15 الشاطبي، مرورا بأبي الوليد ابن رشد، وأبي بكر ابن العربي، وفخر الدين الرازي، وسيف الدين الآمدي، وعز الدين بن عبد السلام، وشهاب الدين القرافي، و م الدين الطوفي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية ... فهؤلاء يعا نشرت وذاع ودرس كتبهم وأفكارهم وإسهاماتهم المقاصدية، على ما بينها من تفاوت كبير، كم ا وكيفا . وقد أشار الإمام الغزالي (ت202 هل) رحمه الل ّٰه إلى أن المقصد العام من القرآن الكريم هو المعرفة الإلهية، وتتشع ب عنها فروع كثيرة منها ذكر الذات والصفات والأفعال والمعاد... . ويقول العز ابن عبد السلام: "ومعظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصاب وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها"5، وذهب إلى أننا"لو تتب عنا مقاصد ما في الكتاب والسنة لعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه وجله، وزجر عن كل شر دقه وجله، فإن الخير ي ع به عن جلب المصاب ودرء المفاسد، والشر ي ع به عن جلب المفاسد ودرء المصاب، ويقول: "وأ ع آية للحث على المصاب كلها والزجر عن المفاسد بأسرها قوله تعالى : ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ [النحل: 90]8. وما ذكره غير واحد من العلماء من كون القرآن والسنة مليئين بآلاف التعليلات والتنبيهات المقاصدية، يجب استقصاؤه واستخراجه ودراسته بالكامل ، وهذا يتطلب عدة أكاث ومؤلفات0 .وهذا المجال في تقديري من أهم المجالات والآفاق الي على البحث المقاصدي ارتيادها وإلحاقها وجالات الدراسات المقاصدية . كما أن ولي الل ه الدهلوي (ت 16هل) يرى أن مقاصد القرآن خمسة: الأحكام، الجدل، التذكير بآلاء الل ه، التذكير بأيام الل ه، التذكير بالموت وما بعد الموت2 .دون أن نغفل في هذا السياق ما أبدع به ذلك الذكاء المتوقد لعلامة العصر محمد الطاهر ابن عاشور (ت 89 هل) في باب المقاصد القرآنية حيث قارب موضوع المقاصد ولكن بأسلوب آخر ووضمون آخر غير المألوف المعروف ، حيث قاربها من الناحية الأصولية إذ يقول: "إن من مقاصد القرآن أمرين آخرين : أحد هما كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فت أبواب عباراته ل مختل ف استنباط المستنبطين، حتى ت ؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين، و انيهما تعويد حم لة هذه الشريعة، وعلماء هذه الأمة، بالتنقيب، والبحث، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة ؛ حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة في كل زمان لفهم تشريع الشارع ومقصده من التشريع، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التشريعية ، ولو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل التناول لاعتادوا العكوف على ما بين أنظارهم في المطالعة الو احدة. من أجل هذا كان صلوحية عباراته لاختلاف منازع المجتهدين، قائمة مقام تلاحق المؤل فين في تدوين كتب العلوم، تبعا لاختلاف مراتب العصور"6. - الغزا محمد بن محمد أبو حامد، جواهر القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت 933، ص ، 53-59. 5 - قواعد الأحكام، /3. 8 - نف المصدر. 0 - دراسات في قضايا المنهج ص 5 5 – 5 8. 2 - شاه ولي الل ه أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، الفوز الكبير في أصول التفسير، تعريب سليمان الندوي، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الثانية بيروت 001 931، ص 9. 6 - ابن عاشور محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية، تون 930، ج 8، ص 88.
عدد الصفحات ١٥16 ورحم الله سيد قطب الذي أبدع في ا لظلال وفي غيره إبداعا ودب ج من كثير ما د ب ج في هذا المجال قولته النيرة : "القرآن لا يمن كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح : روح المعرفة المنشئة للعمل " ، والذي ما فتئ يذكر المقاصد العامة لكل سورة في بدايتها ثم يعر ج على بعب المقاصد الجزئية للآيات. ويأ في هذا السياق الس فر العظيم "فت البيان في مقاصد القرآن " للشيو صديق حسن خان القنوجي البخاري (ت 801 هل) الذي يعر ج فيه صاحبه على ذكر المقاصد الجزئية للآيات، ويقول في مقدمته عن علم التفسير: "وغايته التوص ل إلى فهم معاني القرآن، واستنباط ح كمه ليفوز بالسعادة الدنيوية والأخروية. وشرف العلم وجلاله باعتبار شرف موضوعه وغايته؛ فهو أشرف العلوم وأعظمها"5. وممن وف قه الله – تعالى - لكشف مقاصد القرآن الكريم الشيو رشيد رضا في كتابه "الوحي المحمدي"؛ وفي "تفسير المنار"، حيث أحصى للقرآن عشرة مقاصد عامة ، ومقاصد خاصة . وقد حد د كتابه الأول في خمسة فصول عدا المقدمة والخاتمة، وقد ساقه سياقه إلى بسط مقاصد القرآن في الفصل الخام من الكتاب ونهج فريد وبديع، وقد عنونه بقوله: "الفصل الخام في مقاصد القرآن في تربية نوع الإنسان وحكمة ما فيه من التكرار في الهداية وإعجازه بالبيان "8. - معام في الطريق ص 2. 5 - فت البيان لصديق خان( / -5. ) 8 - الوحي المحمدي ص 66.
عدد الصفحات ١٦17 نموذج تطبيقي عند الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ـ المقاصد القرآنية عند محمد الطاهر ابن عاشور قام العلامة محمد الطاهر بن عاشور، بتقسيم مقاصد القرآن إلى عدة أنواع، ذكرها في تفسيره "التحرير والتنوير" تح عنوان: "المقاصد الأصلية الي جاء القرآن لتبيا ا" وأوصلها إلى ثمانية، نذكرها بإيجاز : المقصد الأول: إصلاح الاعتقاد، وتعليم العقد الصحي ، وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق ؛ لأنه يزيل عن النف عادة الإذعان لغير ما قام عليه الدليل ، ويطه ر القلب من الأوهام الناشئة عن الإشراك والدهرية وما بينهما، وقد أشار إلى هذا المع قوله تعالى: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﭼ [هود0 .] المقصد الثاني: تهذيب الأخلاق، قال تعالى: ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ [سورة القلم: 0]، وفس رت عائشة ل رضي الله عنها ل لما س ئل عن خ لقه فقال: "كان خ لقه القرآن " ، وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ بلاغا أن رسول الله قال: "ب عث لأتمم ح سن الأخلاق"5 . المقصد الثالث: التشريع، وهو الأحكام خاصة وعامة، قال تعالى: ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭼ [النساء02]، وقال: ﭽ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭼ [المائدة03]، ولقد ع القرآن يع الأحكام عا كليا في الغالب، وجزئيا في المهم، فقوله: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ [النحل39]، وقوله: ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭼ [المائدة8]، المراد بها إكمال الكليات الي منها الأمر بالاستنباط والقياس . المقصد الرابع: سياسة الأمة، وهو باب عظيم في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحف نظامها، كالإرشاد إلى تكوين الجامعة بقوله تعالى: ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ [آل عمران 08]، وقوله: ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ [الأنعام09]، وقوله: ﭽ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭼ [الأنفال 06]، وقوله: ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ [الشورى 83] المقصد الخامس: القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصلاح أحوالهم، قال: ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ [يوسف 8]، وقال: ﭽ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ [الأنعام90]، وللتحذير من مساويهم، قال: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ [إبراهيم : 02] المقصد السادس: التعليم وا يناسب حالة عصر المخاطبين، وما يؤه لهم لتلقي الشريعة ونشرها، وذلك علم الشرائع وعلم الأخبار، وكان ذلك مبلغ علم مخالطي العرب من أهل الكتاب، وقد زاد القرآن على ذلك تعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال في أفانين مجادلاته للضالين، وفي دعوته إلى النظر، ثم نو ه بشأن الحكمة...وقد لحق به التنبيه على فائدة العلم ... - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 5/801 ، وعبد الله بن وهب" الجامع في تفسير القرآن " (5/ 26 )رقم(855 )، وابن أبي شيبة 0/5 0 ، والحاكم5/099 ، وابن جرير 58/ 20 ،2 . 5 - أخرجه مالك في الموطأ برقم (8821 )2/ 880.
عدد الصفحات ١٧18 المقصد السابع: المواع والإنذار والتحذير والتبشير، وهذا يجمع آيات الوعد والوعيد، وكذلك المحاجة، والمجادلة للمعاندين، وهذا باب الترغيب والترهيب . المقصد الثامن: الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول . وتحد ث ابن عاشور في موضع آخر عن المقصد الأعلى من نزول القرآن، فقال: "إن القرآن الكريم أنزله الله تعالى كتابا لصلاح أمر الناس كافة رحمة لهم ؛ لتبليغهم مراد الله – تعالى - ، قال تعالى : ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭼ [النحل39]، فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية والاجتماعية والعمرانية . فالصلاح الفردي يعتمد تهذيب النف وتزكيتها، ورأس الأمر فيه صلاح الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والك . وأما الصلاح الجماعي فيحصل أولا من الصلاح الفردي ؛ إذ الأفراد أجزاء المجتمع، ولا يصل الكل إلا بصلاح أجزائه، ومن شيء زائد على ذلك، وهو ضبط تصرفات الناس بعضهم مع بعب على وجه يعصمهم من مزاحمة الشهوات وموا بة القوى النفسانية، وهذا هو علم المعاملات، وي ع عنه الحكماء بالسياسة المدنية . وأما الصلاح العمراني، فهو أوسع من ذلك ؛ إذ هو حف نظام العام الإسلامي، وضبط تصرف الجماعات والأقاليم بعضهم مع بعب على وجه يف مصاب الجميع، ورعي المصاب الكلية الإسلامية، وحف المصلحة الجامعة عن معارضة المصلحة القاصرة لها، ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع . فمراد الله من كتابه هو بيان تصاريف ما يرجع إلى حف مقاصد الدين، وقد أودع ذلك في ألفا القرآن الي خاطبنا بها خطابا بينا، وتعبدنا وعرفة مراده والإطلاع عليه، فقال تعالى: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ [ص59] "5 . وكما يظهر من التقسيم الثماني لمقاصد القرآن عند ابن عاشور فه ناك تداخل في مراتب هذه الم قاصد ؛ ذلك أن بعضها هو مقاصد، لكن البعب الآخر هو في مرتبة الوسائل الخادمة للمقاصد مثل: أخبار الأولين، والمقاصد، والتعليم، والترغيب والترهيب، والإعجاز، فهذه وسائل لتحقيق المقاصد الأصلية، كإصلاح الاعتقاد، وتهذيب الأخلاق، وسياسة الأمة...الخ، وهي الي عناها الشيو شلتوت بالأساليب . ومما تفرد به ابن عاشور هو حص ره المقصد الأعظم من نزول القرآن في لا ة مقاصد، هي : تحقيق الصلاح الفردي، والصلاح الجماعي، والصلاح العمراني، وقد أشار إليه في كتابه "مقاصد الشريعة " بقوله: "إن المقصد الأعظم من الشريعة هو جلب الصلاح ودرء الفساد، وذلك يصل بإصلاح حال الإنسان ودفع فساده، فإنه لما كان هو المهيمن على هذا العام كان في صلاحه صلاح العام وأحواله ؛ ولذلك نرى الإسلام عالج صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هو أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه وهو النوع كله، فابتدأ بالدعوة بإصلاح الاعتقاد الذي هو مبدأ التفكير الإنساني الذي يسوقه إلى التفكير في أحوال هذا العام ، ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه ل ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج ص: 00،0 . 5 ل ابن عاشور: المرجع السابق، ج ص: 89.
عدد الصفحات ١٨19 وتصفية باطنه؛ لأن الباطن محرك الإنسان إلى الأعمال الصالحة...ثم عالج بعد ذلك إصلاح العمل وذلك بتقنين التشريعات كلها" . وع عنه في موضع آخر بالمقصد العام من التشريع، حيث قال: " المقصد العام من التشريع هو حف نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهمين عليه، وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العام الذي يعيش فيه"5 . وخلاصة تقسيم ابن عاشور لمقاصد القرآن، أ ا تنقسم إلى نوعين: مقاصد خاصة، ومقاصد عامة . فالمقاصد الخاصة: هي تلك الأغراو الحاصلة من أنواع معينة من تشريعات القرآن، كالإصلاح العقدي الحاصل من تشريع أحكام العقائد، وإصلاح النف الحاصل من تشريع أحكام الأخلاق والعبادات، والإصلاح العائلي الحاصل من تشريع أحكام الأسرة ...الخ . أما المقاصد العامة: فهي تلك الأغراو العليل الحاصلة من مجموع أحكام القرآن، وهي لا ة: تحقيق الصلاح الفردي والصلاح الاجتماعي، والصلاح العالمي. ل مقاصد الشريعة، لابن عاشور: ص: 60. 5 ل ابن عاشور: المرجع السابق، ص: 60.
عدد الصفحات ١٩20 ـ المقاصد القرآنية عند الشيخ محمد الغزالي ذهب الشيو محمد الغزالي –رحمه الله- في كتاب الجليل "المحاور الخمسة للقرآن الكريم" إلى تبي القول بأن القرآن الكريم مع استفاضة معانيه، وكثرة سوره، وتشابه آياته وموضوعاته، فإنه يمكن القول بأنه يدور على محاور خمسة، وتشك ل هذه المحاور في المنظور الغزالي أهم القضايا القرآنية وأجل ها، وفي هذا يقول ما نصه: "... والقرآن الكريم مع استفاضة معانيه، وكثرة سوره، يمكن القول بأنه يدور على محاور خمسة. فالتشابه قائم بين آياته، وتكرار المعاني والغايات مأنوس في سياقه: ﭽ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﭼ [الزم ر : 58] والآية تشير إلى أن القرآن لا يتوي على مباحث نظرية مجردة، أو قضايا من اختلاق الترف العقلي، كلا" . وأما هذه المحاور الخمسة، فقد حصرها الشيو –رحمه الله- في محور الله الواحد (التوحيد ) وفي محور الكون الدال على خالقه، وفي محور القصص القرآني، وفي محور البعث والجزاء (الحشر) وفي محور التربية والتشريع . أما المحور الأول (محور التوحيد ) فقد دارت عليه سور القرآن الكريم ؛ وذلك لأن الناس قديما كانوا "يعرفون الألوهية معرفة ناقصة أو مشو هة فكانوا يضمون إلى عبادة الله عبادة آلهة أخرى، من ص نع أنفسهم، وكان تعصبهم لهذه الآلهة المختلفة شديدا، وروا كان حظها من الإقبال والخشية أكثر من ح الإله الحق. وعندما جاء الرسل يفردون الله بالعبودية، وضاصمون الاتجاه إلى الو نية قوبلوا كرب شعواء"5 . وأما المحور الثاني، هو إ بات كون الكون دالا على خالقه، فقد ع ني آيات كثيرة إلى لف النظر إلى هذا المحور ؛ وذلك لأن الكون في المنظور الإسلامي نفي القيمة "غال عند صانعه –جل جلاله- لا لأنه بذل فيه جهدا، أو دفع فيه ثمنا، كلا: ﭽ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﭼ [ي: 35 ] إن غلاءه راجع إلى دلالته على خالقه، فقد بي لبنة بالحق، وانتظم أرجاءه قوانين مح كمة ، تجلى فيها المجد الإلهي في أبهى صورة ... وقد لفتنا القرآن الكريم في آيات كثيرة إلى عظمة الخالق في كونه، كي نزداد به إيمانا وله إذعانا"8 . أما المحور الثالث، وهو محور القصص القرآني، فهو أوسع المحاور القرآنية، ويعت مقصودا ، وأ ر ا للتربية ومصدر توجيه ووع ؛ إذ لكل "قصة في موضعها إيراد مقصود، وأ ر مغاير يتاج إليه السامع ؛ لتكتمل به الحقيقة التارضية والعناصر التربوية"0 فسواء أكان القصص الي قصها القرآن منفردة أو مكررة، فإ ا في اية المطاف تشك ل " أداة تربية، ومصدر توجيه و وع يدعم الفرد والجماعة. قصص القرآن قطع من الحياة الماضية، استرجعها الوح ي الأعلى للتعليم والاعتبار.. والقرآن الكريم عندما يقص ينفو الحياة في القرون الهامدة، فإذا هي حية تسعى نسمع فيها ضجيج العراك بين الم حق ين والمبطلين، إن شريط الأحداث يتحرك ليعيد علينا مراحل مض من تاريو الدنيا "2 . ل المحاور الخمسة للقرآن الكريم ص6. 5 ل المرجع السابق ص 23 وما بعدها 8 ل المرجع السابق ص 98 0 ل المرجع السابق ص 00. 2 ل المرجع السابق ص 00.
عدد الصفحات ٢٠21 وأما المحور الرابع، وهو محور البعث والجزاء، فقد أكثر القرآن الكريم ".. الحديث عن الدار الآخرة وحسابها الدقيق ونعيمها المقيم وعذابها الدائم، وأكد للبشر أن حياتهم فوق التراب فترة صغيرة وأن استغراقهم في الأحزان والأفراح خدعة كبير ة، وأن المسلك الوحيد الرشيد هو الإيمان بالله واليوم الآخر " . "إن من الأمر الجلي أن يقف المرء على تكرار ذكر البعث والجزاء في كتاب الله ، ولا تكاد تخلو منه سورة على الإطلاق ففي ".. السورة الأولى من القرآن الكريم، حمد لله رب العالمين، المالك ليوم الدين، أي يوم الجزاء، وهي سورة يقرؤها المسلم عشرات المرات كل يوم. وعك هذا الذكر المتصل د أسفار موسى الخمسة الي تتصدر العهد القديم وتسمى التوراة، إ ا خالية من أي ذكر للبعث والجزاء خالية من أي ترغيب في الجنة أو ترهيب من النار، كأن مؤلف كتاب رأس المال "كارل مارك " هو الذي وضع هذه التوراة، وعجيب أن ضلو دين من التنبيه إلى لقاء الله، وأن ي ضرب صفحا عن ذكر الدار الآخرة . وهذا الإغفال كان له أ ره في إخلاد اليهود إلى الأرو، وفي صياغة تفكيرهم المادي وفي اعتبار جنتهم ونارهم في هذه الحياة وحدها"5. وأما المحور الخامس، وهو محور التربية والتشريع، فيمكن للمرء تلمسه من خلال نصوص الذكر الحكيم الي تشتمل على عبارة "الله يب، والله لا يب "فقوله ".. ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ [البقرة : 90 ] وبعد سطور قليلة ﭽ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ [البقرة : 92 ] هذه قوانين عامة يجب أن تضبط مسالك الناس يعا.."8وثمة آيات كثيرات ترد في القرآن الكريم في هذا السياق دالا على أهمية التربية والمعيار الضابط لدائرتها، فكل ما يبه الله فيه ارتقاء بالإنسان إلى مدارج الكمال والتحضر، وكل ما لا يبه، ففيه اادار بالإنسان إلى مدارك الااطاط والهبوط والتخلف. وعلى العموم، ذلك هو الطرح الغزالي للمقاصد الأساسية الي رام الكتاب العزيز إ باتها، والتأكيد عليها، وإن تميز هذا الطرح بشيء، فإنه تميز بربط تلك المحاور بواقع الحياة المعيش، وع ي المؤلف بالتوسع في هذا الجانب إلى الدرجة الي كاد فيه المقصد الأساس من ذكر هذه المحاور أن ضتفي بعب الشيء ؛ إذ في بعب الأحيان يجد القارل نفسه كأنه يقرأ في كتاب ياول أن يقد م حلولا لبعب من الاارافات في التصور والسلوك والي تكاد أن تعم الحياة الإسلامية على يع مستوياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية . ل المرجع السابق ص 00. 5 ل المرجع السابق ص 02 - 06 8 ل المرجع السابق ص 31 وما بعدها
عدد الصفحات ٢١22 خاتمة: من كرم القرآن ا لكريم أنه كتاب خاتم ، أعاد صياغة الأمة الي أ نزل فيها وعليها، وجعلها خير أمة أخرج للناس؛ اتها وحياتها في التخلق بالقرآن والتحقق وعانيه.. ومن كرمه أنه بالإضافة إلى كونه المصدر الأول للتشريع، كما هو منصوص عليه في البحوث الأصولية والفقهية، هو تربية للعام الإنساني بأكمله، ونور له في عام الظلمات، تهدي إلى منابع الخير والجمال ؛ لتنتهي به إلى غايات ومقاصد كليتها وجزئيتها العروج إلى علياء الأنوار الإلهية. وكان القصد من خلال هذه الورقات الإسهام في كشف مقاصده وغاياته كما أبرزها أعلام الأمة ؛ حتى ت علم، فت در س دراسة ضافية ؛ لي ب عليها أس ا متينا، يكشف عن وظيفيتها في عملية تدبر آي الذكر الحكيم، ويكون له الأ ر البين والنافذ في فهم مقاصد الكتاب الكريم، واستنباط الهدى المنهاجي الكامن فيه . والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
عدد الصفحات ٢٢