الدورة الحادية والعشرون لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي 5341هـ- 3154م التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد إعداد أ.د عبد السلام بن سالم السحيمي أستاذ الفقه بالدراسات العليا بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
عدد الصفحات ١1 بسم ا الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . فقد تلقيت خطاب فضيلة أمين مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 642 /م ف 1/6112 والذي تضمن دعوتي للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والعشرين لمؤتمر مجلس المجم ع بتقديم بحث في موضوع "التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد" وبرفقه محاور الموضوع . فأشكر فضيلته على دعوته وحسن ظنه، واستجابة لرغبته فقد كتبت بحثاً بعنوان مقدمه "التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد" وقد جعلته في تمهيد وأربعة مباحث وهي: المبحث الأول: المراد بالجها د وغايته وعلى من يشن ومن له حق الإعلان وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: معنى الجهاد ومفهومه في اللغة والشرع المطلب الثاني: ضوابط الجهاد بمعناه الخاص (اختصارا ) المطلب الثالث: على من يُشَن الجهاد. المطلب الرابع: من له حق إعلان الجهاد المطلب الخامس: الغاية من الجهاد المبحث الثاني: أسباب جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى القتال ضد حكام المسلمين وغيرهم المبحث الثالث: حكم العمليات القتالية التي تشن باسم الجهاد ضد المسلمين وغيرهم. المبحث الرابع: سلطة ولي الأمر تجاه من يعلن الجهاد ضد المسلمين وغيرهم وقد ختمت البحثسودة قرار بشأن التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد . وقد كتبت البحث وفق المنهج المتبع في الأبحاث العلمية وأسأل الله التوفيق والسداد للجميع
عدد الصفحات ٢2 تمهيد حفظ الشريعة للضروريات الخمس ومنها حفظ النفس . الضروريات هي المصالح التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسب(1). وعرفها الشاطبي بأنها "ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين "(2). وقال الشاطبي أي ضا: " فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس : وهي الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل وعلمها عند الأمة كالضروري ..." (3). حفظ النفس لقد عنيت الشريعة الإسلامية بالنفس عناية فائقة، فشرعت من الأحكام ما يجلب المصالح لها ويدفع المفاسد عنها وذلك مبالغة في حفظها وصيانتها، ودرء الاعتداء عليها؛ لأنه بتعريض الأنفس للضياع والهلاك يفقد المكلف الذي يتعبد الله عز وجل وذلك بدوره يؤدي إلى ضياع الدين، والمقصود من الأنفس التي عنيت الشريعة بحفظها هي الأنفس المعصومة بالإسلام أو الجزية وا لأمان(4). وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بتحريم الاعتداء على النفس بل عُدَّ ذلك من كبائر الذنوب، إذ ليس بعد الشرك بالله ذنب أعظم من القتل قال تعالى : وَمَن ي َقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّت َعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَ نَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (5)، وقال تعا: وَلاَ ت َقْت ُلُواْ الن َّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا ف َقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورً ا (6). وقالتعالى: وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ ي َقْت ُلُونَ الن َّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لاَ ي َزْنُونَ وَمَن ي َفْعَلْ ذَلِكَ ي َلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ ي َوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَا نًا (7). (1 ) انظر: المستصفى صـ11، ونهاية السول4/26. (2 ) الموافقات6/2. (3 ) الموافقات1/22. (4 ) انظر: روضة الطالبين 9/142، وأما غير ذلك كنفس المحارب فليس مما عنيت الشريعة بحفظه، ويتعامل في ذلك وفق ما جاء في أحكام الشريعة في الجهاد. (5 ) سورة النساء آية92. (6 ) سورة الإسراء آية22. (7 ) سورة الفرقان آية22،29.
عدد الصفحات ٣3 وقال(( :لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني، والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة )) (1). وقوله في حجة الوداع ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم ف يسألكم عن أعمالكم فلا ترجعن بعدي كفارا "أو ضلالاً " يضرب بعضكم رقاب بعض؛ ألا ليبلغ الشاهد الغائب ...)) (2). وقوله(( :أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور أو قال شهادة الزور)) (3). وقوله(( :إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه )) (4)، وقال(( :لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق)) (5). وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : "إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله "(6). وقد بلغ من محافظة الشريعة الإسلامية على النفوس والوفاء بالعهود أن حرمت قتل المعاهد وهو الذي له عهد مع المسلمين بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم إلا أن ينقض العهد . قال (( :من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما )) (7). قال ابن حجر: قوله ((من قتل معاهدا)) المراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم(8). (1 ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قول الله تعا : ((فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)) حديث (4444 )2/122. (2 ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب الخطب ة أيام منى حديث (1429 )2/142،وأخرج مسلم صحيحه كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأحوال حديث (9 )2/1211 واللفظ له. (3 ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قوله تعا : ((ومن أحياها)) حديث (2241 )16/191. (4 ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتا ب الديات، باب قوله تعالى: ((ومن أحياها)) حديث (2241 )16/196. (5 ) أخرجه الترمذي في سننه كتاب الديات، باب ما جاء في التشديد في قتل المؤمن 4/12 حديث(1291 )وابن ماجه في سننه كتاب الديات باب التغليظ في قتل مسلم ظلما 6/244، حديث (6219)، والنسائي سننه، كتاب تحريم الدم، باب تعظيم الدم 4/26، حديث(2924 )والحديث صححه الألبا(صحيح الجامع 6/911.) (6 ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا)) حديث (2222 )16/124. (7 ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم حدي ث (2122 )16/619. (8 ) فتح الباري16/619.
عدد الصفحات ٤4 المبحث الأول المراد بالجهاد وغايته وعلى من يشن ومن له حق الإعلان المطلب الأول معنى الجهاد ومفهومه في اللغة الشرع . الجهاد في اللغة مصدر جاهد جهادا ومجاهدة، وجهد فاعل من جهد إذا بالغ في قتل عدوه وغيره، ويقال: جهده المرض وأجهده إذا بلغ به المشق، وجهدت الفرص وأجهدته إذا استخرجت جهده، والجهد بالفتح المشقة، وبالضم الطاقة، وقيل يقال بالضم والفتح في كل واحد منهما فمادة (ج ه د) حيث وجدت ففيه معنى المبالغة (1). فالجهاد في اللغة يشمل كل جهد يبذله الشخص وخصوصا فيما يتعلق بمحاربة العدو (2). وأما في الشرع فهو على معنيين أحدهما عام والآخر خاص . فأما العام فيشمل العمل بالإسلام والدعوة إليه والدفاع عنه وإعزاز ه بكل ممكن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الجهاد هو بذل الوسع، وهو القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق ) (3). وقال ابن رش ــــــــــــد : ( الجهاد مأخوذ من الجهد وهو التعب ، فمعنى الجهاد في ســـــــــبيل الله المبالغة في إتعاب النفس في ذات الله تعالى ، وإعلاء كلمته التي جعلها الله طريق اً إلى الجنـــــــــة وســــبيلا إليها ، قال الله تعالى : وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (4()5). وقال ابن تيمية"فجعل الله لأهل محبته علامتين اتباع الرسول والجهاد في سبيل لله، وذلك لأن ا لجهاد حقيقه الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان(6). (1 ) المطلع على أبواب المقنع صـ619. (2 ) انظر: معجم مقاييس اللغة 1/422، كتاب الجيم باب الميم والهاء، وتهذيب الصحاح 1/612، والمصباح المن 1/116 (جهد)، والقاموس المحيط صـ211. (3 ) مجموع الفتاوى 11/196،192. (4 ) سورة الحج أية 42. (5 ) المقدمات الممهدات1/241. (6 ) مجموع الفتاوى 11/191.
عدد الصفحات ٥5 وقال الحافظ ابن حجر في تعريف الجهاد : "هو بذل الجهد في قتال الكفار ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفسوق"(1). وقال ابن المناصف: "وكذلك الجهاد في سبيل الله تعالى إنما هو بذل الجهد في إذلال النفس وتذليلها في سبيل الشرع والحمل عليها بمخالفة الهوى ومن الركون إلى الدعة والذات واتباع الشهوات "(2). والنصوص تدل على هذا المعنى العام ومن ذلك قوله تعالى : وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (3). وقوله تعا: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِن َفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (4). وقوله تعا: يَا أَي ُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (5). وقوله تعا: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَن َهْدِي َن َّهُمْ سُب ُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (6). وقال الن في حديث عبد ا ابن عمرو للرجل الذي سأل عن الجهاد :" أحي والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهد"(7). قال ابن حجر: "ففيهما فجاهد أي خصهما بجهاد النفس في رضاهما ويؤخذ منه أن كل شيء يتعب النفس يسمى جهادا، وفيه أن بر الوالدين قد يكون أفضل من الجهاد"(8) . يقصد ابن حجر أفضل من الجهاد أي الجهاد الخاص وإلا فبر الوالدين من الجهاد. وأما المعنى الخاص للجهاد فيراد به جهاد الكفار على وجه الخصوص وهذا هو المراد عند إ طلاق الجهاد في اصطلاح الفقهاء. قال ابن رشد :" فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا اطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية ...." (9). (1 ) فتح الباري2/2. (2 ) الانجاد في أبواب الجهاد1/11. (3 ) سورة الحج آية42. (4 ) سورة العنكبوت آية2. (5 ) سورة التوبة آية42. (6 ) سورة العنكبوت آية29. (7 ) أخرجه البخاري صحيحه، البخاري مع الفتح 2/141، كتاب الجهاد، باب الجهاد بإذن الوالدين برقم (2114)، ومسلم في صحيحه2/121، كتاب البر والصلة باب بر الوالدين برقم (6149.) (8 ) فتح الباري2/141. (9 ) المقدمات الممهدات1/246.
عدد الصفحات ٦6 وعلى هذا المع الخاص عرفه فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة(1) . فقد عرّفه الحنفية فقالـــــوا : (( بأنه دعوة الكفار إلى الدين الحق وقتـــــالهم – إن لم يقبلوا – بالنفس والمال )) (2) .أو(( بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد )) (3). وعرّفه المالكية (( بأنه قتال مسلم كافرًا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى، أو حضوره له أو دخوله في أرضه )) (4). وعرّفه الشافعيّة:(( بأنه قتال الكفار في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه )) (5). وعرّفه الحنابلة: بأنه: (( قتال الكفار خاصة بخلاف المسلمين من البغاة وقطاع الطريق )) (6). ولا شك أن كلا المعنيين صحيح، أعني المعنى العام للجهاد و المعنى الخاص ، وقد دلت الأدلة الشرعية على ذلك وأن المقصود من الجهاد هو تبليغ دين الله ودعوة الناس إليه، وإعلاء دين الله في الأرض وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، كما قال الله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِت ْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ (7). (7). وكما قال الن في حديث أبي موسى (( :من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله)) (8) .فالمجاهد في سبيل الله هو من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا ويكون ال دينه كله لله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فالمقصود بالجهاد ألاّ يعبد أحد إلا الله فلا يدعو غيره، ولا يصلي لغيره ،ولا يسجد لغيره ، ولا يصوم لغيره، ولا يذبح القرابين إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا (1 ) انظر: العناية على الهداية 1/142، وحاشية رد ا تار 4/161، وبدائع الصنائع 4/94، ومواهب الجليل 2/242، والخرشي2/114، والسراج السالك6/64، وإعانة الطالب4/121، وحاشية الباجوري6/62، والمبدع 2/214، وكشاف القناع 2/26، ومطالب أولي النهى6/494. (2 ) العناية على الهداية1/142، والفتاوى الهندية6/122، وحاشية رد المحتار 4/161، واللباب في شرح الكتاب 4/114. (3 ) بدائع النائع4/94، وحاشية رد المحتار4/114. (4 ) مواهب الجليل2/242، والخرشي2/114، وكفاية الطالب الربا 2/19، والسراج السالك6/64. (5 ) إعانة الطالب2/121، وحاشية الباجوري على ابن القاسم6/621، وحاشية الشرقاوي 6/291. (6 ) المبدع 2/214، وكشاف القناع 2/26، ومطالب أولي النهى6/494. (7 ) آية(29 )من سورة الأنفال. (8 ) أخرجه البخاري في صحيحه، البخاري مع الفتح 12/441، كتاب التوحيد، باب قوله تعا : ((ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين)) برقم (4412)، ومسلم صحيحه 2(121)، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبي الله، برقم (1914.)
عدد الصفحات ٧7 يخاف إلا إياه، ولا يتقي إلا إياه، فهو الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، ولا يهدي الخلق إلا هو، ولا يضّرهم إلا هو، ولا يرزقهم ولا يغنيهم إلا هو، ولا يغفر ذنوبهم إلا هو)) (1). وقال أيضا((والجهاد مقصوده أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدبن كله لله ، فمق صوده إقامة دين الله)) (2). وقال الشيخ العلامة عبد الرن ابن ناصر السعدي: (( الجهاد نوعان: جهاد يقصد به صلاح المؤمنين وإصلاحهم في عقائدهم وأخلاقهم وآدابهم، وجميع شؤونهم الدينية والدنيوية ، وفي تربيتهم العلمية والعملية، وهذا النوع هو أصل الجهاد وقوامه، وعلي ه يتأسس النوع الثاني وهو جهاد يقصد به دفع المعتدين على الإسلام والمسلمين من الكفار والمنافقين والملحدين وجميع أعداء الدين ومقاومتهم )) (3). الراجح والمختار من التعريفات السابقة : من خلال ما سبق من التعر يفات يظهر بوضوح أن بعض العلماء نظر في تعر يفه للجهاد إلى معناه العام، والبعض الآخر نظر إلى معناه الخاص الذي هو قتال الكفار. والذي يظهر لي بالنسبة لمعنى الجهاد الخاص ، أن تعريف المالكية ، وهو قولهم ، (( قتال مسلم كافرًا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى أو حضوره له ، أو دخوله في أرضه )) أولى من غيره ، و أدق، فقولهم: (( قتال مسلم)) أي : أن الذي يعتبر مجاهدًا هو المسلم. وقولهم : ((غير ذي عهد)) يخرج الكافر الذي له عهد، سواء كان من أهل الذمة أو من أهل الصلح ، أو من المحاربين إذا دخل بأمان . قولهم: ((لإعلاء كلمة الله )) يقتضي أن من قاتل لغير هذا المعنى لا يدخل في معنى الجهاد. وقولهم: ((أو)) حرف عطف على القتال . وقولهم: ((حضوره )) أي حضور المسلم القتال . وقولهم: (( أو دخوله أرضه )) الضمير يعود على القتال(4). قلت: ولو أضيف للتعريف جملة : (( بعد دعوته وإبائه)) بعد قولهم :(( غير ذي عهد)) لكان أولى وأحسن، ولكان التعريف جا معًا مانعًا. وأما بالنسبة للمعنى العام ، فأو لى التعريفات، هو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قوله : "والجهاد هو بذل الوسع، وهو القدرة في حصول محبوب الحق، ودفع ما يكرهه الحق، وذلك أن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان"(5). (1 ) مجموع الفتاوى 21/222. (2 ) المصدر السابق11/141،62/62،214. (3 ) جهاد الأعداء ووجوب التعاون بين المسلم(صـ9.) (4 ) انظر: مواهب الجليل 2/244، بنوع تصرف . (5 ) انظر: مجموع الفتاوى 11/196،192.
عدد الصفحات ٨8 فهذا التعريف شامل لجم يع أنواع الجهاد . والجهاد بمعناه الخاص نوعان جهاد طلب وجهاد دفع ولهما شروطهما وضوابطهما، وقد مر جهاد المسلمين في زمن النبي بمراحل أربع هي : 1- مرحلة الكف عن القتال وهي أطولها . 6- مرحلة الإذن بالقتال من غير أمر به. 2- مرحلة قتال من قاتل المسلمين والكف عن غيرهم . 4- مرحلة قتال كل كافر ينشر الكفر ويدعو إليه ويصد الناس عن دين الله(1). وهذه المراحل الأربع ليس شيء منها منسوخا كما قرر المحققون من أهل العلم، وإنما تنزل على أحوال المسلمين قوة وضعفا(2). المطلب الثاني ضوابط الجهاد بمعناه الخاص (اختصارا) قد تقدم في المطلب السابق ذكر معنى الجهاد ومفهومه وأنواعه وأن معناه الخاص هو جهاد الكفار وقتالهم، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين : جهاد طلب، وج هاد دفع، وجهاد الطلب هو أن يطلب العدو في أرضه، وجهاد الدفع هو دفع العدو عن بلاد المسلمين(3). وأنا لست بصدد ذكر حكم الجهاد ومتى يتع–لأن هذا خارج عن موضوع بحثنا - وإنما مقصودي هنا بيان الضوابط وفهمها وعلاقته بقتال المسلمين باسم الجهاد؛ لأن عدم معرفة هذه الضوابط وعدم فهمها هو الذي أوقع الخوارج ومن تأثر بهم من بعض التنظيمات الإسلام ية فيما وقعوا فيه من عدم طاعة ولي الأمر في هذا الباب، بل الخروج عليه وقتاله وجعل ذلك من الجهاد في سبيل الله، وإنه باستقراء كلام أهل العلم نجد أن ضوابط الجهاد منها ما يتعلق بالمجاهد المسلم، ومنها ما يتعلق بالمقاتَل الكافر. فالذي يتعلق بالمجاهد المسلم خمسة ضوابط لابد من وجودها مجتمعة وهي : (1 ) انظر هذه المراحل: أحكام القرآن لابن العربي 1/112، والجامع لأحكام القرآن للقرط6/621-624، وتفسير البغوي 1/122، والصارم المسلول صـ 112، ومن صـ 619-641، ومجموع الفتاوى 62/241- 211، وزاد المعاد2/41. (2 ) المصادر المتقدمة والإنجاد في أبواب الجهاد 1/64، والصارم المسلول6/114. (3 ) انظر: الهداية مع فتح القدير 1/422، والاختيار لتعليل المختار2/112، والكافي لابن عبد ال1/426- 422، والمنهاج مع شرحه مغني المحتاج 4/612،619، وحاشية ابن القاسم على الروض المربع4/614.
عدد الصفحات ٩9 1- الإخلاص. 6- وجود القدرة والقوة التي تكسر شوكة العدو . 2- أن لا يترتب على القتال مفسدة أعظم من مفسدة تركه . 4- أن يكون الجهاد تحت را ية شرعية معلومة وليس تحت راية أو رايات عمية مجهولة . 1- أن يكون الجهاد والقتال بإذن الإمام إذ أن أمر اهاد موكول إليه . وأما الذي يتعلق بالمقاتل الكافر فخمسة ضوابط أيضا، وهي: 1- أن لا يكون المقاتل الكافر ذمياً(والذمي هو الكافر الذي يقيم بديار المسلمين وتحت ولايتهم ) 6- أن لا يكون المقاتل الكافر معاهداً(والمعاهد هو الذي بينه وبين المسلمين صلح وهدنة). 2- أن لا يكون اقاتل الكافر مستأمناً (والمستأمن هو من كان من أهل الحرب يدخل ديار المسلمين بأمان من الإمام أو من أحد من المسلمين). 4- أن يكون المقاتل من أهل القتال، وليس صبياً ولا امرأة ولا شيخا كبيرا ولا ممن انقطع عن الناس واعتزلهم. 1- أن يكون القتال بمواجهة معلومة بين المسلم وعدوهم وليس بالتفجيرات والاغتيالات والانتحارات أو بالغدر والخيانة(1). وهذه الضوابط محل اتفاق بين الفقهاء رحمهم ا (2)، وإذا لم تتوفر هذه الضوابط فإن الجهاد لا يكون مشروعا فضلا عن أن يكون واجبا أو مستحبا، وقد ذكرت هذه الضوابط على سبيل الاختصار وأدلتها مبسوطة في كتب الفقه، ولولا الخروج عن مقصود البحث لذكرت ذلك . (1 ) انظر: الشروط والضوابط المقدم ذكرها مع أدلتها في : الهداية 6/122-116، والاختيار 4/161-162، والبناية 1/224-444،1/444-211، واللباب4/121،142، والكافي لابن عبد ال1/422-421، والمقدمات الممهدات 1/214،222، وعقد الجواهر 1/449-494، والذخيرة 2/442-449، والحاوي 4/692-692، والوسيط4/42-29، والمغ12/49،616،612، وكشاف القناع 2/114،111، وأحكام أهل الذمة 6/441-442، والسيل الجرار 4/119، والشرح الممتع 2/12، والجهاد وضوابطه المشروعة للشيخ صالح الفوزان صـ26،12، وانظر كتابي الجهاد في الإسلام مفهومه وأنواعه وضوابطه وأ هدافه صـ46-112. (2 ) انظر: المصادر المتقدمة.
عدد الصفحات ١٠11 المطلب الثالث على من يُ شَ ن الجهاد تقدم تعريف الجهاد عند الفقهاء وقد ذكرت التعريف ورجحت تعريف المالكية وهو "قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله "، وشرحت التعريف وعلى ضوء هذا التعريف وضوء ضواب ط الجهاد المتقدم ذكرها يتضح أن الذي يُشَنُّ عليه الجهاد ويقاتَل هو الكافر غير ذي العهد فلا يدخل في ذلك الذمي والمستأمن ومن كان بينه وبين المسلمين صلح وأمان. المطلب الرابع من له حق إعلان الجهاد الذي له حق إعلان الجهاد والمناداة به وتجييش الجيوش من أجله هو و لي الأمر، فأهل السنة والجماعة متفقون على أن الجهاد موكول للإمام وأنه لا بد من إذنه وتحت رايته وقيادته اتباعا لسنة الرسول وسنة خلفائه الراشدين، وقد قرر أهل السنة والجماعة ذلك في كتبهم . يقول أبو جعفر الطحاوي: "والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة"(1). ويقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه ا : "والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك"(2). وجاء في اعتقاد علي بن المديني ومن نقل عنه ممن أدركه من جماعة السلف قوله : "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ليلة إلا وعليه إمام براًّ كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين، والغزو مع الأمراء ماض إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك"(3). وجاء في اعتقاد أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم وأبي حاتم محمد بن إدريس ابن المنذر الرازيين عن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يتعاقدان من ذلك؛ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم ... ونرى الصلاة والحج والجهاد مع الأئمة ..." (4). (1 ) شرح الطحاوية 6/111. (2 ) شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/121. (3 ) شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/124. (4 ) شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/142،126.
عدد الصفحات ١١11 وقال ابن رشد القرط : "ويجاهد العدو مع كل إمام بر وفاجر "(1) .وقال أيضا: "وله –أي الجهاد- فرائض يجب الوفاء بها؛ قيل: إنها خمس؛ وهي: الطاعة للإمام، وترك الغلول، والوفاء بالأمان، والثبات عند الزحف، وألا يفر واحد من اثنين "(2). وقال القرطبي المالكي : "ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإمام، ليكون متجسّ ساً لهم عضداً من ورائهم، وربما احتاجوا إلى درئه "(3). وقال الماوردي الشافعي : "والذي يلزمه –أي الإمام- من الأمور عشرة؛ ثم قال ... والخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكوا محرماً، السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة، ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله "(4). وقال الموفق ابن قدامة الحنبلي: "وأمر الجهاد موكول للإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك"(5). وقال البهو: "ولا يجوز الغزو إلا بإذن الأمير، لأنه أعرف بالحرب وأم ره موكول إليه "(6). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويرون –يعني أهل السنة والجماعة- إقامة الحج والجهاد والجمع مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجاراً "(7). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن –رحمهما الله تعالى -: "واستمر العمل على هذا بين علماء الأمة من سادات الأمة وأئمتها، يأمرون بطاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله مع كل إمام بر أو فاجر، كما هو معروف في كتب أصول الدين والعقائد "(8). وقال الشيخ محمد بن صابن عثيمين رحمه الله : "ولا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر ، لأن المخاطب بالغزو والجهاد هم ولاة الأمو ر وليس أفراد الناس، فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد، فلا يجوز لأحد أن يغزو بغير إذن الإمام إلا على سبيل الدفاع، وإذا فاجأهم عدو يخافون كلبه – أي: قوته فحينئذ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم لتعين القتال إذن، وإنما لم يجز ذلك؛ لأن الأمر منوط بالإمام، فالغزو بلا إذنه افتيات (1 ) المقدمات الممهدات1/211. (2 ) المقدمات الممهدات1/211. (3 ) الجامع لأحكام القرآن1/144. (4 ) الأحكام السلطانية(صـ11،12.) (5 ) المغ12/12. (6 ) كشاف القناع 2/46-42. (7 ) مجموع الفتاوى 2/112. (8 ) الدرر السنية4/144،142.
عدد الصفحات ١٢12 وتعد على حدوده، ولأنه لو جاز للناس أن يغزو بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى كل من شاء ركب فرسه وغزا؛ ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة، فقد تتجهز طائفة من الناس على أنهم يريدون العدو وهم يريدون الخروج على الإمام، أو يريدون البغي عل ى طائفة من الناس كما قال تعالى : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اق ْتَت َلُوا فَأَصْلِحُوا ب َي ْن َهُمَا (1) .فلهذه الأمور الثلاثة ولغيرها لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام"(2). وقال الشيخ صالح الفوزان : "والذي يأمر بالقتال وينظم القتال إمام المسلمين، من صلاحيات الإمام إقامة الجهاد، وتنظيم الجيوش، وتنظيم السرايا، يقودها بنفسه أو يؤمر عليها من يقودها، فالجهاد من صلاحيات الإمام، ولا يجوز للمسلمين أن يقاتلوا بدون إذن الإمام إلا في حالة واحدة إذا دهمهم عدو يخشون كلبه فإنهم يدفعونه بالقتال، ولا يحتاج لإذن الإم ام؛ لأن هذا دفع خطر، أما الغزو وأما القتال فهذا لابد فيه من إذن الإمام فيه، فهو الذي يتولاه وهو الذي يقوده أو ينيب من يقوده، وهو الذي ينظمه، وهو الذي يجهز الغزاة، وهو الذي يعد العدة، هذا من صلاحيات الإمام، والمسلمون تحت قيادته، وهم أمة واحدة لا يجوز التفرق بالرأي والاختلاف، لاسيما في أمور الجهاد ، فإنهم إذا اجتمعوا مع إمامهم وتحت قيادته صار ذلك أقوى لهم وأهيب لعدوهم وأنكى لعدوهم، أما إذا تفرقوا واختلفوا وكل يرى نفسه أنه صاحب الصلاحية ولا يخضع لإمام فهنا تحل الكارثة بالمسلمين "(3). وأفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية بما نصه : " الجهاد لإعلاء كلمة الله، وحماية دين الإسلام، والتمكين من إبلاغه ونشره، وحفظ حرماته فريضة على من تمكن من ذلك وقدر عليه، ولكنه لا بد له من بعث الجيوش، وتنظيمها؛ خوفًا من الفوضى، وحدوث ما لا تحمد عقباه؛ ولذلك كان بدؤه، والدخول فيه من شأن ولي أمر المسلمين، فعلى العلماء أن يستنهضوه لذلك، فإذا ما بدأ واستنفر المسلمين، فعلى من قدر عليه أن يستجيب للداعي إليه، مخلصًا وجهه لله، راجيًا نصرة الحق، وحماية الإسلام، ومن تخلف عن ذلك مع وجود الداعي، وعدم العذر؛ فهو آثم "(4). الأدلة الدالة على اشتراط إذن الإمام في الجهاد، وأن الجهاد لا يشرع إلا إذا كان تحت قيادة شرعية : (1) يقول الله تبارك وتعا : يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ (5). (1 ) آية(9 )من سورة الحجرات. (2 ) الشرح الممتع 2/61،62. (3 ) الجهاد وضوابطه المشروعة صـ26-22. (4 ) فتاوى اللجنة الدائمة16/16. (5 ) آية(19 )من سورة النساء.
عدد الصفحات ١٣13 جاء في تفسير القرط : "قال سهل بن عبد الله التستري: أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام، والحج، والجمعة والعيدين، والجهاد "(1). وقال النووي في حكم الطاعة: "أجمع العلماء على وجوبها في غير معصية، وقال : قال العلماء: المر اد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء..." (2). 1- فعن أبي هريرة أن رسول ا قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني )) (3). 6- وعنه عن الن أنه قال: ((من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ، ومن قاتل تحت راية حمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلة جاهلية )) (4). فدلت هذه الأدلة بعمومها على وجوب طاعة الإمام في الجهاد، وغيره مما كان طاعة . وأما الأدلة الدالة بخصوصها على وجوب طاعته في الجهاد، وأن أمر الجهاد موكول إليه فمنها : (1) قال البخاري : "باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به". قال رسول الله من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجراً، وإن قال بغيره فإن عليه منه)) (5). والشاهد من الحديث قوله: "وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ". (1 ) أحكام القرآن1/124،122. (2 ) شرح مسلم 2/666،662. (3 ) أخرجه البخاري . البخاري مع الفتح 12/111، كتاب الأحكام، باب قول الله تعا : ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول))، برقم (4124)، ومسلم، مسلم بشرح النووي 16/662، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1221.) (4 ) أخرجه مسلم . مسلم بشرح النووي 16/622، كتاب الإمارة، باب وجوب لزوم جماعة المسلمين، برقم (1242.) (5 ) أخرجه البخاري . البخاري مع الفتح 2/112، كتاب الجود، باب يقا تل من وراء الإمام يتقى به، برقم (6914)، ومسلم، مسلم بشرح النووي 16/621، كتاب الإمارة، باب الإمام جنة يقاتل به من ورائه، ويتقى به، برقم (1241.)
عدد الصفحات ١٤14 قال النووي: ((قوله " :الإمام جنة" كالستر يمنع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام ويتقيه الناس ويخشون سطوته ومعنى "يقاتل من ورائه " أي يقاتل معه الكفار، والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا )) (1) . والحديث أفاد أنه لا بد للناس من أمير يقاتل معه كما سبق النقل عن النووي وأنه لم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلاً (2). ويؤيد ذلك ترجمة الإمام البخاري بقوله : "باب الجهاد ماض مع البر والفاجر" لقول النبي (( :الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم)) (3). قال ابن حجر: ((قوله: (باب الجهاد ماض مع البر والفاجر) هذه الترجمة لفظ حديث أورده أبو داود(4)، وأبو يعلى مرفوعا عن أبي هريرة ولا بأس بروايته )) (5). (6) عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول : "كان الناس يسألون رسول الله عن ا وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني؛ فقلت : يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم. فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر . قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا . قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) (6). (2) قال ابن حجر: "قال الطبري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين هم في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة،، قال : وفي الحديث: أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحداً في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر"(7). (1 ) شرح النووي 16/621. (2 ) فتح الباري2/12. (3 ) البخاري مع الفتح2/12. (4 ) انظر: سنن أبي داود 2/12، كتاب الجه اد، باب في الغزو مع أئمة الجور، برقم (6122 )ولفظه: "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا " وسكت عنه أبو داود. (5 ) فتح الباري2/12. (6 ) أخرجه البخاري . البخاري مع الفتح (12/21)، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم (4124)، ومسلم بشرح النووي 16/662، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الف . (7 ) فتح الباري12/24.
عدد الصفحات ١٥15 قلت: يؤخذ من الأدلة المتقدمة أنه لا بد في الجهاد من القيادة الشرعية، وأنه لا جهاد تحت راية كافرة، ولا جهاد بغير راية الإمام، وأنه عند فقد الإمام يعتزل الفرق كلها، وأن هذا معتقد أهل السنة والجماعة كما تقدم نقل ذلك عنهم. الإمام الذي تجب طاعته في الجهاد وغيره: الذي تجب طاعته هو الخليفة أو الإمام الذي وقع الاجتماع علي، سواء كان إماماً أو خليفة لقطر أو الأقطار، وإن لم تكن له الخلافة العامة. وأما القول بأن الإمام الذي تجب طاعته هو فقط من كان خليفة لجميع المسلمين بكافة أقطارهم وأن من كان حاكما أو إماما لقطر من الأقطار فلا تجب طاعته ولا بيعته، فإن هذا القول وهذا الرأي مخالف للأدلة، ومخالف للإجماع، ومخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، ومخالف أيضاً للواقع ويؤدي إلى الخروج على الأئمة ونقض بيعتهم، وهو رأي الخوارج . قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل –قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا- ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم"(1). وقال العلامةمحمد بن إسماعيل الصنعاني – في شرح حديث أبي هريرة أن الن قال: ((من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات فميتته جاهلية)) (2) قال– أي الصنعاني-: ((قوله: "عن الطاعة" أي طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذا لم يجمع ال ناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم، إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام لقلّت فائدته، وقوله: "وفارق الجماعة " أي خرج من الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم "(3). وقال العلامة محمد بن علي الشوكا : "ولا يصح إمامان، وأما بعد انتشار الإسلام وانتشار رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان وفي القطر الآخر كذلك ، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآ خر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا (1 ) الدرر السنية9/1. (2 ) سبق تخريجه. (3 ) سبل السلام2/166.
عدد الصفحات ١٦