المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأجوبة السعدية عن المسائل القصيمية : الغلاف 38 ج 38

دار الإفتاء المصرية

صفحة ٢ من ٢٠

- 22 - حكم الطواف بالقبور المبـــــــادئ - الأصل في الأفعال التي تصدر من المسلم أن تحُمل على الأوجه التي لا تتعارض 1 مع أصل التوحيد - من القواعد المقررة شرعا أن من ثبت له عقد الإس2 والاحتمال - هن3 قولهم بجواز الحلف بما هو معظم في الرع كالنبي صلى الله عليه وس جمهور العلماء المنع من ذلك. - إذا حصل خلاف في بعض أنواع الوسيلة أو حصل خطأ فيها من بعض المسلمين 4 فيما لم يرع كونه وسيلة، فإنه لا يجوز أن ننقل هذا الخطأ أو ذلك الخلاف من دائرة الوسيلة إلى دائرة الرك والكفر. - ف5 يحمل ما يصدر من بعض المس التأثير والخلق. - أفعال بعض المسلمين الذين يذهبون إلى الأضرحة لا مدخل للرك ولا للكفر 6 في الحكم عليها، بل هناك خلاف في بعض الوسائل وخطأ في البعض الآخر - اختلف العلماء في حكم الطواف بالقبور على رأيين: الأول: التحريم وهو قول 7 جمهور العلماء، والثاني: الكراهة وهو المعتمد عند الحنابلة الســــــــــؤال م 2006 لسنة1113اطلعنا على الطلب الوارد إلينا عبر الفاكس المقيد برقم والمتضمن ما يأتي:

عدد الصفحات ٢٢

- 23 - من مارس 20نُحشرت مقابلةٌ عندنا في الكويت في جريدة الرأي بتاريخ هـ مع أحد شيوخنا الأفاضل، وكان 1427 من صفر ا20 م، الموافق2006 فترة من الزمن عميدًاا لكلية الشريعة في جامعة الكويت وورد فيها من إجابته ع سؤال وُحجِّهَ إليه حول الشرك: أما الطواف بالقبور فغير مشروع عند كل علماء المسلمين بمن فيهم " الصوفية، واختلفوا هل هو حرام أو مكروه، ولم يقل أحد بأنه شرك إلا بعض ، فثارت ضجة في مقالات عديدة "المعدودين على الأصابع ممن يُحنْسَب إلى العلم كتبها بعضهم من أساتذة الشريعة وغيرهم، تهاجم هذا الكلام وتشنع على صاحبه بل وتتهمه بالترويج للشرك، ولما كانت لكم في قلوبنا منزلة ولقولكم إجلال أردنا أن تقولوا كلمة الحق في بيان حكم الله في هذه المسألة، علها أن تضع حدًّا لهذا الهياج الذي كان له أثر غير حميد. الجــــــــــواب ينبغي أن نقدم أصولا ثلاثةً تجب مراعتها عند الكلام في هذه المسألة وأشباهها: أولا: الأصل في الأفعال التي تصدر من المسلم أن تحُمل على الأوجه التي لا تتعارض مع أصل التوحيد، ولا يجوز أن نبادر برميه بالكفر أو الشرك؛ فإن إسلامه قرينة قوية توجب علينا ألا نحمل أفعاله على ما يقتضي الكفر، وتلك قاعدة عمة ينبغي على المسلمين تطبيقها في كل الأفعال التي تصدر من إخوانهم المسلمين، وقد عبر الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله: "من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهًا ويحتمل الإيمان من وجه حمُِِِل أمره على الإيمان"، ولنضرب لذلك مثلا قوليًّا وآخر فعليًّا. فالمسلم يعتقد أن المسيح عليه السلام يحيي الموتى ولكن بإذن الله، وهو غير قادر على ذلك بنفسه وإنما بقوة الله وحوله، والنصراني يعتقد أنه يحيي

عدد الصفحات ٢٣

- 24 - الموتى، ولكنه يعتقد أن ذلك بقوة ذاتية، وأنه هو الله، أو ابن الله، أو أحد أقانيم الإله كما يعتقدون. وعلى هذا فإذا سمعنا مسلمًا موحدًا يقول: "أنا أعتقد أن المسيح يحيي الموتى" -ونفس تلك المقولة قالها آخر مسيحي- فلا ينبغي أن نظن أن المسلم تنصر بهذه الكلمة، بل نحملها على المعنى اللائق بانتسابه للإسلام ولعقيدة التوحيد. والمسلم يعتقد أيضًا أن العبادة لا يجوز صفها إلا لله وحده، والمشرك يعتقد جواز صفها لغير الله تعالى، فإذا رأينا مسلمًا صدر منه لغير الله ما يحتمل العبادة وغيرها وجب حمل فعله على ما يناسب اعتقاده كمسلم؛ لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال؛ ولذلك لَمّا سجد معاذ بن جبل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم -فيما رواه ابن ماجه وصححه ابن حبان- نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ولكنه لم يصف فعله هذا بالشرك أو الكفر، وبَدَهيٌِّ أن معاذًا رضي الله عنه -وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام- لم يكن يجهل أن السجود عبادة، وأن العبادة لا يجوز صفها لغير الله، ولكن لَمّا كان السجود يحتمل وجهًا آخر غير عبادة المسجود له لم يجز حمله على العبادة إذا صدر من المسلم أو تكفيره بحال، وفي ذلك يقول الحافظ الذهبي: "ألا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا فلو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة، كما قد سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف، وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلا، بل يكون عصيًا، فليعرَّفْ أن هذا منهي عنه، وكذلك الصلاة إلى القبر". اهـ من .56معجم الشيوخ، ص

عدد الصفحات ٢٤

- 25 - والإخلال بهذا الأصل الأصيل هو مسلك الخوارج؛ حيث وضّح ابن عمر رضي الله عنهما أن هذا هو مدخل ضلالتهم فقال: "إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إلى آيَاتٍ نَزَلَتْ فيِ الكفار فَجَعَلُوهَا علىََ المُؤْمِنِينَ" علَّقه البخاري في صحيحه، ووصله ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" بسند صحيح. ثانيًـا: هناك فارق كبير وبَوْن شاسع ما بين الوسيلة والشرك؛ فالوسيلة يُّهَا ٱلذَِّينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللََّ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ َ يَٰٓأ {مأمور بها شرعً في قوله تعا . وأثنى سبحانه على من ]35المائدة[ }َعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ وَجَٰهِدُواْ فِ سَبِيلِهِۦ ل َةَ وْلَٰٓئِكَ ٱلذَِّينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيل ُ أ {يتوسلون إليه في دعئهم فقال }قۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحَۡتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَنَ مَۡذُورٗا َ يُّهُمۡ أ َ أ . والوسيلة في اللغة: المنزلة، والوصلة، والقربة؛ فجماع معناها ]57الإسراء[ هو: التقرب إلى الله تعالى بكل ما شرعه سبحانه، ويدخل في ذلك تعظيم ما عظمه الله تعالى من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال؛ فيسعى المسلم مثلا للصلاة في المسجد الحرام والدعء عند قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والملتزم تعظيمًا لما عظمه الله سبحانه وتعالى من الأماكن، ويتحرى قيام ليلة القدر والدعء في ساعة الإجابة يوم الجمعة وفي ثلث الليل الآخر تعظيمًا لما عظمه الله من الأزمنة، ويتقرب إلى الله تعالى بحب الأنبياء والصالحين تعظيمًا لمن عظمه الله من الأشخاص، ويتحرى الدعء حال السفر وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيمًا لما عظمه الله من الأحوال... وهكذا، وكل ذلك داخل في قوله .]32الحج[ }وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَِّ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ {تعا أما الشرك فهو صف شيء من أنواع العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى، حتى لو كان ذلك بغرض التقرب إلى الله كما قال تعالى: }وۡلَِآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّ لُِقَرِّبُونَآ إِلَ ٱللَِّ زُلۡفَ َ وَٱلذَِّينَ ٱتََّذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أ { . وإنما قلنا: "على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى" لإخراج كل ما ]3الزمر[

عدد الصفحات ٢٥

- 26 - خالف العبادة في مُسمَّاها وإن وافقها في ظاهر اسمها؛ فالدعء قد يكون عبادة لَّ { وقد لا يكون]117النساء[ }إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّٓ إِنَٰثٗا {للمدعوّ . والسؤال ]63النور[ }تَۡعَلُواْ دُعَٓءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَٓءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗا وقد لا ]32النساء[ }وَسۡ َٔلُواْ ٱللََّ مِن فَضۡلِهِ {قد يكون عبادة للمسئول . والاستعانة قد تكون عبادة ]25المعارج[ }لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ {يكون قَالَ مُوسَٰ لِقَوۡمِهِ { ]5الفاتحة[ }إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ {للمستعان به وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبِۡ { وقد لا تكون]128الأعراف[ }ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَِّ وَٱصۡبُِوٓاْ . والحب قد يكون عبادة للمحبوب، وقد لا يكون ]45البقرة[ }وَٱلصَّلَوٰةِ حِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُم َ كما جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في قو هْلَ بَيْتيِ بحُِ َ حِبُّوا أ َ حِبُّونِ بحُِبِّ الله، وَأ َ مِن نِعَمِهِ، وَأ الحاكم. وهكذا، أي أن الشرك إنما يكون في التعظيم الذي هو كتعظيم الله وكما ]22البقرة[ }َمُونَ نتُمۡ تَعۡل َ ندَادٗا وَأ َ فَلَ تَۡعَلُواْ للَِّ أ {تعالى كما قال تعا ندَادٗا يُِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَِّۖ َ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَِّ أ {قال سبحانه .]165البقرة[ }شَدُّ حُبّٗا للَِِّّ َ وَٱلذَِّينَ ءَامَنُوٓاْ أ وبذلك يتبين لنا فَصْلُ ما بين الوسيلة والشرك؛ "فالوسيلة" نُعظِّم فيها ما عظمه الله، أي أنها تعظيمٌ بالله، والتعظيم بالله تعظيم لله كما قال عز وجل: .]32الحج[ }ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَِّ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ { أما "الشرك" فهو تعظيم مع الله أو تعظيم من دون الله؛ ولذلك كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيمانًا وتوحيدًا، وكان سجود المشركين للأوثان كفرًا وشركاً مع كون المسجود له في الحالتين مخلوقًا، لكن لَمّا كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام تعظيمًا لِمَا عظّمه الله كما أمر الله كان وسيلة مشروعة يستحق فاعلها الثواب، ولَمّا كان سجود المشركين للأصنام تعظيمًا كتعظيم الله كان شركاً مذمومًا يستحق فاعله العقاب.

عدد الصفحات ٢٦

- 27 - وعلى هذا الأصل في الفرق بين الوسيلة والشرك بنى جماعة من أهل العلم قولهم بجواز الحلف بما هو مُعظَّم في الشرع كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإسلام، والكعبة، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أحد قوليه؛ حيث أجاز الحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم معلِّلا ذلك بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به؛ وذلك لأنه لا وجه فيه للمضاهاة بالله تعالى، بل تعظيمه بتعظيم الله له، وحمل هؤلاء أحاديث النهي عن الحلف بغير الله على ما كان من ذلك متضمنا للمضاهاة بالله، بينما يرى جمهور العلماء المنع من ذلك أخذًا بظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله. وفي بيان مأخذ الأولين وترجيحه يقول ابن المنذر رحمه الله تعالى: "اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو يْمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيمًا لغير الله تعالى َ خاص بالأ كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها ولا كفارة فيها، وأمّا ما كان يؤول إلى تعظيم الله كقوله: وحق النبي، والإسلام، والحج، والعمرة، والهدى، والصدقة، والعتق، ونحوها مما يراد به تعظيم الله والقربة إليه فليس داخلا في النهي، وممن قال بذلك أبو عبيد وطائفة ممن لقيناه، واحتجوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق والهدي والصدقة ما أوجبوه مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدل على أن ذلك عندهم ليس على عمومه؛ إذ لو كان عمًّا لنَهَوْا عن ذلك ولم ).535 /11يوجبوا فيه شيئًا". اهـ نقلا من فتح الباري للحافظ ابن حجر فإذا ما حصل خلاف بعد ذلك في بعض أنواع الوسيلة كالتوسل بالصالحين والدعء عند قبورهم مثلا أو حصل خطأ فيها من بعض المسلمين فيما لم يُشرَع كونُه وسيلةً كالسجود للقبر أو الطواف به، فإنه لا يجوز أن ننقل هذا الخطأ أو ذلك الخلاف من دائرة الوسيلة إلى دائرة الشرك والكفر؛ لأننا نكون بذلك قد خلطنا بين الأمور وجعلنا التعظيم بالله كالتعظيم مع الله، والله

عدد الصفحات ٢٧

- 28 - } مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَۡكُمُونَ ٣٥فَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ َ أ{تعالى يقول .]36 -35القلم[ ثالثًـا: أن هناك فارقًا أيضًا ما بين كون الشيء سببًا واعتقاده خالقًا ومؤثرًا بنفسه، تمامًا كما مثَّلنا في الأصل الأول من اعتقاد المسلم أن المسيح عليه السلام سبب في الخلق بإذن الله في مقابلة اعتقاد النصراني أنه يفعل ذلك بنفسه، فإذا رأينا مسلمًا يطلب أو يسأل أو يستعين أو يرجو نفعًا أو ضرًّا من غير الله، فإنه يجب علينا قطعًا أن نحمل ما يصدر منه على ابتغاء السببية لا على التأثير والخلق؛ لِمَا نعلمه من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر الذاتيين إنما هما بيد الله وحده، وأن هناك من المخلوقات ما ينفع أو يضر بإذن الله، ويبقى الكلام بعد ذلك في صحة كون هذا المخلوق أو ذلك سببًا من عدمه. إذا ما تقررت هذه الأصول الثلاثة فإنه يجب علينا استحضارُها في الكلام على حكم الطواف بالقبور، فإذا علمنا أننا نتكلم في أفعال تصدر من مسلمين، وأن هؤلاء المسلمين يزورون هذه الأضرحة والقبور اعتقادًا منهم بصلاح أهلها وقربهم من الله تعالى، وأن زيارة القبور عمل صالح يتقرب ويتوسل به المسلم إلى الله تعالى، وأن الكلام إنما هو في جواز بعض ما يصدر من هؤلاء المسلمين محضًا لا ً من عدمه، وأن في بعض أفعالهم خلافًا بين العلماء وفي بعضها خطأ خلاف فيه، إذا علمنا ذلك كه فإنه يتبين لنا بجلاء أنه لا مدخل للشرك ولا َبِيل أو للكفر في الحكم على أفعال هؤلاء المسلمين في قليل ولا كثير أو من ق المحضُ في بعضها الآخر من ُ دَبِير، بل ما ثَمَّ إلا الخلافُ في بعض الوسائل والخطأ غير أن يستوجب شيءٌ من ذلك تكفيرًا لمن ثبت إسلامه بيقين. وباستعراض أقوال أهل العلم في حكم الطواف بالقبور نراها دائرة بين الحرمة والكراهة؛ أي أن منهم من يرى في الطواف وسيلة محرمة يأثم فاعلها،

عدد الصفحات ٢٨

- 29 - ومنهم من يرى أنه يستحب للمسلم تركه، ولكنه إن فعله فلا عقاب عليه، والقول بالكراهة هو المعتمد عند السادة الحنابلة -كما في "كشاف القناع" لخاتمة محققيهم العلامة البهوتي، والقول بالتحريم هو مذهب جمهور العلماء، وهو الذي عليه الفتوى. أما إقحام الشرك والكفر في هذه المسألة فلا وجه له، اللهم إلا على افتراض أن الطائف يعبد من في القبر، أو يعتقد أنه يجلب الضر أو النفع بذاته، أو يعتقد بأن الطواف بالقبر عبادة شرعها الله تعالى كما شرع الطواف بالبيت. وكلها احتمالات ينأى أهل العلم عن حمل فعل المسلم عليها كما سبق؛ لأن فرض المسألة في المسلم الذي يطوف بالقبر لا في غير ذلك. ولا يجوز للمسلمين أن يشغلوا أنفسهم بمثل هذه المسائل ويجعلوها قضايا يحمل بعضهم فيها سيف الكلام على صاحبه، فيكون جهادٌ في غير وغً، ويكون ذلك سببًا في تفريق الصفوف وبعثرة الجهود، ويشغلنا عن بناء مجتمعاتنا ووحدة أمتنا. نسأل الله تعالى أن يجمع قلوب المسلمين على الكتاب والسنة وحسن التفهم للدين ومعرفة مراد الله تعالى من خلقه. آمين. والله سبحانه وتعالى أعلم

عدد الصفحات ٢٩

- 30 - حكم التسمي بعبد النبي المبـــــــادئ - المعتمد في الفتوى جواز أن يتس1 لمعن وخدمةً. الســــــــــؤال نائب رئيس هيئة قضـايا الدولة/السيد المستشار السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، م، 2009 /3 /15 وتاريخ 1639فإشارة إلى خطاب سيادتكم الصادر برقم م، والمرفق به الدعوى رقم 2009 /3 /27 وتاريخ 605والوارد إلينا برقم المقامة بشأن طلب استصدار حكم بمنع قيد الأسماء التي تشير 63 /21528 م2009 /4 /21لعبادة غير الله تعالى، والمحدد لها جلسة نرفق لكم طيه الفتوى التي أصدرتها بهذا الصدد أمانة الفتوى بدار الإفتاء م.2009 /4 /16 وتاريخ629المصرية برقم شاكرين لكم، ولكم تحياتي الجــــــــــواب هناك فارق في الوضع والاستعمال بين العبادة التي لا يجوز صفها إلا لله تعالى، وبين العبودية التي لها في اللغة معانٍ متعددة، منها: غاية الخضوع والتذلل، وهذه تُسَمىَّ في اللغة: "عِبَادةً"، ومنها: الطاعة، والخدمة، والرق، والولاء، ضيفت كمة "عبد" إلى الله ُ وهذه تُسَمىَّ عُبوديّةً أو عَبْديَّةً ولا تُسمىَّ عبادةً؛ فإذا أ تعالى كان معناها غاية التذلل والخضوع، كعبد الله وعبد الرحمن، وإذا أضيفت

عدد الصفحات ٣٠

- 31 - إلى غيره أمكن حملُها على معنى: رقيق فلان أو خادمه أو مولاه أو مطيعِه، وذلك تبعًا للسياق والقرينة التي تحدد المعنى اللغوي، وهذا هو ما نص عليه أئمة اللغة ط. اتحاد الكتاب 169 /4وأهلها. (كما في معجم مقاييس اللغة لابن فارس م).2002العرب واستعمال العبودية وإضافتُها إلى المخلوق بالمعنى الأخير وارد في نص الكتاب الكريم، وفي السنة النبوية المطهرة، وفي استعمال العرب والصحابة وأهل العلم مِن بعدهم: يَٰمَٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ نكِحُواْ ٱلَۡ َ وَأ{فمِن الكتاب الكريم: قوله تعا .]32النور[ }مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡ ومن السنة النبوية الشريفة: ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث البرََاء بن عزِب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوم حُنَينْ: نَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ َ نَا النَّبيُِّ لا كَذِبْ، أ َ « وهو صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق إلا حقًّا، ولو كان في هذا الاسم إشارةٌ إلى شيء من المحظور أو الشرك لاستبدل به غيرَه، خاصة وأنه في مقام قتال الشرك وأهله؛ فيقول: أنا ابن شيبة، أو ابن أبي الحارث، أو أنا رسول الله، أو نحو ذلك، والسكوتُ في مَعرِض الحاجة إلى البيانِ بيانٌ. وجاء في ترجمة الصحابي عبد خير الحِمْيرَِي من "الإصابة في معرفة ط. دار الكتب العلمية) أن اسمه كان 149 /4الصحابة" للحافظ ابن حجر "عبد شر" فغيرّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى "عبد خير"، وهذا مبطل للزعم بأن كل إضافة "عبد" إلى غير الله فهي تعبيد محظور. ومما ورد من استعمال الصحابة رضي الله عنهم: ما رواه البيهقي في سُنَنِه: «

عدد الصفحات ٣١

- 32 - َها؟ قال: لا، قال: لو كنتَ غَشِيتَها لرجمتُكَ بالحجارة، ثم قال: هو عَبدُكِ؛ غَشِيت َقْتِيهِ وتَزَوَّجْتِيهِ عت َ إن شئتِ بِعْتِيهِ، وإن شئتِ وَهَبْتِيه، وإن شئتِ أ وعلى ذلك جرى العلماء والمصنفون من غير نكير، وشهرةُ هذا الاستعمال واستفاضتُه تُغنيِ عن تَطَلُّبه وتَتَبُّعه. وقد دَرَج المسلمون على استعمال اسم "عبد النبي" و"عبد الرسول" وصفًا وتسميةً عبر العصور؛ حُبًّا في التشرف بالانتساب إلى خدمة الجناب الشريف؛ واستفاض بين الشعراء والعلماء وصفُ أنفسهم بهذا من غير نكير؛ تنزيلا لأنفسهم منزلة الأرقاء المماليكِ لجنابه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم، ه)، والإمام جمال الدين بن 656ومنهم: الإمام جمال الدين الصرَّْصَِي الحنبلي (ت ه)، والإمام الشهاب الخفاجي الحنفي قاضي قضاة الحنفية 819ظهيرة الشافعي (ت ه). وتَسمىَّ به أئمةٌ أعلامٌ يُقتدَى بهم في الدين، منهم: الإمام 1069في عصره (ت ه). 923العلامة عبد النبي المغربي المالكي، مفتي السادة المالكية بدمشق (ت والإمام الفقيه العلامة عبد النبي بن أحمد بن عبد القدوس الحنفي النعماني ه)، والشيخ عبد النبي بن محمد بن عبد القادر بن جمَاعة المقدسي 990(ت ه). والشيخ الفقيه عبد النبي الخليلي الحنفي، شيخ العلامة 990الشافعي (ت: بعد الحَصْكَفيِ، ذكره في أول كتابه "الدر المختار شرح تنوير الأبصار"، والعلامة ه). صاحب 1173القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (ت: بعد "جامع العلوم" الملقب بـ"دستور العلماء في اصطلاحات العلوم والفنون"؛ سُميَِّ ه).1203بذلك هو وأبوه، والفقيه الأصولي عبد النبي بن محمد الطوسجي (ت والقول بجواز التسمي بعبد النبي هو القول الأوجه عند السادة الشافعية؛ ط. دار الكتب 141 /6قال الإمام الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج العلمية): "والتسمية بعبد النبي قد تجوز إذا قصد به النسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم". اه.

عدد الصفحات ٣٢

- 33 - وقال العلامة الجَمَل الشافعي في حاشيته "فتوحات الوهاب بتوضيح شرح ط. دار الفكر): "وتحرم -أي التسمية- بملك الملوك؛ 266 /5منهج الطلاب إذ لا يصلح لغيره تعالى، وكذا عبد الكعبة، أو النار، أو علي، أو الحسين؛ لإيهام التشريك، ومثله عبد النبي على ما قاله الأكثرون، والأوجه جوازه، لا سيما عند إرادة النسبة له صلى الله عليه وآله وسلم". اه. ونص بعض علماء الحنفية أيضًا على أن التسمية به ليست محرمة، بل هي ط. مؤسسة 263 -262 /4مكروهة فقط، كما في العرف الشذي للكشميري ضحى). أما الانتساب بالعبدية لغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممن يُتَشرفُ بالانتساب إليه: فيرى بعض العلماء أيضًا أنه مكروه وليس حرامًا؛ قال العلامة ط. مصطفى الحلبي): "وتُكرَه 256 /4القليوبي في حاشيته على شرح المنهاج بعبد النبي أو بعبد علي". اه. وأما التسمية بـ: "عبد المسيح" فهي مخالفة للعقيدة الإسلامية كما قرر صاحب الدعوى في صحيفته، لكن المخالَفة للإسلام إنما جاءت مِن اعتقاد الألوهية في عيسى عليه السلام، ويختلف الحكم لو كان الأمر على خلاف ذلك، ومع كونه مخالفًا للعقيدة الإسلامية فهذا لا يستوجب منعه؛ لأن الإسلام أقر أهل الكتاب على مزاولة مُقتضىَ دينهم بما لا يخالف النظام العام للمسلمين، ولم يأمرنا أن نحكم الشريعة الإسلامية بينهم إلا فيما يتحاكمون فيه إلى المسلمين. والمعتمد في الفتوى جواز أن يتسمىَّ الإنسان بعبد النبي أو عبد الرسول؛ لَمْحًا لمعنى شرف الانتساب إليه صلى الله عليه وآله وسلم اتباعً وتأسيًا وطاعةً وخدمةً، وعلى ذلك عمل المسلمين في الأمصار والأعصار، ولا ينبغي للفقيه

عدد الصفحات ٣٣

- 34 - والمفتي تخطئة الأعراف والعادات ما دام لها وجهٌ في الشرع، فضلا عن رُجحانها من حيث الدليل، وتوافقها مع الأدب مع الجناب النبوي. وحينئذٍ فلا يُمنَعُ التسمي بهذا الاسم الشريف بأي دعوى وتحت أي شعار، بل ولا يُندَب لمن اسمه عبد النبي أو عبد الرسول أن يغيره. وأما التسمي بالعبدية لغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممن يُتشرَّف بالانتساب له على غير معنى العبادة ففيه خلاف بين العلماء، ومعلوم أنه لا إنكار في مسائل الخلاف، وأنه إنما يُنكَر المتفق عليه لا المختلف فيه. والجنوح إلى المنع بدعوى مخالفة ذلك للعقيدة الإسلامية، أو الزعم بأنه إقرار لغير الله تعالى بالربوبية، أو جحدٌ لبعض ربوبيته سبحانه، إنما هو من الجهل بالكتاب والسنة وأقوال السلف وحقائق اللغة ومجازاتها، وفيه من القدح في عقائد المسلمين، وتجهيل السلف، والاتهام الصريح لهم بالوقوع في الشرك، ما ينأى العاقل بنفسه عنه. وإذا كان الوصف بذلك كه جائزًا فالتسمي به أولى بالجواز والإباحة. هذا ونشير أيضًا إلى أن صحيفة الدعوى المرفقة قد امتلأت بمجموعة من المغالطات والأخطاء الشرعية واللغوية، وسوء الفهم لقواعد الشرع الشريف، بل وللقانون والدستور، لا نرى أن المقام مناسب لتتبعها تفصيلا. فليتق الله تعالى كلُّ إنسان يريد الخير لدينه ووطنه، وليعلم أنه مسئول أمام الله تعالى عما يقوله وعما يتهم به إخوانه، ونسأل الله تعالى التوفيق لِمَا يحب ويرضى. وقد أصدرت دار الإفتاء بحثًا موسعًا في هذه المسألة ضمَّنَّا إفادتَنا هذه أهم مقاصده. والله سبحانه وتعالى أعلم

عدد الصفحات ٣٤

- 35 - مفهوم التعايش وضوابطه المبـــــــادئ - المسلمون مؤمنون بكل الأنبياء والرسل، وجوهر الرسالات السماوية واحد في 1 غير تعارض أو تنافر - لا يجُبر أحد على معتقده ولا يُكره على الدخول في دين لا يريده. 2 - من التريعات العملية في الإسلام التي تعضد مبدأ التعايش مع الآخر: إباحة3 أكل طع المس الأمور، اس لجنائزهم، دخولهم المسجد، الصدقة عليهم، الوفاء بعهدهم. - م4 للمس من الدين، عدم الطاعة في معصية الله، عدم محبة الكفر بالله. الســــــــــؤال المتضمن: يزعم كثير 2011 لسنة 189اطلعنا على الطلب المقيد برقم من الناس أن دعوة التعايش دعوة لتذويب الأمة والقضاء على هويتها، فما مفهوم التعايش؟ وهل يتوافق مع أحكام الإسلام؟ وما موقف المسلم المعاصر من قضية التعايش بين المسلمين وغيرهم؟ الجــــــــــواب بالرجوع إلى الدلالة اللغوية للتعايش التي هي الأصل في اشتقاق هذا المصطلح نجد أن العيش: الحياة، يقال عش يعيش عيشًا، وعيشه: عش معه كقوله: عشره (لسان العرب، مادة عيش). وفي المعجم الوسيط: عش عيشًا

عدد الصفحات ٣٥

- 36 - وعيشة ومعاشًا: صار ذا حياة، عيشه: عش معه، وتعايشوا: عشوا على الألفة والمودة ومنه التعايش السلمي، والعيش معناه الحياة، وما تكون به الحياة من المطعم والمشرب. وإذا دققنا في مدلولات مصطلح "التعايش" الذي شاع في هذا العصر، والذي ابتدأ رواجه مع ظهور الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية اللتين كانتا تقسمان العالم إلى معسكرين متناحرين قبل سقوط سور برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي، نجد أن البحث في مدلول المصطلح يقودنا إلى جملة من المعاني محملة بمفاهيم تتضارب فيما بينها، ولكن يمكن تصنيفها إلى مستويات ثلاثة: الأول: سياسي أيديولوجي يحمل معنى الحد من الصراع، أو ترويض الخلاف العقائدي بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي في المرحلة السابقة، أو العمل على احتوائه، أو التحكم في إدارة هذا الصراع بما يفتح قنوات الاتصال، وللتعامل الذي تقضيه ضرورات الحياة المدنية والعسكرية. الثاني: اقتصادي يرمز إلى علاقات التعاون بين الحكومات والشعوب فيما له صلة بالمسائل القانونية والاقتصادية والتجارية من قريب أو من بعيد. الثالث: ديني ثقافي حضاري، وهو الأحدث، ويشمل تحديد معنى التعايش الديني أو التعايش الحضاري، والمراد به أن تلتقي إرادة أهل الأديان السماوية والحضارات المختلفة من أجل أن يسود الأمن والسلام العالم، وحتى تعيش الإنسانية في جو من الإخاء والتعاون على ما فيه الخير الذي يعم بين البشر جميعًا من دون استثناء، وهذا هو مناط الحديث. (راجع: إشكالية التعايش ، والسلام والتعايش مع الأديان 2بين الثوابت والخصوصيات لنوال السباعي ص ).5للدكتور عبد الرحمن التويجري ص والتعايش بالمستوى الثالث المشار إليه اختلفت حوله التعريفات بحيث اعتبره بعضهم: التواصل مع الآخر بجميع أشكال التفاعل والتعاون والتكامل

عدد الصفحات ٣٦

- 37 - الإيجابي البناء المنبثق عن الإحسان والرفق والرعية والعناية بين المسلم فردًا ومجتمعًا والآخر فردًا ومجتمعًا؛ بغية الوصول لما فيه مصلحة الطرفين دينيًّا ودنيويًّا حالاً ومآلاً، وينتظم هذا التعاون جانب الفكر والاجتماع والسياسية قطب /والاقتصاد والثقافة والتربية. (راجع: التواصل مع الآخر للدكتور ).5سانو ص بينما قصره البعض على: احترام حق الغير في ممارسة عباداتهم داخل أماكن العبادة من دون تدخل من الآخرين ومن دون عدوانية، وعليهم أيضًا احترام حق الغير في معتقداته ومقدساته ورموزه. (راجع: الحريات والتعايش ).6،5لسيف الدين كاطع ص فالواضح أن التعايش تفاعل متبادل بين طرفين مختلفين في العادات أو المعتقد والدين، ويكون في المجتمعات المتنوعة الديانات والثقافات، والتي ينتمي أفرادها إلى أصول مختلفة في الثقافة والدين، فالتعايش يبدأ من الاعتراف بالآخرين والعمل على قبولهم كما هم. (راجع: التعايش مع الآخرين حقيقة ).6 مني جلال ص/تاريخية للدكتورة واعتبر بعض العلماء التعايش ذا مفهومين، الأول: سلبي بمعني التنازل عن العقيدة أو تقديم نصف عقيدة أو بعض دين، والثاني: إيجابي ويعني التوصل إلى مستويات أخلاقية في الحوار والاتفاق على أسس العيش والتصالح وتقدير الاختلاف والاعتراف به، والاعتراف بالتعددية. (راجع: التعايش ، 2534الحضاري للشيخ سلمان العودة، مقال بجريدة الوسط البحرينية، العدد م).2009أغسطس وعلى ذلك فالتعايش قبول رأي وسلوك الآخر القائم على مبدأ الاختلاف واحترام حرية الآخر وطرق تفكيره وسلوكه وآرائه السياسية والدينية، وهو بهذا

عدد الصفحات ٣٧