المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المطلق والمقيد حقيقتهما وأحكامهما

عاصم نبيل بدر غالب

صفحة ١ من ٢

المملكة العربية السعودية– الرياض وزارة التعليم – التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كلية الشريعة – قسم أصول الفقه المطلق والمقيد حقيقتهما وأحكامهما بحث جامعي مشرف البحث: د/ أكرم أوزيقان. إعداد الطالب: عاصم نبيل بدر غالب. المستوى: السادس.

عدد الصفحات ٢

1 المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن علم أصول الفقه من أهم العلوم الشرعية ومن مباحث هذا العلم مبحث المطلق والمقيد وقد رأيت أن أبحث هذا المبحث خلال هذا الفصل في هذا الموضوع وعنوانه: المطلق والمقيد حقيقتهما وأحكامهما. - أهمية الموضوع وأسباب اختياره: 1- أن المطلق والمقيد من المواضيع التيتحتاج إلى عناية في علم أصول الفقه. 2- انه من المباحث التي اهتم بها علماء أصول الفقه 3- وسبب الاختيار ما سبق ذكره من أهمية الموضوع - أهداف الموضوع: 1- جمع ما يتعلق في موضوع المطلق والمقيد من مباحث ودراستها. 2- المشاركة في خدمة علم الأصول - دراسات سابقة: 1- المطلق والمقيد في الشريعة، مفهومهما، وحكمهما، والعلاقة بينهما، إبراهيم السلمي. 2- المطلق والمقيد وأثرهما في اختلاف الفقهاء، للدكتور حمد بن حمدي الصاعدي. 3- المطلق والمقيد وأثرهما في الفقه الإسلامي، للدكتور اسماعيل محمد علي عبدالرحمن ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣

2 - خطة البحث: سرت في بحثي حسب الخطة التالية: قسمت البحث إلى مقدمة ومبحثين وخاتمة وفهارس. أولا : - المقدمة: وتشمل على الافتتاحية، وأهمية الموضوع، وسبب اختياره، وأهدافه، ودراسات سابقة، وتقسيمات البحث. ثانياا : - المباحث: المبحث الأول: حقيقة المطلق والمقيد؛ وفيه مطلبان: - المطلب الأول: تعريف المطلق والمقيد لغة. - المطلب الثاني: تعريف المطلق والمقيد اصطلاحاً. المبحث الثاني: أحوال المطلق مع المقيد؛ وفيه خمسة مطالب: - المطلب الأول: الحالة الأولى من حالات حمل المطلق على المقيد وهي: الإطلاق والتقييد في سبب الحكم. - المطلب الثاني: الحالة الثانية من حالات حمل المطلق على المقيد، وهي: اتحاد الإطلاق والتقييد في الحكم والسبب. - المطلب الثالث: الحالة الثالثة من حالات حمل المطلق على المقيد، وهي: اختلاف الإطلاق والتقييد في الحكم والسبب. - المطلب الرابع: الحالة الرابعة من حالات حمل المطلق على المقيد، وهي: اختلاف الإطلاق والتقييد في الحكم، واتحادهما في السبب. - المطلب الخامس: الحالة الخامسة من حالات حمل المطلق على المقيد، وهي: اتحاد الإطلاق والتقييد في الحكم، واختلافهما في السبب. - المطلب السادس: شروط حمل المطلق على المقيد عند الشافعية. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤

3 ثالثاا: - الخاتمة: وتشمل على ملخص البحث وفهرس الآيات والأحاديث وفهرس المصادر والمراجع وفهرس الموضوعات. والله ولي التوفيق.. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٥

4 المبحث الأول حقيقة المطلق والمقيد المطلب الأول تعريف المطلق والمقيد لغة - أولاً: تعريف المطلق لغة: المطلق من الإطلاق يقال أطلق القوم إبلهم ونحوها في طلب الكلأ والماء، وأطلق الشيء حله وحرره، ويقال أطلق الأسير خلاه وأطلق الناقة من عقالها، وأطلق الماشية أرسلها إلى المرعى أو غيره، وأطلق له العنان أرسله وتركه، والمطلق غير المقيد(1). وعليه يكون المطلق معناه: المُرسَل(2) والمُت رَ ك لأمره. - ثانياً: تعريف المقيد لغة: المقيد: موضع الخلخال من القدم والموضع الذي تقيد فيه الدابة وتخلى، وهو من القيد مفرد قيود يقال قيَّد الدابة تقييداً ، والقيد هو الذي يمنع من التصرف، وهو المستعار في كل شيء يحبس، يقال: قيدتُه أقي ِّده تقييداً (3). وعليه يكون المقيد معناه: المُحبوس والمُكبَّل(4). (1) انظر: المعجم الوسيط2/563، ومختار الصحاح192. (2) انظرالمطلق والمقيد وأثرهما في الفقه الإسلامي 9. (3) انظر: المعجم الوسيط2/769، ومختارالصحاح 263، لسان العرب3/372، معجم مقاييس اللغة لابن فارس5/44. (4) انظرالمطلق والمقيد وأثرهما في الفقه الإسلامي 23. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٦

5 المطلب الثاني تعريف المطلق والمقيد اصطلاحا - أولاً: تعريف المطلق اصطلاحاً: عرف الأصوليون المطلق بعدة تعريفات مختلفة، نورد ثلاثة منها مع بيان التعريف الراجح وشرحه ونقد التعريفين الآخرَين : 1- التعريف الأولأن المطلق هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، وهذا تعريف ابن قدامه(1). 2- التعريف الثانيأن المطلق عبارة عن النكرة في سياق الإثبات، وهو أحد التعريفين للآمدي(2). 3- التعريف الثالثأن المطلق هو الدال على الماهية بلا قيد، هكذا عرفه ابن السبكي(3). o التعريف الراجح وشرحه والراجح والله أعلم هو التعريف الأول، وشرحه كما يلي: أن المطلق له عموم وعمومه بدلي بينما عموم العام شمولي(4)،والعام هو: اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعداً مطلقاً ، ومنه العام الذي لا أعم منه ويسمى عاماً مطلقاً (5)، والمطلق مثل النكرة في سياق الأمر، كقوله سبحانه وتعالى: (فَتَح رِّيرُ رَقَبَة )(6)؛ فأي رقبة يعتقها ويحررها المأمور فقد خرج من عهدة الأمر؛ (1) انظرروضة الناظر وجنة المناظر 2/101. (2) انظرالإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3/3. (3) انظرتشنيف المسامع بجمع الجوامع 2/809. (4) انظركشف الساتر شرح غوامض روضة الناظر 2/229. (5) انظرروضة الناظر وجنة المناظر 2/7-8. (6) انظرالآية 92 من سورة النساء ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٧

6 إلا إذا وردت قيود على هذا الإطلاق، وقد يكون الإطلاق أيضاً في الخبر، كقولهﷺ "لا نكاح الا بولي" (1)، فـ(الولي قد يكون أباً أو أخاً أو جداً أو غيرهم(2). o نقدالتعريفات المرجوحة: - أما الثاني فقد يَ رد عليه بأنه تعريف غير مانع؛ وذلك أن النكرة في سياق الإثبات يدخل فيها النكرة المستغرقة في سياق الإثبات، نحو: كل رجل، والمستغرق لا يكون له أفراد مماثلة كل واحد بعد حذف ما به صار فرداً (3). - ويَرد على التعريف الثالث: أنه تعريف غير جامع؛ لأنه يمنع من دخول النكرة في سياق الإثبات في الحد، مع أنها تشترك مع المطلق في أن كلاً منهما دال على الماهية بلا قيد(4). - ثانياً: تعريف المقيد اصطلاحاً اختلف الأصوليون كذلك في تعريف المقيد تبعاً لاختلافهم في تعريف المطلق(5)، نورد منها ثلاثة تعريفات مع ترجيح أحدها وشرحه ونقد التعريفين الآخرين: 1- التعريف الأولأن المقيد هو اللفظ الدال على معين أو غير معين موصوف بصفة، وهذا التعريف قريب من تعريف ابن قدامه(6). 2- التعريف الثاني هو ما دل على وصفِّ مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه(7). 3- التعريف الثالث هو ما دل على الماهية بقيد من قيودها(8). (1) رواه الترمذي: باب ما جاء (لا نكاح إلا بولي)،1101)، وأبو داود2085)، وابن ماجه: باب (لا نكاح الا بولي)،1881)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 3/101. (2) انظركشف الساتر شرح غوامض روضة الناظر 2/229. (3) انظربيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب 2/350. (4) انظرالمطلق والمقيد وأثرهما في الفقه الإسلامي 17. (5) انظرالمطلق والمقيد وأثرهما في الفقه الإسلامي 23. (6) انظرالمصدر السابق 25. (7) انظرالإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3/4. (8) إرشاد الفحول 2/6. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٨

7 o التعريف الراجحوشرحه: والراجح والله أعلم هو التعريف والأول، وشرحه كالآتي: - (اللفظ): يشمل المستعمل والمهمل والطلق والمقيد. - (الدال): خرج به المهمل. - (على معين أو غير معين): خرج به المطلق، لأنه متناول لغير معين، وكذا النكرة في سياق الأمر؛ لتناولها واحداً لا بعينه. - (موصوف بصفة): خرج به غير المعين غير الموصوف بصفة؛ فإنه مطلق. - (أو): للتنويع والتقسيم تفيد تقسيم المقيد إلى قسمين، أحدهما: ما تناول معيناً، والثاني: ما تناول غير معين موصوف بصفة(1). o نقد التعريفات المرجوحة رُد على التعريفين الثاني والثالث بأن المقيد فيهما ما هو إلا مطلق لحقه قيد فأخرجه عن الإطلاق إلى التقييد، وبناء على ذلك فالمطلق الذي له أوصاف، أو قيود كثيرة إذا وصف، أو قُيد بواحد منها كان مقيداً بالنسبة إلى ذلك الوصف أو القيد، أما بالنسبة إلى ما عدا ذلك من الأوصاف فيبقى على إطلاقه(2). (1) انظرالمطلق والمقيد وأثرهما في الفقه الإسلامي 25-26. (2) انظرالمطلق والمقيد وأثرهما في اختلاف الفقهاء 124. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٩

8 المبحث الثاني أحوال المطلق مع المقيد المطلب الأول الحالة الأولى من حالات حمل المطلق على المقيد وهي: الإطلاق والتقييد في سبب الحكم المراد بهذه الحالة: أن يرد حكم واحد في نصين ويقع الإطلاق في سبب الحكم في أحد النصين والتقييد في الآخر. مثال هذه الحالة: حديث ابن عمر رضي اللَّّ عنهما قال: "فرض رسول اللَّّ ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين"(1)، وفي رواية أخرى لم يذكر فيها "من المسلمين"(2)،فالحكم هنا واحد في النصين، وهو وجوب زكاة الفطر، ولكن وقع الإطلاق والتقييد في سبب الحكم، وهو الشخص الذي ينفق عليه المزكي كالخادم ونحوه، ففي النص الأول ورد مقيدًا بقوله: "من المسلمين" وفي النص الثاني ورد مطلقًا عن هذا القيد(3). واختلف العلماء في حمل المطلق على المقيد هنا على قولين - القول الأول: لا يحمل المطلق على المقيد، وإنما يعمل بكل من النصين على حدة، وهو قول الحنفية، حيث قالوا في المثال الوارد: بعدم حمل المطلق على المقيد، وإنما يعمل بكل منهما، فيجب على المسلم أداء زكاة الفطر على كل من يمونه المتصدق، مسلماً كان أو غير مسلم، عملاً بالمقيد في النص الأول، وبالمطلق في النص الثاني، ويمكن أن يكون المطلق سبباً والمقيد سبباً أيضاً. (1) رواه البخاري في صحيحه برقم1503، ومسلم في صحيحه برقم984. (2) في البخاري برقم1512، ومسلم في صحيحه برقم7:60. (3) انظرالوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/42 . ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٠

9 - القول الثاني: يحمل المطلق على المقيد، وبهذا قال الجمهور غير الحنفية، وقالوا في المثال: يحمل المطلق على المقيد أي يحمل المطلق في النص الثاني على المقيد في النص الأول، فلا تجب صدقة الفطر على من يمونه المسلم من المسلمين(1). • دليل القول الأول: أن حمل المطلق على المقيد يكون عند وجود التنافي بينهما، وإذا كان الإطلاق والتقييد في سبب الحكم فلا يتحقق التنافي، لإمكان العمل بكل منهما على حدة، إذ يجوز أن يكون لشيء واحد أسباب متعددة، كثبوت الملك فإنه يمكن حصوله في كل من البيع والهبة والوصية والميراث وإحياء الموات(2). • دليل القول الثاني أن الحادثة إذا كانت واحدة، كان الإطلاق والتقييد في شيء واحد، وإن لم يكونا في حكمين، والشيء الواحد لا يجوز أن يكون مطلقاً ومقيداً في آن واحد للتنافي بينهما، فلا بد أن يجعل أحدهما أصلاً ويبنى الآخر عليه، وباعتبار أن المطلق ساكت عن القيد، والمقيد ناطق بالقيد، فكان أولى بأن يجعل المقيد أصلاً ليكون للقيد فائدة، ويبنى المطلق عليه(3). o الترجيح والذي يظهر أن رأي الجمهور أرجح؛ لأن الخطاب للمسلمين، سواء نص عليهم أم لا(4). (1) انظرأصول الفقه الإسلامي 211. (2) انظرالمصدر السابق 212. (3) أصول الفقه الإسلامي 212. (4) انظرأصول الفقه الإسلامي 212. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١١

10 المطلب الثاني الحالة الثانية من حالات حمل المطلق على المقيد، وهي: اتحاد الإطلاق والتقييد في الحكم والسبب المراد بهذه الحالة: أن يرد نصان فيهما نفس الحكم والسبب لكن أحد النصين مطلق، والآخر مقيداً بزيادة على الحكم والسبب، فيحمل حينئذ النص المطلق على المقيد باتفاق العلماء، وذلك لأن المقيد فيه زيادة مفيدة ولا تنافي مع النص المطلق، والعمل بالمقيد عمل بالمطلق ولا عكس، فكان الجمع أولى، ولأنه لا يصح أن يختلف المطلق والمقيد مع اتحاد السبب والحكم(1). ومثال هذه الحالةقوله تعالى في التيمم: (فَام سَحُوا بِّوُجُوهِّكُم وَأَي دِّيكُم مِّن هُ) (2)، وفي آية أخرى في التيمم (فَتَيَمَّمُوا صَعِّيدًا طَي ِّبًا فَام سَحُوا بِّوُجُوهِّكُم وَأَي دِّيكُم ) (3)، فالسبب في كلا الآيتين واحد وهو إرادة الصلاة، والحكم فيهما أيضاً واحد وهو وجوب المسح، والآية الأولى فيها إطلاق للممسوح به وهو التراب فلا فرق بين أن يكون طاهراً أو نجساً، وفي الآية الثانية قُيد الممسوح به بالصعيد الطيب أي أن يكون التراب طاهراً، فيحمل المطلق على المقيد، ويجب مسح الوجه والكفين بالتراب الطاهر لا النجس(4). مثال آخر: قوله تعالى: (حُر ِّمَت عَلَي كُمُ ال مَي تَةُ وَالدَّمُ (5)، وقوله سبحانه: (قُل لاَ أَجِّدُ فِّي مَا أُوحِّيَ إِّلَي مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِّم يَط عَمُهُ إلا أَن يَكُونَ مَي تَةً أَ و دَمًا مَس فُوحًا) (6)، فالسبب واحد في كلا النصين وهو وجود الضرر في الدم، والحكم متحد فيهما وهو حرمة تناول الدم، والنص الأول مطلق بقوله: (والدم) والنص الثاني مقيد بقوله: (دمًا مسفوحًا)، فيحمل النص المطلق على المقيد، ويكون الدم المحرم هو المسفوح، أما الباقي في العروق واللحم فهو مباح معفو عنه، وكذلك الدم الجامد وهو الكبد والطحال فهما حلالان في الشريعة الاسلامية(7). (1) انظرالوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/43. (2) سورة المائدة، الآية6. (3) سورة النساء، الآية43. (4) انظرالوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/44. (5) سورة المائدة، الآية3. (6) سورة الأنعام، الآية145. (7) انظرالوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/44. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٢

11 المطلب الثالث الحالة الثالثة من حالات حمل المطلق على المقيد، وهي: اختلاف الإطلاق والتقييد في الحكم والسبب المراد بهذه الحالة: أنه إذا ورد نصان أحدهما مطلق، والآخر مقيد، ولكن بينهما اختلاف في السبب، وفي الحكم، فلا يحمل المطلق على المقيد باتفاق العلماء؛ لعدم الصلة بينهما، فلا يحمل أحدهما على الآخر قطعًا(1). نقل الاتفاق في ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، وإلكيا، وابن البرهان والآمدي وغيرهم، وذكر الباجي عن القاضي محمد من المالكية أن مذهب مالك في هذا حمل المطلق على المقيد وأخذ ذلك من رواية رويت عنه أنه قال: (عجبت من رجل عظيم من أهل العلم يقول: إن التيمم إلى الكوعين، فقيل له: إنه حمل ذلك على آية القطع، فقال: وأين هو من آية الوضوء؟)، قال الباجي: وهذا التأويل غير مسلم؛ لأنه يُحتمل حمله عليه بقياس أو علة، وإنما الخلاف في الحمل بمقتضى اللفظ(2). ومثال هذه الحالة: قوله تعالى في قطع يد السارق: (وَالسَّارِّقُ وَالسَّارِّقَةُ فَاق طَعُوا أَي دِّيَهُمَا)(3)،وقوله تعالى في الوضوء: (فَاغ سِّلُوا وُجُوهَكُم وَأَي دِّيَكُم )(4)، فالسبب مختلف في الآيتين؛ ففي الأولى: السرقة، وفي الثانية: إرادة الصلاة ورفع الحدث، والحكم مختلف فيهما كذلك؛ في الأولى: قطع يد السارق، وفي الثانية: غسل اليد، فلا يحمل المطلق على المقيد هاهنا، حيث ورد نص من السنة يحدد موضع قطع يد السارق من الرسغ (نهاية الكف)، وهذا تخصيص لآية قطع يد السارق والله أعلم(5). مثال آخر: قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: (فَمَن لَم يَجِّد فَصِّيَامُ شَه رَي نِّ مُتَتَابِّعَي نِّ )(6)،وقوله تعالى في كفارة اليمين: (فَمَن لَم يَجِّد فَصِّيَامُ ثَلاَثَةِّ أَيَّام ذَلِّكَ كَفَّارَةُ أَي مَانِّكُم )(7)، فالسبب مختلف، وهو القتل في الآية الأولى، (1) انظرالوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/44. (2) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه 5/9-10. (3) سورة المائدة، الآية38. (4) سورة المائدة، الآية6. (5) انظرالوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/44. (6) سورة النساء، الآية 92. (7) سورة المائدة، الآية89. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٣

12 والحنث في اليمين في الآية الثانية، والحكم مختلف: شهرين في آية القتل، وثلاثة أيام في آية اليمين، وورد الصيام الأول مقيدًا بالتتابع، والثاني مطلقًا عن التتابع، فلا يحمل المطلق على المقيد هنا، إلا أن الحنفية اشترطوا التتابع في صيام كفارة اليمين لقراءة شاذة عن ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)(1). (1) انظرالمصدر السابق 2/44-45. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٤

13 المطلب الرابع الحالة الرابعة من حالات حمل المطلق على المقيد، وهي: اختلاف الإطلاق والتقييد في الحكم، واتحادهما في السبب المراد بهذه الحالة: أن يكون سبب الحكم في النص المطلق هو سبب الحكم في النص المقيد، ولكن الحكم في المقيد غير الحكم في المطلق، فقد اتفق أكثر العلماء على أنه لا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة فيعمل بكل منهما على حدة، إلا إذا قام دليل آخر يدل على الحمل؛ لأنه لا تنافي في الجمع بينهما عند وجود الدليل(1)، وقد حكى الشوكاني-رحمه الله- الإجماع في هذه الحالة فقال: (فلا خلاف في أنه لا يحمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه، سواء كانا مثبتين أو منفيين أو مختلفين، اتحد سببهما أو اختلف، وقد حكى الإجماع جماعة من المحققين آخرهم ابن الحاجب)(2). مثال هذه الحالة قوله تعالى في الوضوء: (فَاغ سِّلُوا وُجُوهَكُم وَأَي دِّيَكُم إِّلَى ال مَرَافِّقِّ )(3)،وقوله تعالى في التيمم: (فَام سَحُوا بِّوُجُوهِّكُم وَ أَي دِّيكُم )(4)، فالسبب متحد في كلا الآيتين وهو الحدث وإرادة الوضوء، والحكم مختلف فيهما، وهو الغسل في الوضوء، والمسح في التيمم، ولفظ الأيدي مقيد بالمرافق في الوضوء، ومطلق في التيمم، فلا يحمل المطلق على المقيد، ويعمل بكل منهما، ويبقى مسح الأيدي في التيمم مطلقًا. لكن لجأ الفقهاء إلى السنة، فقال الحنفية والشافعية: يجب مسح الأيدي في التيمم إلى المرافق؛ لما روى ابن عمر رضي اللَّّ عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"(5)، فيجب مسح اليدين في التيمم إلى المرفقين(6). وقال المالكية والحنابلة: الواجب مسح الكفين فقط؛ لأن النبيﷺ "أمر عمار بن ياسر بالتيمم للوجه والكفين"(7). (1) انظرالوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/45. (2) ارشاد الفحول2/8. (3) سورة المائدة، الآية6. (4) سورة النساء، الآية43. (5) رواه الدارقطني في سننه برقم674. (6) انظرالوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/45. (7) رواه الترمذي وصححه برقم144. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٥

14 المطلب الخامس الحالة الخامسة من حالات حمل المطلق على المقيد، وهي: اتحاد الإطلاق والتقييد في الحكم، واختلافهما في السبب المراد بهذه الحالة: أن يتماثل حكمان ويختلف سببهما وموجبهما، فيكون أحدهما مطلقاً والآخر مقيداً (1). مثالهذه الحالة: قوله تعالى في كفارة الظهار: (فَتَح رِّيرُ رَقَبَة مِّن قَب لِّ أَن يَتَمَاسَّا) (2)، وقوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: (فَتَح رِّيرُ رَقَبَة مُؤ مِّنَة ) (3)، فالحكم واحد فيكلا النصين وهو الكفارة بعتق رقبة، والسبب في الكفارة الأولى إرادة العودة إلى الاستمتاع بالزوجة، وفي الثانية القتل الخطأ، والرقبة في الأولى مطلقة فتصح الرقبة المؤمنة والكافرة، وفي الثانية مقيدة فيشترط أن تكون الرقبة مؤمنة(4)، وفي هذه الصورة اختلف العلماء على أقوال أشهرها ثلاثة(5): - القول الأول: جواز حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة بدليل من القياس أو غيره، وهو قول أكثر المالكية والشافعية والحنابلة(6). - القول الثاني: جواز حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة بمقتضى اللغة، وهو ما عليه بعض الشافعية، وهو ظاهر كلام الشافعي، وبعض المالكية(7). - القولالثالث: عدم جواز حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، وهو قول الحنفية، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أكثر المالكية، وهو رواية عن الامام أحمد(8). (1) انظرالتلخيص 2/167. (2) سورة المجادلة، الآية3. (3) سورة النساء، الآية92 . (4) انظرالوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/46. (5) يُراجعالمطلق والمقيد وأثرهما في الفقه الإسلامي 53 . (6) يُراجع: البحر المحيط في أصول الفقه5/15، روضة الناظر2/105. (7) يُراجع: البحر المحيط في أصول الفقه5/14-15. (8) يُراجعأصول السرخسي 1/267،الإحكام للآمدي 3/5،البحر المحيط في أصول الفقه 5/18، روضة الناظر 2/105. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٦

15 • أدلة القول الأول 1- الدليل الأول: قوله تعالى في كفارة القتل: (فَتَح رِّيرُ رَقَبَة مُّؤ مِّنَة ) (1)، وقوله تعالى في كفارة الظهار: (فَتَح رِّيرُ رَقَبَة ) (2)، فالشارع اشترط في الرقبة المحررة في كفارة القتل أن تكون مؤمنة، ولم يشترط ذلك في كفارة الظهار، إلا أنه لما كان الحكم فيهما واحداً مع استوائهما في اشتراط السلامة من العيوب وجب أن يستويا كذلك في الشرط فلا نحرر في كفارة الظهار إلا رقبة مؤمنة(3). 2- الدليل الثاني: أن تقييد المطلق كتخصيص العموم، وتخصيص العموم بالقياس جائز بالاتفاق(4). - نوقش هذا الدليل بأن جواز تخصيص العام بالقياس لا يجوز إلا ذا خص العام أولاً بدليل قطعي، والخلاف في جواز تقييد المطلق بالقياس ابتداءَ، فلا يكون تقييد المطلق كتخصيص العام على الإطلاق(5)، والحاصل أن هذا قياس مع الفارق - والجواب على هذا الاعتراض: أنه إذا جاز أن يخص بالقياس العام الذي دخله التخصيص جاز أن يخص به ما لم يدخله التخصيص؛ لأن العموم الإطلاق وإن خُصا فإن معناهما معقول، كما أن جواز تخصيص العام بالقياس ثانياً؛ إنما جاز لمنافاة ما بقي بعد التخصيص الأول، للدليل المخصص ثانياً، وهذا المعنى؛ وهو: المنافاة بين الدليل المخصص والعام، موجود في المطلق والعام قبل تخصيصهما، فيجب أن يكون ما دخله التخصيص ومالم يدخله في الحكم سواء، لاشتراكهما في على التخصيص(6). • أدلة القول الثاني 1- الدليل الأول: أن حمل المطلق على المقيد لغة العرب، فقد وقع في القرآن وفي أشعار العرب(7)، ومن ذلك: (1) سورة النساء، الآية92 . (2) سورةالمجادلة، الآية 3. (3) يُراجعالمطلق والمقيد وأثرهما في الفقه الإسلامي 56 . (4) انظرروضة الناظر 2/108. (5) انظرروضة الناظر 1/123-124. (6) انظرالمطلق والمقيد وأثرهما في اختلاف الفقهاء 280. (7) انظرالمطلق والمقيد وأثرهما في الفقه الإسلامي 55 . ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٧