المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الكذب . مظاهره

محمد بن إبراهيم الحمد

صفحة ٢ من ٣

الكذب... مظاهره . علاجه 19 بالمقدرات، ويسوم الشعوب سوء العذاب. 41_ الدجل الإعلامي: الذي يقلب الحقائق، ويُلْبِس على الناس، فيرفع الأقزام ، ويضع الأعلام ، ويغري بالرذيلة ، ويزري بالفضيلة. فيالله كم أفسد من عقول، وكم قلب من حقائق، وكم برَأ من مفسد مجرم، وكم نال من مصلح بريء. 84_ التوسع في باب المصلحة : فمن الناس من يتوسع في باب المصلحة ، فتجده يتأول لنفسه الكذب باسم المصلحة ، فيبطل الحق ، ويحق الباطل ، ويبرئ المتهم ، ويتهم البريء ؛ زعمًا منه أن يحسن صنعاً ، وأنه لم يكسب إثماً ، وأنه يروم المصلحة، ويدفع المفسدة. ولا شك أن الذي يصلح بين الناس ، ويقول الخير ، أو ينمي الخير_ليس بكذاب. أما من يتوسع في باب المصلحة ، ويرخص لنفسه الكذب فيما لا مصلحة تحته، أو فيما هو ضرر على الآخرين_فلا شك

عدد الصفحات ١٧

20 الكذب... مظاهره . علاجه أنه قد وقع في المحذور شَعُر أو لم يشعر . قال النبي ": =ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، ويقول خيرً ا، أو ينمي خيرًا +. قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرَخَص في شيء مما يقول الناس كذبٌ إلا في ثلاثٍ : الحربُ ، والإصلاحُ بين الناس ، وحديثُ الرجلِ امرأتَه ، وحديث المرأةِ زوجَها +(4) . قال الإمام النووي_رحمه الله تعا_في شرح هذا الحديث: =قال القاضي : لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور ، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو ؟ فقالت طائفة: هو على إطلاقه، وأجازوا ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة وقالوا : الكذب المذموم ما فيه مضرة ، واحتجوا بقول إبراهيم ": =بل فعله كبيرهم +، =وإني سقيم+، وقوله : =إنها أختي +، وقول منادي يوسف ": =أيتها العير إنكم لسارقون+. (4 )أخرجه مسلم(8641. )

عدد الصفحات ١٨

الكذب... مظاهره . علاجه 21 قالوا: ولا خلاف أنه لو قصد الظالم قتل رجل هو عنده مُخْتَفٍ وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو . وقال آخرون منهم الطبري : لا يجوز الكذب في شيء أصلاً ، قالوا: وما جاء من الإباحة في هذا : المرادُ به التورية ، واستعمال المعاريض لا صريح الكذب، مثل أن يَعِدَ زوجته أن يحسن إليها ، ويكسوها كذا ، وينوي إن قدر الله ذلك ؛ وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه. وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاماً جميلاً ، ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك، وَوَرَى . وكذا في الح رب بأن يقول لعدوه مات إمامكم الأعظم ، وينوي إمامهم في الأزمان الماضية، أو غدًا يأتينا مدد أي طعام ونحوه، هذا من المعاريض المباحة؛ فكل هذا جائز. وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء من هذا _على المعاريض والله أعلم.

عدد الصفحات ١٩

22 الكذب... مظاهره . علاجه وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به في إظه ار الود ، والوعد بما لا يلزم، ونحو ذلك. فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها_فهو حرام بإجماع المسلمين والله أعلم+(4) . 84_ المبالغة في المعاريض: لا ريب أن في المعاريض مندوحةً عن الكذب، ولكن هناك من يبالغ في المعاريض، ويتوسع فيها توسعًا يخرجه عن طوره ، ويجعله يدخل فيها ما ليس منها ، فتجده يقلب الحقائق ، وينال من الآخرين ، ويُلبس عليهم ، ويحصل على مآربه بالمراوغة والمخاتلة، مما يوقعه في الكذب، فَتُفْقَدُ الثقة به ، وبحديثه. أما إذا اقتضت الحكمة أن يلجأ الإنسان إلى المعاريض _ف بأس؛ ذلك أن الإنسان_في هذه الدنيا_معرض للبلاء ومن أشد البلاء ما يمنعك من أن تقضي حقَ فضيلة ؛ فقد يلاقي الإنسان حالاً ترغمه على أن ينطق بما يكره ، أو أن يسلك في القول ما (4 )صحيح مسلم بشرح النووي46/414_412 .

عدد الصفحات ٢٠

الكذب... مظاهره . علاجه 23 لم يألف. ولو وقف على علم الأخلاق أمام هذه الأحوال المُرْغِمة صلباً جامداً _ لضاقت سبيله، ولوجدت بعض النفوس مناصاً للخروج عليه. إلا أن علم الأخلاق _الذي أرسى الإسلام قواعده ، ورفع مناره_فسيحُ الصدر بمقدار ما يسع مقتضيات الحياة الفاضلة . فصدق اللهجة يعد من الفضائل؛ نظراً إلى ما هو شأنه من حفظ المصالح ودرء المفاسد ، ولو عرضت على وجه الندرة حالٌ يكون حديث ال رجل فيها على نحو ما يعلم جالباً عليه ، أو على غيره ضرراً فاحشاً _لوجد في نظام الأخلاق مرونةً تسمح له بأن يصوغ حديثه في أسلوب لا يجلب ضرراً . فإذا وقع الإنسان في حال لا يليق معه التصريح بأمر واقع، ولم يكن بدٌ من أن يقول في شأنه شيئاً _فها هنا يُفْسَحُ له أن ي أخذ بالمعاريض. والمعاريض: هي ألفاظ محتملة لمعنين؛ يفهم السامع منها معنى، ويريد المتكلم منها معنى آخر.

عدد الصفحات ٢١

24 الكذب... مظاهره . علاجه وإن شئت فقل : هي ألفاظ ذات وجهين ، أحدهما: غير حقيقة، وهو ما يسبق إلى فهم السامع. وثانيهما: حقيقة، وهو ما يقصده المتكلم. فهذه الحالة لا تخرج المرء من أه ل الصدق ، ولا تلحقه بزمرة الكذابين. وهذا ما يفعله الذين أشربوا صدق اللهجة متى عرفوا أن في القول الصريح حرجاً ، أو خطراً (4) . 88_ الكذب على الأولاد : فكثيرًا ما يكذب الوالدان على أولادهما الصغار ؛ رغبةً في التخلص منهم ، أو تخويفاً لهم ؛ كي يكفُوا عن العبث واللع ب، أو حفزًا لهم كي يجِدّوا في أمر ما ، أو غير ذلك. . . هذه بعض المظاهر الشائعة في الكذب. (4 )انظر: رسائل الإصلاح 8/444.

عدد الصفحات ٢٢

الكذب... مظاهره . علاجه 25 أما دوافع الكذب فكثيرة، منها الخوف من النقد، والخوف من العقاب أو العتاب ، ومنها إيثار المصلحة العاجلة ، ومنها قلة مراقبة الله والخوفِ منه ، ومنها اعتياد الكذب وإلفه، ومنها البيئة والمجتمع ، ومنها سوء التربية إلى غير ذلك من دوافع الكذب التي مَرَ ذكرُ شيءٍ منها عند الحديث عن مظاهر الكذب. دوافع الكذب

عدد الصفحات ٢٣

26 الكذب... مظاهره . علاجه مرَ بنا الحديث عن الكذب وعن بعض مظاهره ودوافعه ؛ فما أحرى بالعاقل اللبيب أن يحذر الكذب، وأن يلزم الصدق؛ فالصدق منجاة، والكذب مهواة. والله_سبحانه وتعا _أمر بالصدق ، وأثنى على الصادقين قال_تعا: [ يَا أَيُهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَقُوا اللَهَ وَكُونُوا مَعَ الصَادِقِينَ ] (التوبة: 441) . وقال الن_عليه الصلاة والسلام: =عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر ، والبر يه دي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدِيقاً +(4) . والصدق هو أن يخبر الإنسان عما يعتقد أنه الحق ، وأنه مطابق للواقع بلا زيادة ولا نقصان، وبلا وَكْسٍ ولا شطط . وليس الإخبار_أيضًا _مقصورًا على القول فحسب ، بل قد (4 )رواه البخاري44/188، ومسلم(8644. ) الحث على لزوم الصدق

عدد الصفحات ٢٤

الكذب... مظاهره . علاجه 27 يكون بالفعل ، كالإشارة باليد ، أو هز ال رأس، وقد يكون بالسكوت. ولا ريب أن الصدق خصلة محمودة ، وسجية مرغوبة ، تألفها الفطر السوية، وتدعو إليها الشرائع السماوية. قال ابن حبان ×: =الصدق يرفع المرء في الدارين، كما أن الكذب يهوي به في الحالين ، ولو لم يكن الصدق خصلة تحمد إلا أن المرء إذا عرف به قُبلَ كَذِبُه ، وصار صِدْقاً عند من يسمعه_لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه؛ حتى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب+(4) . وقال بعض الحكماء: =عليك بالصدق؛ فما السيف القاطع في كفِ الرَجُلِ الشجاع بأعزَ من الصدق ، والصدق عز، وإن كان فيه ما تكره ، والكذب ذل وإن كان فيه ما تحب ، ومن عرف بالكذب اتهم في الصدق+(8) . (4 )روضة العقلاء، ص11 . (8( )8 )المحاسن والمساوئ ص138 .

عدد الصفحات ٢٥

28 الكذب... مظاهره . علاجه وقيل: =الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل ، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور+(4) . وقال بعض الحكماء: الخرس خير من الكذب، وصدق اللسان أول السعادة. وقال بعض البلغاء : الصادق مصان خل يل، والكذب مهان ذليل. وقال بعض الأدباء: لا سيف كالحق، ولا عون كالصدق+(8) . وقال بعض الشعراء: وإذا الأمور تزاوجت فالصدق أكرها نتاجا والصدقُ يَعْقِد فوق رأ سِ حليفه بالصدق تاجا والصدق يقدح زنده في كل ناحيةٍ سراجاً (3) وقال آخر: (8 )أدب الدنيا والدين، ص864. (3 )روضة العقلاء، ص13 _11 .

عدد الصفحات ٢٦

الكذب... مظاهره . علاجه 29 كم حسيب كريم ذا شرف قد شانه الكذب وسط الحي عمدا وآخر كان صعلوكا فشرفه صدق الحديث وقول جانب فصار هذا شريفا فوق صاحبه وصار هذا وضيعا تحته أبدا (4) وقال ابن السمَاك :=ما أحسبني أؤجر على ترك الكذب؛ لأني أتركه أنفة+(8) . وقال الشع : =عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك ؛ فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك؛ فإنه يضرك+(3) . وقال بعض الحكماء: =الصدق عزُ ، والكذب خضوع+(1) . وقال آخر : =لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءة لقد كان حقيقاً بذلك ، فكيف وفيه المأثم والعار ؟ !+(1) . (4 )روضة العقلاء، ص11 . (8 )المحاسن والمساوئ، ص133 . (3 )المحاسن والمساوئ،133 . (4( )8 )المحاسن والمساوئ،133 .

عدد الصفحات ٢٧

30 الكذب... مظاهره . علاجه وقال طرف بن طريف : =ما يسرني أني كذبت كذبة وأني لي الدنيا وما فيها+(4) . وقال الشافعي ×: =آلات الرياسة خمس : صدق اللهجة ، وكتمان السر ، والوفاء بالعهد ، وابتداء النصيحة ، وأداء الأمانة+(8) . وإذا كان الصدق بهذه المثابة فالواجب علينا معاشر المسلم_أن نلزم الصدق ونتحراه ، وأن نوطن أنفسنا على الأخذ به ، وأن يكون هيئة راسخة ، يعتمده الواحد منّا في جميع أحواله ، لا أن يكون موسميّاً أو مرتبطاً بحالة معينة (3) . (3 )سير أعم النبلاء 6/482 . (1 )سير أعلام النبلاء44/18 . (4 )انظر الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة، د . أسعد السحمراني ص431 .

عدد الصفحات ٢٨

الكذب... مظاهره . علاجه 31 لا شك أن التزام الإنسانِ الصدقَ في كل ما يقول ويفعل_يستلزم مشقة كبيرة، ويحتاج إلى جهد وعناء، ويتطلب صدقَ عزيمةٍ ، ورياضةَ نفسٍ ، وصبرًا وشجاعةً (4) . ومهما يك من شيء فهناك أمور تعين على ذلك، ومنها: إذا صحَ عونُ الخالقِ المرءَ لم يجد عسيرًا من الآمال إلا ميسر ا 4_ الاستعانة با _عز وجل : وذلك بسؤاله الإعانة والتسديد والتوفيق، فمن أعانه الله، وسدده ووفقه هانت عليه المصاعب، وخفَت عليه المتاعب ، كما قيل: أما إذا خُذِل الإنسان ووكل إلى نفسه _فإنه سيخيب مسعاه، ويضيع جهده، كما قيل: إذ لم يكن عونٌ من الله فأول ما يجني عليه اجتهادُه 8_ مراقبة الله واستشعار اطلاعه _جلّ وع : فإذا راقب (4 )انظر كتاب الأخلاق لأحمد أمين، ص884 . امور المعينة على الصدق

عدد الصفحات ٢٩

32 الكذب... مظاهره . علاجه العبدُ ربَه ، واستشعر اطلاعه عليه، واستحضر أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد_انبعث إلى التزام الصدق ، وتجنُبِ الكذب. 3_ تعويد النفس على الصدق، وتوطينها عليه: وذلك بأن يتكلف الإنسان الصدق مرة بعد مرة ؛ حتى يصبح سجية له وطبعًا ، قال الشاعر: عوِد لسانَك قولَ الخيرِ تحظَ به إن اللسان لما عوّدت معتادُ مُوَكَلٌ بتقاضي ما سننت له فاختر لنفسك وانظر كيف ترتادُ (4) 1_ النظر في العواقب : وذلك باستحضار فضائل الصدق العاجلة والآجلة ؛ لينبعث إليه ، واستحضار قبائح الكذب العاجلة والآجلة؛ ليبتعد عنه، ويتجنبه. 1_ تنشئة الصغار على الصدق : وذلك بتحبيب الصدق إليهم، وتشجيعهم، وحفزهم على قول الصدق، وبتجنيبهم الكذب، وتقبيحه في نفوسهم، ومعاقبتهم عليه. (4 )روضة العقلاء، ص14 .

عدد الصفحات ٣٠

الكذب... مظاهره . علاجه 33 6_ الحرص على أداء الصلاة وتكميلها ، وإعطائها حقّها من الخشوع وغيره : لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكرِ ، والكذبُ من جملة ما تنهى عنه الصلاة من منكر ؛ فإذا أعطاها الإنسان حقها نال أعلى المطالب ، وأشرف ا لمواهب، وتَخَلَقَ بأخلاق المؤمنين وعباد الله الصالحين ، والتي منها بل من أعلاها الصدق. 4_ معاشرة الصادق، ومجانبة الكاذبين: ذلك أن المعاشرة تستدعي تأثر الإنسان بمن يعاشره ويخالطه ، فإذا ما عاشر الإنسانُ الصادقين الأخيارَ فإنه سيتأثر بصدقهم ، وسمتهم وهديهم؛ فالصاحب ساحب، والطبع استراق. وكذلك إذا نأى بنفسه عن مجالسة الكاذبين فإنه سيسلم من أثرهم السيئ، فتبقى صورة الكذب قبيحة في ذهنه. بخلاف ما إذا عاشرهم فإنه سيأخذ من طباعهم السيئة ، وسيستمرئ الكذب، ولا يعود ينكره. 2_ الإكثار من قراءة القرآن بالتدبر والتعقل : فإذا أكثر

عدد الصفحات ٣١

34 الكذب... مظاهره . علاجه الإنسان من قراءة القرآن، وحرص على تدبر معانيه، واجتهد في تفهم مراميه _فإنه سينبعث للصدق وترك الكذب ؛ ذلك أن القرآن يهدي للتي أقوم ، والتزام الصدق وترك الكذب من جملة ما هو أقوم.

عدد الصفحات ٣٢