مجلّة الجامعة الإسلاميّة - العدد ٖٚٔ ُ ة َ ارِد َ الى ُ ث ْ ادِي َ ح َ الأ اسِ َّ الن َ ن ْ ي َ لاحِ ب ْ لِ الإِص ْ ض َ فِي ف (ة َ اس َ دِر َ ا و ً ع ْ م َ ج) إِعْدادُ: د. عبد الله بن عيد بن عمير الجربوعي الأُسْتاَذِ المُسَاعِد بكُلّْيَّةِ الحديث الشريف فِي الْجَامِعَةِ
عدد الصفحات ١مجلّة الجامعة الإسلاميّة- العدد ٖٚٔ - ٖ٘ٔ - المقدمة الحمد لله ربّْ العالمين، والصَّلاة والسَّ لام على المبعوث رحمة للعالمين، نبيّْنا محمَّد، وعلى آلو وصحبو أجمعين، أمَّا بعد: فإنَّ الله تبارك وتعالى قضى بسابق علمو وقدرتو خلق البشر من آدم وحواء، وجعلهم شعوبًا وقبائل، وقدَّر في كلّْ واحد منهم ما أراده سبحانو من الصّْفات والهيئات؛ فجاءت أجناسهم متنوّْ عة، وأشكالهم وألوانهم مختلفة، وعقولهم وأفهامهم متباينة، وأخلاقهم ومعارفهم متغايرة. فكان منهم الذَّكر والأنثى، والحسن والقبيح، والقويُّ والضَّعيف، والأبيض والأحمر والأسود، والذَّكيُّ العاقل، والغبيُّ، والمجنون، والعالم والجاىل، وغير ذلك. فكان وقوع الاختلاف فيما بينهم - لهذا التَّنوُّع - أمرًا لا بدَّ من حصولو. ولمَّا كان من مقاصد الشَّريعة الإسلاميَّة السَّمحة دفع أسباب النّْزاع والاختلاف، والحفاظ على روابط المحبَّة والائتلاف؛ رغَّب الشَّارع الحكيم في القيام بمهمَّة الإصلاح بين النَّاس، فيما يقع بينهم من خصومات ونزاعات. وإنَّ النَّاظر في النُّصوص الشَّرعية الواردة في ىذا الموضوع ليجد أنَّها تدلُّ على مكانة ىذا العمل، وتدعو إلى الحثّْ عليو، والبدار إليو عند وقوع سببو، وترتّْب عليو كثيرًا من الفضائل التي ترغّْب فيو، وتدعو إليو. ولكوني لم أقف على كتاب جمع فيو م ؤلّْفو ما ورد في السُّنَّة النَّبويَّة من الأحاديث الدَّالَّة على بيان فضيلة الإصلاح بين النَّاس، مع دراستها دراسة حديثيَّة متأصّْلة، عزمتُ على الشُّروع فيو، مُستعينًا بالله ، ومتوكّْلاً عليو،
عدد الصفحات ٣اَلأَْ حَ ادِ يثُ الْ وَ ارِ دَ ةُ فِ ي فَ ضْ لِ الإِْ صْ لاَ حِ ب َ يْ نَ النَّ اسِ "جَ مْ عًا وَ دِ رَ اسَ ةً " – د. عبد الله بن عيد الجربوعي - ٗ٘ٔ - فقمت بجمع تلك الأحاديث، ورتَّبتها حسب معانيها التي تدلُّ عليها ، مع العناية التَّامَّة بالكلام عليها، وبيان حالها من الثُّبوت وعدمو، وِفق قواعد أىل الفنّْ، مستشهدًا بأقوال الأئمَّة الن ُّقَّاد في ذلك، مع الحرص على عمل جميع ما فيو خدمة البحث وإثرائو، وإخراجو بالوجو العلميّ والفنّْيّ المناسبين. وسمَّيتو: " الأحاديث الوار دة في فضل الإصلاح بين النَّاس – جمعًا ودراسة ". وأشير إلى أنَّني لم أقصد في ىذا البحث جمع الأحاديث الواردة في الصُّلح عامَّة، مع بيان أحكامو، وسرد أمثلتو، فهذا موضوعٌ كبيرٌ، يحتاج إلى مؤلَّف كبير جدِّا، إنَّما قصدتُ فيو جمع ما ورد في سنَّة النبيّْ من بيان فضيلة الصُّلح لا غير؛ لكونو الباعث الرَّئيس الذي يدعو إلى الصُّلح، ويحفّْز عليو، بعد الاستجابة لأمر الشَّارع الحكيم في ذلك. أىميَّة البحث: للكتابة في ىذا البحث أىميَّة كبيرة، تبرز في عدَّة جوانب، منها: ٔ. أنَّ موضوعو يخدم مصدرًا رئيسًا من مصادر التَّشري ع الإسلاميُّ، وىو سُنَّة النبيّْ ، ويستخرج من كنوزىا درَّة متلألئة تُبرز ىذا الجانب العظيم ٕ.أنَّ أحاديث ىذا الموضوع تضمَّن إظهارًا لما يدعو إليو الدّْين الإسلاميّ من تحقيق الوحدة بين أفراد مجتمعو، والحفاظ على أواصر المحبَّة، وروابط الألفة فيما بينهم، وت حذّْر من الفرقة والاختلاف، والشّْقاق والنّْزاع، قال الله : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّوِ جَمِيعًا وَلا ت َفَرَّقُوا (ٔ)، وقال: وَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ (ٔ) سورة آل عمران، الآية ( ٖٓٔ ) .
عدد الصفحات ٤مجلّة الجامعة الإسلاميّة- العدد ٖٚٔ - ٘٘ٔ - ت َفَرَّقُوا وَاخْت َلَفُوا مِنْ ب َعْدِ مَا جَاءَىُمُ الْب َي ّْنَاتُ (ٔ). وقال النبيُّ :«عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَىُوَ مِنَ الاِث ْن َيْنِ أَب ْعَدُ ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ (ٕ) الْجَنَّةِ ف َلْي َلْزَمِ الْجَمَاعَة»(ٖ). وقال: «يَدُ اللَّوِ مَعَ الْجَمَاعَةِ»(ٗ). ٖ. ما تدلُّ عليو أحاديث ىذا الموضوع من الفضائل الكثيرة، والعوائد الكبيرة التي تدعو للقيام بو، وتحثُّ على المسارعة إليو. ٗ. أنَّ موضوعو يرتبط بالدّْراسات الموضوعيَّة، التي تعنى بجمع أحاديث باب من أبواب الدّْين، وتساق فيو الأحاديث على ترتيب معيَّن. أسباب اختيار الموضوع: للكتابة في ىذا الموضوع أسباب كثيرة، كانت الدّافع إلى العمل فيو، ومنها: ٔ. أنَّ في جمع أحاديث ىذا الموضوع إسهامًا في نشر سنَّة النبيّْ ، وتقريبها للنَّاس، وامتثالاً لقول النبيّْ :«ب َلّْغُوا عَني وَلَوْ آيَةً »(٘). (ٔ) السُّورة نفسها، الآية ( ٘ٓٔ ) . (ٕ) أي: وسطها. انظر: النِّهاية لابن الأثنً ( ص/ٖٙ ) . (ٖ) أخرجو الترمذيّ في كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة ( ٗ/٘ٙٗحٕ٘ٙٔ) عن عمر ، وقال حسن صحيح غريب ). وصحَّحو الشَّيخ الألبانيّ في صحيح سنن الترمذيّ ( ٕ/ٚ٘ٗ )،وصحيح الجامع (ٔ/ٜٛٗحٕٙٗ٘). (ٗ) أخرجو الترمذيّ في كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة ( ٗ/ٙٙٗحٕٙٙٔ ) عن ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما -، وصحَّحو الشَّيخ الألبانيّ في صحيح سنن الترمذيّ (ٕ/ٛ٘ٗ)، وصحيح الجامع ( ٕ/ٖٓٗٔح٘ٙٓٛ ) . (٘) أخرجو البخاريُّ في كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ( ٗ/ٓٚٔحٖٔٙٗ ) .
عدد الصفحات ٥اَلأَْ حَ ادِ يثُ الْ وَ ارِ دَ ةُ فِ ي فَ ضْ لِ الإِْ صْ لاَ حِ ب َ يْ نَ النَّ اسِ "جَ مْ عًا وَ دِ رَ اسَ ةً " – د. عبد الله بن عيد الجربوعي - ٙ٘ٔ - ٕ. كثرة الأحاديث الواردة في ىذا الموضو ع، ولذا فإنَّ في استخراج ىذه الأحاديث من بطون الكتب، مع ترتيبها، ودراستها، يحقّْق خدمة كبيرة للأمَّة أفرادًا وجماعات، ويضيف للمكتبة الإسلاميَّة موضوعًا حديثيِّا مختصِّا في ىذا المجال. ٖ. الجدَّة والابتكار في سياق ىذا الموضوع؛ إذ لا أعلم من سبق إلى الكتابة في موضوعو بهذه الطَّريقة؛ التي حاولت فيها استيعاب أحاديثو - حسب القدرة والإمكان -، مع ترتيبها ترتيبًا مناسبًا حسب معانيها التي تدلُّ عليها، وفي ذلك تيسيرٌ لمن يريد الوقوف عليها، وتقريبٌ للفائدة المرجوَّة منها. ٗ. كثرة وقوع الاختلاف والنّْزاع بين النَّاس في ىذه الأزمان، سواء كان ذلك بين الزَّوج وزوجو، أو الوالد وولده، أو بين الجار وجاره، أو الرَّجل وأخيو، أو القبيلة والقبيلة الأخرى، أو الدَّولة والدَّولة الأخرى ونحو ذلك، فأصبح الدَّاعي إلى القيام بمهمَّة الإصلاح بينهم قائمٌ، ففي نشر أحاديث ىذا الموضوع تذكير بهذا الجانب العظيم، الذي قام بو خير الخلق أجمعين ، ورتَّب عليو كثيرًا من الفضائل. الدّْراسات السَّابقة: لا أعلم أحدًا من أىل العلم صنَّف مصن َّفًا مستقلاً، قصد فيو جمع الأحاديث الواردة في ىذا الموضوع على وجو الخصوص، مع دراستها دراسة علميَّة متخصّْصة، والله تعالى أعلم.
عدد الصفحات ٦مجلّة الجامعة الإسلاميّة- العدد ٖٚٔ - ٚ٘ٔ - خطَّة البحث: رأيت أن أقسّْم العمل في ىذا البحث بعد مقدّْمتو إلى تمهيد، فالدّْراسة الحديثيَّة للموضوع، ثمَّ الخاتمة، فثبت المصادر والمراجع، فالفهرس. فأمَّا التَّمهيد: فجعلتو بين يدي الموضوع مشتملاً على خمسة مباحث: المبحث الأوَّل: تعريف الصُّلح في اللُّغة، والشَّرع. المبحث الثَّاني: مكانة الصُّلح في الشَّريعة الإسلاميَّة. المبحث الثَّالث: أنواع الصُّلح. المبحث الرَّابع: الحقوق التي تدخلها المصالحة. المبحث الخامس: الآثار الحميدة المترتّْبة على مهمّة الإصلاح بين النَّاس. وأمَّا الدّْراسة الحديثيَّ ة: فسُقت فيها أحاديث الموضوع مرت ّْبًا إيَّاىا على المعاني التي تدلُّ عليها، في اثني عشر مبحثًا: المبحث الأوَّل: ما جاء في التَّرخيص في الكذب لأجل الإصلاح بين النَّاس. المبحث الثاني: ما جاء في أنَّ الإصلاح بين النَّاس صدقة من الصَّدقات. المبحث الثالث: ما جاء في أنَّ القيام بالإصلاح بين النَّاس من أعظم الفضائل والمناقب التي يُثنى بها على صاحبها. المبحث الرَّابع: ما جاء في جواز المسألة لمن أراد بها الإصلاح بين النَّاس. المبحث الخامس: ما جاء في أنَّ مصالحة المتنازعَين من أسباب المغفرة. المبحث السَّادس: ما جاء في أنَّ إصلاح ذات البين خير من كثير من نوافل الصَّلاة، والصّْيام، والصَّدقة. المبحث السَّابع: ما جاء في أنَّ الإصلاح بين النَّاس، والتَّقريب بينهم من الأعمال التي يرضاىا الله تعالى، ورسولو .
عدد الصفحات ٧اَلأَْ حَ ادِ يثُ الْ وَ ارِ دَ ةُ فِ ي فَ ضْ لِ الإِْ صْ لاَ حِ ب َ يْ نَ النَّ اسِ "جَ مْ عًا وَ دِ رَ اسَ ةً " – د. عبد الله بن عيد الجربوعي - ٛ٘ٔ - المبحث الثَّامن: ما جاء في أنَّ صلاح ذات البين من أفضل الأعمال. المبحث التَّاسع: ما جاء في أنَّ الإصلاح بين النَّاس تجارة رابحة. المبحث العاشر: ما جاء في أنَّ من أصلح بين النَّاس أصلح الله أمره، وأعطاه بكلّْ كلمة تكلَّم بها عتق رقبة، ورجع مغفورًا لو ما تقدَّم من ذنبو. المبحث الحادي عشر: ما جاء في الأمر بالإصلاح بين النَّاس ولو بعدت فيو المسافة. المبحث الثَّاني عشر: ما جاء في أنَّ من مشى في الصُّلح بين المتخاصمَين صلَّت عليو الملائكة حتَّى يرجع، وأُعطي أجر ليلة القدر. ثمَّ الخاتمة: وفيها أىمُّ النَّتائج، والتَّوصيات. فثبت المصادر والمراجع. فالفهرس.
عدد الصفحات ٨مجلّة الجامعة الإسلاميّة- العدد ٖٚٔ - ٜ٘ٔ - منهج العمل: سرت في إعداد البحث وكتابتو على المنهج التَّالي: ٔ. اعتنيت بجمع الأحاديث النَّبويَّة المرفوعة الواردة في موضوع البحث من كتب السُّنَّة وغيرىا ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. ٕ. صنَّفت الأحاديث حسب معانيها التي تدلُّ عليها، كلُّ معنى في مبحث مستقلٍّ. ٖ. رتَّبت المباحث حسب قوَّة أحاديثها. ٗ. رتَّبت الأحاديث داخل كلّْ مبحث حسب قوَّتها، الصَّحيح فما دونو. ٘. رقَّمت كلّْ حديث من أحاديث البحث ترقيمًا عامِّا، وترقيمًا خاصِّا؛ الأوَّل بالنّْسبة للمبحث الخاصّْ الوارد فيو، والآخر بالنّْسبة لسائر أحاديث البحث. ٙ. خرَّجت الأحاديث من كتب السُّنَّة ودواوينها، وحكمت عليها، وعلى رواتها بالحكم المناسب وفق قواعد أىل الفنّْ. ٚ. ابتدأت في ذكر مخرّْجي الحديث بأصحاب الكتب السّْتَّة، وأمَّا غيرىم فعلى حسب الوفيات. ٛ. إذا كان الحديث عند الشَّيخين في الصَّحيحين أو عند أحدىما، فإنَّني اكتفيت عند تخريجو بعزوه إليهما، أو لمن أخرجو منهما؛ لظهور صحَّتو. ٜ. إذا كان الحديث طويلاً ويشتمل على عبارات لا تعلُّق لها بموضوع البحث فإنَّني أقتصر منو على موضع الشَّاىد منو فقط. ٓٔ. اقتصرت في التَّرجمة للرُّواة على مَن لو تأثيرٌ في الحكم على الحديث، مُعتمدًا في ذلك على كتاب: " تقريب التَّهذيب " للحافظ ابن حجر- رحمو الله تعالى-، وأعتمد حكمو عليهم، إلا إن ظهر لي خلافو، فأبيّْنو بدليلو.
عدد الصفحات ٩اَلأَْ حَ ادِ يثُ الْ وَ ارِ دَ ةُ فِ ي فَ ضْ لِ الإِْ صْ لاَ حِ ب َ يْ نَ النَّ اسِ "جَ مْ عًا وَ دِ رَ اسَ ةً " – د. عبد الله بن عيد الجربوعي - ٓٙٔ - وإذا تكرَّر ذكر أحدىم بعد ذلك فأشير إلى درجتو فقط. أمَّا إذا لم يكن الرَّاوي من رجال ىذا الكتاب؛ فأبيّْن حالو من خلال أقوال أئمَّة الجرح والتَّعديل فيو. ٔٔ. اعتنيت ببيان الأسماء المبهمة والمهملة، وأزلت اللَّبس والإشكال عنها. ٕٔ. إذا أنهيتُ تخريج الحديث من مصادره استعنت - فيما وقفتُ عليو - بكلام الأئمَّة الن ُّقَّاد، وأحكامهم على الرُّواة ومرويَّاتهم، بما يبيّْن درجة الحديث، وإلا اجتهدتُ فيما يظهر لي من حكم عليو، وفق قواعد أىل الفنّْ. ٖٔ. عزوت الآيات القرآنيَّة لمصحف المدينة النَّبويَّة، بذكر اسم السُّورة، ورقم الآية. ٗٔ. شرحت الألفاظ الغريبة من كتب غريب الحديث، وشروحو، وغيرىا. وفي الختام أسأل الله سبحانو وتعالى أن يجعل في ىذا البحث النَّفع العميم، والخير الكثير، وىو حسبي ونعم ال وكيل. وىذا أوان الشُّروع في المقصود، وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسولو محمَّد، وعلى آلو وصحبو أجمعين.
عدد الصفحات ١٠التمهيد ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأوَّل: تعريف الصُّلح في اللُّغة والشَّرع. المبحث الثَّاني: مكانة الصُّلح في الشَّريعة الإسلاميَّة. المبحث الثالث: أنواع الصُّلح. المبحث الرابع: الأمور التي تدخلها المصالحة. المبحث الخامس: الآثار الحميدة المترتّْبة على مهمّة الإصلاح بين النَّاس.
عدد الصفحات ١١اَلأَْ حَ ادِ يثُ الْ وَ ارِ دَ ةُ فِ ي فَ ضْ لِ الإِْ صْ لاَ حِ ب َ يْ نَ النَّ اسِ "جَ مْ عًا وَ دِ رَ اسَ ةً " – د. عبد الله بن عيد الجربوعي ٕٙٔ المبحث الأوَّل: تعريف الصُّلح في اللُّغة والشَّرع الصُّلح في اللُّغة: من «صلح»، وىو أصلٌ يدلُّ على خلاف الفساد، ومنو: الصَّلاح في الدّْين، والمسالمة بين المتنازعين. قال ابن فارس: وىذه الأحرف الثَّلاثة - الصَّاد واللام والحاء - أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على خلاف الفساد، يُقال: صلُح الشَّيء يصلُح صلاحًا، ويُقال: صلَح - بفتح اللام -، وحكى ابن السّْكّْيت: صَلَحَ وصَلُحَ، ويُقا ل: صَلُحَ صُلُوْحًا، ومنو: وكيف بأطرافي إذا ما شَتَمْتَني وما بعد شَتْمِ الوالدين صُلُوْحُ (ٔ) والصّْلاح - بكسر الصَّاد -: المصالحة، والاسم الصُّلْح، يُذكَّر ويؤنَّث، وقد اصطلحا وتصالحا واصَّالحا أيضًا مشدَّدة الصَّاد(ٕ). والصُّلْحُ - بالضَّمّْ - السّْلْم، وقوم صُلُوحٌ : مُتصالِحُون(ٖ). وبنحوه من قال بأنَّو: قطع النّْزاع(ٗ). وفي الشَّرع: معاقدة يُتوصَّل بها إلى الإصلاح بين المختلفَين(٘). وىذا التَّعريف لما كانت المخاصمة فيو بين النَّاس في الأموال، وأمَّا في غير ذلك فقد تكون فيو معاقدة، وقد لا تكون، وإنَّما ىو العفو والصَّفح، والله تعالى أعلم. (ٔ) مقاييس اللُّغــــــة ( ٕ/ٚٔ). والبيت الدذكور من الطَّويـــل، وىو منسوب في لسان العــــرب (ٜ/ٖٕٔ) لعــــون بن عبـــد الله بن عتبـــة بن مسعـــود . (ٕ) الصِّحاح ( ٔ/ٖٖٚ ) . (ٖ) انظر: القاموس المحيط ( ص/ٖٜٕ )، ولسان العرب ( ٕ/٘ٔ٘ ) . (ٗ) انظر: الإقناع ( ٔ/ ٜٕٚ ) . (٘) الدغني ( ٚ/٘ ) .
عدد الصفحات ١٢مجلّة الجامعة الإسلاميّة- العدد ٖٚٔ ٖٙٔ المبحث الثَّاني: مكانة الصُّلح في الشَّريعة الإسلاميَّة للصُّلح في الشَّريعة الإسلاميَّة مكانة عظيمة، ومنزلة كبيرة؛ ولذلك رغَّب الشَّارع فيو، ودعا إليو؛ حفاظًا على وحدة الأُمَّة وترابطها، والبعد عن الشّْقاق و النّْزاع فيما بينها. والنَّاظر في كتاب الله تعالى يقف على آيات كثيرة تدلُّ على ىذا المعنى، ومن ذلك: قولو سبحانو وتعالى: ﱡﭐ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﱠ(ٔ). وقد ذىب جمهور العلماء إلى أنَّ معنى الآية الكريمة: لا تجعلوا الحلف بالله حجَّ ة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبينَ الله وبين النَّ اس، فمن حلف على أن لا يقوم بالإصلاح بين النَّاس مثلاً، فلا يركن إلى يمينو، وليكفّْر عنها، وليأت بو بينهم(ٕ). ويؤيّْده ما في الصَّ حيحين(ٖ) عن أبي موسى الأشعريّ قال : قال رسول الله :«إِنّْ ي وَ الله - إِ نْ شَ اء الله - لا أَ حْ لِ فُ عَ لى يمينٍ فَ أَ رَ ى غَ يرىَ ا خَ يرًا مِ ن ْ هَ ا، إِ لا أَ تيتُ الذي ىُ وَ خَ يرٌ ، وَ تحلَّ لت ُ هَ ا». (ٔ) سورة البقرة، الآية ( ٕٕٗ ) . (ٕ) انظر: جامع البيان للطبريّ ( ٗ/ٕٗٗ )، وتفسنً القرآن ا لعظيم لابن كثنً ( ٔ/ٓٓٙ ) . (ٖ) أخرجو البخاريُّ في عدَّة مواضع من كتابو، منها في كتاب فرض الخمس، باب ومن الدَّليل على أنَّ الخمس لنوائب الدسلمنٌ( ٗ/ٜٛحٖٖٖٔ )، ومسلمٌ في كتاب الأيدان، باب ندب من حلف يدينًا فرأى غنًىا خنًًا منها أن يأتي الذي ىو خنً، ويكفِّر عن يدينو (ٖ/ٕٛٙٔحٜٗٙٔ) من طرق عن زَىْدم الجرميّ، عنو بو.
عدد الصفحات ١٣اَلأَْ حَ ادِ يثُ الْ وَ ارِ دَ ةُ فِ ي فَ ضْ لِ الإِْ صْ لاَ حِ ب َ يْ نَ النَّ اسِ "جَ مْ عًا وَ دِ رَ اسَ ةً " – د. عبد الله بن عيد الجربوعي ٗٙٔ وفيهما أيضًا(ٔ) من حديث عبد الرَّ حمن بن سمرة ،أنَّ رسول الله قال لو: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ ؛ فَإِنْ أُعْطِيت َ هَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَي ْهَا، وَإِنْ أُعْطِيت َهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَي ْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ ف َرَأَيْتَ غَي ْرَىَا خَي ْرًا مِن ْهَا، فَأْتِ الَّذِى ىُوَ خَ ي ْرٌ، وَكَفّْرْ عَنْ يَمِينِكَ ». ومن الآي أيضًا قولو سبحانوﭐﱡﭐ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱠ (ٕ). قال أبو جعفر الطَّبريُّ : «يعني جل ثناؤه بقولو: ﱡﭐ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱠ لا خير في كثير من نجوى النَّ اس جميعًا ﱡﭐ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱠ ، والمعروف ىو كلُّ ما أمر الله بو، أو ندب إليو من أعمال البرّْ والخير، ﱡﭐ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑﱒ ﱠ ، وىو الإصلاح بين المتباينَ ين أو المختصمَ ين، بما أباح الله الإصلاح بينهما؛ ليتراجعا إلى ما فيو الألفة واجتماع الكلمة، على ما أذن الله وأمر بو. (ٔ) أخرجو البخاريُّ في كتاب الأيدان والنُّذور، باب قول الله تعالى: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْىِ فِي أَيْمَاوِكُمْ وَلَكِهْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ ... (ٛ/ٕٚٔحٕٕٙٙ )، ومسلمٌ في كتاب الأيدان، باب ندب من حلف يدينًا فرأى غنًىا خنًًا منها أن يأتي الذي ىو خنً، ويكفِّر عن يدينو (ٖ/ٖٕٚٔحٕ٘ٙٔ ) من طرق عن الحسن، عنو بو. (ٕ) سورة النِّساء، الآية ( ٗٔٔ ) .
عدد الصفحات ١٤مجلّة الجامعة الإسلاميّة- العدد ٖٚٔ ٘ٙٔ ثمَّ أخبر جل ثناؤه بما وعد من فعل ذلك فقال: ﱡﭐ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱠ ، يقول: ومن يأمر بصدقة أو معروف من الأمر، أو يصلح بين الناس ﱡﭐ ﱖ ﱗ ﱘ ﱠ ، يعني: طلب رضا الله بفعلو ذلك، ﱡﭐ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱠ ، يقول: فسوف نعطي و جزاء لما فعل من ذلك أجرًا عظيم ً ا، ولا حدَّ لمبلغ ما سمى الله ﱡﭐ ﱜ ﱠ يعلمو سواه»(ٔ) اى . ومن الآي أيضًا قولو سبحانو في شأن ما يكون بين الزَّ وجين: ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏﱐ ﱑ ﱒﱓ ﱠ (ٕ). روى البخاريُّ في صحيحو (ٖ) في سبب نزول ىذه الآية عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ىو الرَّ جل يرى من امرأتو ما لا يعجبو، كبرًا أو غيره، فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت. قالت: فلا بأس إذا تر اضيا. ومعناه: أنَّو إن خافت المرأة من بعلها نشوزً ا، يعني: استعلاءً بنفسو عنها إلى غيرىا، أثَرةً عليها، وارتفاعًا بها عنها، إِمَّ ا لبغضة، وإمَّ ا لكراىة منو بعض أسبابها، إمَّ ا دَمامتها، وإمَّ ا سنّ ها وكبرىا، أو غير ذلك من أمورىا ، أو خافت إعراضً ا عنها بوجهو، أو ببعض منافعو التي كانت لها منو فلا حرج عليهما أن يُ صلحا بينهما (ٔ) جامع البيان ( ٜ/ٕٔٓ-ٕٕٓ ) . (ٕ) سورة النِّساء، الآية ( ٕٛٔ ) . (ٖ) كتاب الصُّلح، باب قول الله تعالى: أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (ٖ/ٖٛٔ- ٗٛٔحٜٕٗٙ).
عدد الصفحات ١٥اَلأَْ حَ ادِ يثُ الْ وَ ارِ دَ ةُ فِ ي فَ ضْ لِ الإِْ صْ لاَ حِ ب َ يْ نَ النَّ اسِ "جَ مْ عًا وَ دِ رَ اسَ ةً " – د. عبد الله بن عيد الجربوعي ٙٙٔ صلحً ا، وىو أن تترك لو يومها، أو تضعَ عنو بعض الواجب لها من حقٍّ عليو؛ تستعطِفو بذلك، وتستديم المُقام في حبالو، والتَّ مسُّ ك بالعقد الذي بينها وبينو من النّْ كاح، يقول سبحانو: ﱡﭐ ﱑ ﱒﱓ ﱠ، يعني: وا لصُّ لح بترك بعض الحقّْ استدامة للحُرْمة، وتماسكًا بعقد النّْ كاح، خيرٌ من طلب الفُ رقة والطَّ لاق(ٔ). ومن الآي أيضًا قولو سبحانو: ﱡﭐ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎﱏ ﱠ(ٕ). أي: اتَّ قوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم ، ولا تظالموا، ولا تخاصموا، ولا تشاجروا؛ فما آتاكم الله من الهدى والعلم خيرٌ ممَّ ا تختصمون بسببو(ٖ). ومنها أيضًا قولو سبحانو: ﱡﭐ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﱠ (ٗ). جاء في الصَّحيحين(٘) من حديث أنس قال: قيل للنبيّْ :لو أتيتَ (ٔ) جامع البيان ( ٜ/ٕٚٙ-ٕٛٙ ) . (ٕ) سورة الأنفال، الآية ( ٔ ) . (ٖ) تفسنً القرآن العظيم ( ٗ/ٓٔ ) . (ٗ) سورة الحجرات، الآية ( ٜ-ٓٔ ) . (٘) أخرجو البخا ريُّ في كتاب الصُّلح، باب ما جاء في الإصلاح بنٌ النَّاس (ٖ/ٖٛٔحٖٜٕٙ)، ومسلمٌ في كتاب الجهاد والسِّنً، باب في دعاء النبيِّ ، وصبره على أذى الدنافق (ٖ/ٕٗٗٔحٜٜٚٔ) من طريق معتمر بن سليمان التَّيميّ، عن أبيو، عنو بو.
عدد الصفحات ١٦مجلّة الجامعة الإسلاميّة- العدد ٖٚٔ ٚٙٔ عبدَ الله بن أُ بىٍّ . فانطلق إليو النبيُّ ،وركب حمارًا، فانطلق المسلمون يمشون معو، وىى أرض سَ بَ خَ ة(ٔ)، فلما أتاه النبيُّ ،فقال: إليك عنّْ ي؛ والله لقد آذاني نتن حمارك. فقال رجلٌ من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله أطيب ريحًا منك. فغضب لعبد الله رجلٌ من قومو، فغضب لكلّْ واحد منهما أصحابو، فكان بينهما ضربٌ بالجريد و بالأيدي و بالنّْ عال، فبلغنا أنَّ ها نزلت فيهم: ﱡﭐ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏﭐﱠ ﲐ. قال الطَّبريُّ في تأويل ىذه الآية: «وإن طائفتان من أىل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدُّ عاء إلى حكم كتاب الله، والرّْضى بما فيو لهما وعليهما، وذلك ىو الإصلاح بينهما بالعدل ، ﱡ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕﱠ يقول: فإن أبت إحدى ىاتين الطَّ ائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله لو وعليو، وتعدَّ ت ما جعل الله عدلاً بين خلقو، وأجابت الأخرى منهما ﱡﭐ ﲖ ﲗ ﲘ ﱠ، يقول: فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله، ﱡﭐ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝﲞﭐﱠ، يقول: حتَّى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابو بين خلقو، ﱡﭐ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﱠ، يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إيَّ اىم إلى الرّْ ضى بحكم الله في كتابو، فأصلحوا بينها وبين الطَّ ائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل، يعني: بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابو الذي جعلو عدلاً (ٔ) - بفتح السِّنٌ الدهملة وبفتح الباء وكسرىا أيضًا- وىي الأرض التي تعلوىا الدلوحة، ولا تكاد تُنبت إلا بعض الشَّجر. انظر: النِّهاية ( ص/ ٖٔٗ )، وش رح صحيح مسلم للنَّوويّ (ٕٔ/ٜٖٙ)، وفتح الباري ( ٘/ٕٖ٘ ) .
عدد الصفحات ١٧