المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شواهد الرحمة الإلهية في الحج من خلال القرآن الكريم

خالد بن نواف بن أحمد الشوحة

صفحة ١ من ٣

471 � في الحج من خلال القراآن الكر درا إعداد: د. خالد بن نواف بن أحمد الشوحة مساعد عميد كلية الشريعة بجامعة اليرموك أستاذ التفسير المشارك بقسم أصول الدين

عدد الصفحات ١

472

عدد الصفحات ٢

473 المقدمة ، وعلى آله وصحبه ومن الله، والصلاة والسلام على رسول للهالحمد والاه، أما بعد: تعالى بخلقه صفة مضطردة لا تتخلف، وحقيقة لا يمكن الله فإن رحمة إنكارها، وهي السمة العامة الشاملة لكل أحكام الدين وتشريعاته. وإن الخطاب الإلهي في كل آية من آياته، لشاهد على هذه القضية العظيمة المهمة، ومن مفردات ذلكم الخطاب: آيات الحج التي ظهرت فيها مجموعة كبيرة من دلائل صدق هذه المسلّمة من مسلمات الدين الحنيف. وقد قسمت الدراسة إلى تمهيد ومبحثين: ذكرت في مبحثه الأول شواهد الرحمة الإلهية في آيات شروط الحج وأحكامه. وقد احتوى على مطلبين: مطلب لآيات شروط الحج، ومطلب ثان لأحكامه. وفي مبحثه الثاني شواهد الرحمة الإلهية في ثمار الحج ومنافعه، كما تصورها الآيات. وإنه ليسعدني ويطيب لي أن أشارك مؤتمركم السامي، فكرتَه الرائدة وهدفَه النبيل، في بيان ملامح رحمة الإسلام، في الوقت الذي حورب فيه الإسلام، واتُهم بأنه دين الشدة والعنف والصعوبة، سائلاً المولى أن يوفقني في بحثي، وأن يوفقكم في تنظيم هذا المؤتمر العظيم ذي الرسالة الجليلة السامية.

عدد الصفحات ٣

474 مشكلة البحث تكمن مشكلة في بيان أن الرحمة حقيقة من حقائق التشريعات الإلهية، التي هي مدار بحث لدى المراكز الإسلامية من جهة، ومراكز الأبحاث والمنظمات المعادية للإسلام من جهة أخرى. وسيبين هذا البحث شيئًا من ملامح الرحمة الإلهية في ركن من أركان الإسلام، هو الحج، أنموذجًا من نماذج الرحمة الكامنة في حكم من أحكام الدين وركن من أركانه. أهداف البحث: 1 .إظهار رحمة الإسلام والتأكيد على أنها قاعدة أساسية، وروح سارية في كل تشريعاته وأحكامه. 2 .إظهار أحكام الحج على أنها شاهد من شواهد الخطاب الإلهي على الرحمة والرأفة. 3 .بيان موافقة الدين الحنيف لطبيعة النفوس البشرية، وما خلقت عليه من قدرات وطاقات. 4 .تأصيل خلق الرحمة، ونشر مفرداته، وبث فوائده من خلال آيات الحج. 5 . تعالى، وليس هوباللهبيان أن الأصل الأصيل للعبادات هو الصلة المشقة والتعسير. منهج البحث: اتبعت في هذه الدراسة المنهج الاستقرائي ثم التحليلي؛ حيث قمت باستقراء الآيات القرآنية المتعلقة بالحج، ثم قمت باستنباط شواهد الرحمة الإلهية من هذه الآيات، وتحليلها تحليلاً موضوعيًا بيانيًّا.

عدد الصفحات ٤

475 التمهيد الملامح العامة للرحمة في الخطاب الإلهي في آيات الأحكام قبل أن أشرع في بيان بعض الملامح العامة للخطاب الإلهي في آيات الأحكام، أود أن أنبه إلى قضيتين: الأول إلى عقائد وأحكام فقهية، ثم قسموا الفقه إلى عبادات ومعاملات وأحوال شخصية ونحو ذلك، أقول: إنهم لما فعلوا ذلك، لم يقصدوا -أبدا- التقسيمَ بمعناه اللغوي، بمعنى أن كل قسم ينفصل انفصالاً تامًّا عن الأقسام الأخرى، بل إن هذه التقسيمات إنما هي تقسيمات اصطلاحية فنية؛ للتسهيل على طلاب العلم ودارسيه، وكذلك المفسرون والباحثون في علوم القرآن، لما قسموا الآيات إلى: آيات أحكام، وآيات قصص، وآيات عقيدة، لم يقصدوا ما ذكرته آنفًا، فإنه لا يوجد آية فيها أحكام فقهية تخلو من الجانب العقدي، تعالى وصفاته، الله وانظر إلى آيات الأحكام كيف انتهت بأسماء أو بالترغيب بالجنة والترهيب من النار ونحو ذلك، ولذلك، فإني سأسير على التقسيم المشهور اصطلاحًا بين أهل العلم. الثانية: أن الملامح العامة للخطاب الإلهي في آيات الأحكام أكثر من أن

عدد الصفحات ٥

476 تحصيها دراسة كهذه؛ ولذلك سأكتفي بما فيه إشارة وملمح على المراد المقصود، وبما يتناسب مع حجم الموضوع ومناسبته، فأقول: الله من الملامح العامة للرحمة في الخطاب الإلهي أن الملمح الأول: تعالى لما شرع شرعَه، وأوجب على الناس أوامره ونواهيه، فصل أحكامه بما يناسب المخلوق على أنه مخلوق، وليس ملكًا مقربًا، لا يعصي ولا يذنب، تعالى هو الذي خلق الإنسان، وهو أعلم بما يطيقه وما لا يطيقه، الله كما أن وهو أيضًا أعلم بحاجاته وغرائزه ومطالبه، فإنه تعالى لم يخلق حاجة في الإنسان ثم يحرم عليه ما يلبي به حاجته، وهذا جانب مهم في التصدي للشبهات التي يحيكها أع الله وللدلالة على أن الخطاب الإلهي خطاب رباني واقعي. وفي ذلك يقول .(1(]32الأعراف[ )ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ(تعالى: تعالى شرع الأحكام وبين أنها شاملة للجميع، ولم الله أنالملمح الثاني: يفرق بين الناس، لا في الأمر والنهي من جهة، ولا في الجزاء والثواب من جهة أخرى، ولا يخفى أن هذا داع من دواعي التيسير على الناس في أداء عبادتهم، إذا علموا أن هذه العبادات ساوت ووازت بين المخلوقين. وانظر ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ (إلى قوله تعالى: ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ .]35الأحزاب[ )ﯠ ومن الملامح العامة للرحمة في الخطاب القرآني في الملمح الثالث: آيات الأحكام: أن الشارع الحكيم جعل للأوامر والمناهي مقاصد وغايات انظر ما قاله شيخ الإسلام في قاعدة عظيمة بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل (1( ( وما بعدها22الشرك والنفاق: (ص

عدد الصفحات ٦

477 منها، ربطها بها؛ ليسهل على الناس الدخول فيها وإتمامها، وهم في قناعة تعالى، كيف؟ الله تامة أن منافع العبادة إنما تعود بالنفع عليهم، وليست على تعالى: الله وهو الغني الذي لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية؛ ولذلك قال ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭹﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ( .]186البقرة[ )ﭯ ﭰ(. وقال في الصيام: ]57-56الذاريات[ )ﮃﮂ ومن شواهد الرحمة في الخطاب الإلهي في آيات الملمح الــرابــع: الأحكام، أن باب الاجتهاد لم يزل مفتوحًا لكل من توافرت فيه شروط الاجتهاد من العلماء القانتين الربانيين، وه ساطع، في بيان قيمة الخطاب الإسلامي ومرونته وحيويته، وأنه دين شامل لكل عصر ومصر، لا تعجز أحكامه عن زمان، ولا تبلى تعاليمه عند مكان ومكان.

عدد الصفحات ٧

478 المبحث الأول شواهد الرحمة الإلهية في آيات شروط الحج وأحكامه المطلب الأول آيات شروط الحج الفرع الأول: الستطاعة والترغيب بالحج - للحج شروطًا كثيرة، اختلفت في عددها اللهذكر العلماء -رحمهم بين مذهب وآخر، اختلافًا غير كبير، ومن الشروط ما جاء دليله في .S االقرآن الكريم، ومنه ما جاء فيما صح من سنة رسول ومن أمثلة ما دل القرآن الكريم عليه شرطًا من الشروط: الاستطاعة، ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ (تعالى: الله وفي ذلك يقول .]97اآل عمران[ )ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ سبحانه الله وإن هذه الآية لتعد أحد الشواهد الإلهية على رحمة وتعالى بالعالمين، ولا بد لنا من وقفات معها؛ لنتبين دلالاتها الصريحة والكامنة في لفظ الآية الكريمة، مما يستخرجه البيان، ويفوق عن وصف كونه من كلام إنسان أو غير إنسان، إلا أن يكون رب الإنسان، والمعجز في كلامه والبيان.

عدد الصفحات ٨

479 تعالى سبحانه وتعالى قبل أن يفرض الحج، قدم لهذا الله أنأولًا: اآل [ )ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ( تعالى: الله قالالفرض بذكر إبراهيم في الله ، قال ابن كثير: (أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها]95عمران ، فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي Sالقرآن على لسان محمد الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم(. وقد بالحج، ومن ذلك:بين القرآن الكريم في أكثر من آية علاقة إبراهيم 1 . هو الذي رفع قواعد البيت، الحرام مع إسماعيلأن إبراهيم ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ (تعالى: الله يقول  .]127البقرة[ )ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ 2 . بأن وهو الذي رفع قواعد البيت قد دعا ربه أن إبراهيم ﯵ ﯶ ﯷ (تعالى: الله يحفظ هذا البيت وأن يجعله آمنا، قال ولو وقفنا عند ]126البقرة[ )ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ مضمون هذا الدعاء لوجدناه يفيض بالرحمة الإلهية بالحجاج، وقد شمل أمرين، لا يمكن للحاج أبدًّا أن يستقيم حجه بدونهما، الأول: الأمن، والثاني: القوت. وفي هذا الدعاء إش منها: تعالى الله تعالى بالناس بتطمينهم بأن بيت الله أولاً: بيان رحمة تعالى يجيب دعاء الأنبياء، الله الحرام آمن ومرزوق، وذلك أن .وطلب الأمن والرزق جاء بدعوة من إبراهيم -سبحانه- بحث الناس على السعي في الله ثانيًا: إظهار رحمة خدمة الحجاج وإيجاد الأمن والأمان لهم، والإنفاق عليهم من الطعام والشراب وتأمين المآكل والمشارب التي تعينهم على أداء فريضة الحج وركن الإسلام على أحسن وجه وأكمله.

عدد الصفحات ٩

480 تعالى بتحذير الناس من أن يعبثوا بأمن الله ثالثها: إبراز رحمة الحجاج أو بطعامهم وشرابهم. وإن الآيات هذه لتحكي واقعنا الذي نعيش فيه الآن، وإن كان الأمن مطلوبًا في كل زمان، إلا أننا ندرك قيمته الآن بعد أن شاهدنا وعرفنا بل أيقنا مدى خطورة المخططات التي يحيكها أعداء الدين والكعبة، باذلين في ذلك الغالي والنفيس؛ ليقضوا مضاجع الحجاج، ويعبثوا بأمنهم تعالى أن يحفظ علينا الله وأمانهم، ومن هذا المكان فإني أدعو أمننا وأماننا، وأن يجزي مملكة الحرمين حكومة وشعبًا على ما يبذلونه من حفظ أمن الحجاج وتأمين حاجاتهم، مقدرين جهدهم، ومثمنين تعبهم وكدهم في ذلك. تعالى بين الله ومن رام معرفة قيمة النعمتين، فلينظر كيف جمع هاتين النعمتين في امتنانه سبحانه وتعالى على قريش بالأمن ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ (وتأمين الأق ]4-3قري[ )ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ 3 . تأليفًا للقلوب وترقيقًا للمشاعر؛ فإبراهيمإن في ذكر إبراهيم نبي تنازعت حبه الملل، وتعاركت في الانتساب إليه الأمم والنحل،  ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ( تعالى: الله يقول ، ومع ]65اآل عمران [ )ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚﮛ من جهة، وبين إبراهيم إدراكنا بوثوق العلاقة بين موسى وعيسى من جهة أخرى، إلا أن القرآن الكريم قد رفض أن تكون العلاقة  تعالى وتنكروا دينه، بل أولياؤه الله الحق مع أولئك الذين حرفوا كتب وأتباعه والذين آمنوا. فقط، هم نبينا وبهذا التقديم الجليل، تكون الآيات قد أظهرت أن الحج عبادة لها تاريخ

عدد الصفحات ١٠

481 سابق، وعهد قديم، فليست بدعًا من العبادات، ولا حدثًا من الجديدات، بل هي دين متبع ومنهاج مستطاع. الحرام، فذكر الله ومن رحمته تعالى بالناس أن رغّبهم ببيت ثانيًاا: لهم أوصافا تتوق لها النفوس، وترنو إليها المشاعر والأحاسيس، وهي: 1 .أنه أول بيت وضع للناس، ولا يخفى على أحد قيمة أوائل الأشياء ومباديها، وإذا كان الناس يعظمون ما يذكره البشر من أوائل، ويعتري هذه المعلومات ما يعتريها من جهل البشر وعدم إدراكهم بالتواريخ والأزمان، أقول: إن كان ذلك كذلك؛ فكيف بما سطره القرآن حقيقة مسلمة لا شك فيها ولا ريب، من كونه أول بيت وضع للناس. 2 . )ﮛ ﮜ(العدول عن ذكر اسمه إلى تحديد مكانه، قال تعالى: . وإن هذه الوصف بهذا التحديد لمعقد من معاقد ]96اآل عمران [ بلاغة القرآن الكريم وبيانه المعجز، فإن فضل مكة وحرمتها وقيمتها الدينية والتاريخية والاجتماعية، مما لا يخالف فيه أحد، ولا ينكره بشر. 3 .التعبير عن مكة باسم آخر من أسمائها وهو (بكة(. قال الماوردي (وفي المأخوذ منه بكة قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الزحمة، يقال تَبَاّك القوم بعضهم بعضًا إذا ازدحموا، فبكة مُزْدَحَمُ الناس للطواف. وال .(1(الجبابرة، إذ ألحدواْ فيها بظلم لم يمهلواْ 4 .تعالى فيه من البركات ما الله وصف البيت بأنه: (مبارك( إذ جعل يشاركه غيره من الفضل والكرم، بل وما لم يشاركه فيه غيره، ومن (.410/1 الماوردي، النكت والعيون (1(

عدد الصفحات ١١

482 ذلك أن الصلاة فيه بمئة ألف صلاة، وأن من رام الإلحاد فيه، فإن ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ (تعالى يذيقه من عذابه الأليم: الله . ]251الحج[ )ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ 5 .رغب الناس بأن جعل البيت الحرام (هدى للعالمين(، وقد اشتمل ه وهذه الهداية شاملة للمؤمنين الذين يذهبون إلى البيت الحرام، فيزدادوا هداية فوق اهتدائهم، ويرتقوا بإيمانهم بما يفعلونه هناك من أعمال صالحة في ذلكم المكان العظيم. كما أن هدايته شاملة للعالمين من غير المؤمنين، وإنه لا أحد يستطيع أبدًا أن ينكر الحرام من هيبة ووقار وعظمة، وكم دخل الأفراد في الله ما لبيت الحرام، وما فيه من آيات. الله تعالى لما رأوا بيت الله دين ه (عالمين( وهي جمع (عالم(، حتى لا يكون الدين قاصرًا على قوم، . ) ﮔﭗ(تعالى: الله ولا مقتصرًا على جنس، بل هو كما قال 6 . )ﮡ ﮢ ﮣ( تعالى: الله تعالى فيه آيات بينات، قال الله جعل ، والمراد هنا، (أي: أدلة واضحات، وبراهين قاطعات ]97اآل عمران[ على أنواع من العلوم الإلهية والمطالب العالية، كالأدلة على توحيده ورحمته وحكمته وعظمته وجلاله وكمال علمه وسعة جوده، وما .(1(مَنَّ به على أوليائه وأنبيائه وقد ذكر الطبري تعالى من هذه الآيات مقام إبراهيم الله وذكر ، ]97اآل عمران[ )ﮤ ﮥ( اختلاف المفسرين في تفسير قوله تعالى: أهو الحج كله؟ أم عرفة والمزدلفة والجمار؟ أم هو الحرم؟ أم هو الحجر (.138/1 تفسير السعدي (1(

عدد الصفحات ١٢

483 الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع بناؤه وضعف عن رفع الحجارة؟ أم هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام؟ ثم قال: (وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا، ما قاله القائلون: إن مقام إبراهيم، هو المقام المعروف .(1(بهذا الاسم، الذي هو في المسجد الحرام اآل [ )ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ(ومن الآيات أيضًا أمن من دخله، قال تعالى: يقول القاسمي: (وهذا إما خبر بمعنى الأمر لاستحالة الخلف ]97عمران في خبره تعالى، وإم وإما إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام، )ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ( كما قال تعالى: ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ (وقوله تعالى: ]67العنكبوت[ .(2(]57الق[ )ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ وقال الشوكاني: ( وقد قال جماعة: إن الآية خبر في معنى الأمر، أي: بعد هذه المقدمات الحكيمة والتمهيدات الجليلة (3(ومن دخله فأمنوه التي هيأت النفوس لهذه العبادة الجليلة والطاعة العظيمة، جاء النص قاضيًا بإيجاب الحج على الناس، وليس كل الناس، ولكن: من استطاع إليه سبيلاً، وإليك بعضًا من دلائل بيانها المعجز ونظمها البليغ: 1 .دلت الآية على وجوب الحج بصيغتين: (لام( الاستحقاق وحرف (ع صيغتان: لام الاستحقاق، وحرف (على( الدال على تقرر حق في .(4(ذمة المجرور بها 2 .تقديم شبه الجملة المكونة من حرف الجر ولفظ الجلالة، لإفادة (.36/2 الطبري، جامع البيان (1( .(360/2 القاسمي: محاسن التأويل (2( .(415/1 الشوكاني: فتح القدير (3( .(22/4 ابن عاشور، التحرير والتنوير (4(

عدد الصفحات ١٣

484 لا لغيره، وفي هذا النظم إشارة للهأن هذا الحج ينبغي أن يكون إلى ما كان يفعله الحجيج قبل الإسلام، من حجهم لأصنامهم التي تعالى كفرًا وشركًا وجهلاً، فلا يجوز الله كانوا يعبدونها من دون تعالى، فهي للهلأحد أبدًا أن يتوجه بهذه العبادة ولا بغيرها إلا .مقصورة عليه 3 .،(1(عبر ب وحث لغير المسلمين على أن يدخلوا في الإسلام الذي هو مناط الإنسانية وأسها. 4 . ]97اآل عمران[ )ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ( جاء التخصيص بقوله تعالى: بعد ق الاستطاعة، قال الطبري: (يعني بذلك جل ثناؤه: وفرض واجب ، على من استطاع من أهل التكليف السبيل إلى حج بيته الحرام، لله .(2(الحج إليه والاستطاعة، كما يقول الراغب: ( استفالة من الطوع، وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتيًا، وهي عند المحققين اسم للمعاني التي بها يتمكن (3(الإنسان مما يريده من إحداث الفعل ، والذي تميل النفس (4(وقد اختلف العلماء كثيرًا في معنى الاستطاعة إليه أن ألصق معانيها هو ما يحتمله المعنى اللغوي فيما يناسب الحاج، تعالى من الزاد والراحلة والمحرم ونحو الله وما ذكره الفقهاء رحمهم والخلاف في وجوب الأحكام على غير المسلمين مشهور، لا مجال لبسطه هنا. (1( .(37/6 الطبري، جامع البيان (2( (، ابن الأثير، النهاية380 /2(. وانظر: الفيومي، المصباح المنير530/1 الراغب، مفردات القرآن (3( .(322 /3في غريب الأثر (، 293/2(. الكاساني، بدائع الصنائع4/3(، روضة الطالبين،157/2 انظر: الشافعي، الأم (4( .(158/1(، العمدة166/3ابن قدامة، المغني

عدد الصفحات ١٤

485 ذلك، فكله داخل في معنى الاستطاعة، إن كان حج المسلم متوقفًا عليه، أما إن لم يتوقف عليه فلا فائدة من اشتراطه. وقال الزمخشري: (وفي هذا الكلام أنواع من التأكيد والتشديد... ]97اآل عمران[ )ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ(ومنها أنه ذكر الناس، ثم أبدل منه وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما: أن الإبدال تنبيه للمراد وتكرير له. والثاني: أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في .(1(صورتين مختلفت وإن في هذا القيد لدلالة واضحة على ميزة من ميزات التشريع تعالى لا الله الإسلامي، وشاهد من شواهد الرحمة الإلهية بالخلق، فإن يكلف النفوس أكثر مما تطيق، ولا يحملها ما لا تحتمل، بل إنه سبحانه يعوض من نوى وعزم على الخير من الحسنات والدرجات بقدر نيته، ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ (تعالى: الله إن كان عاجزًا عن فعل ما نوى، يقول .]152الأنعام[ )ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ(، وقال: ]286البقرة[ )ﯜ وإن جهود المملكة العربية السعودية لأمر يستحق أن يوقف عنده الله وقفات ووقفات، بما يؤدونه من تأمين الأمور وتهييئها لحجاج بيت تعالى الحرام، في كل ما يصدق عليه لفظ الاستطاعة، من تأمين المأكل والمشرب (ال المباركة من إنشاء القطارات التي تنقل الحجاج من مكان إلى آخر، ومن منسك لآخر. تعالى لم يوجب الله وإن شواهد الرحمة الإلهية تتجلى أيضًا في أن الله حجا على العبيد، فلا يجب الحج إلا على حر، وإن هذا من رحمة تعالى بهم، فأمرهم ليس بيدهم، ولو كان واجبًا لما كان للعبيد إلا أن ( بتصرف.390/1 الزمخشري، الكشاف (1(

عدد الصفحات ١٥

486 يحجوا رغمًا عن أسيادهم، وفي هذا من المتاعب والمصاعب واستيلاد به عليم. الله الخصومات ما لم يوجب حجًّا على الصغير حتى يبلغ، وليس بعد هذه الله وأيضًا فإن الرحمة رحمة، وهي قضية مستصحبة في كثير من الأحكام العملية، التي لا تجب على الصغير، كالصلاة والصوم ونحو ذلك، حتى يبلغ الطفل ويكون قادرًا على أداء هذه الواجبات على أحسن حال. تعالى جعل الحج في وقت محدود مبين، وقد الله أنالفرع الثاني: )ﭑ ﭒ ﭓ (ورد ذلك في آيتين اثنتين، الأولى: قوله تعالى: . ]203البقرة[ )ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ(وقال في الثانية: ]197البقرة[ إن هاتين الآيتين لتدل كل واحدة منها على شيء آخر يختلف عن الآية تعالى من خلال جمع معنى هاتين الله الأخرى، ونستطيع أن نتبين رحمة الآيتين، فالأولى تدل على العلم بوقت الحج، والفائدة في ذكر هذه القضية في النظم الكريم، أن الحج يتطلب استعدادًا وتجهيزًا وسفرًا، فليس هو تعالى، وتتوضأ لها خلال دقائق، ولذلك الله كالصلاة التي تصليها في أرض جاء التشريع الإلهي بامتداد وقت الإح وتستعد الأبدان، لمثل هذه العبادة التي تحتاج إلى الترتيب والتنظيم. وأما الموطن الثاني الذي ذكر فيه الوقت، فهو الذكر في أيام التشريق، ومع أن أيام التشريق هي أكثر أيام الحج إلا أنها وصفت بأنها معدودات؛ وفي هذا تحفيز للحجاج، وحث لهم على ألا يفوتوا هذه الأيام التي إنما هي أيام معدودة، وخاصة أن الحجاج يكونوا قد قضوا واجتهدوا فيما قبل ذلك من مناسك، مما يدعوهم إلى الكسل أو إلى التعب والإرهاق، فجاء التوجيه الإلهي الكريم بأن هذه الأيام أيام معدودة فقط، لا حصافة في التفريط فيها.

عدد الصفحات ١٦