1 احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي مناقشة علمية إبراهيم السكران
عدد الصفحات ١2 -مدخل طوال السنوات السابقة كنت أسمع وأقرأ حزمة من "المقولات النقدية" التي توجه ضد الخطاب الشرعي، وعادة ما تبدأ هذه الجمل بعبارة (مشكلة الإسلاميين أنهم...الخ) أو (مشكلة المشايخ أنهم..الخ) ، و تارة أخرى ألاحظ أن العبارة تبدأ بلغة أكثر انتماءً مثل (مشكلتنا أننا .. الخ). والذي لفت انتباهي طوال هذه الفترة في هذه المقولات النقدية أن الفكرة تقريباً متشابهة بين هؤلاء النقاد الذين ينتقدون، بل وفي كثير من الأحيان تجد العبارة ذاتها متشابهة، فأسمع و أقرأ ذات المفردة في الحوارات التي تدور في المجالس العامة، وفي المقابلات الإعلامية التي تجُ رى مع بعض المنتسبين للثقافة، وفي المنتديات الفكرية الإلكترونية، بل وكثيراً ما أتلقى رسائل على البريد الإلكتروني من بعض الأصدقاء تتضمن الفكرة ذاتها وبالعبارات ذاتها! هذا التشابه الهائل في تلك الأفكار والعبارات النقدية التي تُشهر في وجه الخطاب الشرعي كان بالنسبة لي سراً غامضاً، حتى أنني وأنا أسمع وأقرأ وألاحظ سعة هذا القدر المشترك بينهم، أقول في نفسي يا ترى هل تََ اثُ ل المخرجات يعكس وحدة المصدر؟ أي أن هذا التناسخ التوأمي في الأفكار والعبارات هل يمكن أن يدل على أن المصدر "شخص و احد" وهم ينقلون عنه جميعاً؟! المهم أنني لاحظت أن أكثر هذه "المقولات النقدية" شيوعاً سبع مقولات تقريباً: أولها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالقضايا الحقيقية والفعلية وأسئلة وإشكاليات الناس المدنية، وثانيها: أن الخطاب الشرعي يهتم بالقضايا الشكلية و لا يعتني بقضايا الأخلاق حتى أصبح التدين تديناً مظهرياً وليس تديناً حقيقياً، وثالثها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالعلوم غير الشرعية بل ويشيع التزهيد فيها وأنه لا ثواب فيها مما أدى إلى تخلفنا في هذه العلوم، ورابعها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بمقاصد
عدد الصفحات ٢3 الشريعة ومنهج الشاطبي مما تسبب في إغراقه في الحرفية في تفسير النصوص والجزئية في الاهتمامات، وخامسها: أن الخطاب الشرعي منهمك ومشغول في صراعات ومعارك تاريخية طواها الزمن مثل قضايا الصفات والجهمية وخلق القرآن، و سادسها: أن الخطاب الشرعي خلق موقفاً سلبياً ضد الاستفادة من المنجزات المدنية الغربية مما تسبب في تخلفنا المعاصر، وسابعها: أن الخطاب الشرعي مجرد ذيل وتابع للنظام السياسي، وغارق في مديح الولاة والتزلف لهم، فهو أداة يحركها كما يشاء، وليس خطاباً شرعياً مستقلاً . هذه المقولات السبع أكاد أسمعها في كل مجلس تثور فيه حوارات فكرية حول الواقع المحلي ، وأكاد أقرؤها في كل مقابلة إعلامية يتم إجراؤها مع أحد المنتسبين للثقافة حين يتحدث عن رؤيته للخطاب الشرعي. بل إنه من الطريف أن التشابه المتكرر بين هؤلاء النقاد يصل ليس فقط إلى الفكرة والعبارة ، بل إلى أسلوب العرض ذاته، فقد لاحظت شخصياً أنهم كثيراً ما يستخدمون أسلوب السؤالين (أين نحن عن..؟) و (إلى متى ونحن نتحدث عن..؟) فتراهم يقولون لك بصيغة السؤال الأول: (أين نحن عن مصالح واحتياجات وحقوق الناس؟ أين نحن عن قضايا الأخلاق وقيم العمل؟ أين نحن عن منجزات العلوم المدنية الغربية؟) ثم يعقبونها بصيغة السؤال الثاني: (إلى متى ونحن نتحدث عن معارك الصفات والجهمية؟ إلى متى ونحن غارقون في القضايا الجزئية الصغيرة؟) فلا أدري عن سر هذا التطابق في الفكرة، والمفردة، والأسلوب ذاته؟! وهذا التطابق في الحقيقة يمثّل بالنسبة لي ظاهرة طريفة فعلاً.
عدد الصفحات ٣4 وهذه "المقولات النقديةفي الحقيقة تحمل أحكاماً ضمنية، بمعنى أنها تقرر أحكاماً عن واقع الخطاب الشرعي (بأنه يهمل قضايا معينة.. و يغالي في الاهتمام بقضايا أخرى)، ولذلك كنت حين أسمع شخصاً يردد بعض هذه المقولات النقدية فإني كنت أفضل د وماً أن أبدأ بالسؤال المنهجي: هل فعلاً أجريت دراسة مسحية أو استطلاعية -ولو كانت عابرة - على منتجات الدروس الشرعية والبحوث التي ينتجها الباحثون الشرعيون؟ وكنت دوماً أتفاجأ بردود مخيبة للآمال. غالب الشخصيات التي تردد مثل هذه المقولات التقييمية ليس بحوزتها أية دراسة علمية تبرهن هذه الأحكام الضخمة التي يكررونها في مجالسهم بشكل معتاد. ومن هاهنا فإنني قررت أن أقوم بكتا بة ورقة موجزة تتضمن فحصاً لمدى الدقة العلمية في هذه (المقولات النقدية) التي تتداولها بكثرة المجالس العامة، والصوالين الأدبية، والندوات الثقافية، والأ عمدة الصحفية، والمشاركات المنتدياتية. ما مدى موضوعية هذه الأحكام وعلميتها؟ ما الذي يصح منها وما الذي لا يصح؟ أين أخطأ نقاد الخطاب الشرعي وأين أصابوا في هذه الاحتجاجات التي يوجهونها دوماً ضد الخطاب الشرعي؟. ومثل هذه المناقشات بحكم أنها تدور أساساً حول (واقع الخطاب الشرعي) فإني اضطررت منهجياً في غالب فقرات هذه الورقة إلى التخلي عن التأصيل والتنظير العام، ومحاولة فرز وفحص واقع الخطاب الشرعي ذاته، وأريد أن أصل من هذا الكلام إلى القول بأنني كنت بحاجة إلى (أدلة ملموسة)، بحاجة إلى عرض (منتجات حية) لندرس على أساسها مضامين الخطاب الشرعي ونواقصه، ولذلك أكثرت من ذكر أسماء شخصيات فقهية ودعوية تنتسب للخطاب الشرعي المعاصر، لأنه لا يمكن لي مناقشة واقع الخطاب الشرعي دون عينات مستلة من داخل هذا الخطاب الشرعي ذاته.
عدد الصفحات ٤5 وقد جمعت حصيلة المناقشات لهذه المقولات النقدية في الأقسام التالية: -أولاً: وظيفة الخطاب الشرعي -ثانياً: الخطاب الشرعي والحقول المدنية -ثالثاً : الخطاب الشرعي وقضايا الأخلاق -رابعاً : الخطاب الشرعي والعلوم غير الشرعية -خامساً: الخطاب الشرعي والاستفادة من الغرب -سادساً : الخطاب الشرعي والاستقلال السياسي -سابعاً : الخطاب الشرعي ومقاصد الشريعة -ثامناًًً : الخطاب الشرعي ومعارك الصفات -تاسعاً: خلاصات واستنتاجات هذه هي محاور هذه الورقة بشكل عام، ولكن ثمة سؤال أساسي يفترض أن يكون الآن يطوف بذهن القارئ الكريم وهو : ما الدافع لكتابة هذه الورقة؟ أو ما الأهمية التي تدفع للقيام بهكذا مناقشة من الأساس؟ الحقيقة أن الإفصاح عن دافعي الجوهري للقيام بهذه المنا قشات سأرجئه إلى ختام هذه الورقة، ولنغادر الآن إلى أولى فقرات هذه الورقة وهي تحليل الوظيفة الأساسية للخطاب الشرعي.
عدد الصفحات ٥6 أو: وظيفة العلوم الشرعية لا يمكننا أن نبدأ باستعراض موضوعات واهتمام ات البحث الشرعي المعاصر قبل أن نحدد بالضبط المعيار الذي نجري عملية التقيي م على أساسه، أعني بالضبط تعيين (مهمة العلوم الشرعية)، أي أننا يجب أولاً أن نجيب على "سؤال الوظيفة"، فما هي وظيفة الفقيه تجاه قضايا العلوم المدنية وأسئلتها وإشكالياتها؟ فإذا حددنا وظيفة العلوم الشرعية والدور الذي يجب أن تقوم به أمكننا علمياً حينئذٍ أن ننتقل إلى دراسة نمط تعاطي الباحثين الشرعيين مع الأسئلة والإشكاليات المدنية المعاصرة. في اعتقادي أن "المفتاح الذهبي" لاستيعاب إشكالية (ما وظيفة العلوم الشرعية؟) هو التمييز العلمي الواضح بين محورين: (المحور الموضوعي) و (المحور الفني)، فالمحور الموضوعي هو الذي يدرس الحكم التكليفي الشرعي لمعطيات العلوم المدنية باعتماد الوحي بشكل رئيس، أما المحور الفني فهو الذي يدرس التفاصيل التقنية للعلوم المدنية باعتماد الخبرة البشرية بشكل رئيس. ومن الواضح أن المحور الموضوعي/التكليفي هو مهمة الفقيه الشرعي، والمحور الفني/التقني هو مهمة الخبير المسلم. ولذلك إذا كان الفقيه جاهلاً بالتفاصيل الفنية لعلم مدني معين فلا يجوز له شرعاً أن يضلّل الناس، وإنما يجب عليه أن يرجع لكلام الخبراء، فالشريعة أسست مرجعية الخبراء كما أشار لذلك قوله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}[59 ]وقوله تعالى: {وَ ي ُن َب ِئُكَ مِثْلُ خَبِيرر }[14.]
عدد الصفحات ٦7 ولذلك لوجاءنا فقيه وقال: "هذا العقد فيه جهالة"، وجاءنا اقتصادي أو محاسب موثوق وقال: "هذا العقد ليس فيه جهالة؛ لأننا نستطيع قياس المخاطر بنظريات علمية منضبطة "، ف هاهنا تقرير الخبير الموثوق مقدم على رأي الفقيه، تبعاً لمرجعية الخبراء التي أسستها الشريعة. ولذلك يقول الإمام ابن تيمية: (وكون "المبيع معلوماً أو غير معلوم" لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم، بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء، وإنما المأخو ذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها، فإذا قال أهل الخبرة أنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم فى ذلك، دون من لم يشاركهم فى ذلك، و إن كان أعلم بالدين منهم، كما قال النبي لهم في تأبير النخل: "أنتم أعلم بدنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي"، ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة) [الفتاوى، 29/493] وح دث الإمام ابن تيمية عن تفريقات الفقهاء بأنه ينظر في سبب التفريق، فإن فرقوا بين أمرين لسبب شرعي فالقول قول الفقيه، وإن فرقوا بين أمرين لسبب تجريبي فالقول قول أهل الخبرة : (إن كان سبب الفرق مأخذاً عاديا أو حسيا -ونحو ذلك مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ذلك- فهذا في الحقيقة لا يفرق بينهما شرعاً ، وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم يعلمه العالم) [29/40] وهذه القضية، في تقديم رأي الخبير المدني على رأي الفقيه الشرعي فيما يختص به الخبراء المدنيون من التفاصيل الفنية، أكدها الإمام ابن القيم في كتابه الدق يق "إعلام الموقعين" حيث يقول:
عدد الصفحات ٧8 (وقول القائل "إن هذا غرر ومجهول" فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عد وه قماراً أو غرراً فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه يحل كذا لأن الله أباحه، ويحرم كذا لأن الله حرمه، وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة، وأما أن يرى هذا خطراً وقمار اً أو غرراً فليس من شأنه، بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيباً أم لا؟ وكون هذا البيع مربحاً أم لا؟ وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا؟ ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية) [ الموقعين،4/5]. وقد عقد امام ابن القيم لتوضيح ذلك فقرة مكثفة في غاية الدقة التن ظيرية في كتابه بدائع الفوائد، حيث يقول: (الفرق بين "دليل مشروعية الحكم" وبين "دليل وقوع الحكم": فالأول متوقف على الشارع، والثاني يعلم بالحس أو الخبر أو العادة..، فدليل مشروعية الحكم: يرجع فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث، ودليل وقوع الحكم: يرجع فيه إلى أهل الخبرة) [. ونص ابن القيم السابق أطول من ذلك، وفيه روعة أصولية في تصوير هذه القضية، أعني التمييز ب حدود سلطة الفقيه الشرعي وسلطة الخبير المدني، لكني لجأت لاختصاره لضرورة الإيجاز في مثل هذه الورقة.
عدد الصفحات ٨9 ولما حاول بعض متأخري الفقهاء أن يحدد نس بةً معينة للغبن في العقود التجارية، انتقد الإمام ابن عثيمين ذلك وجعل المرجع فيه أهل الخبرة المهنية، كما يقول : (وقال بعض العلماء: إن الغبن الذي يخرج عن العادة هو واحد من خمسة، ونسبة واحد من خمسة إلى المائة عشرون في المائة، ولكن في القلب من هذا شيء، بل يقال: إذا جعلنا الأمر مرتبطاً بالعادة فهو أحسن، فإن اختلفنا نرجع إلى أهل الخبرة، إلى الدلالين المعتبرين في البلد) [8/296] ويلاحظ الدارس لعلم الفقه اسلامي في شتى أبواب الفقه - كجزاء الصيد الذي يحكم به ذوا عدل منكم، وخرص الثمار، وتقويم العيوب، و تقدير الشجاج، والقيافة، وضابط الغرر والغبن والحرز، واختلاف المتبايعين في الجودة والرداءة، وتعيين أنواع الأضرار الطبية التي تسبب الحرج، ومعيار التفريط في يد الأمانة كالوديعة والمضاربة ونحوها، ..الخ - يجد أن المحققين من الفقهاء يحيلون الأمر دوماً إلى مرجعية الخبراء من أطباء ومهندسين واقتصاديين وغيرهم، ولذلك فأي دارس للفقه الإسلامي يلاحظ تكريس الفقهاء لـ"سلطة الخبير" في التفاصيل الفنية والتقنية والإجرائية والتجريبية للعلوم المدنية. والمراد أن هذا أصل شرعي معتبر ، وهو التمييز بين وظيفة الخبير المسلم (الطبيب، الاقتصادي، المهندس، الإعلامي، الخ) المختص بالتفاصيل الفنية للعلوم المدنية، ووظيفة الفقيه الشرعي المختص ببيان حكم الله ورسوله في الوقائع، والذي يعتمد على ما يقرره الخبراء المدنيون في حقولهم، كما يقول ابن تيمية: (ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة). [الفتاوى،29/493]
عدد الصفحات ٩10 ومما يلفت الانتباه في هذه القضية أن الشريعة حين أسست مرجعية الخبير فهذا يعني أن له حقاً وعليه واجباً، بمعنى أن هذه القضية تتضمن معطيين متقابلين، فحق الخبير أن يكون هو المرجع في التفاصيل الفنية، وواجبه أن يرجع إلى أهل العلم في معرفة الحكم ا لشرعي، بمعنى أنه لايفتي نفسه ولايفتي غيره. حسناً، يبدو لي أننا الآن انتهينا من تعيين وظيفة الفقيه الشرعي (المختص ببيان الحكم التكليفي في الإشكاليات المدنية ) وتييزها عن وظيفة الخبير المسلم (المختص بالتفاصيل الفنية في العلوم المدنية )، ولننتقل الآن إلى استعراض واقع الخطاب الشرعي في علاقته بالعلوم والأسئلة والمستجدات والإشكاليات المدنية المعاصرة، وبطبيعة الحال لا يمكننا استعراض كافة الدراسات الشرعية لكن سننتقي عينات كاشفة في بعض الحقول المدنية محل النقد والاحتجاج.
عدد الصفحات ١٠11 ثانياًالخطاب الشرعي والحقول المدنية سبقت الإشارة إلى أن جزءاً من الاحتجاجات الشائعة تجاه الخطاب الشرعي تدور حول موقف الخطاب الشرعي من إشكاليات الحقول المدنية المعاصرة، وقد سمعت وقرأت الكثير الكثير من العبارات التي تدور حول هذا المعنى، فبعضهم يقول (مشكلة الخطاب الشرعي هي الغياب المدني) وبعضهم ي قول (الخطاب الشرعي يعاني من جهل خطير بالأسئلة الحديثة والاشكاليات المعاصرة) وبعضهم يقول (الخطاب الشرعي ليس له أي مساهمة في فهم ومعالجة المتغيرات الاقتصادية والقانونية و السياسية والتكنولوجية المعاصرة). وبعضهم يصل بالموضوع إلى نهايات فكرية فيقول : (أزمة انفصال العلوم الشرعية عن الأسئلة والإشكاليات المعاصرة هو في حقيقته نوع من العلمانية المقنّعة والتي هي أشد مما يتهمون به الناس)، وبعضهم يزيد اللغة حدة فيقول : (أفيقوا أيها الشرعيون، العالم اليوم لم يعد قضايا الحيض والسواك)، بل وقد قرأت لأحدهم يوماً يقول: (هؤ لاء الباحثون الشرعيون أكثرهم دكاترة في أحكام الاستجمار!). وعبارات كثيرة جداً تؤكد هذا المضمون وتعلن التذمر من غياب البحث الشرعي المعاصر عن دراسة المستجدات والإشكاليات المدنية المعاصرة. حسناً، نحن هاهنا بحاجة إلى التحليل العلمي الموضوعي لهذه الإشكالية، بمعنى أننا معنيون بفحص واقع الباحثين الشرعيين المعاصرين، وهل هم غائبون –فعلاً - عن الأسئلة المعاصرة والمستجدات المدنية في
عدد الصفحات ١١12 الاقتصاد والقانون وادارة والاجتماع والعلاقات الدولية والقضايا الطبية والتكنولوجية والأفكار الحديثة ونحوها، أم أن هذه صورة غير دقيقة عن ال باحثين الشرعيين المعاصرين؟ -نماذج من الرموز الكبرى: لن نستطيع استعراض كل نتاج رموز الخطاب الشرعي فيما يتعلق بالمستجدات المعاصرة، ولكننا سنأخذ عينتين لعالمين كبيرين ينتميان للجيل السابق، ثم عينات أخرى تنتمي لجيل العلماء الشباب وطلاب العلوم الشرعية والباحثين الشرعيين . فأما جيل العلماء الكبار فنلاحظ أنهم يأخذون مسارين في إنتاج الخطاب الشرعي، أولهما: مسار التدريس والتربية، وثانيهما مسار التأليف والبحث. فأما أصحاب التدريس والتربية فمعالجاتهم للمسائل المعاصرة مبثوثة في ثنايا دروسهم، ولذلك أفضّل هاهنا أن نأخذ نموذجين من فريق التأليف البحث، وليكن هذان النموذجان هما فضيلة الشيخ العلامة المتفنن بكر بن عبدالله أبو زيد ، وفضيلة الشيخ عبدالله بن منيع ، وسنرى أن "جزءاً " من أبحاثهما ودراساتهما كان معنياً بإشكاليات الواقع والقضايا المعاصرة والحديثة : فمن بحوث فضيلة الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد: بحث بعنوان (أجهزة الإنعاش وعلامة الوفاة)، وبحث بعنوان (طفل الأنابيب)، وبحث بعنوان (التشريح وزراعة الأعضاء)، وبحث بعنوان (طرق الإنجاب في الطب الحديث)، وبحث بعنوان (خطاب الضمان البنكي)، وبحث بعنوان (بطاقه الائتمان المصرفية )، وبحث بعنوان (بطاقة التخفيض التسويقية )، وبحث بعنوان (التأمين)، وبحث بعنوان ( التقنين والإلزام)، وبحث بعنوان (البوصلة)، وبحث بعنوان ( الرقابة على التراث)، وبحث بعنوان (أدب الهاتف)، وبحث بعنوان (التحول المذهبي)، وبحث بعنوان (الرد على المخالف)، وبحث بعنوان
عدد الصفحات ١٢13 (خصائص جزيرة العر ب)، وبحث بعنوان (نظرية الخلط بين الإسلام وبقية الأديان)، وبحث بعنوان (المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية)، وبحث بعنوان (عيد اليوبيل)، وبحث بعنوان (حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية). وغيرها كثير، وتلاحظ في النماذج السابقة اهتمام الشيخ د.بكر ابوزيد ببحوث الفقه الطبي، والفقه الاقتصادي، والقضايا الفكرية المعاصرة له. وأما فضيلة الشيخ عبدالله بن منيع فمن بحوثه: بحث بعنوان (الورق النقدي: حقيقته، تاريخه، قيمته، حكمه)، وبحث بعنوان (قبض الشيك: هل هو قبض لمحتواه؟) ، وبحث بعنوان (ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار)، وبحث بعنوان (حكم تداول أسهم الشركات المساهمة)، وبحث عن (حكم الإلزام بالوعد في العقود)، وبحث عن (العقوبة المالية للماطل في السداد)، وبحث عن (خصائص الذهب) ، وبحث بعنوان (سندات الاستثمار وسندات المقارضة)، وبحث عن (العربون في عقود البيع والإجارة)، وأما (التأمين) فقد نشر الشيخ عدة أوراق وأبحاث حوله، وغيرها من الفتاوى والتعقيبات المتناثرة حول مسائل وتفاصيل الصيغ الاستثمارية والتمويلية المعاصرة. ومن الملاحظ أن الشيخ ابن منيع برغم عنايته الشديدة بفقه المستجدات المالية المعاصرة، إلا أنه أيضاً مشاركٌ في الإنتاج العقدي (انظر: كتابه حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته، رده على من أفتى بجواز أعياد الميلاد). حسناً، هذان نموذجان لعالمين كبيرين لهما وزنهما المرجعي في الخطاب الشرعي المعاصر، و لا يمكن الجدال في كونهما ممثل ين نموذجيين لهذا الخطاب الشرعي ، ويتضح من عرض جزء من أبحاثهما عنايتهما بالإشكاليات المعاصرة لهم.
عدد الصفحات ١٣14 حسناً لننتقل الآن لاستعراض الدراسات و الأبحاث التخصصية ل عدد من العلماء الشباب، و الباحثين الشرعيين ، وطلاب العلوم الشرعية بشكل عام، في قضايا ومسائل العلوم المدنية المعاصرة. (مع الا عتذار المسبق بأنني في سائر النماذج القادمة حذفت من أسماء الباحثين الشرعيين كلمة "الشيخ" و كلمة "الدكتور" مراعاة للاختصار). -الخطاب الشرعي والظواهر المالية العامة: من أكثر وأشهر الإ طلاقات التي يثيرها مناوئو الخطاب الشرعي ما يتعلق بتعقيدات الظاهر ة المالية و الاستثمارية والاقتصادية الحديثة، وكثرة مستجداتها، وأن العقل الشرعي المعاصر لا زال يفكر في البيوع التقليدية، بل إنني في حوارات فكرية كثيرة جداً سمعت الإشارة على سبيل السخرية بالقول : (الاقتصاد الحديث بحر لا ساحل له وأنتم إلى الآن تفكرون بتلقي الركبان وبيع الح صاة). أؤؤكد مجدداً أننا لن نتعرض هاهنا إلى المخاطر العقدية للسخرية بألفاظ حديثين نبويين شريفين، وسنتجاوز ذلك إلى اختبار مدى علمية هذا النقد، وهل البحث الشرعي المعاصر لا يعرف الظواهر المالية الحديثة؟ طالع معي هذه النماذج المنتقاة من الأبحاث والدراسات التي طرحها الباحثون الشرعيون في هذا المجال: (الخدمات الاستثمارية في المصارف) يوسف الشبيلي، (الحوافز التسويقية) خالد بن عبدالله المصلح، (التضخم النقدي) خالد بن عبدالله المصلح، (الإغراق السلعي: دراسة فقهية مقارنة) مساعد بن عبدالعزيز العقيلي، (التسويق الشبكي: تكييفه وأحكامه الفقهية) بندر بن صقر الذيابي، (الصراف الألي، وحجية الأوراق الصادرة منه: بحث فقهي مقارن) شايف بن محمد العمراني، (خدمات ما بعد البيع: دراسة فقهية) بدر بن عبدالله الجدوع، (مدة الصلاحية في الأطعمة، وآثارها في البيوع) نبيل بن عبدالرحمن الجبرين، (حماية
عدد الصفحات ١٤15 المعلومات التجارية السرية: دراسة فقهية مقارنة) محمد بن صالح بن المطوع، (اندماج الشركات) أحمد بن عبدالله الغامدي، (المنافسة غير المشروعة: بحث فقهي مقارن) صويان بن شايع الهاجري، (قروض البنك الزراعي: دراسة فقهية مقارنة) حمود بن عواض السالمي، (قروض بنك التسليف السعودي: بحث فقهي مقارن) إبراهيم بن عبدالرحمن الحميضي، (الأحكام الفقهية لخدمات المكاتب العقارية) زياد بن عبدالمحسن العجيان. وهذه الدراسات الطريفة -التي تناولت أسئلة ذكية و تنم عن وعي واضح بالظواهر المالية المعاصرة - إنما هي مجرد نماذج فقط، أما الدراسات وا لأبحاث والأوراق والمناقشات الفقهية التي أنجزها طلاب العلوم الشرعية في قضايا (بيع التقسيط) و (التورق المصرفي) و (الأسهم) و (التأمين) و (البطاقات الائتمانية) ونحوها من المسائل الشائعة فهي كثيرة جداً ومتناثرة، وبعضها محفوظ في أعمال المؤترات ال فقهية، وبعضها م بثوث على شبكة الإ نترنت، وبعضهما مبحوث ضمناً في ثنايا كتب مطولة، بح يث يشق حصرها أصلاً، بل إنني لاحظت شخصياً أن الفتاوى والمناقشات والجدل الفقهي الذي كتب عن (أسهم الشركات) من حيث جواز المساهمة، أو زكاة الأسهم، أو الاكتتابات، ونحوها، يفوق كل ما كتبه الفقهاء المعاصرون من دراسات وبحوث عن اللحية أو الإ سبال أو السواك أو الحيض والنفاس ونحوها. لنواصل نماذج أخرى في محاور أخرى. -البحث الشرعي والعقود الحديثة: من العبارات التي يرددها المحتجون ضد الخطاب الشرعي المعاصر قولهم : (عالم المدنية المعاصر أفرز العديد من أنماط و صيغ العقود الحديثة، بينما الباحثون الشرعيون المعاصرو ن لا زالوا يعيدون اجترار بنت لبون
عدد الصفحات ١٥16 وبنت مخاض ا، طبعاً بعيداً عن بشاعة الاستهتار بألفاظ النبي الواردة في مقادير الزكاة ، لكن دعونا نتجاوز ذلك، وننظر في مدى "الواقعية العلمية" لهذا الاحتجاج، هل البحث الشرعي المعاصر لا يعرف –فعلاً - العقود المعاصرة؟ سأستعرض هاهنا نماذج مختارة لبعض "دراسات العقود الحديثة" التي أجراها باحثون شرعيون، والتي تكشف حدود اهتماماتهم، والمناطق المدنية التي تاسوا معها، فمن نماذج تلك الدراسات التي أجراها المشايخ وطلاب العلوم الشرعية و الباحثون الشرعيون المعاصرون في العقود الحديثة ما يلي: (عقد نقل التكنولوجيا:دراسة فقهية مقارنة) محمد بن عبدالمحسن العبيكان، (عقد الحراسة الأمنية الخاصة في الشريعة والنظام السعودي ) بندر بن عيسى النعمي، (عقد إيجار الخزائن الحديدية: دراسة فقهية مقارنة) إبراهيم بن فرج الفرج ، (عقد استضافة المواقع على شبكة الإنترنت: دراسة فقهية مقارنة) سطام بن صالح النمي، (أحكام إبرام العقود التجارية عبر الإنترنت) سامي بن عبدالعزيز القاسم، (عقد الامتياز: دراسة فقهية مقارنة) خالد بن محمد الزومان، (عقد العمل البحري: دراسة فقهية مقار نة) سعد بن علي القرني، (عقد الصيانة الإداري في الفقه الإسلامي) محمد بن صقر القحطاني، (العقد الفندقي: دراسة فقهية مقارنة) فهد بن عبدالعزيز الداود، (عقد مقاولات البناء والمنشآت الثابتة في ضوء الشريعة الإسلامية) سالم بن خويتم الراشدي ، (عقد الإذعان: بحث فقهي مقارن) أنس بن عبدالله العيسى، (عقد التأجير التمويلي: دراسة فقهية مقارنة) ماجد بن قينان النتيفات، (عقد التوريد الإداري: فقهاً ونظاماً ) عبدالمجيد بن عبدالعزيز الزاحم ، (عقد البوت "البناء والتشغيل": دراسة فقهية مقارنة) عبدالعزيز بن عايض العتيبي، (أحكام عقد المقاولة من الباطن) محمد بن عبدالعزيز الماجد، (عقد السمسرة: دراسة فقهية مقارنة) محمد بن صالح المقبل، (أحكام عقد تأجير عقارات البلدية) محمد بن عايض العتيبي، (عقد العمل تحت الاختبار والتجربة: دراسة فقهية مقارنة) خالد بن محمد الشمراني ، (عقد إيجار السفينة: دراسة فقهية مقارنة) محمد بن موسى الفيفي، (عقد
عدد الصفحات ١٦