من أحكام العقائد والفِرَق
عدد الصفحات ٥- 7 - حكم تكفير أهل القبلة المبـــــــادئ - أ1 دي تحت صفة أهل الذكر. - م2 مسلم صحيح الإسلام - المس3 المكفرات قاصدًا عالمًا مختارًا الســــــــــؤال سفير مصر بالمملكة المغربية/سعادة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد والمتضمن طلب 2005 /6 /13فإشارة إلى الفاكس الوارد إلينا بتاريخ الإجابة عن حكم الشرع الحنيف في تكفير أهل القبلة: سنة وشيعة وزيدية وإباضية. فنحيط سعادتكم علماًا بما يلي: الجــــــــــواب دين الإسلام في ذاته كدعوة ربانية أوسع من أفهام العلماء من لدن ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَ رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى {الصحابة وإلى يومنا هذا، قال تعا رۡسَلۡنَٰكَ إِلَّ كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا َ وَمَآ أ{، وقال تعا ]2البقرة[ }لِّلۡمُتَّقِينَ تَنزِيلُ {، وقال تعا]28سبأ[ }كۡثََ ٱلنَّاسِ لَ يَعۡلَمُونَ َ وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أ .]2السجدة[ }َمِينَ ٱلۡكِتَٰبِ لَ رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰل
عدد الصفحات ٧- 8 - وإذا كان الإسلام أوسع دائرة من نتاج عقول المجتهدين، فإنه يصلح ل زمان ومكان ولكل العالمين؛ فأمة الإسلام تخاطب كل الناس في جميع الأحوال، فمن صدق بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم فهو من أمة الإجابة، ومن لم يصدق فهو من أمة الدعوة كما ذهب إلى ذلك غير واحد من العلماء، قال ): "أمته صلى الله عليه وسلم على 411 /11الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ثلاثة أقسام أحدها أخص من الآخر: أمة الاتباع، ثم أمة الإجابة، ثم أمة الدعوة. فالأولى: أهل العمل الصالح، والثانية: مطلق المسلمين، والثالثة: من عداهم ممن بعث إليهم". اه. وأجمع المسلمون شرقًا وغربًا وخلفًا أن المجتهد هو الذي يسمع كلامه في دين الله بعد أن يستوفي شروط الاجتهاد المبينة في علم أصول الفقه حتى يندرج هۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَ َ فَسۡ َٔلُوٓاْ أ {تحت صفة أهل الذكر، والله سبحانه يقول .]43النحل[ }تَعۡلَمُونَ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَ ٱلرَّسُولِ {ولذلك حملوا أولي الأمر في مثل قوله تعا ، وقوله ]83النساء[ }مۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلذَِّينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُم وْلِ ٱلَۡ ُ وَإِلَٰٓ أ على ]59النساء[ }ِ مِنكُمۡ مۡر وْلِ ٱلَۡ ُ طِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأ َ طِيعُواْ ٱللََّ وَأ َ أ {تعا المجتهدين. ولقد وصل بعض الصحابة إلى درجة الاجتهاد فنقلت مذاهبهم في كتب الفقه المعتمدة، كالمغني لابن قدامة المقدسي الحنبلي، والمجموع للإمام النووي الشافعي، والمحلى لابن حزم الظاهري، ونحو هذا، بل ونقلت مسندة في أمثال المصنف لعبد الرزاق، والمصنف لابن أبي شيبة، وغيرها من دواوين الأحاديث والآثار.
عدد الصفحات ٨- 9 - ثم جاءت طبقة التابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى القرن الرابع الهجري، فظهر فيهم المجتهدون حتى أحصينا نحو تسعين مجتهدًا قد اتبعت مذاهبهم واعتمدت آراؤهم ونظر في استدلالاتهم؛ لما عرف عنهم من العلم والذكاء والفطنة والتقوى. ثم شاعت المذاهب الثمانية ووصلت إلينا بالتواتر مع قيام العلماء عبر العصور بخدمتها، كاستخراج أدلتها، والتثبت من منقولاتها، والقيام بتصحيح ما استدل به كل مذهب من الحديث النبوي الشريف أو الآثار الواردة عن مصدرها، والبحث في دلالة الألفاظ الواردة في كتب تلك المذاهب من جهة اللغة ومن جهة الشرع، وتحليل المختصرات النافعة ونظمها وتلخيصها وشرحها والتفريع عليها والإلحاق بها، واستنباط القواعد والضوابط التي بنيت عليها وكتابة أصول ترتد إليها، وغير ذلك من الخدمة التي جعلت هذه المذاهب هي الأكثر شيوعً، والتي بقي لها أتباع قلوا أو كثروا في بلاد المسلمين، وهذه المذاهب الثمانية هي: المالكية، والحنفية، والحنابلة، والشافعية -وهي التي يطلق عليها مذاهب أهل السنة- والجعفرية، والزيدية، والإباضية، والظاهرية، وهي التي يطلق عليها المذاهب غير السنية. وإذا نظرنا إلى هذه المذاهب في فقهها وأصول فقهها رأينا أن الخلاف بينها إنما هو في نطاق المضمون، ولم يقع بينها خلاف في المقطوع به الذي يكفر منكره، والحمد لله رب العالمين. وعلى ذلك فإنه من يتبع أي واحد من المذاهب الإسلامية، أو يمارس في حياته شيئًا منها فهو مسلم صحيح الإسلام، وهذا يتفق مع أمر الله والرسول صلى الله عليه وسلم لنا بأن نعتصم بحبل الله، وأن نكون أمة واحدة وألا
عدد الصفحات ٩- 10 - وَٱعۡتَصِمُواْ بَِبۡلِ ٱللَِّ جَِيعٗا وَلَ تَفَرَّقُواْۚ {نختلف فتختلف قلوبنا، قال تعا صۡبَحۡتُم َ لَّفَ بَينَۡ قُلُوبِكُمۡ فَأ َ عۡدَآءٗ فَأ َ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَِّ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أ نقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَينُِّ ٱللَُّ َ بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عََٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأ لَّفَ بَينَۡ َ وَأ{، وقال تعا]103آل عمران[ }َكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ل لَّفَ َ لَّفۡتَ بَينَۡ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللََّ أ َ رۡضِ جَِيعٗا مَّآ أ نفَقۡتَ مَا فِ ٱلَۡ َ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أ مَّتُكُمۡ ُ إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أ {، وقال تعا ]63الأنفال[ }بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ {، وقال تعا]92الأنبياء[ }نَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ َ مَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأ ُ أ وَلَ {، وقال تعا]52المؤمنون[ }َٱتَّقُونِ نَا۠ رَبُّكُمۡ ف َ مَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأ ُ مَّتُكُمۡ أ ُ أ وْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ ُ تَكُونُواْ كَٱلذَِّينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلَۡيِّنَٰتُۚ وَأ قِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَ تَتَفَرَّقُواْ َ نۡ أ َ أ{، وقال تعا]105آل عمران[ }عَذَابٌ عَظِيمٞ .]13الشورى[ }فِيهِ وقال صلى الله عليه وسلم وغيره. وأقر صلى الله عليه وسلم فهم الصحابة مع اختلافهم في وقت صلاة العصر في بني قريظة، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب أحد العصر إلا في بني قريظة لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم"، والمسلم الذي يشهد بلسانه الشهادتين يعصم نفسه وماله ويسمى عند أهل الحق جميعًا بالمسلم الصعب؛ لأنه يصعب إخراجه عن الملة، إلا إذا أتى بشيء من المكفرات قاصدًا علمًا مختارًا، كتصريحه بأنه ليس بمسلم، أو أنه ينكر وجود الله، أو أحقية رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
عدد الصفحات ١٠- 11 - أو أحقية القرآن الكريم وأنه ليس نازلا من عند الله، أو يسجد للصنم، أو يستحل زنا المحارم، أو غير ذلك من البلايا التي لا يقول بها مسلم من أهل القبلة، وأن من أطلق عليهم لسانه بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب". اهـ وليحذر الخائض في عقيدة المسلمين أن ينسب إلى طائفة الخوارج لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلذَِّينَ فِ قُلُوبِهِم {والمرجفين الذين قال الله فيهم }مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِ ٱلۡمَدِينَةِ لنَُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَ يَُاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّ قَلِيل ، وقال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم ]61الأحزاب [ النار وۡ َ ن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أ َ مۡرِهِۦٓ أ َ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلذَِّينَ يَُالِفُونَ عَنۡ أ {والجماعة، قال تعا .]63النور[ }لِمٌ َ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أ والله سبحانه وتعالى أعلم
عدد الصفحات ١١- 12 - هل يعد الجهل عذرًاا شرعيًّا؟ المبـــــــادئ - متى أمكن حمل فعل المسلم أو قوله على محمل حسن تعينَّن ذلك. 1 - الأفعال التي لنتائجها ارتباط بالمقاصد والإرادات يشترط في فاعلها العقل والتفهم2 - يعذر بالجهل من تمتع بأهلية أداء كاملة، ولكنه حديث عهد بالإس3 ببلدة بعيدة عن العلماء، أو كان يقيم ببلد يغلب عليها البدعة، أو كان بأرض غلب عليه يشق الاحتراز عنه. - م4 المس أو الس أو من المس المكلَّنف رفع الجهل عن نفسه فيها عادة. - الع5 والأحوال الســــــــــؤال والمتضمن: هل يعد الجهل 2011 لسنة198اطلعنا على الطلب المقيد برقم عذرًاا شرعيًّا لمن صدر منه ما ينافي الإسلام بحيث لا يُحْكَم بكفره؟ وما هو ضابط الجهل الذي يعد عذرًاا؟ الجــــــــــواب مسائل الإيمان والكفر من المسائل التي ينبغي التدقيق في الكلام عليها، لما يترتب عليها مِن أحكام دنيوية وأخروية، فمعنى ثبوت الردة هَدْر الدم
عدد الصفحات ١٢- 13 - والمال وحرمة قربانه زوجته المسلمة، والشهادة عليه بالخلود في النار إن مات على حاله؛ ولأجل عظم هذا الأمر وخطره حذَّر العلماء من المجازفة بالتكفير والتسرع فيه، فإن مِن شيم العلماء الأناة في كل شيء، فمن تجده متسرعً ومجازفًا في الأحكام فاعلم أنه لم يشم للعلم رائحة، لا سيما وأن الحكم بالكفر متوقف على توافر شروط وانتفاء موانع، فالصبي والمجنون مثلاً لا يصح ردتهما؛ ولذلك وجب التبين والتحري الشديد قبل إصدار الحكم بالكفر وخصوصًا عن أناس ثبت إسلامهم، فمتى أمكن حمل فعل المسلم أو قوله على محمل حسن تعينَّ ذلك، لا سيما وأن إسلامه قرينة قوية تدفع عنه حكم الكفر. ، ط. دار الكتب العلمية): 157يقول الإمام الغزالي في "الاقتصاد" (ص "والذي ينبغي أن يميل المحصِّلُ إليه: الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الأموال والدماء من المصلِّين إلى القبلة المصرِّحين بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، خطأ، والخطأ في ترك تكفير ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم". ويقول أيضًا في الكتاب ًا طائفة من المتكلمين كفَّروا ): "من أشد الناس غلوًّا وإسراف 93المذكور (ص عوام المسلمين، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتنا التي حررناها فهو كافر، فهؤلاء ضيَّقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولاً، وجعلوا الجنة وقفًا على شرذمة يسيرة من المتكلمين". ويقول الشيخ ابن تيمية: "إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعينَّ، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع" ).187 /12(مجموع الفتاوى ًا وقول الشيخ ابن تيمية فيه تنبيه على قاعدة هامة، وهي أن هناك فرق بين تكفير الأوصاف وتكفير الأعيان، فليس كل مَن اقترف قولاً أو فعلاً مكفِّرًا يصبح كافرًا بمجرد ذلك، وهو ما عنيناه سابقًا مِن قولنا: إنه لا بد مِن
عدد الصفحات ١٣- 14 - توافر الشروط وانتفاء الموانع؛ ومِن تلك الشروط تحققُ أهلية المحكوم عليه والأهلية مصدر صناعي من الفعل "أهل"، يقال: هو أهل لكذا، أي هو مستوجِب له. ويقال: استأهله بمعنى استوجبه، ويدور معناها في الاصطلاح حول صلاحية الإنسان للوجوب له وعليه، ولصحة تصرفاته وتعلق التكليف به. ومن أقسام الأهلية أهلية الأداء، وهي صلاحية الإنسان لكون ما يصدر عنه معتبرًا شرعً، ومناطها العقل، ولذا فالأفعال التي لنتائجها ارتباط بالمقاصد والإرادات يشترط في فاعلها العقل والتفهم. وهذا القسم من أقسام الأهلية قد يطرأ له ما يؤثِّر عليه بالنقص أو الزوال، وهو ما يسمى بـ: "عوارض الأهلية"، وتأثيرها في الأهلية إما أن يكون بالإزالة أو النقصان، أو تغير بعض الأحكام بالنسبة لمن عرضت له من غير تأثير في أهليته. وعوارض الأهلية منها ما هو مكتسب، أي يكون للإنسان فيها نوع اختيار وذلك كالجهل، لكنه -أي الجهل- لا ينافيها -أي الأهلية-. يقول الزركشي ، ط. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت): "إعذار 16 /2في "المنثور الجاهل من باب التخفيف، لا من حيث جهله". فمعنى تأثير الجهل في الأهلية إسقاطه لبعض أحكامها كالإثم مثلاً، لكن ليس كل جهل يعد عذرًا بحيث ينتفي التأثيم معه، وإلا لكان الجهل خيرًا من العلم كما يقول الشافعي فيما نقله ) حيث قال: "لو عُذر الجاهل لأجل جهله لكان 17 /2عنه الزركشي في المنثور الجهل خيرًا من العلم؛ إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف ويريح قلبه من ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ والتمكين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل". ويقول الرملي في شرحه على المنهاج ، ط. دار الفكر): "ومال في البحر إلى عذر الجاهل مطلقًا، والأصح 164 /3( خلافه". ولذلك فقد قرر الأصوليون والفقهاء ضوابط للجهل الذي يعذر به والذي لا يعذر به، وقبل الكلام على هذه الضوابط نريد أن نبينِّ أننا سنذكر هذه
عدد الصفحات ١٤- 15 - المسألة مجردة بعيدًا عن الأمثلة في الغالب الأعم، اكتفاء بالتقرير عن التمثيل؛ وذلك لأن أقلام معظم الكاتبِين في هذه المسألة -يعني: العذر بالجهل- أقحمت صورًا كأمثلة عليها لا نراها صائبة في التمثيل، وهذا الإقحام بناء على عدة مفاهيم يخالفوننا فيها كمفهوم الإيمان والكفر، والأعمال الشركية ونحو ذلك، فرأينا الإضراب عن ذكر الأمثلة التي هي مثار الخلاف في الغالب. وأكثر مَن ذكر هذه المسألة هم أصوليو الحنفية، ويأتي ذلك من اهتمامهم بعقد فصل مستقل للأهلية وعوارضها في كتبهم، وعدِّهم الجهل من العوارض. والحقيقة أن معظم ما ذكره الحنفية وغيرهم من ضوابط للعذر بالجهل يمكن رده إلى شيئين؛ لأنها إما ضوابط ترجع للمكلَّف نفسه، أو لمتعلق الجهل. أولاً: الضوابط التي ترجع إلى المكلَّف نفسه: ومرادنا بالمكلَّف هنا هو مَن يتمتع بأهلية أداء كاملة، بمعنى أنه لم يَعْرِض له أي من عوارض الأهلية سوى الجهل، ولا يعذر مَن هذا حاله سوى صنفين مِن الناس: أولهما: حديث العهد بالإسلام، ومَن نشأ ببلدة بعيدة عن العلماء، ومثلهما مَن كان يقيم ببلد يغلب عليها البدعة، ومَن كان بأرض غلب عليها الكفر بالأولى. والأصل في ذلك حديث أبي واقد الليثي الذي رواه أحمد نَّ رَسُولَ الله صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلىَ حُنَينْ َ والترمذي بسند صحيح سْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا َ نْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أ َ ِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشرْ نْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبيُِّ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ َ نْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أ َ رَسُولَ الله اجْعَلْ لنََا ذَاتَ أ ِي َالَ قَوْمُ مُوسَ: اجْعَلْ لنََا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، وَالذَّ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ الله، هَذَا كَمَا ق نَفْسِ بِيَدِهِ لَترَْكَبَُّ سُنَّةَ مَنْ كاَنَ قَبْلَكُمْ في مصنفيهما، والنسائي في الكبرى، والبيهقي في الدلائل، والطبراني في الكبير
عدد الصفحات ١٥- 16 - وغيرهم بألفاظ متقاربة، وجاء في بعض روايات الطبرا َينْ وَنحَْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلىَ حُن وذاتُ أنواط: شجرة عظيمة خضراء قريبًا من مكة، كانت الجاهلية تأتيها كل سنة تعظمها وتعلِّق بها أسلحتها وتذبح عندها، والأقرب أنهم كانوا يعبدونها، وهو ما صََّحت به بعض روايات الحديث كما عند الطبراني في الكبير، يُعضِّد ذلك أنهم كانوا أهل جاهلية، وعلى ذلك فالقول بأن هذه الشجرة كان يتبرك بها فقط تحكم بلا دليل. ومحل الشاهد في الحديث قو بِكُفْرٍ أن يجعل لهم مثل تلك الشجرة من الكفر، لكن لم يجر عليهم لكونهم حديثي عهد بالإسلام. يقول العلاَّمة ابن حجر الهيتمي الشافعي في كتابه "الإعلام بقواطع ، ضمن كتاب الجامع في ألفاظ الكفر، ط. دار إيلاف الدولية 242الإسلام" (ص بالكويت): "وعندنا إذا كان بعيد الدار عن المسلمين بحيث لا ينسب لتقصير في تركه المجيء إلى دارهم للتعلم أو كان قريب العهد بالإسلام يعذر لجهله، ًا قول القائل: "لا يعذر أحد في ) متعقب 282فيعرَّف الصواب". وقال فيه أيضًا (ص الكفر بالجهالة": "وما ذكره ظاهر موافق لقواعد مذهبنا؛ إذ المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيات، ولا نظر لقرائن حاله، نعم يعذر مدعي الجهل إن عذر لقرب عهده بالإسلام، أو بعده عن العلماء". وفي ، ط. مصطفى الحلبي): "كل مَن جهل تحريم 200"الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص َل إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يُقْب نشا ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك".
عدد الصفحات ١٦- 17 - ثانيهما: مَن لم يمكنه التعلم، بحيث يكون الجهل في هذه الحالة مما يشق الاحتراز عنه، وذلك كأهل الفَترْة وأزمنة اندثار آثار النبوة، فإذا وقع منه ما يقتضي الكفر لا يكفر، على أن إمكان التعلم قد يكون بسؤال أهل العلم أو أي عدم إمكان التعلم- من الأمور –ببذل الوسع في القراءة والتحصيل، كما أنه التقديرية التي يترك فيها المرء وأمانته. ، ط. مطابع الدوحة 171يقول السمرقندي الحنفي في "ميزان الأصول" (ص الحديثة): "كون المأمور به معلومًا للمأمور أي ممكن العلم به باعتبار قيام سبب العلم شرط لصحة التكليف، وفي الحاصل حقيقة العلم ليس بشرط، لكن التمكن من العلم باعتبار سببه كاف". ويقول العلامة ابن اللَّحَّام الحنبلي في ، ط. مطبعة السنة المحمدية): "يشترط لصحة التكليف أن 58"قواعده" (ص يكون المكلَّف علمًا بما كُِّف به... إذا تقرر هذا فهاهنا مسائل تتعلق بجاهل الحكم: هل هو معذور أم لا ترتبت على هذه القاعدة، فإذا قلنا: يعذر، فإنما محله إذا لم يقصر ويفرط في تعلم الحكم، أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزمًا". ، ط. جامعة أم القرى): "لا عذر بالجهل 412 /2وفي قواعد المَقري المال بالحكم ما أمكن التعلم". َّق الجهل: ثانيًا: الضوابط التي ترجع إلى متعل المراد بمتعلق الجهل هو الشيء المجهول، والضابط الذي يرجع إلى ذلك صفةُ المسألة المجهولة من حيث الظهور والاشتهار وعدمه، والأصل في ذلك أن ما كان ذائعًا منتشرًا لا يقبل دعوى الجهل فيه، فلا يعذر به، ولبيان ذلك ننظر في النقول الآتية ثم نتبعها بالتحليل: يروي القاضي أبو يوسف عن الإمام أبي حنيفة قوله: "لا عذر لأحد من الخلق في جهله معرفة خالقه؛ لأن الواجب على جميع الخلق معرفة الرب سبحانه
عدد الصفحات ١٧- 18 - وتعالى وتوحيده؛ لما يرى مِن خلق السماوات والأرض وخلق نفسه وسائر ما خلق الله سبحانه وتعالى، فأما الفرائض فمَن لم يعلمها ولم تبلغه فإن هذا لم تقم ، ط. دار الكتب العلمية).132 /7عليه حجة حكمية بلفظه". (بدائع الصنائع ويقول الشيخ علي القاري في شرحه للفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة ، ط. دار البشائر): "اعلم أنه إذا تكلَّم بكلمة الكفر علمًا بمعناها 451(ص ولا يعتقد معناها لكن صدرت عنه من غير إكراه بل مع طواعية في تأديتها َّم بكلمة ولم يدر أنها كفر ففي فإنه يحكم عليه بالكفر... أما إذا تكل فتاوى قاضي خان حكاية خلاف من غير ترجيح، حيث قال: قيل: لا يكفر؛ لعذره بالجهل. وقيل: يكفر ولا يعذر بالجهل. أقول: والأظهر الأول، إلا إذا كان من قبيل ما يعلم من الدين بالضرورة، فإنه حينئذ يكفر ولا يعذر بالجهل". ): "حد أصول الدين علم يبحث فيه عما يجب به الاعتقاد، 329ويقول أيضًا (ص وهو قسمان: قسم يقدح الجهل به في الإيمان كمعرفة الله تعالى، وصفاته الثبوتية، والرسالة، وأمور الآخرة. وقسم لا يضر الجهل به كتفضيل الأنبياء على الملائكة. فقد ذكر السبكي في تأليف له: لو مكث الإنسان مدة عمره لم يخطر بباله تفضيل النبي على الملائكة لم يسأله الله عنه". ، ط. دار الكتب العلمية): 357ويقول الإمام الشافعي في "الرسالة" (ص "فقال لي قائل: ما العلم؟ وما يجب على الناس في العلم؟ فقلت له: العلم علمان: علم عمةٍ لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله. قال: ومثل ماذا؟ قلت: مثل الصلوات الخمس وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه وزكاةً في أموالهم وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا مما كُِّفَ العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه مِن أنفسهم وأموالهم وأن يكفُّوا عنه ما حرَّم عليهم منه، وهذا الصنف كه مِن العلم موجودًا نصًّا في كتاب الله وموجودًا عمًّا عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عمن مضى مِن
عدد الصفحات ١٨- 19 - عوامهم يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل ولا يجوز فيه التنازع. قال: فما الوجه الثاني؟ قلت له: ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يخَُصُّ به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة، وإن كانت في شيء سنة فإنما هي من أخبار الخاصة، لا أخبار العامة". وفي شرح الإمام النووي على صحيح الإمام مسلم عند كلامه على حكم ، ط. دار إحياء التراث العربي): "فأما اليوم وقد شاع دين 205 /2مانعي الزكاة الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل مَن أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه مِن أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان... إلا أن يكون رجلاً حديث ًا منها جهلاً به لم يكفر عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئ وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه، فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا مِن طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن مَن أنكرها لا يكفر، بل يعذر فيها؛ لعدم استفاضة علمها في العامة". - 51 /2ويقول الشيخ ابن تيمية في شرحه على "العمدة" في باب الصلاة ، ط. دار العاصمة بالرياض): ""فمن جحد وجوبها بجهله عُرِّف ذلك، وإن 52 جحدها عنادًا كفر" هذا أصل مضطرد في مباني الإسلام الخمسة وفي الأحكام الظاهرة المجمع عليها مِن مكلف إن كان الجاحد لذلك معذورًا، مثل أن يكون
عدد الصفحات ١٩- 20 - حديث عهد بالإسلام، أو قد نشأ ببادية هي مظنة الجهل بذلك، لم يكفر ح يُعَرَّف أن هذا دين الإسلام". ويقول القرافي في "الفروق" تحت عنوان طلب الداعي من الله تعالى ، ط. دار الكتب العلمية): "واعلم 447 /4ثبوت ما دل القاطع العقلي على نفيه أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذرًا للداعي عند الله تعالى؛ لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلَّف دفعه لا يكون حجة للجاهل... نعم الجهل الذي لا يمكن رفعه للمكلَّف بمقتضى العادة يكون عذرًا... وأما الجهل الذي يمكن رفعه لا سيما مع طول الزمان واستمرار الأيام، والذي لا يعلم اليوم يعلم في غد ولا يلزم مِن تأخير ما يتوقف على هذا العلم فساد فلا يكون عذرًا لأحد". ، ط. المكتبة التجارية): "أما ما لا يعذر 182 /2وفي "الإتقان" للسيو أحد بجهله فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدًا جليًّا يعلم أنه مراد الله تعالى، فهذا القسم لا يلتبس تأويله إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله ، وأنه لا شريك له في الإلهية، ]19محمد[ }نَّهُۥ لَٓ إِلَٰهَ إِلَّ ٱللَُّ َ فَٱعۡلَمۡ أ{تعا وإن لم يعلم أن "لا" موضوعة في اللغة للنفي وإلا للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ونحوه طلب إيجاب المأمور به، وإن لم يعلم أن صيغة افعل للوجوب، فما كان مِن هذا القسم لا يعذر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة".
عدد الصفحات ٢٠- 21 - فالذي يُفهَم من مجموع هذه النصوص أن ظهور مسائل الشرع وذيوعها تكوِّنه عدة عوامل بحيث إذا اجتمعت حكم لها بذلك، وبفقدها تكون مِن المسائل الخفية التي يعذر جاهلها مع مراعة باقي الشروط. ومردُّ هذه العوامل إلى أشياء: منها أن تكون المسألة معلومة من الدين بالضرورة، ومعنى علمها بالضرورة أن يستوي في علمها جميعُ الناس لا فرق بين العالم الجاهل، سواء كانت تلك المسائل مِن أصول الدين أو فروعه. ومنها: أن تكون مِن المسائل المنصوص عليها في الكتاب أو السنة، أو أجمع عليها العلماء ويتناقلها الأجيال على التعاقب بلا خلط أو غلط، أو كونها من المسائل المُحْكَمة التي لا يتطرق إليها تأويل. ومنها: أنها مسائل لا يتعذر على المكلَّف رفع الجهل عن نفسه فيها عدة، بحيث لا يشق عليه ذلك. والخلاصة: أن العذر بالجهل يختلف باختلاف جهات أربع، هي الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. ومما ذكر يعلم الجواب على السؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم
عدد الصفحات ٢١