المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حمداتي شبيهنا

غير معروف

صفحة ١ من ٢

الدورة الحادية والعشرون لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي 5341هـ- 3154م حكم العمليات القتالية التي تشن باسم الجهاد ضد المسلمين ، وغيرهم من المواطنين إعداد د. حمداتي شبيهنا ماء العينين عضو المجمع عن المملكة المغربية

عدد الصفحات ١

1 بسم الله الرحمن الرحيم سنعالج هذا الموضوع من خلال مقدمة وثلاثة مباحث . المقدمة: إن طغيان التيارات المتطرفة داخل كل ملة وكل منهج من المناهج المتبعة في عالم اليوم، تستشف منه حقيقة لا تقبل البينة المعاكسة كما يتطلب التعرض لحقيقة باتت مفترى عليها وهاتان الحقيقتان هما : الأولى هي ضعف مناهج التربية والتعليم اليوم وعجزها عن غرس الحد الأدنى من مبادئ احترام الإنسان لأخيه الإنسان، والاستخفاف بكل موروث يؤصل قواسم مشتركة تؤسس مبدأ تخلص الإنسان من عبادات الخرافات لينصرف إلى عبادة الخالق وما تفرضه من واجبات تجعل الإضرار بالإنسان يصل إلى موازاة ا لشرك بالله، والمفارقة الغريبة في هذا الشأن هو ما وصل إليه الفكر الإنساني من رقي علمي قادر على توفير الحياة الكريمة لكل أبناء البشرية في تعايش آمن، لا يظلم فيه أحد أحدا، كرامة الإنسان فيه مصونة وحياته آمنة، وإذا تحقق ذلك فسيرتقي العلم بالكل إلى اتباع التشريع الإسلامي الذي تكرست نصوصه لتوفير الحد الأ على من كل القيم الصالحة من الممارسات البشرية، وهي المبادئ التي أتت كل الشرائع الإلهية داعية إليها؛ و الوجه الثاني من أوجه الم فارقة هو هذا التمرد على كل الأديان والقوانين والنظم والضوابط ، الذي ن ش أ في كنف أراضي ومجتمعات أرقى دول عالم اليوم، وإذا كان ليس من اهتمامات هذا البحث تقصي تلك الاختلالات، فإنها على كل حال لم تعرف أول مرة في الأراضي الإسلامية، ولم تكونها جهات إسلامية، وقد تبرأ الإسلام منها ومن أعمال أصحابها قبل نشأة كثير من مصادر قوة عالم اليوم . لكن الذي يثير الاستغراب هو محاولة إقحام الإسلام في كل هذه الانحرافات، رغم براءته منها، علما بأن الإسلام لا يمكن أن يحاسب أو يسأل إلا عن عمل المتبعين لأحكامه المطبقين لنصوصه، أما أن ت غ ي ب نصوصه عن التطبيق على سلوك أكثر عدد من المعتنقين له، وتسن قوانين ليست مستخرجة في جلها من صلب مصادره، كما تغيب مشاركة نصوصه عن صياغة المو اثيق الدولية والمعاهدات، ويحارب أي تيار نجح باسمه عن ساحة ضبط ممارسة أبناء البشرية، ومع ذلك تلصق به مسؤولية الخارجين على حكمه ممن ولد في دوله، أو من غيرهم، فهذا محض الظلم والافتراء والتحامل؛ وهذه هي الحقيقة التي أصبحت محرفة ومفترى عليها، ولكي يتم التذكير بمنهج الإسلام الواضح في أسبقية نصوصه إلى سن أحكامه الإلهية لما يشرف الإنسان من المكاسب التي تندرج في حقوق الإنس ان، فسأتعرض بإيجاز إلى تكامل الأديان السماوية في هذا المجال؛

عدد الصفحات ٢

2 فيرى المهتمون بتاريخ الديانات والحضارات 1: أن تنامي عقد البهيمية والاستبداد والتحكم في مختلف المجتمعات والدول القديمة وعبادة السخافات والخرافات، قد هيأ الأنفس لتقبل الأديان الإلهية، التي تكاملت من حيث الاهتمامات والتركيز ، وقد تخصص كل واحد منها في معالجة جانب كبير من جوانب الأنشطة الإنسانية، ثم أتت الشريعة الإسلامية جام عة لكل فضائل تلك الأديان بصفتها الرسالة الخاتمة رسالة سيدنا محمد  الذي أرسل للناس كافة بعد أن كان الرسل يبعثون إلى قومهم، ولذلك عمت تعليمات رسالته السمحة كل مشمولات تطلعات الإنسان في حياته ومماته، وليس هناك تغليط ولا دعاية كاذبة، إذا ذكرنا بأن حكم الإسلام لما طبق على حاله في صدر قيام الأمة (الدولة) الإسلامية، اختفت من دولته كثير من العقد والاختلالات التي تتسبب اليوم في انفلات مِقود سفينة العدل من يد كثير من الدول والمجتمعات، مما نتج عنه إفساح المجال للأنفس الشريرة لتعي ث في الأرض فسادا، متمردة في ذلك على نصوص الشريعة الإسلامية، التي هي الدين الذي يرتضي الله لعباده  وَمَن ي َبْتَغِ غَي ْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا ف َلَن ي ُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ 2. ولقد دأب جل المفكرين منذ النصف الأخير من القرن الما ضي على التنبيه على الفرق الكبير الحاصل بين واقع المسلمين وبين ماضيهم بالأمس عندما كانوا يتقيدون بالتطبيق الكامل لنص الكتاب والسنة، ثم إن جل أولئك المفكرين والباحثين لاحظوا تكامل الشرائع الإلهية، والتدرج الذي اعتمدته نصوصها لينزل الهدي الإلهي، وقد هيئت الأنفس البشرية لتحمله، وت نجلي هذه الحكمة في كون الشريعة الخاتمة أتت شاملة لكل التوجهات والأحكام الكفيلة بإصلاح أبناء البشرية، والى عمومية هذا البعد التشريعي الإلهي، الذي يجعل المسلم تابعا لكل ما لم ينسخ من الديانات السماوية ومصدقا برسالات كل الرسل عليهم ال صلاة والسلام، أصبحت بذلك نصوص الشريعة الإسلامية ترتقي بالإنسان ، أي إنسان إلى السمو عن الانتماءات العرقية والعصبية والجهوية والفئوية؛ ولذلك يكون من العدل أن لا يحاسب الإسلام إلا على ما تضمنته نصوصه، أو الممارسات التي قامت بها الدول المطبقة لحرفية أحكامه ...". وعن كونية دعوة الشريعة الإسلامية، قال المفكر والعالم "سعيد حوى": "إن تاريخ المسلم وانتماءه لا يرتبطان بطين الوطن ولا بصباغة ال لون ولا بلغة الجنس الذي ينتسب إليه ويعتز به، فقولي : أنا مسلم يجعل تاريخي يرتبط بآدم ونوح وعيسى وموسى ومحمد 3." هذا أكبر دليل على أننا نحن المسلمين دعوة ديننا عامة ومسؤوليتنا تقتضي التزامات تحتم اتباع منهج تتعايش تحت لوائه البشرية كلها؛ 1 - ومن بينهم محمد البهي في كتابه "الإسلام في حل المشكلات" في مقدمة الطبعة الأولى لهذا الكتاب. 2 - سورة آل عمران آية 58. 3 - كتاب"الإسلام" لسعيد حوى، ص. 043.

عدد الصفحات ٣

3 وإلى هذه الوحدة وهذا التكامل قال المرحوم "عبد الهادي بوطالب": "الفرق واضح بين نصوص الإسلام وبين واقع الأمة في هذا العصر، ثم قال جاءت الشرائع الثلاث ة متدرجة وفق تطور الفكر البشري لتتلاءم ومدارك الإنسان وقدرته على استيعاب مضامينها، فاتجهت الوصايا العشر في الدعوة اليهودية على نظام وضع أحكام أغلبها ردعية، تنطلق من مبد إ النهي، أما المسيحية فلم تأت كما هو معلوم بنظام قانوني، وإنما جاءت بعدد من أدبيات الرحم ة والأخلاقيات المستمدة من الطبع السليم. ثم قال: "ولما تأهل الفكر البشري ليرقى إلى مستوى الاستنباط والاستنتاج العلمي، جاء الإسلام نظاما متكاملا ومكملاا لما قبله، مع ميزة خاصة هي أنه خلافا لليهودية والمسيحية ، أتى نظاما عالميا شموليا جديدا متجددا1 "انتهىكلامه. إن كونية عموم الدعوة الإسلامية جعلتها تأتي بتحولات إنسانية وحضارية، تريد لأبناء البشرية كلهم الانخراط في منهج يدعوهم للتعايش في عالم يختفي فيه الظلم والتسلط والاستبداد؛ وقد جمع الدكتور "محمد الكتاني" جملة من هذه المبادئ ضمن فقرة قصيرة قال فيها "قد استعمل القرآن الحوار مع المخالفين والمعارضين والشاكين بشتى صوره ومناهجه، وفي جل ما دعا إليه من الإيمان، بحقائق عالم الغيب والشهادة ومن الحث على التحلي بالأخلاق اللائقة بالإنسان كمسؤول عن إعمار الأرض ، وترقية الحياة الاجتماعية وتحصيل المعارف والتعايش بين الش عوب، على أساس التعارف والتعاون والتدافع لا للصراع، ثم نبذ الخرافات والتقليد الأعمى والباطل بكل صوره، فقد أتاح لكل المخاطبين بهذا القرآن من عموم البشر إمكانية الوقوف على فضائل الحوار الهادف إلى استجلاء المنهج المناسب 2." وإلى هذا المعنى أشار المرحوم المفكر محمد البهي إذ قال ما معناه: "أن المجتمع الشرقي الإسلامي منذ أن أصبح يسير في طريق التبعية للغرب، تحت تأثير النزعة الاستعمارية التي طغت في القرن التاسع عشر ، يقلد الغرب في استيراد مشاكل و إن لم توجد عنده، وفي استقدام حلولها إن وجدت تلك المشاكل "3 ثم أشار إلى أن هذه الحلول المستوردة لم تحل أي مشكلة بسبب اختلاف المرجعيات وعدم تجانس المقومات التي تتكون منها المجتمعات، مبينا أن أي فئة من فئات المجتمع مهما بالغت في التقليد أو محاولة التبعية للغرب الذي احتكت به عن طريق الاستعمار ، فإنها لم تستطع أن تخرج من كبوهاا بسبب تطبيق نظم وقوانين كانت هي علة انزلاقها وتأخرها، ولقد جرب ذلك حتى عندما انقسم العالم الإسلامي إلى معسكرين تقدمي ورجعي ، (ولما تم تحكم عالم الصناعة اليوم، فلم يزد ذلك أمور المسلمين إلا تعقيدا ، وأيضا بعد تحميل بعض رؤساء الدول الإسلامية 1 - بحث المرحوم "عبد الهادي بوطالب" في الندوة التي أقامتها وزار ة الأوقاف والشؤون الإسلامية في "مفهوم التسامح في البناء الحضاري الإسلامي بالدار البيضاء " في 8-6-7 شعبان ه موافق: 77-75-71 يناير7114م. 2 - محمد الكتاني في كتابه ثقافة الحوار في الإسلام، ص . 538. 3 - الدكتور "محمد البهي" في كتابه الإسلام في حل كل المشكلات الإسلامية مقدمة الطبعة (الأولى عام 7015/7175.)

عدد الصفحات ٤

4 مسؤوليةأسباب تأخرها لأنظمتها وتخلصها منهم، فإن الأمر لم يزد د إلا سوءا) (انتهى كلامه بتصرف قليل )، وعلة ذلك أن التنافر بين المطبق من القوانين والأحكام، المطرد لديها جعلها لا تنسجم مع اختيارات جل البلاد الإسلامية ومع المرجعية الإسلامية المتحكمة في أنفس الشعوب، وهي الموجه الحقيقي لتطلعات دولها في الاختيارات التي تتطلع إلى تحقيقها مع تجنب الاصطدام، ويترتب على هذا أنه إذا لم تعط للشريعة الإسلامية الفرصة الحقيقية للتطبيق في ساحات الم مارسات الإنسانية، فستبقى محاسبتها على أفعال منحرفي العالم، حكم جائز في حقها، خصوصا أنها كانت سباقة إلى تبرئ ها من أي انحراف يقوم به الأفراد والجماعات . فلقد كرست النصوص القرآنية منذ بداية نزولها، دعوة الناس إلى عبادة الخالق بعيدا عن التفاخر بالأموال، أو الآباء أو اللون أو التعالي بمظاهر القوة التي كانت هي ميزات المجتمعات التي تعاقبت على أدم الأرض قبل الإسلام، و لكي يؤسس الإسلام دعوته الكونية على أسس تكفل التعايش والتساكن بين مختلف أبناء البشرية، الذين هم هدف الدعوة الإسلامية، قال الله عز وجل :  يَا أَي ُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَق َبَائِلَ لِت َعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَت ْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيم خَبِير ﴾1. إن التذكير بأحد الأقوال التي قيل أنها نزلت بسببها كفيل بضحض كل ادعاء ين عت الإسلام بعصبية أو شعوبية أو عنصرية، بل يتجلى من نصها أن الإسلام كان أول تشريع على وجه الأرض يدعو إلى الوحدة الكاملة لبني آدم، وقد بين الحديث النبوي الهدي الذي يرسم جوانب شمولية تطبيق هذه الآية، ذلك أنه لما قال قيس بن شماس للرجل الذي لم يفسح له : يا بن فلانة، فقال النبي  :«من الذاكر فلانة؟»قال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال النبي  :«أنظر في وجوه القوم »فنظر فقالله رسول الله  :«ما رأيت؟ »قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر، فقال عليه الصلاة والسلام: «فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى»2. ولقد جمعت نصوص ومبادئ ومقاصد القرآن والسنة شتى متطلبات التوجيهات والأوامر والنصائح والوصايا التي رسمت منهجا متكاملا قادرا إن طبق على حاله على إخراج الإنسانية من كبوهاا وحيرهاا، وتسابقها على اقتناء وسائل الدمار، لينفرد الأقوياء بتوجيه العالم الوجهة التي رأوه ا كفيلة باستمرار هيمنتهم وغلبتهم، وإلصاق نتائج انحرافاهام الأخلاقية والسياسية بغيرهم، وكأنهم أصبحوا لا يخشون من نذير يكشف خبايا تناقضاهام وحقائق أعمالهم إلا الإسلام، وبح كم الغلبة والسيطرة على وسائل توجيه الرأي العالمي في عالم اختفى من جل سكانه الوازع الديني، الذي يحول دون الزور والكذب والبهتان، ولهذا فقد خرج كل مستحدثي البغي والإرهاب والفتن، إما من توجيهاهام ومؤامراهام وإما بسبب تلقينهم لعوامل الاست خفاف بالمعتقدات والتعليمات التي أتت بها الديانات السماوية، وظل المصلحون من أبناء كل ملة ينادون بها . 1 - آية70 من سورة الحجرات . 2 - تفسير الجامع لأحكام القرآن لعبد الله بن محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، ج . 5، ص. 047.

عدد الصفحات ٥

5 وفي إشارات مختصرة فسأذكر بمواقف الإسلام من تلك الجنايات وأحكامه على مرتكبيها وأوصافها والتبرء منها قبل إيجاد جل الأنظمة التي تتهمه بها في عالم اليوم، وسنتعرض لذلك من خلال المباحث الآتية: المبحث الأول: حرمة دم الإنسان وماله في نصوص الشريعة الإسلامية المبحث الثاني: حكم الإسلام على البغاة والمحاربين (ما يعرف اليوم بالإرهاب ) المبحث الثالث: حكم الجهاد في الإسلام ومن له حق إعلانه

عدد الصفحات ٦

6 المبحث الأول حرمة دم الإنسان وماله في نصوص الشريعة الإسلامية إن الكلام في هذا الجانب يصعب التعرض إلى كل النصوص الواردة فيه ضمن الأصلين الأوليين الكتاب والسنة، ثم ما راكمه علماء الإسلام جزاهم الله في دراسات تلاحق المستجدات، فصدر وا عليها الأحكام، من خلال واضح النص أو التفسير أو الاستنباط، الذي يلجأ إليه المجتهد ليحكم على الواقعة بما يوافق مقصد الشارع، ومن خلال تلك النصوص والآراء والنظريات الفقهية فسيدرك بتجرد أنه لم يبلغ أي تشريع مبلغ احترام الإسلام لدم الإنسان وماله وعرضه، ولذلك فسيقتصر جهدي هنا على التذكير ببعض النصوص الإسلامية في هذا الشأن، ولكن أيضا المطلع المتجرد لابد أن تتملكه الدهشة عند ما يشاهد القداسة التي أعطاها الإسلام لحقو ق الإنسان، والمدونات التي خلدها مجهود علمائه في هذا الشأن، ثم يشاهد ويسمع ويقرأ هذا التهافت على الإسلام واهاامه بانتهاك هذه الحقوق والتقصير فيها؛ فلقد دعا الإسلام إلى عبادة الخالق أولا وتحر ير الإنسان من عبادة الأوثان والخرافات والمعتقدات الفاسدة، كما دعاه إلى محاولة تكوين مجتمع إنساني واحد يعبد خالقا واحدا لا يفترض بالخيال ولا يصنع باليد ولا يقوقع في اختيارات وآراء رجال الدين ليكرسوا جهد البشرية لصالح مزاعمهم الواهية، وعند ما وفر ت الدعوة النبوية الكريمة النصوص الكفيلة بفتح آفاق فكرية من خلال قواعد تشريعية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، شرعت في سن المبادئ والتشريعات التي تكفل تعايش سكان الكون الذي تدعو إليه ليعيش في أخوة وصفاء وتكامل سكانه على امتداد المعمور، الناس فيه سواسية كأسنان المشط، مسلمون هداهم الله لما يكفل لهم سعادة الدنيا والآخرة أو معاهدون لهم مال للمسلمين وعليهم ما عليهم، أو مجاورون ربطت بينهم وبين المسلمين معاهدات، حتم علينا الإسلام التعايش معهم بسببها بصدق ومودة وصفاء، امتثالا لقول الله تعالى: ﴿ لاَ ي َن ْهَ اكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ ي ُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن ت َب َرُّوهُمْ وَت ُقْسِطُ وا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  إِنَّمَا ي َن ْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَات َلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن ت َوَلَّوْهُمْ وَمَن ي َت َوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾1. وإذا كانت الوقائع في بعض الأحيان سببا لنزول آية فيها فيعم حكمها الأمة إلى يوم الدين، فإن أسباب نزول هاتين الآيتين حسبما أورده أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي حين قال : "الثاني – ما رواه عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، طلق امرأته ق تيلة أم أسماء في الجاهلية، فقدمت عليهم في المدة التي كان رسول الله  هادن فيها كفار قريش، وأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر ق رطا فكرهت أن تقبل منها، حتى أتت رسول الله  فذكرت ذلك له، فأنزل الله الآية؛ 1 - الآيت5-1 من سورة الممتحنة .

عدد الصفحات ٧

7 المسألة الثانية وتقسطوا إليهم أي: تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة وليس يريد به العدل، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل1." ومن أحسن ما قيل في تفسيرها أورده الإمام القاضي مج ير الدين محمد الع ليميّ الم قْدِسِيّ الحنبلي، وذلك بقوله: "ونزل رخصة في بر من لم يعاد المسلمين، ولم يقاتلهم من الكفار 2." وأم عن في التركيز في هذا التوجيه فقال : وَقُولُواآمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَي ْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِد وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ 3. فالرسول  بعد أن ركز الدعوة إلى ممارسة العبادات والتعايش فيما بين سكان أمته، و بعد أن اصطفاه ربه وبين له كيف ي ن ظ ر شؤون البشرية التي أرسل هاديا لمن كتب له الله السعادة منها، حدد له ربه برنامج الدعوة في الأسلوب الذي يقنع الناس برسالته، ثم زاد في توضيح الأسلوب المختار للتبليغ لتكتمل صورة منهج التصور الإسلامي للمجتمع، الذي إن وجد على الحالة التي يدعو إليها الإسلام فلن يقع فيه جور ولا ظلم ولا فتنة ولا حرابة، وستندر فيه المخالفات التي تستدعي تطبيق القواعد الزجرية، ومن بين أساسيات السبيل إلى هذا الهدف، قول الله عز وجل:  وَمَنْ أَحْسَنُ ق َوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ  وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي ب َي ْنَكَ وَب َي ْنَهُ عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم  وَمَا ي ُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَب َرُوا وَمَا ي ُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ 4. ونظرا لأهمية ما يندرج في هذا العنوان من أساسيات النمط الذي يريد الإسلام أن يتعايش عليه أبناء البشرية، فسأتعرض فيه لواجبات المسلمين تجاه بعضهم قال الرسول  :«منحمل علينا السلاح فليس منا» رواه البخاري . هذا الحديث المتفق على صحته ورغم إيجاز متنه، فإنه وضع النص الواضح على براءة الإسلام ممن يحمل السلاح على أفراد الآمة أو جماعاهاا أو دولها، ثم يعمد إلى تصرفات عاقب عليها القرآن بعقوبة الإعدام، عندما قال:  وَكَتَب ْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ الن َّفْسَ بِالن َّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاص 5. 1 - أحكام القرآن لابن العربي، ج . 0، ص. 7758. 2 - فتح الرن في تفسير القرآن للمقدسي، ج . 7، ص. 03. 3 - الآية46 من سورة العنكبوت . 4 - الآية00-04-08 من سورة فصلت . 5 - تفسير الفخر الرازي للآية 48 من سورة المائدة مجلد : 77 و75، ج. 5، ص. 0.

عدد الصفحات ٨

8 قال الفخر الرازي المعنى أنه : تعالى بين في التو ر اة أن حكم الزاني المحصن هو الرجم، واليهود غيروه وبدلوه وبين في هذه الآية أيضا في التوراة أن النفس بالنفس وغير اليهود هذا الحكم أيضا إلى أن ق ال: قال ابن عباس في تفسيرها "يريد فرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس فمن قتل نفسا بغير قود قتل بسبب قتله لتلك النفس1." وقد احتج بها القائلون بأن شرع من قبلنا شرع لنا ، ما لم يرد عليه نسخ صريح في شريعتنا . هذا الخطاب بقي يعم كل نفس وكل طرف ذكرته الآية، وفي احترام دماء المسلمين وأموالهم وحثهم على عدم الخروج على ولي أي دولة ، جاء في البخاري قال : حدثنا الوليد ابن مسلم حدثنا بن جابر قال حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخ ولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله  عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدرك ، فقلت يا رسول الله : إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم وفيه دخن»قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هدى تعرف منهم وت نْكِر »قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم،دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها »قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال : «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا»قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك، قال : «تلزم جماعة المسلم وإمامهم»قلت يا رسول الله وإن يكن لهم جماعة ولا إمام ، قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». إن هذا التحذير الوارد من الن  لا يدع مجالا للشك في أن هؤلاء الذين يستحوذون على عقول الدهماء من أبناء الأ مة ومن غيرهم، فيؤلبونهم على انتهاك حرمة أجساد المسلمين وسلق أعراضهم بألسنة حداد، ويهددون أمن الإنسانية بقصد جنائي عام، يشيع الفتنة وعدم الاستقرار فيما وصلت إليه مؤامرهام الدنيئة، وتسللاهام الماكرة من أراضي مختلف أبناء المعمو ر هؤلاء ، قد حشرهام نصوص الإسلام في فئات ثلاث المحارب ين (البغاة) والمفتنين، وقطاع الطريق؛ فالفئة الأولى قال الله في شأنها :  إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن ي ُقَت َّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ ت ُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي فِي الدُّن ْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَاب عَظِيم 2. قال ابن كثير في تفسيره : أنها نزلت في العرانيين الذين مثل بهم بسبب الجريمة التي ارتكبوا في حق راعي إبل الرسول  التي تداووا بألبانها وأبوالها ولماسمنوا وصحوا قتلوا الراعي ومثلوا به ثم مثل بهم قصاصا من 1 - تفسير الفخر الرازي للآية 7 من سورة المائدة، مجلد 77 -75، ج.75، ص. 0. 2 - الآية 00 من سورة المائدة .

عدد الصفحات ٩

9 جريمتهم النكراء لكنهذا الحكم نسخ غير أن عموم هذه الآية احتج به جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن حكم الحر ابة في الأمصار وفي السيلان على السواء لقوله:  وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا  هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك: "والذي يخدع الر جل حتى يدخله بيتا، فيقتله – ويأخذ ما معه: إن هذه محاربة ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول ". وخالف أبو حنيفة وأصحابه وقالوا بأن الحرابة لا تكون إلا في الطرقات، ونفى وقوعها في الأمصار، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث بعكس الطريق لبعدها عمن يمكن أن ينجده. وقال ابن عباس أنها نازلة فيمن شهر على فئة من الناس وأخاف السبيل . وأ و ل الفخر الرازي قول الله  إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ هو أن المحاربة مع الله تعالى غير ممكنة، فيجب حمله على المحاربة مع أولياء الله، والمحاربة مع رسوله ممكنة، فلفظة المح اربة إذا نسبت إلى الله تعالى كان مجازا . و هذا الوعيد منهم من قال بأنه موجه للكفار ومنهم من قال بأنه موجه لفساق الم ؤ منين1، ثم بين وجه دليل كل فريق مرجحا أنها نزلت كما سبق في قوم عرينة . ثم قال والقول الرابع أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين، وهذا قول أكثر الفقهاء، قالوا : والذي يدل عليه أنه لا يجوز حمل الآية على المرتدين وجوه : أحدها: أن قطع المرتد لا يتوقف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام2 "ومفهوم الآية يسوق إذلك، ثم الآية أيضا إلى سقوط وكذلك لا يجوز في عقاب المرتد الاقتصار على قطع اليد ولا على النفي، ثم إن الآية تقتضي سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عند قولها:  إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن ق َبْلِ أَن ت َقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ 3 والمرتد يسقط حده بالتوبة قبل القدرة عليه ... إلى أن قال: " وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا  يتناول كل من كان موصوفا بهذه الصفة، سواء من كان كافرا أو مسلما ". و مما يز يد توضيح حرص الإسلام على حرمة الإنسان أي إنسان ما جاء في الآية التي قبل هذه مباشرة وهي:  مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَب ْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن ق َتَلَ ن َفْسًا بِغَيْرِ ن َفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَ كَأَنَّمَا ق َتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا 4. 1 - تفسير الإمام محمد الرازي فخر الدين، المجلد 77، ص. 2 - ص. 553. 3 - سورة المائدة آية 04. 4 - سورة المائدة آية 05.

عدد الصفحات ١٠

10 قال ابن العربي في تفسيرها ما معناه: "وأهم قواعد الشرائع حماية الدماء من الاعتداء وحياطته ا بالقصاص كفا وردعا للظالمين والجائرين، وهذا من القواعد الواضحة في الشريعة التي استهدفت الهداية أولا ، ثم لما تكون المجتمع الإسلامي رسمت له سبل تعايشه مع بني الإنسانية، ثم وضعت الواجبات المتبادلة بين أفراده، لتتضح له السبل التي يسلك مع المسلمين فيما بينهم و تلك التي يكون بها نموذجا لهداية غير ه"1. 1 - أحكام القرآن لابن العربي، ج . 5، ص. 818.

عدد الصفحات ١١

11 المبحث الثاني حكم الإسلام على البغاة والمحاربين (ما يعرف اليوم بالإرهاب) قال الله عز وجل في الآيتين 05 و00 من سورة المائدة :  مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَب ْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن ق َتَلَ ن َفْسًا بِغَيْرِ ن َفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا ق َتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّ مَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءت ْهُمْ رُسُلُنَا بِالب َي ِّ نَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّن ْهُم ب َعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ  إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن ي ُقَت َّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ ت ُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي فِي الدُّن ْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَاب عَظِيم  . الآية الأولى تتعلق بالقتل الفردي الظالم صاحبه، وهي الجريمة التي بقي إثمها متناميا يزيد من جرم فاعلها كلما تجددت تلك الجناية إلى يوم القيامة؛ بحكم نص الحديث المشهور والقائل: «ما من قتيل يقتل ظلما؛ إ كان على ابن آدم الأول كفل من دمه لأنه أول من سن القتل». استخلص محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي من هذا النص عدةأحكام استنتاجية، ليس لأحدها مرجح يقويه عن الآخر، يدرك منها أن توجيه الخطاب القرآني في الآية الكريمة :  مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَب ْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ  أتى من كونهم هم أول من وجه إليه حكم الوحي في هذه المسألة ليكون من باب خصوصية السبب وعموم الحكم، قال ابن العربي: (وأهم قواعد الشرائع حماية الدماء عن الاعتداء، وحياطتها بالقصاص كفا وردعا للظالمين، والجائرين ) وركز على أن هذا من القواعد التي تتابعت عليها الشر ائع، وهو من الأصول التي لا تختلف فيها الملل، وهي التي شرعتها القوانين الوضعية تحت عنوان الجرائم التي يكون جزاؤها الإعدام؛ ثم تعرض للآية الأخرى :  مَن ق َتَلَ ن َفْسًا بِغَيْرِ ن َفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ  الآية. وفيها قال ما معناه أن من قتل نبيا، فكأنما قتل أمته لأن النبي أرسل لقوم فإنه يع دلهم كلهم، وكذلك الإمام العادل بعده، قاله ابن عباس يقتل القاتل بمن قتل، كما لو قتل الخلق أجمعين، ثم بين في نفس السياق أن المقصود بالفساد: قيل هو الكفر وقيل إخافة السبيل، إلى أن قال والفساد في الأرض هو إذاية الغير. ولما تعرض للآية الكريمة  إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ الآية. قال: باستحالة حرب الله لعدم وجوده في جهة محدودة وتحكم قدرته فيها، لأن المتحاربين فريقان فكيف يحد وجود الله في أحدهما دون الآخر، فاعتقاد ذلك كفر ونعوذ بالله، ثم أو ل هذا الحرب بأنه مواجهة رسله وأوليائه، قال بالحرف "فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لجرم إذايتهم "، وقد سبقت الإشارة لهذا القول ... وقد قال المفسرون إن الحرابة هي الكفر وهو معنى صحيح، لأن الكفر يبعث على الحرب 1. 1 - أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، المجلد الأول، ص. 814.

عدد الصفحات ١٢

12 قال القرطبي عندما تعرض لتبين المقصود بالحرابة في الآية الكريمة إنها تدل على حمل السلاح واستلاب مال المسلم أو نفسه بإشهار السلاح عليه، موضحا أن المسلمين هم أولياء الله بحكم الآية الكريمة: أَلا إِن أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْف عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ 1. ومن أهمأوجه التأويل التي استخلصها من الآية الكريمة هي تفسير الإمام مالك للحرابة ، (فيما رواه ابن وهب عنه عدما قال: المحارب هو الذي يقطع الطريق، وينفر بالناس في كل مكان، ويظهر الفساد في الأرض وإن لم يقتل أحدا، إذا ظهر عليه الإمام فليقتله، وإن أخذ فللإمام أن يرى فيه بالقتل أو ا لصلب، أو القطع، أو النفي). هذه العقوبات من غير القطع هي التي قررهاا القوانين الوضعية بعد أزمنة لاحقة، وأورد عن مالك أيضا أن المستتر بأخذ أموال الناس وهاديد أرواحهم كل ذلك للإمام سلطة تقديرية في تحديد العقوبات التي يمكن أن تطبق عليه، ثم قال القرطبي : "و قد حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال : كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس ظلما، وتعديا (أو فساد في الأرض ) أي شرك، وقيل : قطع طريق "، وأكد أن خصوص بني إسرائيل بالذكر بسبب كثرة ما استحدثوا من القتل، ثم قال ابن عباس: "من قتل نفسا أو انتهك حرماهاا ، هو مثل من قتل الناس جميعا وانتهك حرماهام " وفيه أيضا أن إثم قاتل فرد واحد كمثل إثم قاتل الناس جميعا. هذه هي المكانة التي وضع الله فيها قاتل النفس أو من اعتدى عليها وهذا يبين موقف الإسلام من هذه الفتنة التي تسمى إرهابا، والتي ألصقت بالإسلام ظلما و تجاهلا لحكمه عليها؛ وتنجلي التعريفات التي أعطيت للمحاربين والأحكام التي أنزلها الله في شأنهم من خلال استعراض الأقوال الواردة في شأن أسباب نزول آية الحرابة المذكورة أعلاه، فلقد قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : أن هذه الآية نزلت فيمن خرج على المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد، قال ابن المنذر قول مالك صحيح، وقال الليث بن سعد ما فعله النبي  بوفد عرينة2،كان سببا في نزول هذه الآية إذ أصبح منذ نزولها لا يجوز التمثيل بالمرتد ، قال أبو الزناد : إن رسول الله  عاتبه رب العزة، لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار فأنزل الله تعالى توضيحا كافيا ، يبين الجزاء الذي ينبغي أن ين زل بمرتكب مثل هذه الجريمة، ثم قال أبو الزناد : فلما وعظ ونهى عن المثلة لم يعد. أما عقاب المحارب فاختلفوا فيه أيضا فبعضهم قال يعاقب على قدر جرمه، فإن أخذ المال وقتل قطعت يده ورجله، وإن قتل النفس قتل، وإن مثل مثل به، وإن أخذ المال ولم يقتل ، نفي، وهذا كله إذا لم يتب قبل القبض عليه. 1 - الآية65 من سورة يونس . 2 - ضبطها(عرين ة) خلاف كثير من الروايات التي كتبتها بالعرينيين .

عدد الصفحات ١٣

13 وعن مالك وأبو ثور وهو مروري عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد والضحاك والنخعي كلهم قالوا : الإمام مخير في الحكم على المحاربين يحكم عليهم بأي الأحكام التي أو جبها الله من القتل والصلب والقطع، والنفي، ثم ذكر أن مالك يرى الأخذ بأيسر العقوبات . وأحسن الأقاويل التي وردت في شأن النفي ما نسب للشافعي من أنهم ينفون من بلد إلى بلد كما تفعل اليوم القوانين الوضعية في عقوبة الإبعاد، ثم عزا لمالك أنه ينفى من البلد الذي أحدث فيه الجريمة إلى بلد آخر، ثم يحبس فيه كما يفعل بالزاني، ثم قال مالك أيضا ينفى من سعة العيش إلى شظفه ، وابتكر أمير المؤمنين عمر السجن بصفته مصلحة مرسلة لم يحفظ نص بإلغائها ولا باعتبارها وتلبي مصلحة عامة للمسلمين، فقال رضي الله عنه، "احبسه حتى أعلم التوبة منه ولا أنفيه من بلد إلى بلد حتى لا يؤذى الذين نفي إليهم كما آذى الذين نفي عنهم، أو كما قال . فإذا أخاف المحاربون السبيل وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غ ير أن يدعوهم ووجب على المسلمين التعاون معه على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبر، إلا أن يكون قد قتل، فإن كان كذلك اتبع ل يؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته، فإن وجد في أيديهم مال عرف صاحبه سلم إليه وإن لم يعرف له مالك فهو لبيت المال، وما أتلفوه من مال لأحد غرموه، ولا دية لمن قتلوا إذ ا قدر عليهم قبل التوبة فإن تابوا وجاؤوا تائبين، لم يكن للإمام عليهم سبيل من العقوبة، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه، يجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين، وهذا مذهب مالك والشافعي وابن ثور وأصحاب الرأي 1. هذا عن أصول عظمة حرمة دم المسلم وماله، أما عن أقوال المذاهب الفقهية في ذلك فنضرب أمثلة مختصرة من آرائهم واجتهاداهام في الموضوع . استعرض ابن قيم الجوزية جملة من الآثار والأحاديث عنه  جسدت أصلا لتبين أحكام القصاص الوارد في الآية الكريمة، من حيث القتل والدية والحبس وهي مبادئ أقرهاا كلها القوانين الوضعية، التزاما بأحكام الشرائع الإلهية التي سبقت إلى سن أحكام مفصلة، ومتتابعة لحفظ حق الإنسان في العيش والعمل والكرامة، وجعلت تعمد المس بها يعرض لغضب الله في الآخرة وأفدح العقوبات البدنية في ال دنيا. ومن الأمثلة التي ساقها ابن القيم في أعلام الموقعين قوله: "سئل رسول الله  عن الأمر والقاتل: فقال: «قسمت النار سبعين جزءا، فل لآمر تسع وستون، وللقاتل جزء »ذكره أحمد، وجاءه  رجل فقال : إن هذا قتل أخي فقال  :«اذهب فاقتله كما قتل أخاك، فقال له الرجل، اتق الله واعف عني فإنه أعظم لأجرك 1 - أحكام القرآن للقرطبي، مجلد 0، ص. 784 و788 بتصرف في العبارات والحفاظ على المع .

عدد الصفحات ١٤

14 وخير لك يوم القيامة، فخلى عنه فأخبر الن  فسأله فأخبره بما قال له بأنه إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك ذكره الدارقطني ». ورفع إليه يهودي ر ض رأس جارية بين حجرين ، فأمر به أن يرض رأسه بين حجرين، متفق عليه 1. وقضى أن شبه العمد مغلظ، مثل العمد، ولا يقتل صاحبه ذكره أ بو داود. وترى المالكية إقرار ما أصبحت تطبقه القوانين الجنائية من الجرائم التي تتعلق بالحق العام، قال مالك: بأن القذف لا تصلح فيه الشفاعة بعد أن يرفع إلى الإمام أو الشرطة أو الحرس إلا أن يكون سترا 2. وفي سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الكحلاني ثم الصنعاني المعروف بالأمير في شرح بلوغ المرام ما ملخصه: عن ابن عمرو رضي الله عنهما عن النبي  قال: «إن أعتى الناس ثلاثة: من قتل في حرم الله، أو قتل غير قاتله، أو قتل لذحل» أخرجه ابن حيان في صحيحه، وهو دليل على أن هؤلاء الثلاثة أزيد في العتو من غيرهم إلى أن قال: "وورد في التغليظ في الدية حديث عمرو بن شعيب مرفوعا بلفظ قتل شبه العمد مغلظ مثل قتل العمد، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل سلا ح" رواه أحمد وأبو داود، والثاني من قتل غير قاتله. وقال في مكان آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ،"عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين" ورواه أحمد والأربعة، ولفظ أبي داود دية المعاهد نصف دية الحر، وأصرح أحكام هذا الموضوع ما قاله الأمير أن النبي  :قتل مسلما بمعاهد، وقال: أنا أولى من وفى بذمته أخرجه عبد الرزاق مرسلا . وفيه أن للعلماء في دية المعاهد ثلاثة أقوال هي: الأول أنها نصف دية المسلم كما في هذا الحديث، وقال الخطابي في معالم السنن أن هذا أرجح الأقوال، وهو منسوب لعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وإليه ذهب مالك، وابن شبرمة وأحمد بن حنبل، ونسب لأحمد أنه إذا كان القتل عمدا لم يقدر به، ولكن تغلظ الدية 3. وقال سفيان الثوري، وأصحاب السنن : ديته دية المسلم، وروي ذلك عن عمرو ابن مسعود وأبين الأقوال ما استند إليه الحنفية من أنها دية كدية المسلم لقوله تعالى:  وَإِن كَانَ مِن ق َوْمٍ ب َي ْنَكُمْ وَب َي ْن َهُمْ مِّيثَاق فَدِيَة مُّسَلَّمَة إِلَى أَهْلِهِ  قالوابأن ذكر الدية على إطلاقه يعني إتمامها، وأخرج البيهقي عن ابن جريج عن الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كانت دية اليهودي والنصراني في زمن النبي  مثل دية المسلمين، وأجيب بأن الدية مجملة. 1 - أعلام الموقع4 ، ص. 067 دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة بيروت . 2 - المدونة الكبرى لمالك، ج. 6، ص. 577. 3 - سبل السلام تأليف محمد بن إسماعيل الكحلاني المعروف بالأمير، ج. 5، ص. 545.

عدد الصفحات ١٥

15 واستدل القائلون بأنها نصف دية المسلم بمفهوم حديث عمرو بن حزم "وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل" فإنه دل على أن غير المؤمنة بخلافها، وبينوا هذا المجمل بقضاء لعمر فيه بدية النصراني واليهودي بأربعة آلاف، وفي دية المجوسية ثمانية، وذكر مثله عن عثمان رضي الله عنهما فجعل الشافعي هذا مبينا لمجمل الدية "1. وهذا التضارب فيه نظر ذلك أن نص الآية واضح في دفع دية المعاهد، فإذا تصورنا أن لفظ الدية مجمل، فإن الحكم الذي نسب إلى سيدنا عمر نشك في صحته عنه، وإن صح وجب العمل به ، لكن تقصي آثاره رضي الله عنه أثبت أنه ما حاد عن ظاهر نص القرآن والسنة أبداا ، وإذا لم يثبت هذا الحكم عن أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب، فإننا نحتاج إلى مخصص يخصص اليهود والنصارى إذا كانوا معاهدين بنصف الدية، ثم نحتاج أيضا إلى دليل يثبت تفضيل المجوسي عليهم، و رغم كل هذا فإن النص القرآني واضح ، مما يسوق إلى القول إلى عدم صحة ما نسب إلى عمر وعثمان في هذا الشأن، إذ كيف يتصور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يجد الدليل القطعي في نص آية محكمة ثم يتركه إلى اجتهاد، تثبت معاملاته مع أهل الذمة عكسه، فهو الذي فرض لهم معاشا من بيت المال، و أ منهم واحتر م أماكن عبادهام وأظهر لهم من سماحة الإسلام ما أدهشهم، فكيف يترك ظاهر نص الآية للتشدد بدون دليل؟ وهو الذي قال في حديث آخر مروي عنه "لو أن أهل صنعاء اجتمعوا في قتله لقتلهم به". ومما يترجم المساواة بين المسلمين والمعاهدين في الديات ما رواه سهل بن خثعمة وعبد الله بن ساعدة بن عامر الأنصاري عن رجال من كبرا ء قومه، أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين فأتى محيصة يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا : والله ما قتلناه، فأقبل هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل، فلما قصوا أمر قتله على النبي  قال: «إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب، فكتب رسول ا  إلى اليهود بذلك فردوا عليه كتابة بأنهم والله ما قتلوه، فقال النبي  لمحيصة وصحبه(أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟) قالوا: لا لم نحضر ولم نشهد، وفي بعض روايات البخاري أنه عليه الصلاة والسلام طلب منهم الإدلاء ببينة فأعوزهام، قال عليه الصلاة والسلام أتحلف لكم اليهود، قالوا ليسوا مسلمين وفي رواية قالوا لا نرضى بإيمان اليهود، فود اه رسول الله ، فبعث إليهم مائة ناقة من إبل الصدقة»؛ و بقطع النظر عن الخلافات الناتجة عن ثبوت القسامة بناء على هذا الحديث، فإنه يمكن أن نستخلص من معانيه عدة أحكام منها: مساواة غير المسلم من المعاهدين في إثبات الدية مع المسلم، والمساءلة وحتى القصاص ومنها أن بيت المال يحل محل الجاني عند ثبوت الجرم، وعدم القطع بفعل المتهم، سدا لذريعة عدم تماسك المجتمع الذي يعيش تحت راية دولة الإسلام ... ويؤخذ منه أيضا حرص ولي الأمر على توازن حجج الإثبات بين المسلم والمعاهد، ليتم الاستقرار النفسي للمعاهد . 1 - سبل السلام تأليف محمد بن إسماعيل الكحلاني المعروف بالأمير، ج. 0، ص. 587.

عدد الصفحات ١٦