمر نصر بن حجاج، ثم علق على هذا ابن القيم بعبقريته ومعرفته التي تحالف التوفيق دائما وذلك بما ملخصه: هذا موضوع مزلة أقد ام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعب، فرطت فيه طائفة فعطلت الحدود، وضيعت الحقوق، و ج ر ء وا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق1. إن الموروثات التاريخية تفسح أمام الناظر في تاريخ التشريع الإسلامي آفاقا مترامية الأطراف تمكنه من قناعة لا تقبل البينة المعاكسة، تثبت مدى تجاوز الفكر الإسلامي لكل القيود التي يمكن أن تحد من استخدام المواهب لتستخرج من فحوى التشريع الإسلامي ومقاصده ما يجعل الباحث والأستاذ والقاضي والمفتي كل واحد منهم له ما يغنيه ويشد أزره في هذا التشريع ، الذي كان الأصل الأول لسن المفاتيح والمنطلقات لكل العلوم، التي أعطت الوثبة الحضارية التي ارتقت بالإنسان إلى أقصى أطراف أفق البحث العلمي ، الذي مكنه من استخراج المعارف من ضحاضح مجهول لم يبحث له عن دلائل ترشد إلى مغيباته لترصد لخدمة الإنسانية، ولما تخلى عن ذلك وتحرر من تربية هذا الهدي الذي سن له تلك المفاتيح، وصل اليوم إلى نتائج جهده مفتقدا القيم الكفيلة بتكريسها لخدمة أمن ه ورفاهيته ، وكلما سولت له نفسه إم كانية تجاوز تلك القيم أصبح سابحا في أو حال الرذائل المسببة في الانهيار القائد إلى الفتك، والظلم، و قد أسس مفكرو الإسلام أصولا يدرس تحتها ما يحول دون وقوع العواقب الوخيمة و ما ينجم عنها من تدني القيم الإنسانية بسبب حدوثها ، فسموا تلك الإجراءات والدروس بالسياسة الشرعية التي في ظلها تم احترام كل مكاسب الإنسان عبر مجرى كونه الإنساني؛ ومما يكرس هذه المعاني كلها هو أن مدار كليات الشريعة على ضرورة عصمة دم المسلم وماله، ونسله وعقله، قال فيها الشاطبي الذي يعتبر من بين الأوائل الذي ن أناطوا هذه العصمة بالتكاليف الشرعية ومقاصدها، ما ملخصه: "أن كل التكاليف ترجع إلى ضمان مقصد الشارع في هذه الكليات، و قسم تلك المقاصد إلى ثلاثة هي التي اطردت على إقرارها جميع الكتب والأنظمة الأصولية، وملخصها : أن تكون ضرورية، ومعناها أنها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا ف قدت اختلت تلك المصالح، وتفشي الفساد والتهارج، وعم الخسران والفوضى، فيلزم درأ المفاسد التي تجر إلى اختلالها والعمل على مراعاهاا وحفظها بكل ما يصونها، والثاني حفظ الدين بتأسيسه على تربية إسلامية راسخة، تنبذ البدع التي تشوه تطبيق الدين 1 - أعلام الموقع– ج. 4، ص. 067 إ068.

عدد الصفحات ١٨

18 على حقيقته، وتجعلهينحرف عن توحيد الخالق بمشاركته في الألوهية، ومقاسمته في العبودية، و لا يتم الحفاظ على الدين الصحيح إلا بنبذ تلك الكبائر والمخالفات، التي أصبحت شائعة في كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم، وفي المقابل يتم الحفاظ على الدين الحق بالنطق بالشهادتين، والعمل بحقها، والتطبيق الكامل والدائم لأحكام الصلاة و الزكاة، والصيام والحج، وما يكمل ذلك من دراسة أحكام هذه الفرائض، والتقيد بكل شروط ممارسة تلك الواجبات . وأما شطر هذه الواجبات الثالث فهي العادات وراجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود، وإ لى حفظ ها بواسطة العادات، وا لعبادات والجنايات، ويجمعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يرتبط بمصلحة الإنسان مع غيره كانتقال الأملاك بعوض أو بغير عوض بشرط الاختيار والرضى، أو نزع الرضى عن ا لمعاملات، ولما شرع في ذكرها ، قال أيضا: "ما يدرأ ذلك الابطال، ويتلافى تلك المصالح، كالقصاص، والديات للنفس، والحد للعقل، وتضمين قيم الأموال، والقطع، وما أشبه ذلك"1. ومجموع الضروريات خمسة هي : حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل . قال: شارحه : (حصر المقاصد في هذه الخمسة ثابت بالنظر للواقع وعادات الملل والشرائع بالاستقراء ، وأما الحاجيات فدورها رفع الحرج عند توفر الضيق المؤدي إلى عجز المكلف عن القيا م بواجبه، فإذا لم تراع دخل على المكلف الحرج والمشقة، وهما منافيان ليسر الدين، قال الشاطبي : "وهي جارية في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات فهذه المراتب ينضوي تحت كل واحد منها مراتب تكميلية لم تخل بحكمها الأصلية) وقد نظمها تلميذه ابن عاصم في مرتقى الأصول بقوله : مقاص د الش رع ث لاث تعت بر واتفق ت في ش أنها الش رائع وه و ال ذي برعي ه اس تقرا وذل ك حف ظ ال دين ثم العق ل وأص لها م ا في الش ريعة اس تقر إن ك ان أص لا وس اه ت ابع ص لاح دني ا وص لاح أخ رى وال نفس والم ال مع ا والنس ل إلى أن قال: وفي الض روري والحاج ي م ا ه و م ن تتم ة الأصل ي بين الشاطبي وغيره أن الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات مقاصد الشرع محفوظة بها، ثم قال : بأن هذه الكليات لا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات، ومن أمثلة ذلك في الضروريات، أن العقو بات شرعت للازدجار فإذا طبقت العقوبة، ولم يحصل الازدجار، فإن ذلك لا يرفع من التأكيد على ضرورة الحفاظ على الضروري في 1 - الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، المجلد الأول، ص . 058-056، بعناية الشيخ إبراهيم رمضان، ط بع دار المعرفة .

عدد الصفحات ١٩

19 وقت يستلزم الالتجاء إليه، أما الحاجيات، فهي إجراءات، وضعها الشارع لرفع مشقة توفرت مظنة حصولها، حتى ولو لم تحصل، كقصر المسافر وصومه، فإنها رخصة يمكن للمسافر أن يلتجئ إليها والفطر كلما دخل في السفر المبيح لذلك وكذلك المريض يطبق رخصة الفطر عند مظنة زيادة المرض بالصيام، وأما في التحسينيات فإن الموافقات ضرب لها مثلا، فإن الطهارة شرعت للنظافة على الجملة مع أن رخصة التيمم تخالف ذلك، ثم قال بالحرف : (لأن الأمر الجزئي، إذا ثبت كليا فتخلف بعض الجزئيات على مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا). ثم بين أن هذه القواعد الثلاث جارية في العادات والعبادات، والمعاملات والجنايات و إلى ذلك أشار مرتقى الأصول بقوله : وه ي تعب دات أو ع ادات ثم جناي ات معام لات الذي يهمنا من هذه الإشارات الأصولية هو أن نبين أن دم المسلم، وماله وعرضه، ونسله، ودينه، كليات مشمولة بحماية القواعد الإسلامية، ولم تبح لأي كان النيل منها، أو من بعضها، إلا إذا ارتكب فعلا من الأفعال المعاقب عليها بنص من النصوص التي شرعت الحدود، علما بأن إنزال العقاب الزج ري بالمخالف غير مسموح بتطبيقه شرعا إلا من طرف ولي الأمر، أو من ينوب عنه حتى لا يفتح إقدام الأفراد على أخذ ثأرهم بأنفسهم، لما يسببه ذلك من انتشار الفوضى بين الناس، وما ينجم عن ذلك من زعزعة أمن الأمة الإسلامية، ومن بين مشمولات تلك الكليات عِ رض المسلم، إذ قال الله جل جلاله:  وَالَّذِينَ ي َرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُم لَمْ يَأْتُوا بِأَرْب َعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ ت َقْب َلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 1. ويسمى أيضا الافتراء والكذب، وهو من الكبائر والموبقات، ولعظمة جرمه أوجب الله فيه الحد، إلا أن القاذف إن نسب غيره للكفر لم يحد ولكن يؤدب، أما إن نعته بالزنى، أو بأنه ولد زنى فإنه يقام عليه الحد ثمانين جلدة بنص القرآن، في الآية أعلاه، ونسب الخرشي لابن عرفة قو له: القذف الأعم نسبة آدمي غيره لزنا، أو قطع نسب مسلم، وله شروط أوصلها الخرشي إلى عشرة منها إثنان في القاذف وهما : البلوغ والعقل، واثنان في المقذوف، وهما نفي النسب، والزنا وستة في المقذوف، لكن إن كان بنفي نسب تشتر ط فيه "الحرية " والإسلام فقط، ويزاد عليهما في القذف بالزنا أربعة البلوغ، والعقل، والعفة، والألة 2. وعند تفسير الآية السادسة من سورة النور التي تقدم ذكرها استعرض القرطبي نفس الشروط العشرة، التي استطرد ها الخرشي، مبينا أن مالكا سوى بين القذف بالتصريح أو التلويح ، بينما الشافعي اقتصر على أن يكون تصريحا غير قابل للتأويل حتى يلزم منه الحد، وقال حكاية عن مرم  يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ 1 - "شرح الخرشي على مختصر خليل بن إسحاق "، ج. 5، ص. 56. 2 - شرح الخرشي على مختصر خليل بن إسحاق، ج . 5، ص. 56.

عدد الصفحات ٢٠

20 سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا 1 فمدحوا أباها ونفوا عن أمهاالبغاء، أي الزنا وعرضوا لمرم بذلك، ولذلك قال الله مبينا كذبهم وضلالتهم عن الطريق المستقيم :  وَبِكُفْرِهِمْ وَق َوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ ب ُهْتَانًا عَظِيمًا 2 البهتان العظيم هو التعريض . وإذا كان الجمهور على أنه لا حد على من قذف رجلا من أهل الكتاب أو امرأة منهم، فإن سعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى قالا بأن عليه الحد إذا قذف نصرانية تحت مسلم وبعد سرد طويل قسمه إلى عدة فقرات قال في السابعة منها : ( واختلف العلماء في حد القذف هل هو من حقوق الله تعالى أو حقوق الآدميين، أو فيه شائبة منهما الأول قول أبي حنيفة، والثاني قول مالك والشافعي، والثالث قول بعض المتأخرين، وفائدة الخلاف أنه إذا كان حقا لله تعالى وبلغ الإمام، أقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف ). 1 - سورة مرم آية 55. 2 - سورة النساء آية 786.

عدد الصفحات ٢١

21 المبحث الثالث لمن يتوجه بالجهاد ومن له حق إعلانه لا يشك في وجوب الجهاد أو ينكر عظم ثوابه أي مسلم للنصوص القطعية الدلالة الواردة فيه، قال الله في كتابه العزيز :  إِنَّ اللّهَ اشْت َرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ي ُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ف َي َقْت ُلُونَ وَي ُقْت َلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي الت َّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُ رْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِب َيْعِكُمُ الَّذِي بَاي َعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 1. هذا القتال لم يرسم اعتباطا ولم ينزل فوضاء، بل رسمت مساطره، وأسبابه والتزاماته، حتى يؤدي هدفه من كف المعتدى أولا، وفرض مكانة الإسلام على مجتمعات تقاسمتها الوثنية، مع المنتسبين للديانات الإلهية ولكن ما بين أيدي أصحابها من نصوص عبثت بها أيدي التلاعب، وتعصب محرفوها على المجاهرة بعداء الإسلام ثانيا، فكان لابد من فرض المكانة اللائقة به في خضم هذا التناقض، قال الله تعالى:  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ ي ُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ ت َعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ  وَاق ْت ُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْ ثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِت ْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ ت ُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى ي ُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَات َلُوكُمْ فَاق ْت ُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ  فَإِنِ انت َهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُور رَّحِيم 2. منالمسلمات التي خلدها الإسلام بنصوص أصليه الأولين: الكتاب والسنة، هي الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، وذلك بقوله:  وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 3 ،  وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً 4 ، يَا أَي ُّهَا النَّاسُ ات َّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ن َّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِن ْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِن ْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَات َّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا 5. فبعد أن عمت دعوته التي من خلالها رسم السلوك الذي يضمن التعايش والمساواة والأمن لجميع أفراد البشرية، وعندما تكون المجتمع المسلم أول مرة في المدينة ، أخذ يضع لهم مناهج تسيير الحياة، باحترام نفس الإنسان وماله ونسله وعرضه ودينه ، وأصبحت هي الكليات الخمس التي تعمل كل الشرائع من أجل حفظها، فلا غرابة إذن في أن تكون الشريعة الإسلامية هي أشد الكتب السماوية وأحرص القوانين التي قذفت بها 1 - سورة التوبة آية 777. 2 - سورة البقرة آية 713-717-715. 3 - سورة النحل آية 758. 4 - سورة البقرة آية 50. 5 - سورة النساء آية 7.

عدد الصفحات ٢٢

22 تجارب الحياة، احتراما لها وَكَتَب ْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ الن َّفْسَ بِالن َّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِ صَاص 1. فبعد أن وضع منهج الدعوة ومسطرة تعايش بني مختلف الأجناس البشرية ضمن دعوة تكفل سعادتي الدنيا والآخرة ، ثم رسم المبادئ التي تحصن دم المسلم وماله وعرضه ، أخذ يضع معالم الجهاد في سبيل الله مبينا أنه لا يتم إلا ردا على اعتداء أو جوابا على نكث عه د، و لم يعلن إلا عندما تآم رت جهات الش رك والكفر آنذاك على الإس لام فأصبح الجهاد واجبا دفاعا عن النفس والعقيدة والبقاء ، فقال الله جل جلاله :  وَاق ْت ُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِت ْنَةُ أَشَدُّ مِ نَ الْقَتْلِ وَلاَ ت ُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى ي ُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَات َلُوكُمْ فَاق ْت ُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ 2. قال محمد علي الصابوني في تفسيرها ما ملخصه أن الإسلام نها عن الاعتداء وبدء المسلمين بقتال العدو لأن الله لا يحب المعتدين ثم بين الخلاف الحاصل في نسخها بسورة ب راءة، أو بالآية التي بعدها، والقت ال أول ما قام به النبي  وصحابته إنما كان ردا على إخراجهم أول مرة من بيت الله الحرام، ونكث المشركين عهد النبي  الذي عاهدهم، وقتل رسله، والمجاهرة بعداء الدعوة الإسلامية وتحريض السفهاء على النيل منها ، وقطع الطريق على قوافل المسلمين، ولم يثبت آنذاك أن ملك قوم أو جماعة كافرة، أبدت رغبتها في التعايش مع الإسلام حسب الخطة التي تلقاها الرسول  من ربه، فر د ذلك أو نكثه هو  أو أحد أصحابه من بعده، ثم إن الشريعة إمعانا منها في الحفاظ على سماحة الإسلام وضعت لهم الشروط التي يجب مراعاهاا عند ما تنشب الحرب بينهم وبين الأعداء بحسب الشروط التي توجب جهادهم وجب استمرار الجهاد حتى يتحقق نصر الإسلام، وهذا ما أشار إليه الصابوني حيث قال: "قاتلوا المحاربين حتى تكسر شوكتهم ولا يبقى شرك على وجه الأرض، ويصبح دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان "  فَإِنِ انت َهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ 3 فإن انتهوا عن الشرك فلا تعتدوا عليهم، ثم ق ال فلا تبدؤوهم بالقتال فإن بدؤوكم بالقتال فلكم حينئذ قتالهم فإنهم انتهكوا حرمة بيتكم ومقدساتكم، والبادئ بالشر أظلم "4. قال الطبري الآية السابقة  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ ي ُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ ت َعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِب الْمُعْتَدِينَ  اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، فقال بعضهم هي أول آية، نزلت في أمر المسلم بقتال أهل الشرك، وقالوا أمروا فيها بقتال من قاتلهم من المشركين والكف عمن كف عنهم ثم نسخت ببراءة، ثم عزا لجماعة من الصحابة منهم ابن زيد قولهم في الآية الكريمة  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ...  إلى آخرها ، 1 - سورة المائدة آية 48. 2 - سورة البقرة آية 717. 3 - الآية710 سورة البقرة . 4 - تفسير محمد علي الصابوني، المجلد الأول، ص. 754.

عدد الصفحات ٢٣

23 قال نس خ هذا وهذه الناس خة فقرأ  ب َرَاءة مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ  حتى بلغ  إِنَّ اللّهَ غَفُور رَّحِيم  1. لكنفي كتب السنة توضيح شافي يثبت أن فرض الجهاد في الإسلام ابتدأ بالرد على اعتداءات المشركين على المسلمين و غدرهم وقطع الطرقات عليهم؛ وللحرص على جعله وسيلة تخدم تأسيس الدولة الإسلامية، والنأي به عن الفوضى جعلت إعلانه وتنظيم أموره من اختصاص ولي الأمر، ولقد ركزت ا لسنة على الطاعة للإمام والإتمار بأوامره في كل الأمور وفي مقدمتها الجهاد، قال في البخاري : "باب يقاتل من وراء الإمام ويتقي به"، حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد ع ن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله  يقول: "نحن الآخر ون السابقون" وبهذا الإسناد من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل، فإن له بذلك أجر، وإن قال بغيره فإن عليه منه"2. هذا الحديث ضرورة التقيد بأوامر ولي الأمر في السلم والحرب، وكل إجراء يثير أي قتال أو اعتداء على الغير دون أمره في دائرة الحق والمشروعية فهو خروج على جماعة المسلمين ، يدرج فاعله إما ضمن البغاة، أو أصحاب الفتن أو اللصوصية، فالإمام في ذلك حافظ آمن سكان الدولة الإسلامية من مسلمين أو ذميين، أو رعايا الدول المعاهدة للأمة، فهي واجبات ولي الأمر، وبذلك يمكننا اليوم القول بأن أي دولة إسلامية وقعت على ميثاق الأمم المتحدة والبرتكولات المتفرعة عنه أصبح أي فرد من رعايا تلك الدول يعيش على أدم أراضي أي دولة كان مسلماا أو معاهداا تجب على ولي الأمر حمايته، وتحصينه بما تحصن به راعاياها، تدافع عنهم مع المسلمين، فتقاتل عن أنفسهم وأموالهم إذ جعلتهم شريعتنا الجامعة في ذلك على قدم المساواة مع رعاياها المسلمين، ففي البخاري أيضا "يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن حصين عن عمرو بن ميمون عن عمر رضي الله عنه قال وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله  أن ي وفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم 3." هذا الحديث وغيره من أحاديث هذا الباب تثبت حقيقة أصبح أهلها موسومين بغيرها ، تلك هي إنسانية أحكام الشريعة الإسلامية ومساواة الناس أمامها؛ 1 - من تفسير أبي جعفر بن جرير الطبري، ج . 5، ص. 751. 2 - صحيح البخاري، مجلد 4، ص. 63. 3 - البخاري باب يقاتل عن أهل الذمة البخاري، ج . 4، ص. 54.

عدد الصفحات ٢٤

24 ومما يزيد في تأكيد إنسانية هذا التشريع القواعد التي استنها لخوض الحرب والشروط التي اشترطها لخوضها، وأول تلك الشروط هو المبايعة وفي ذلك ما جاء في الترمذي عن بن عمر قال: قال رسول الله  : «ألا كلك م راع وكلكم مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسؤولة عنه...» 1. قال شارحه الأحوذي : "الأصول فيه أن الله لما خلق الخلق أحيانا يتقاطعون تدابرا واختلافا ويتناحرون على الحطام ألفافا، فنصب لهم الوالي حاجزا و أقامه فاصلا، وجعله حائطا مراعيا، يعدل في القضية ويرعى بالسوية ويسير بالسيرة الرضية، وذلك اتباعا لقول الله: إِنِّي جَاعِل فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً  وقوله :  يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَْرْضِ فَاحْكُم ب َيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ 2. وفيه أيضا تحت باب طاعة الإمام: في حديث أم الحصين، قالت سمعت رسول الله  يخطب في حجة الوداع : يقول: «يا أيها الناس اتقوا ربكم وإن تآمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله». قال الشهرستا: ما مضمونه إن الصحابة كانوا مجتمعين على أنه لابد من إمام، فذلك دليل قاطع على وجوب تولية الإمام، لأنه يقوم بتنفيذ الأحكام فلم يترك الناس فوضى في كل عصر من أعصرهم وقال الجرجاني إن نصب الإمام من أعظم مقاصد الدين؛ وعزا سعيد حوى للنسفي أن المسلمين لابد لهم من إمام ينفذ أحكامهم ويقيم حدودهم ويسد ثغورهم و يج هز جيوشهم ويقهر المتغلبة وقطاع الطريق ... 3، وكل ادعاء للأمر أو المناداة بالإمام لشخص مع وجود الإمام ولي الأمر قبله يوجب قتل الأخير قال رسول الله  :«إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الأخير منهما»و الحديث أيضا «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم قاتلوه»؛ أورد مسلم والنسائي عن رسول الله  :«من أتاكم وأمركم جميع عل ى رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ». وعن ابن عباس"لم أجد أسى على شيء إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي"4، ولكن كون الله حرم علينا قتال إمامنا لا يعني أنه أمرنا ألا نكلمه بالحق ونأمره به، بل الله حرم علينا قتاله وأوجب علينا نصحه ووعظه وأمره بالعدل وعدم طاعته في الجور والانحراف . 1 - رواه الترمذي في سننه، ج. 755. 2 - حاشية الأحوذي، ج. 7 .ص. 533. 3 - هذه الأقوال جمعها سعيد حوى في كتابه "الإسلام، ص. 054. 4 - "الإسلام" سعيد حوى، ص. 070.

عدد الصفحات ٢٥

25 وأما شروط الجهاد فقال فيها أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، وشرحه الكبير ، لشمس الدين لأبي الفرج عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي "ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط: الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورية والسلامة من الضرر ووجود النفقة 1. وفيه الدعاء إلى الجهاد مع الأمير البر والفاجر للحديث الذي رواه أبو دا ود ونصه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله  : «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير بر كان أو فاجر »وأورده بلفظ آخر عن أنس إلى أن قال : «ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم »؛ لكن قال أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أ و القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين، وإنما يغزى مع من له شفقة وحيطة على المسلمين، فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول ، يغزى معه إنما ذلك في نفسه، وير و ى عن النبي  :«إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر »2. ثم قال وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك، وينبغي أن يبدأ بأطراف البلاد فيرتب أمورهم ويؤمر في كل ناحية أميرا يقلده أمر الحروب وتدبير الجهاد، ويكون فيه أمانة ورفق ونصح للمسلمين3؛ قال الزرقاني لابد في المبارزة من إذن الإمام، وهي كما قال : "وحكم المبارزة الج واز ولابد من إذن الإمام كان عدلا أو لا" حتى ولو باغتهم هجوم مفاجئ في واقعة داهمة يشترط فيها إذن الإمام فما بالك بجيش من المسلمين يمكن ألا يرجع منه أحد ، وأقل أحواله هو إشهار الحرب مع المجتمع الذي استهدفه ، فليس من المصلحة الإسلامية أن يخرج فيه أحد بغير إذن الإمام4. غايتنا من هذه الجمل التي استعرضنا فيها صورا من أحكام الجهاد، أن نبين بأن الجهاد لا يكون إلا في الكفار والمشركين، وأنه لا يكون إلا بعد نكث عهد أو التنكر لدعوة والتمادي في عدم قبول الدخول في الإسلام وأنه يرسم أساليب حضارية في الطرق التي يتم عليها : منها عدم الغزو بليل و عدم قتل النساء والصبيان، وعدم قتل الأسير والرحمة به ، إلى غير ذلك من الإجراءات التي حددهاا الشريعة لممارسة الجهاد، والتي كلها تناقض حالة عمليات الإرهابي ين الذين تنطلق تخطيطاهام من قصد عام يريد إزهاق الأرواح وإتلاف الأموال أو نهبها ، بأساليب تحرمها الكتب السماوية والقوانين الوضعية، ونسبة أصحابها للتقيد بأحكام الإسلام، يستحيل مع وضوح القرآن والسنة وأقوال الفقهاء في هذا الصدد، و لا شك أن ما يقومون به من 1 - المغني لابن قدامة، ج. 73، ص. 073 ط. المكتبة السلفية. 2 - نفسه077. 3 - نفسه078. 4 - سورة التوبة آية 05.

عدد الصفحات ٢٦

26 أعمال أشد على الإسلام منمؤ امرات أعدائه الكفار، فهؤلاء أساءوا إلى كل مسلم بجعله تحت دا ئرة الشك وشوهوا سمعة الإسلام وجعلوا بلاد المسلمين وغيرها تعيش تحت رهبة الفتنة التي هي أشد من القتل، كما أنهم ح د وا من تنامي الصحوة الإسلامية التي لو سلمت من طيشهم وبغيهم ، لكانت اليوم وصلت بالنصوص الإسلامية إلى التشريع المفضل عند الجميع، ولكن  يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَف ْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ 1. فها هم اليوم أصبحوا منبوذين من طرف الجميع، فالإسلام حاشاه منهم والعالم الآخر منخرط في سلك نظرة الإسلام إليهم، ولقد بدأ الذين ران على قلوبهم عداء الإسلام، فنسبوا إليه أصحاب تلك العمليات ظلما وجورا وبهتانا، يقتنعون بأن الإسلام بعيد من ذلك، وأنه تبرأ في نصوصه من أصحاب البغي والفتنة واللصوصية. 1 - نفس المع.

عدد الصفحات ٢٧

27 خاتمة: يتضح مما سبق أن انتهاك دم المسلم أو عرضه أو ماله، إذا وقع فإما أن يكون من طرف الأفراد، أو من طرف الجماعات، وقد ميزت الشريعة كل ذلك بأوصاف وأحكام أناطتها بمرتكبي ذلك، فالجرائم الفردية، عرضت الشريعة فاعلها للقصاص إن كانت عمدا، وللدية (التعويض) إن كانت خطأ، وإن انتهكت عصمة نفس المسلم أو ماله، من طرف جماعة، أطلقت عليها المراجع الإسلامية عدة مسميات : قطاع الطرق، أو محاربين أو لصوص، حسب طبيعة التركيبة التي أقدم أصحابها على النيل من دم المسلم أو عرضه عن طريقها . قالت الفتاو ى الهندية للإمام فخر الدين حسن بن منصور، إن لهم شروط لاعتبارهم قطاع طرق منها : أن تكون لهم شوكة ومنعة والثانية أ ن يكونوا خارج الأمصار، والثالث أن تكون ممارساهام بدار الإسلام، الرابع أن تتوفر شروط السرقة في تصرفاهام، والخامس أن يظفر بهم الإمام قبل توبتهم ورد الأموال إلى أربابها، وأن يأخذوا مالا معصوما، بأن يكون مال مسلم، أو ذمي، فإن صح من أخذ الأموال المقسمة بينهم ما يبيح القطع، فإن الإمام إذا ظفر بهم قبل توبتهم، قطع أيديهم وأرجلهم من خلا ف، ولو قطعوا الطريق على المستأمنين، "لم يح د وا" فإن قتلوا ولم يأخذوا مالا، قتلهم حدا حتى ولو عفا الأولياء عنهم، فلم يلتفت الإمام إلى توتبهم ولا يستطيع العفو عنهم1. هذا المبدأ هو الذي أخذت به القوانين الجنائية، ابتداء من القرن التاسع عشر إذ كل جرم يمس الحق العام يستطيع مدعي الحق العام تحريك الدعوى فيه، ولا يستطيع التنازل عنه . ثم الحق بهم التشريع الإسلامي عرض المسلم وماله، قال النبي  :«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر »2 لم يسجل كثير من الخلاف بين العلماء في وصف القذف والشروط التي يجب أن تتوفر حتى يتطلب الأمر إقامة الحد، ففي هذا الشأن سجل ابن رشد في البداية مختلف آراء المذاهب في بعض التفريعات مثل إقامة الحد بالتعريض، فنسب إلى الشافعي وأبي حنيفة والثوري وابن أبي ليلى : لا حد في التعريض، إلا أن أبا حنيفة والشافعي يريان التعزير، وهو في ذلك على قول ابن مسعود، وقال مالك وأصحابه، في التعريض الحد، وهي مسألة وقعت في زمن عمر فاستشار فيها الصحابة، فاختلفوا فيها عليه، فرأى عمر فيها الحد، وعمدة مالك أن الكناية قد تقوم بحكم العادة والاستعمال مقام النص الصريح 3. 1 - "الفتاوى الهندية" المجلد الثاني، ص. 756، للقاضي فخر الدين حسن بن منصور الأوز جندي الفرغاني الحنفي، المتو سنة 518 هجرية . 2 - وفي شرح الحديث اتفاقهم على أن السب يشمل القبيح من الكلام والقذف. 3 - أنظر"بداية المجتهد" لمحمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، ج . 5، ص. 446، ط. دار المعرفة .

عدد الصفحات ٢٨

28 لقد حذر الن من هاديد المسلم أو مسه بما يؤذيه، بدون حق ففي البخاري ح دثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله  قال: «من حملعلينا السلاح فليس منا»، إن هذا الحديث الصحيح وضع فيه سيد الوجود  ، المسطرة الواضحة ال جعلت حامل السلاح على المسلمين، قد حكم عليه  بالإخراج من دائرة الانتساب إليهم، وبناء على ما تقدم من نصوص استخلصناها من مصادر متعد دة من الأمهات الإسلامية الموثوق بها، فإننا نستطيع الجزم بأن الجماعات أو الأفراد، الذين يرتكبون القتل، والنهب، والتخويف داخل المجتمعات الإسلامية أو خارجها في قلب دول دخلت مع الدول الإسلامية في معاهدات، ترتب عليها استقرار جماعات مسلمة في بلاد غير مسلمة، دون أن يحال بينهم مع ممارسات واجبات دينهم، و فتح فرص العيش الكرم أمامهم، إننا نستطيع القول بأن: كل من عرض سلامة أبناء المسلمين ودمائهم وأموالهم للخطر وعدم الاستقرار ، إذا كان فردا فتطبق عليه أحكام الإسلام على اللصوص وقطاع الطرق، ومحترفي السرقة، وإذا كانوا جماعة أدخلوا في حكم المحاربين ، ونرى أن الاعتداء على الدول التي سالمت المسلمين وسمحت لأبناء المسلمين بالعيش بكرامتهم والحق في ممارسة واجباهام الدينية دون مضايقة فإن الجناة الذين يرتكبون إرهابا يعرضهم للإهانة والمضايقة، والترحيل، وأحيانا القتل أو الحبس، أ و التعذيب دون القدرة على صد ذلك عنهم، هم أصحاب فتنة ، فإذا طب قت عليهم الأحكام المخصصة لحماية المجتمع الإسلامي أصبح من واجب ولاة الأمور تطبيق الحدود الواردة في شأن المحاربين عليهم لأنهم أفتنوا المؤمنين وعملوا على المساهمة في حرب المد الإسلامي ونسبوا إلى الإسلام ما ليس منه، وما هو مخالف لكل أحكامه من كليات وجزيئات ، فهم أشد محارب للإسلام اليوم ، فلقد قتلوا ومثلوا ونهبوا، فهم المحاربون و هم البغاة وهم أصحاب الفتنة لاشتمال تخطيطاهام وعملياهام على هذه الجرائم؛ ثم تبين لنا من خلال الأمهات التي اعتمدناها لإخراج هذا البحث بأن الإسلام أحاط دم المسلم و ماله وعرضه بجملة من النصوص تحميه من الاعتداء المادي أو المعنوي، وسوى بين الرجل والمرأة في كل تلك الحالات، التي يتعرض فيها الإنسان لمكروه مادي في جسمه أو ماله، أو معنوي في عرضه، بقذف أو غيبة أو إكراه . وأيضا تمكننا هذه النصوص وغيرها من براءة الإسلام من أعمال المخربين الذين اتبعوا إخافة المجتمعات بأعمال إرهابية وصفها الإسلام بأنها أشد من القتل عند قوله تعالى :  وَاق ْت ُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِت ْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ ت ُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى ي ُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَات َلُوكُمْ فَاق ْت ُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ 1. قال البخاري في تفسير كلمة القتل التي هي المراد من الاستشهاد بهذه الآية هنا يع : أن شركهم بالله أشد وأعظم من قتالكم إياهم في الحرم والإحر ام، وإنما سمي الشرك بالله فتنة لأنه فساد في الأرض، يؤدي إلى 1 - سورة البقرة آية 717.

عدد الصفحات ٢٩

29 الظلم، وإنما جعل أعظم من القتل، لأن الشرك بالله ذنب يستحق صاحبه الخلود في النار "1 وفي تفسابن كثير أن الفتنة أشد من القتل، قال الله في الآية 58 من سورة الأنفال  وَاتَّقُواْ فِتْنَةً تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  . صدق الله العظيم بقلم د. حمداتي شبيهنا ماء العينين من المملكة المغربية 1 - انظر باب التأويل في معاني التنزيل لعلاء الدين علي بن محمد ابن إبراهيم البغدادي الصوفي المعروف بالخازن، ج . 7، ص.755.

عدد الصفحات ٣٠