-17- زرعة عبدالرحمن بن محمد بن زنجلة القارئ (1)، ويمكن أن يستدل بهذا السماع على عدة أمور تتعلق بحياة المؤلف، منها تلمذته على ابن فارس، وأنه كان في المحمدية، وهي محلة في مدينة الري، من أكبر م دن شمال إقليم فارس، سنة 382ه، ويبدو أنه كان في تلك السنة في عمر يؤهله لوصفه في السماع بالقارئ، وهو أمر يدل على شهرته لهذا العلم في تلك المرحلة من عمره. واستدل الأستاذ سعيد الأفغاني على أن ابن زنجلة ألف كتاب ( حجة القراءات ) قبل سنة 413ه مما ورد في إحدى نسخ الكتاب الخطية من الإشارة إلى أنها منقولة عن نسخة كتبت في شهور سنة ثلاث وأربع مئة(2)، وإذا تأكد أن ابن زنجلة قرأ على أبي الحسين أحمد بن فارس المتوفى سنة315ه(3)، ويبدو أنه أخذ عن شيخ آخر أيضا هو أبو عبدالله محمد بن عبدالله الخطيب الإسكافي المتوفى سنة 421ه، مؤلف كتاب (درة التنزيل)، فقد قال ابن زنجلة في كتابه (حجة القراءات): "سألت أبا عبدالله الخطيب عن هذا " (4). المطلب الثانيمؤلفاته ونتاجه العلمي: وإذا كانت المعلومات شحيحة عن أكثر جوانب حياة أبي زرعة سواء في ذلك نشأته وشيوخه وتلامذته ووفاته، فإن معرفتنا بمؤلفاته أحسن حالا ، بل إنما عرفناه منها، على قلته، هو الذي كشف لنا عن شخصية هذا العالم الكبير، وهذه أسماء كتبه: 1- حجة القراءات، حققه: سعيد الأفغا 2- تنزيل القرآن وعدد آياته واختلاف الناس فيه، دراسة وتحقيق: أ.د. غانم قدوري الحمد. 1)) ابن فارس، أحمد،الصاحبي، ص472. 2) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص31. 3) )المرجع السابق ، ص 544. 4) )المرجع السابق ، ص155، والخطيب الإسكافي، كتاب المجالس ص 11.
عدد الصفحات ١٧-18- 3- تفسالقرآن، ذكره أبو زرعة في ( حجة القراءات )، فقال في احتجاجه لقوله تعالى ﭽﭝ ﭞ ﭟﭼ(1): "والأخبار كثيرة في هذا المعنى، وقد ذكرناها تفسير القرآن "(2). 4- شرف القراء في الوقف والابتداء في الكلام المنزل على خاتم الأنبياء (3). ويمكن القول من خلال النظر فيما وصل إلينا من كت ب أبي زرعة أنه من العلماء بالقرآن وعلومه، وهو عالم بالقراءات والتفسير وعلم العدد والمكي والمدني إلى جانب معرفته الواسعة بعلوم اللغة العربية، التي استند إليها بالاحتجاج للقراءات، وكذلك معرفته بالحديث النبوي الشريف، فقد استشهد بعشرات الأحاديث في كتابه ( حجة القراء ات)(4) كما أنه ذكر مذاهب الفقهاء في عدد من مسائل القراءات (5). المطلب الثالث وفاته: إذا كانت كتب التاريخ والتراجم قد سكتت عن ذكر أبي زرعة بن زنجلة فإننا يمكن أن نستنتج أنه عاش معظم سني حياته في القرن الرابع الهجري، وأنه أدرك صدرا من القر ن الخامس، فإنه في سنة 382ه كان مجلس أحمد بن فارس يسمع قراءة كتاب الصاحبي على مؤلفه، ونُسب أن حياته امتدت إلى ما وراء تاريخ وفاة شيخه أبي عبدالله محمد بن عبدالله الخطيب الإسكافي التي كانت سنة 421ه، بناء على امتداد حياة الطلبة إلى ما بعد وفاة شيوخهم في الغالب، فقد يصعب إعط اء تاريخ تقريبي لسنة ووفاته لفقدان القرائن الدالة على ذلك، وغاية ما يمكن قوله في الوقت الحاضر أنه عاش في النصف الثاني من القرن الرابع وسنين من أوائل القرن الخامس، وأنه عاصر اثنين من خلفاء بني العباس في الأقل، وهما: الطائع لله الذي امتدت 1)) سورة المائدة، الآية: 6. 2) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص222و282. 3)) ذكره الأستاذ سعيد الأفغاني، وأشار إلى أنه تلقى رسالة من الدكتور كوركيس عواد الباحث العراقي مؤرخة 14 /2 /1157م، ذكر فيها أن السيد عاكف العاني الموظف بالمكتبة العامة في بغداد – في ذلك الوقت – يحتفظ بنسخة من الكتاب، تقع في جزأين، وذكر أن أبا زرعة نوه ف يه بكتاب حجة القراءات (المرجع السابق ص 28-21.) 4) )فهرس الأحاديث الواردة في كتاب ( حجة القراءات ) ص 811 . 5) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص 221- 223 و ص235- 237.
عدد الصفحات ١٨-11- خلافته بين سن 363-381ه(1)، والقادر بالله الذي امتدت خلافته بين سن 381-422ه(2)، وكانت مدينة الري التي عاش فيها أبو زرعة مدة من حياته خاضعة لسلطان البو يهيين، إلى أن دخلها يمين الدولة محمود بن سبكتكين الغزنوي سنة 421ه(3). المبحث الثاني: منهج الإمام ابن زنجلة في توجيه القراءات، ويشتمل على سبعة مطالب: المطلب الأول: توجيهه ال قراءات بالمأثور. المطلب الثاني: توجيهه القراءات باللغة العربية. المطلب الثالث: توجيهه القراءات مع الترجيح. المطلب الرابع: توجيهه القراءات بدون ترجيح . المطلب الخامس: ذكره توجيه غيره من العلماء للقراءات. المطلب السادس: في ذكره بعض أصول القراءات. المطلب السابع: ما له وما عليه في حديثه عن توجيه القراءات. أ - مميزاته. ب - أبرز ما أخذ عليه. المبحث الثاني: منهج الإمام ابن زنجلة في توجيه القراءات: يبدأ الإمام ابن زنجلة كلامه عادة بقوله: ( قرأ فلان وفلان كذا، وحجتهما كذا، وقرأ الباقون السبعة، فإن كان هناك أكثر من حجة قال: ( وحجة أخرى...)، وعرَّ ج على شرح 1) )ابن الأثير، الكامل 8/637، والسيوطي، تاريخ الخلفاء ص 415. 2) )ابن الأثير، الكامل 1/71، والسيوطي، تاريخ الخلفاء ص 411. 3) )ابن الأثير، الكامل 1/371، والزركلي ، الأعلام 7/171.
عدد الصفحات ١٩-21- حججه معتمدا على المعنى حينا ، أو على حجة نُوية أو صرفية أو لغوية، أو بيت من الشعر أو جملة من حديث أو كلام يحتج به، وقلما يعزو الحديث إلى راويه أو مظنته أو يعزو الشعر إلى قائله.. حتى إذا اكتفى انتقل إلى آية أخرى حتى نهاية السورة. المطلب الأول: توجيهه القراءات بالمأثور: لقد كان ابن زنجلة – رحمه الله – إذا وجد الحجة من القرآن نفسه بدأ بها، ولا يملك الإنسان إلا أن يعجب من براعته في مقابلة النصوص بعضها ببعض حتى يستخرج منها الحجة، كما ي عجب لدقته واستيعابه، ومثال ذلك عند قوله تعالى: ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭼ(1) قالقرأ عاصم والكسائي مالك يوم الدين بألف، وقرأ الباقون بغير ألف وحجتهم ﭽ ﭙ ﭚ ﭼ(2) وﭽ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ(3) ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭼ(4) وكان أبو عمرو يقول : أولا تقولون: فتعالى الله المالك الحق"(5). وإذا كانت الحجة في حديث ذكره –رحمه الله- ومثال ذلك ما ذكره في سورة المدثر في قوله تعالى: ﭽﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ(6). قرأ نافع وحمزة وحفص والليل إذ بغير ألف أدبر بالألف وحجتهم : قول الرسول صلى الله عليه و سلم: " إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم" (7). وقرأ الباقون "إذا" بالألف "دبر" بغير ألف وهما لغتان يقال دبر الليل وأدبر، وكذلك قبل الليل وأقبل(1). 1)) سورة الفاتحة، الآية 4. 2)) سورة الجمعة، الآية: 1. 3)) سورة الناس، الآية: 2. 4)) سورة ط ه، الآية: 114. 5) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص77. 6)) سورة المدثر، الآية: 33 – 34. 7)) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب متى يحل فطر الصائم، 2/231، رقم الحديث 1853.
عدد الصفحات ٢٠-21- المطلبالثاني: توجيهه القراءات باللغة العربية: كما كانت يحتج – رحمه الله – بالشعر وبالنثر وبكلام اللغويين وأهل النحو، فعند قوله تعالى: ﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ(2) قال: (قرأ ابن كثير وكائن من نبي على وزن (كَ اعِ نْ ) وحجته قول الشاعر: وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أح صِ بتح هو المصابا وقرأ الباقون "وكأين " على وزن (كَ عَ ين ْ ) وحجتهم قول الشاعر: كأين في المعاشر من أناس أخوهم فوقهم وهم كرام وهما لغتان جيدتان يقرأ بهما، وكان أبو عمرو يقف على "وكأي " على الياء في قول عبيد الله بن محمد عن أخيه وعمه عن اليزيدي عن أبي عمرو، وقال بعض علمائنا: (كأنهم ذهبوا إلى أنها كانت في الأصل أي مشددة زيدت عليها كاف)، والباقون يقفون "وكأين " بالنون وحجتهم : أن النون أثبتت في المصاحف للتنوين الذي في "أي" ونون التنوين لم يثبت في القرآن إلا في هذا الحرف )(3). ومثال آخر: في قوله تعاﭽ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭼ (4)،فقال : (قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﭽ ﭜ ﭝ ﭼ بضم الياء وسكون الصاد وكسر اللام، وحجتهم في ذلك: أن العرب إذا جاءت مع الصلح بـ (بين) قالت: (أصلح القوم بينهم و أصلح الرجلان بينهما) قال الله جل وعز: ﭽﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭼ(5) وإذا لم تأت بـ (بين) قالوا: (تصالح القوم وتصالح الرجلان )؛ ففي مجيء ﭽ ﯓﭼ 1) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص733. 2)) سورة آل عمران، الآية: 146. 3) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص 175 . 4)) سورة النساء، الآية: 128. 5)) سورة الحجرات، الآية: 1 .
عدد الصفحات ٢١-22- مع قوله ﭽ ﭜ ﭝ ﭼ دليل واضح على صحة ما قلنا، وأخرى : لو كان الصواب: (يصَّ الحا) لجاء المصدر على لفظ الفعل فقيل: (تصالحا ) لا (صلحا )، فلما جيء بالمصدر على غير بناء الفعل دل ذلك على أنه صدر على غير هذا اللفظ. وقرأ الباقون (يصَّ الحا) بفتح الياء وتشديد الصاد وفتح اللام أي: (يتصالحا) فأدغموا التاء في الصاد لقرب مخرجهما . وحجتهم أن المعروف من كلام العرب إذا كان بين اثنين مشاجرة أن يقولوا: (تصالح القوم فهم يتصالحون)، ولا يكادون يقولون: (أصلح القوم فهم مصلحون)، وأخرى : أنه لو كان الوجه : (أن يصْ لحا) لخرج مصدره على لفظه فقيل: (إصلاحا) قلت- أي ابن زنجلة - : هذا غير لازم لهم، وذلك أن العرب تضم الاسم موضع المصدر فتقول: (هذا يوم العطاء) أي يوم الإعطاء. وفي التنزيل : ﭽ ﯴ ﯵ ﯶﭼ (1) و يقل (إنباتا)(2). ومثال ثالث ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ (3) قرأ حمزة وابن عامر : (وإن تلوا أو تعرضوا ) بضم اللام. وقرأ الباقون: (وإن تلووا) بواوين من (لويت فلانا حقه لي ا) أي دافعته وماطلته. يقال: لوى فلانا غريمه. قال أبو عبيدة: يقال (رجل ليان وامرأة ليانة) أي مماطلة، فمعنى (تلووا): تدافعوا وتمطلوا. وحجتهم في ذلك ما جاء في التفسير: (إن لوى الحاكم في قضيته فإن الله كان بما تعملون خبيرا )، وأخرى : روى ابن جريج عن مجاهد: (وإن تلووا) أي تبدلوا الشهادة (أو تعرضوا ) أي تكتموها، فذهب مجاهد: أن هذا 1)) سورة آل عمران، الآية: 37 . 2) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص214. 3)) سورة النساء، الآية: 135.
عدد الصفحات ٢٢-23- خطاب من الله جل وعز للشهداء لا للحكام. وأصل الكلمة: (تلويوا) فاستثقلوا الضمة على الياء فحذفوها وحذفت الياء لالتقاء الساكنين ثم ضموا الواو لمجاورتها الثانية. ومن قرأ بواو واحدة ففيه وجهان ، أحدهما: أن يكون أصله (تلووا) فأبدل من الواو المضمومة همزة فصار (تلؤوا) بإسكان اللام، ثم طرحت الهمزة وطرحت حركتها على اللام فصار (تلوا). ويجوز أن يكون من (الولاية) من قولك وليت الحكم والقضاء بين الرجلين ، أي: (إن قمتم بالأمر أو أعرضتم فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) والأصل (توليوا) فحذفت الواو كما حذفنا من (يعد) فصار (تليوا) ثم حذفنا الياء ونقلنا الضمة إلى اللام فصار: (تلوا)(1). المطلب الثالث: توجيهه القراءات مع الترجيح: إن المؤلف لا يكتفي بالعرض والسرد، فلقد كان يرجح حينا كما فعل حين عرض خلاف القراء في قوله تعالى: ﭽ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭼ (2)واحتجاجهم لها، فقال: (قرأ نافع وحمزة "عاليهم" ساكنة الياء. وهي في موضع رفع على الابتداء وخبره "ثياب سندس" لأن العالي هو الثياب. وقرأ الباقون "عاليهم" بفتح الياء على الحال. قال الزجاج : نصب على الحال من شيئين: أحدهما من الهاء والميم المعنى يطوف على الأبرار ولدان مخلدون على الأبرار ثياب سندس ؛ لأنه قد وصفت أحوالهم في الجنة فيكون المعنى يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء. ويجو ز أن يكون حالا من الولدان، المعنى: إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا في حال علو الثياب إياهم. وقال قوم: نصب على الظرف بمعنى : فوقهم. وقرأ ابن كثير وأبو بكر : "ثياب سندس خضرٍ " خفضا ، "وإستبرقٌ " رفعا . وقرأ أبو عمرو وابن عامر: "خضرٌ " رفع ، "وإستبرقٍ " خفض. وقرأ نافع وحفص : بالرفع فيهما . وقرأ حمزة والكسائي بالخفض فيهما . 1) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص 215-216. 2)) سورة الإنسان، الآية: 21.
عدد الصفحات ٢٣-24- فمن قرأ"خضرٌ " بالرفع فهو أحسن لأنه يكون نعتا للثياب ، ولفظ الثياب لفظ الجمع، و"خضر" لفظها لفظ الجمع. ومن قرأ "خضرٍ " فهو من نعت السندس، والسندس في المعنى راجع إلى الثياب . ومن قرأ "إستبرقٌ " بالرفع ف هو نسق على "ثياب" المعنى: وعليهم إستبرق. ومن خفض فهو نسق على السندس: وثياب إستبرقٍ ، ويكون المعنى عليهم ثياب من هذين النوعين ثياب سندس وإستبرق. وأجود هذه الوجوه قول أبي عمرو ومن معه : فرفع الخضر لأنه صفة مجموعة لموصوف مجموع ، فأتبع الخضر الذي هو جمع مرفوع الجمع المرفوع الذي هو "ثياب". وأما "إستبرق" فجر من حيث كان جنسا أضيف إليه الثياب، كما أضيف إلى "سندس"، فأضاف الثياب إلى الجنسين كما تقول : (ثياب خز وكتان ) ويدل على ذلك قوله تعالى: ﭽ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ(1). وأما خفض"خضرٍ " و "وإستبرقٌ " بالرفع فإنه أجرى الخضر وهو جمع على السندس لما كان المعنى : أن الثياب من هذا الجنس. وأجاز أبو الحسن الأخفش وصف بعض هذه الأجناس بالجمع فقال: (تقول أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض ) والصفر والبيض جمعان والدرهم لفظه واحد أراد به الجنس (2). فختمها بقوله: ( وأجود الوجوه قول أبي عمرو ومن معه ... الخ)، كما كان يختار بين القراءات في الحين بعد الحين، فهو إذا من أهل الترجيح في هذا الفن. المطلب الرابع: توجيهه القراءات بدون ترجيح: ومثال ذلك: في قوله تعالى: ﭽ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ (3)، قال: (قرأ ابن عامر :"ويضع عنهم آصارهم " على الجمع، أي: أثقالهم. تقول (إصر و آصار) مثل (جذع وأجذاع ). 1)) سورة الكهف، الآية: 31 . 2) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص 731-741. 3)) سورة الأعراف، الآية: 157.
عدد الصفحات ٢٤-25- و قراءته همزتان : الأولى ألف الجمع والثانية أصلية، فلما اجتمعت همزتان لينوا الثانية والأصل: (أأصارهم ) وحجته : أنه لم يختلف في جمع (الأغلال) وهي نسق على (الإصر) وكذلك "آصارهم " لقوله "والأغلال التي كانت عليهم" قيل: إن الآصار هي العهود. وقرأ الباقون "إصرهم ". وحجتهم : قوله تعالى : ﭽ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﭼ(1) وقوله: ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﭼ(2) فردوا ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه. عن سعيد بن جبير: "ويضع عنهم إصرهم " قال: شدة العبادة)(3). المطلب الخامس: ذكره توجيه غيره من العلماء للقراءات يغلب إذا كانت الحجة لغيره أن يسميه في مثل قوله تعالى: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ(4) :(وحجته ذكرها اليزيدي فقال... الخ)، ولا يستغرب كثرة ترداد اسم اليزيدي وغيره من النحاة القراء، فالكاتب مظنة وجوده. المطلب السادس: في ذكره بعض أصول القراءات. لقد قطع المؤلف سرده في سورة البقرة بعد الآية الحادية عشرة، ليشرح مذاهب القراء في الأداء عند اجتماع همزتين، فعقد بحثا بعنوان: ( باب الهمزتين ) حتى إذا أنهاه وصل كلامه من حيث انقطع. 1)) سورة البقرة ، الآية: 286 . 2)) سورة آل عمران، الآية: 81. 3) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق ، ص 218. 4)) سورة يوسف، الآية : 47.
عدد الصفحات ٢٥-26- فقال: ( قرأ الكسائي ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ(1) بالإشمام باب الهمزتين تلتقيان من كلمتين، وهما مختلفتا الإعراب وهما على ستة أوجه وجه منها، لم يجئ في القرآن وهي الهمزة المكسورة التي بعدها همزة مضمومة، كقولك: هؤلاء، أمراء ، وباقيها موجودة في القرآن. 1 - فأول ذلك المضمومة التي بعدها المفتوحة ، كقوله: ﭽ ﮰﮱ ﯓ ﭼ(2) تهمز الأولى وتخفف الثانية وتنحو بها نُو الألف. 2 - وبعد ذلك المضمومة التي بعدها مكسورة كقوله ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﭼ(3) تهمز الأولى وتنحو بالثانية نُو الياء من غير أن تكسرها . 3 - والثالثة المفتوحة التي بعدها مكسورة نُو قوله: ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ... ﭼ(4). 4 - والرابعة المفتوحة التي بعدها مضمومة كقوله:ﭽ ﭠ ﭡ ﭢﭼ(5) تهمز الأولى وتنحو بالثانية نُو الواو من غير ضم. 5 - والخامسة المكسورة التي بعدها مفتوحة نُو قوله ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ(6) تهمز الأولى وتنحو بالثانية نُو الألف فهذا مذهب نافع وابن كثير وأبي عمرو. وحجتهم أن العرب تستثقل الهمزة الواحدة فتخففها في أخف أحوالها وهي ساكنة نُو كاس فتقلب الهمزة ألفا فإذا كانت تخفف وهي وحدها فأن تخفف ومعها مثلها أولى. 1)) سورة البقرة ، الآية: 11 . 2)) سورة البقرة ، الآية: 13 . 3)) سورة البقرة ، الآية: 282. 4)) سورة البقرة ، الآية: 133. 5)) سورة المؤمنون، الآية: 44. 6)) سورة الملك، الآية: 16.
عدد الصفحات ٢٦-27- وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة بهمزتين في جميع ذلك أرادوا التحقيق وتوفية كل حرف حقه من حركته ونصيبه من الإعراب إذ كانت الهمزة حرفا من حروف المعجم يلزمها من الحركة ما يلزم سائر الحروف فجاؤوا بكل همزة من المجتمعتين على هيأتها إرادة التبيين والنطق بكل حرف من كتاب الله على جهته من غير إبدال ولا تغيير فإذا التقتا متفقتي الإعراب وذلك أن تكونا مكسورتين كقوله هؤلاء إن كنتم أو تكونا مفتوحتين كقوله جاء أمرنا أو تكونا مضمومتين كقوله أولياء أولئك فقرأ ابن عامر وأهل الكوفة. جميع ذلك بهمزتين وقد مر الكلام فيه. وورش عن نافع والقواس عن ابن كثير يهمزان الأولى ويلينان الثانية ويشيران بالكسر إليها وفي المفتوحتين يشيران بالفتح إليها وفي المضمومتين يشيران بالضم إليها وأما نافع والبزي عن ابن كثير فيلينان الأولى شبه الياء ويهمزان الثانية وفي المضمومتين شبه الواو وهذا باب تحكمه المشافهة لا الكتابة وفي المفتوحتين يحذفون الأولى بلا عوض. وقرأ أبو عمرو جميع ذلك بهمزة واحدة حذف إحداهما واكتفى بالأخرى عنها وها هنا خلاف المحذوفة هي الأولى أم الثانية. فمن حجة من يقول الثانية أنها هي التي جلبت معظم الثقل فكان الحذف فيها أوجب لأن الأولى لو انفردت لما وجب حذفها ولما جاز وحجة من يقول الأولى هي المحذوفة هي أن الأولى وقعت في الكلمة آخرا والثانية وقعت في كلمتها أولا والأواخر أحق بالإعلال من الأوائل ألا ترى أن هذه الهمزة إذا وقف الإنسان على جاء وعلى هؤلاء فإنها تسقط عند الوقف فالأولى إذا أحق بالإسقاط من الثانية)(1) ثمقال ﭽ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ(2)]. 1) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص 81 - 12. 2)) سورة البقرة ، الآية: 21.
عدد الصفحات ٢٧-28- وربما ألحق كلامه في آخر السور بخاتمة عنوانها ( الياءات ) يبين فيها مواقف القراء المختلفة من الياءات الزوائد في آخر الأسماء المنقوصة أو الأفعال الناقصة، أو ياء المتكلم حذفا أو إثباتا في الوصل أو الوقف أو في كليهما. فبعد أن انتهى من توجيه الأوجه القرءانية في سورة القمر، قال : ( الياءات: قرأ قالون عن نافع والذي وأبو عمرو يوم يدعو الداعي بالياء في الوصل وحذفها الباقون. وقرأ أهل الحجاز والبصرة مهطعين إلى الداعي بالياء في الوصل وأثبتها ابن كثير في الوقف إثبات الياء فيهما أجود على الأصل، ويجوز حذفهما لأن الكسرة تدل عليهما. وحجة من أثبت الياء هي أن الياء سقطت في نُو (داع ) لسكونها وسكون التنوين فإذا جاء الألف واللام بطل التنوين فرجعت الياء. وقرأ الباقون بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعا للمصحف قرأ ورش: "نذري 16 و18 و21و 31و 37و 31" وقرأ الباقون بحذف الياء)(1). المطلب السابع: ما له وما عليه في حديثه عن توجيه القراءات أ - مميزاته. يمتاز كلامه وشرحه بالوضوح والإيجاز مكتفيا بأقل ما يقتنع من الحجج، وإذا كان له اختيار ذكره بعد فراغه من عرض الوجوه المختلفة للقراءات الصحيحة. ويشعر القارئ أن المؤلف متمكن في فنه تمكنه في علوم اللغة والأدب ورواية الشعر، موجز في عبارته، واثق أنه يخاطب محصلا في هذا الفن مشاركا في بقية الفنون العربية عامة؛ ولذلك ترك الإسهاب والتطويل. ب - أبرز ما أخذ عليه. 1) )ابن زنجلة، حجة القراءات، مرجع سابق، ص681.
عدد الصفحات ٢٨-21- لا يكاد يؤخذ على ابن زنجلة رحمه ا إلا ما يؤخذ على كثير من المؤلفين في عصره من إقحامهم أقوال المفسرين على ضعفها، بل الإسرائيليات أحيانا ، وكان يحسن ألا يؤتى بشيء من ذلك، في فن كل اعتماده على النقل الصحيح المتواتر المتلقى مشافهة.
عدد الصفحات ٢٩-31- الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد: فقد تحدث هذا البحث عن ابن زنجلة ومنهجه في الاحتجاج للقراءات القرءانية، وحاول تسليط الضوء على الجوانب الذي تميز بها ابن زنجلة في توجيهه للقراءات القرءانية، واستعرض منهج ابن زنجلة في توجيهه للقراءات القرءانية ، وضرب على ذلك الشواهد والأ مثلة من خلال كتاب ه ( حجة القراءات ) . وقدم البحث مدخلا في توجيه القراءات وترجيحها، كتعريف به ذا العلم ، وذكر أسماء القراء السبعة ورواتهم، لاعتناء الإمام أبي زرعة في الاحتجاج لقراءاتهم، وقام بدراسة عن حياة الإمام أبي زرعة عبدالرحمن بن زنجلة. ومن النتائج والتوصيات التي يمكن تسجيها: وبعد أن تم عرض و دراسة منهج الإمام أبي زرعة عبدالرحمن بن محمد بن زنجلة في توجيهه للقراءات القرءانية من خلال كتابه ( حجة القراءات)، وهو كنز علمي ينبغي على طلبة العلم الالتفات إليه، ومزيد دراسة حوله، إذ مؤلفه من رجال المئة الرابعة، وهي طبقة الإمام الفارسي والسيرافي وابن فارس وابن جني ، كما أن أسلوبه يمتاز بالوضوح والإيجاز ، ومع ذلك فليس هناك كثير دراسة حول ابن زنجلة ومنهجه في الاحتجاج للقراءات القرءانية، كما أثبت البحث. هذا وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعني بهذا البحث التكميلي، وأن يكون منار ا لي في طريق البحث العلمي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٣٠-31- المراجع والمصادر 1- إبراهيم مصطفى، وأحمد الزيات، وحامد عبدالقادر، ومحمد النجار، 2114. المعجم الوسيط تحقيق: مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، ط 4. 2- إسماعيل، عبدالفتاح، 1181م. أبو علي الفارسي حياته ومكانته بين أئمة التفسير والعربية، وآثاره في القراءات والنحو. جدة، دار المطبوعات الحديثة، ط 3 3- الأفغاني، سعيد،1418ه-1117م. حجة القراءات لابن زنجلة. بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 5. 4- البخاري، محمد إسماعيل، 1417ه-1187م. الجامع الصحيح. بيروت، دار ابن كثير، ط 3. 5- الجرجاني، 1413هـ .التعريفات، تحقيق: إبراهيم الأبياري. القاهرة، دار الريّان للتراث. 6- الجزري، ابن الأثير، 1417 – 1187. الكامل، تحقيق: أبو الفداء عبد الله القاضي. دار الكتب العلمية، ط1. 7- ابن الجزري، أبو الخير محمد بن محمد، 1132مغاية النهاية في طبقات القرّاء. القاهرة، مكتبة الخانجي، تحقيق: براجستراسر. 8- الجمل، محمد أحمد، علم توجيه القراءات دراسة وتقو 1- ابن جنى، عثمان،1415هـ–1114م. المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، تحقيق: علي النجدي وعبدالحليم النجار وعبدالفتاح إسم اعيل. القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. 11- الحسين ، وليد بن أحمد،1424ه- 2113م. الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة. المدينة المنورة، منشورات مجلة الحكمة. 11- الحمد، غانم قدوري، ذو الحجة 1427ه،2116م، دراسة وتحقيق. تنزيل القران و عدد آياته واختلاف الناس فيه، للشيخ أبي زرعة بن زنجلة، مجلة معهد الإمام الشاطبي، العدد 2. 12- ابن خالويه، الحسين بن أحمد، 1421هـ- 1111م. الحجة في القراءات السبع. بيروت، دار الكتب العلمية تحقيق: أحمد فريد المزيدي، ط 1. 13- الخطيب الإسكافي، محمد بن عبدالله،1422ه- 2112م.كتاب المجالس. عمان، دار عمار، تحقيق: د. غانم قدوري الحمد.
عدد الصفحات ٣١-32- 14- الزركشي، محمد عبدالله، 1172م . البرهان في علوم القران، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم القاهرة، عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط 2. 15- الزركلي، خيرالدين، 1181م. الأعلام، بيروت، دار العلم للملايين، ط5. 16- السامرائي، خليل إبراهيم، 1423هـ–2112م. مفهوم الاختيار في القراءات القرآنية، العراق، الأنبار، مجلة كلية المعارف الجامعة، العدد الرابع، السنة الثالثة. 17- السيوطي، جلال الدين،1411ه- 1111م. الإتقان في علوم القران. تحقيق: فواز أحمد زمر بيروت، دار الكتاب العربي، ط1. 18- السيوطي، جلال الدين،1425ه-2114م. تاريخ الخلفاء، تحقيق: حمدي الدمرداش، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط1. 11- شاهين، عبد الصبور،1418هـ– 1187م. أبو عمرو بن العلاء. القاهرة، مكتبة الخانجي، ط 1. 21- عباس، فضل حسن،1117م. إتقان البرهان. الأردن ، دار الفرقان، ط1. 21- ابنفارس، أحمد، 1177م. الصاحبي في اللغة وسنن العرب في كلامها. القاهرة، عيسى البا الحلبي، تحقيق: أحمد صقر. 22- ابن فارس، أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة. تحقيق : عبد السلام محمد هارون. بيروت، دار الجيل. 23- القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، 1414هـ–1113م. تف سير القرطبي الجامع لأحكام القرآن. بيروت، دار الفكر. خرّج أحاديثه وعلّق عليه: عرفان العشّا، ط1. 24- محمد، أحمد سعد، التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، مكتبة الآداب ، القاهرة 25- ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم. لسان العرب، طبعة بولاق 26- الميداني، أبو الفضل أحمد ب ن محمد بن أحمد النيسابوري، 1371ه-1151م. مجمع الأمثال، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد. مصر، مطبعة السعادة، ط2.
عدد الصفحات ٣٢