المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أخلاقيات الحروب في السيرة النبوية

حميد الصغير

صفحة ١ من ٤

1

عدد الصفحات ١

2 خلاقيات الحروبأ في السيرة النبوية حميد الصغير: للأستاذ ول وجدة لأستاذ باحث بجامعة محمد اأ –المملكة المغربية –

عدد الصفحات ٢

3 أخلاقيات الحروب في السيرة النبوية زوات العديد من الغ شهد التاريخ الإسلامي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحتى العصر الحديث والمعارك الحربية الفاصلة التي غيرت وجه العالم ،وخاض المسلمون تلك المعارك دفاعا عن النفس ولمواجهة الغزاة الذين جاؤوا من كل حدب وصوب إلى بلادهم في المشرق والمغرب طمعاً في ثرواتها الطبيعية المسلمين والسيطرة على راضي بلادنهم لبلوغ هدفهم القديم لاحتلال أالوفيرة، وسعياً دؤوباً م · سلامية وظروفها التاريخية يتضح لنا خلال القراءة المتأنية لمقدمات وأحداث تلك المعارك الإومن دم صحة ما ذهب إليه المستشرقون الحاقدون على الإسلام عندما زعموا أن الإسلام انتشر بحد ع م انتشر في الشرق والغرب من دون سلاهي أن الإ تي تعمد المستشرقون تجاهلهافالحقيقة ال، السيف سلاميةاء ودخلت معظم شعوب العالم في الإسلام بسبب تسامح العقيدة الإبريإراقة دماء الأ صور الاسلام الاولى مام حرص المسلمين في عوعدل الإسلام وحسن الأخلاق التي يدعو إليها، وأ المسلمين في الدخول في الدين الإسلامي أفواجا حبب غيرخلق بأخلاق الإسلام فقد على الت و حرب.طواعية من دون كره أ ن الحروب التي خاضها المسلمون كانوا مجبرين على خوضها كرها للدفاع عن أنفسهم ودينهم كما أ : الله سبحانه وتعالى مصداقاً لقول وطانهم وحضارتهم من أولئك الغزاةالحنيف وحريتهم، وحماية لأ 091 ) ، يد الأجيال المتعاقبة من تجاربهاتستففحات مضيئة من التاريخ الإسلامي وتعد تلك المعارك ص بر منبعا خصبا نها تعت، كما اتبين عوامل النصر وأسباب الهزيمةوتستخلص منها الدروس التي م في الحروب سلاوالمبادئ الأخلاقية التي أقرها الإسلامية من خلال القيم لدروس العسكرية الإ طفال وكبار السن والشجر.والنساء والأسرى وعدم التعرض لدور العبادة ومنها حسن معاملة الأ ما وجد إلى ذلك سبيلاً؛ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم من هواة الحرب، بل كان ينأى عنها ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض الإسلام أو الجزية أولاً، وتميَّزت الحروب النبوية بأنها حروب غير دموية، بمعنى أنها لم يكن فيها ما يُعرف الآن بجرائم إبادة الشعوب، حيث نجد فيما قرارات نتج عنها إفناءٌ لِكَمٍّ هائلٍ من العالم الحديثة أن بعض الزعماء أخذوا البشر في مدينة أو دولة أو أحيانًا قارة! لكن حروب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن على

عدد الصفحات ٣

4 هذه الصورة، ذلك أنه - كما ذكرنا -كان حريصًا على تجنب القتال ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ناء القتال نفسه كان يحفظ دماء المدنيين، وكذلك وإذا اضطر إليه حاول أن ينهيه بسرعة، وأث يحفظ دماء المستكرهين على القتال، ثم بعد القتال كان يعفو إذا ملك، ويسامح ويرحم إذا غَلَب. فجاءت حروبه على مستوى من الرقي لا تعرفه -بل لا تفهمه-الحديثة لم أو الحرب؟الس: الأصل في علاقة المسلم بغيره: الأول الفصل* هم في الدين، وهل هي قائمة يفعرفة العلاقة بين المسلمين ومخالهذا الفصل مهم جدا لم السلم، فمقتضى ذلك : على السلم أو الحرب؟ فإن كان الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هو تنشأ خارق للقاعدة، والناس في الأصل مسالمون القاعدة العامة، والحرب أمر استثنائي أنه هو بينهم علاقات التبادل المنفعي والتعاون المشترك تلقائيا، وإن لم يكن بينهم عهود ومواثيق. الحرب، فذلك يقتضي أنها القاعدة العامة، : أما إذا كان الأصل في هذه العلاقة هو والسلم استثناء عكس القاعدة السابقة، فالعلاقة قائمة على الحرب والقتال، والأصل أن الحرب مة ومعلنة بين المسلمين وغيرهم حتى يطرأ ما يوقفها من اتفاقات ومواثيق، وعندها يكون السلم قائ الصلح.: الذي هو ؟.م أو الحربالسل: الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم: * المبحث الأول : اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين -الحرب، وبهذا قال كثير من : هم هوأن الأصل في علاقة المسلمين بغير : القول الأول علماء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة، فقد جاء في شرح "العناية على الهداية" للبابرتي 1، الحنفي قوله: "وقتال الكفار الذين امتنعوا عن الإسلام وأداء الجزية واجب وإن لم يبدأوا بالقتال. للعمومات الواردة في ذلك كقوله تعالى : {وقاتلوا المشرك و: { فقاتلوهم2. وجاء في "الكافي" لابن عبد البر المالكي: "وكل من أبى من الدخول في الإسلام، أو أبى إعطاء الجزية 1 -هـ، فقيه، 17/392. 2 -5 /440.

عدد الصفحات ٤

5 قوتل، فيقتل الرجال المقاتلة وغير المقاتلة إذا كانوا بالغ 1، وفي باب المهادنة قال: "وإذا اضطر الإمام إلى مهادنة الكفار الحربيين، هادنهم إذا رأى ذلك" 2. وفي باب الهدنة مع الكفار، قال الشيرازي الشافعي 3 في :"المهذب": "فإن لم يكن في الهدنة مصلحة لم يجز عقدها لقوله عز وجل : { معكم جاز أن يهادن أربعة أشهر" 4. "ولا تصح الهدنة إلا : "كشاف القناع": لي فيوفي باب الهدنة أيضا قال البهوتي الحنب حيث جاز تأخير الجهاد لمصلحة، فمتى رأى الإمام أو نائبه المصلحة في عقدها لضعف في المسلمين عن القتال أو لمشقة الغزو أو لطمعه في إسلامهم أو في أدائهم للجزية أو غير ذلك من المصالح جاز له عقدها"5. هاء من المذاهب الأربعة تدل على أن القتال هو الأصل ولابد وظاهر عبارات هؤلاء الفق من استمراره، ولا يجوز تأخيره، بل إن الهدنة لا تجوز إلا عند الحاجة والأصل عدمها، مما يدل على أن الحرب هي الأصل عند هؤلاء الفقهاء، والسلم استثناء لا يتم إلا بسبب هدنة مؤقتة أو صلح ة.أو عقد ذمة أو أداء جزي أدلة القائلين بأن الأصل هو الحرب.: الأول* المطلب وقد بحثت في أدلة هذا القسم، فوجدتها لا تخرج عن القرآن والسنة والمعقول، فأما أدلتهم : من القرآن فهي على نوعين -{ { { :75 ] { 1 -0 /477. 2 -0 /479. 3 -هـ 2 /88. 4 -3 /359. 5 -003.

عدد الصفحات ٥

6 { : ] تأمر بالإعراض عن المشركين، والصفح عنهم 1. مطلقا دون قيد أو على وجوب قتال الكفار فهذه الآيات وما يشابهها مما لم أذكره، تدل شرط، لأن هذا الفريق من العلماء يرون أن قتال الكفار هو دعوة الإسلام، وحمل للمخالفين على نبذ كفرهم واعتناق الإسلام، فإذا كان القتال دعوة إلى الدين فلا يحل تركه مع القدرة عليه بحال من الأحوال. -اذ الكافرين أولياء أو إلقاء المودة إليهم الآيات التي ورد فيها النهي عن اتخ: النوع الثاني ] { { 10...] ففي هذه الآيات، وغيرها مما لم أذكره لكثرته، دلالة على وجوب أن لا يكون للمسلم ص بالمسلمين مع الكفار محالفة أو موالاة أو ثقة أو اطمئنان، لانطوائهم على الغدر والحقد، والترب للنيل منهم. أما أدلتهم من السنة، فقد استدلوا بأحاديث ورد الأمر فيها بالقتال حتى تحقق الغاية "بعثت بين يدي : اعتناق الإسلام، ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: منه وهي ل الذلة الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجع والصغار على من خالف أمري" 2. ومعنى هذا الحديث–عند أصحاب هذا الرأي -أن للسيف المقام الأول في تقرير دعوة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا : التوحيد لقوله عليه السلام الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" 3. 1 -3 /009. 2 -5005. 3 -الاقتداء بسنن الأمر 037 :0 /24.

عدد الصفحات ٦

7 أن من دعي إلى الإسلام على وجه صحيح، لا عذر : أما أدلتهم من المعقول فإنهم قالوا لهم في البقاء على كفرهم، لأن الله أقام الأدلة القاطعة على وجوده ووحدانيته، وأن دين الإسلام ورد هو دين الحق الذي لا يقبل الله سواه، لذلك وجب حمل غير المسلمين عليه قسرا، امتثالا لما في النصوص الشرعية التي سبق ذكرها. السلم، : أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي: *أما القول الثاني في هذه المسألة هو وبهذا قال ثلة من العلماء كسفيان الثوري، وسحنون من المالكية وابن تيمية وابن القيم الجوزية، ال كثير من المعاصرين كمحمد رشيد رضا ونسب هذا القول لابن عمر رضي الله عنهما، وبه ق ومصطفى السباعي ويوسف القرضاوي... أدلة القائلين بأن الأصل هو السلم.: الثاني * المطلب واستدل أصحاب هذا القول بأدلة من القرآن والسنة والإجماع والمعقول، فأما أدلتهم من : القرآن فهي أربعة أنواع -الله تعالى فيها بالسلم، وحث على قبوله من الكفار حين الآيات التي أمر : النوع الأول ] { ] { :94.] -الآيات التي قيد الله فيها الأمر بقتال الكفار في حال اعتدائهم وظلمهم : النوع الثا وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا فإن الله م وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على غفور رحي 091-{ 41.] -بهم والإحسان قاتلين والبرالآيات التي أباح الله فيها صلة الكفار غير الم: النوع الثالث { 18.]

عدد الصفحات ٧

8 -{ ... وجمهور السلف على أنها ليست بمنسوخة ولا مخصومة، وإنما النص عام فلا نكره أحدا على الدين، والقتال لمن وإذا لم يكن من أهل القتال لا نقتله، ولا يقدر أحد قط أن حاربنا فإن أسلم عصم ماله ودينه، عليه، ولا مقدوراينقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكره أحدا على الإسلام، لا ممتنعا ولا فائدة في إسلام مثل هذا، لكن من أسلم قبل منه ظاهر الإسلام"1. السلم لا الحرب فكثيرة : صل مع الكفارأن الأ: أما أدلة هذا الفريق من السنة والذين قالوا "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم : قوله صلى الله عليه وسلم: منها فاصبروا"2. ففي الحديث نهي نبوي عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو، وهذا يدل على أن الحرب لذلك لا يشرع للمسلم أن يتمناها إلا إذا قدمت طارئة، وليست قاعدة في علاقة المسلم بغيره، أسبابها وتوفرت دواعيها وبواعثها. أن جميع حروب النبي صلى : كما استدل هؤلاء بالواقع العملي في السيرة النبوية، وأكدوا غزوة السلم لا الحرب، : فيها بأسباب مباشرة أو غير مباشرة، وهذا يؤكد أن الأصل مع الكفارالمتسببون ولو كان الأصل معهم الحرب لكان النبي يبدؤهم بذلك والمتواتر من سيرته عليه السلام أنه لم يبدأ أحدا بقتال، كما استدل أصحاب هذا القول برسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك ظماء، ودعوته لهم بالدخول في الإسلام، فذلك دليل واضح وجلي على أن الأصل هو السلم، والع الحرب لما أرسل إليهم رسائل، وإنما بعث لهم جيوشا لمحاربتهم والقضاء عليهم.: ولو كان الأصل كما استدل هذا الفريق من العلماء بالإجماع حيث نقلوا اتفاق المسلمين، عملا بالثابت ، أنه لا يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان والعميان والأزمنة والأجراء من السنة لو كان الأصل مع الكفار : والفلاحين في حرثهم، إلا إذا قاتلوا أو شاركوا برأي أو إمداد، قالوا 1 -032. 2 -النبي إذا لم يقاتل أول كان كراهة 4558 :2 /779.

عدد الصفحات ٨

9 ا الحرب لما استثنى الشرع هؤلاء، فاستثناؤهم برهان ودليل على أن القتال إنما هو لمن يقاتل دفع لعدوانه. إن وسائل الإكراه والقهر لا يمكن أن : وقد استند هذا الفريق أيضا إلى المعنى المعقول وقالوا تنجح أبدا لفرض الدين في القلوب والنفوس، لأن الدين أساسه الاقتناع، وهذا شيء قلبي محض، والقوة، 99.] الترجيح في المسألة.: الثالث * المطلب هذه أدلة أصحاب القولين معا، ولهم على بعضهم البعض مناقشات وردود، لكن هناك يما وحديثا وهو أن الأصل في علاقة موقف آخر يمكن استنتاجه من بعض أقوال أهل العلم قد المسلمين بغيرهم هو دعوتهم أولا إلى الإسلام، كمرحلة أولى ومهمة لا يسبقها غيرها، بل إن الدعوة إلى الإسلام هي البوابة الأولى لتحديد نوع العلاقة مع غير المسلمين بعد ذلك 1 . فالأمة الإسلامية مطالبة شرعا بنشر دينها وتبليغ رسالة ربه ا للناس أجمعين. ولعل أول من أصل لهذا القول - في رأيي المتواضع -هو محمد بن الحسن الشيباني في "وإذا لقي المسلمون المشركين فإن كانوا قوما لم يبلغهم : "السير الكبير"، قائلا: كتابه الفذ ولكن لا الإسلام، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم، وإن كان قد بلغهم الإسلام، هم حتى ندعوهم إلى إعطاء الجزية، به أمر رسول الله ل منهم الجزية، فينبغي ألا نقاتليدرون أن نقب { زية كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، فإذا أبوا الإسلام قوتلوا من غير أن يعرض عليهم إعطاء الجزية" 2. وحتى يكون الكلام أكثر وضوحا في هذه المسالة، فإنه ينبغي أن نتعرف على طبيعة سلمين بغيرهم، وعندئذ يتحدد أصل هذه العلاقة.الدعوة الإسلامية والنصوص التي تحكم علاقة الم 1 -م هل هي سلم أم حرب، لأن فيها إيهاما يرى بعض الباحثين المعاصرين أنه لا يسوغ مسألة علاقة المسلمين بغيره "أحكام المعاهدات : هل هي قبل التبليغ أم بعدها والفرق بين الأمرين شاسع انظر مثلا: إلى اللبس في شأن هذه العلاقة 0 /838 . 2 -00.

عدد الصفحات ٩

11 إن الدعوة الإسلامية التي أنزلها الله على نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم دعوة عالمية، ورسالة خاتمة للرسالات السابقة، أرادها الله عز وجل أن تكون دعوة إنسانية موجهة لجميع البشر، اتهم، رضيها الله للعالمين دينا، فكانت الدين الكامل الذي لا تخاطب أقواما بعينهم، ولا أجناسا بذ أتم الله به علينا النعمة ] رسولها لازال محاصرا في شعاب مكة ] ] 058 .] ] 10.] ها، "فهذه الدعوة الأخيرة الخاتمة الناسخة للدعوات السابقة، رسالة مفتوحة إلى الأمم كل وللأجيال كلها وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان، فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للقريب والبعيد، لكل أمة، ولكل جيل" 1. وقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم بإبلاغ هذه الدعوة، فصدع بالأمر، ودعا الناس إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته جميعا إلى دين ا 70.] وكل ما سبق ذكره وتحليله، يقوم حجة ودليلا وشاهدا على أن الإسلام دعوة للناس ل عليه الوحي.جميعا، منذ اللحظة الأولى التي بعث الله فيها محمدا صلى الله عليه وسلم وأنز وبناءا على ذلك كله يمكن أن ندرك أن علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى -على اختلاف أديانها وأجناسها ولغاتها-ليست في حقيقتها علاقة سلم ولا علاقة حرب، ابتداءا، كل الحدود "وإنما هي علاقة دعوة، فالأمة المسلمة أمة دعوة عالمية تتخطى في إيمان وسمو وعفوية والحواجز التي تنتهي إليها أو تتهادى عندها المبادئ الأخرى، سواء كانت هذه الحدود والحواجز جغرافية أو سياسية أو عرقية أو لغوية... وهي بذلك تفتح أبواب رحمة السماء لأهل الأرض أجمعين" 2. 1 -70. 2 -وما بعدها

عدد الصفحات ١٠

11 سلام على نطاق فبعد القيام بواجب الدعوة، وتبليغ الدين للناس أجمعين، والتعريف با واسع، تكون علاقة السلم أو الحرب مع الآخرين، بعد تحديد موقفهم من دعوة الإسلام قبولا أو رفضا. وهذا ما أصله فقهاء الإسلام قديما، يقول العلامة أبو القاسم السمناني الحنفي لام، ويعلم ما "وكل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام قديما، فالسنة أن يدعى إلى الإس يدعى إليه ونبين له شرائعه وفرائضه وأحكامه، فإن أسلم كف عنه وخلي وشأنه، ودعي إلى التحول إلى دار الإسلام والكون فيها، فإن لم يجب إلى ذلك كله، دعي إلى الجزية، فإن بذلها كف عليه وسلم"عنه، وإن امتنع استعين بالله وقوتلوا على اسم الله وملة رسول الله صلى الله 1. "إن كانت الدعوة لم تبلغهم، فعلى المجاهدين : هـ { يمان، وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع، لكف الله تعالى حرم قتلهم قبل بعث الرسول وبلوغ الدعوة إياهم فضلا منه ومنة، قطعا لمعذرتهم بالكلية، ولئلا يبقى لهم ديم هذه الدعوة كذلك، ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك، كما يجب تق: شبهة عذر فيقولوا دعوة بالبنان وهي : لأن القتال ما فرض لعينه وذاته بل للدعوة إلى الإسلام، والدعوة دعوتان القتال، ودعوة بالبيان وهو اللسان، وذلك بالتبليغ، والثانية أهون من الأولى لأن في القتال مخاطرة فإذا احتمل المقصود بأهون الدعوتين بالروح والنفس والمال، وليس في دعوة التبليغ شيء من ذلك، لزم الافتتاح بها" 2. فإذا قام المسلمون بواجب الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام وتعاليمه حتى يتعرف عليه أهل الأمم الأخرى، عندئذ ينقسم غير المسلمين نحو الإسلام إلى أقسام ثلاثة، لكل قسم معاملة : لثلاثة هيخاصة وعلاقة محددة، وهذه الأقسام ا من يستجيب منهم لدعوة الإسلام، ويعتنق دينها، فهؤلاء إخواننا، : القسم الأول: أولا { اة فخلوا سبيلهم 15.] 1 -.الناهيد. صلاح الدين قيق، 2 -9 /4214.

عدد الصفحات ١١

12 -من لا يقبل دعوة الإسلام ولا يدخل فيه، لكنه لا يقف في طريق دعوته، ولا : ثانيا يقاتل من يدعو إليه ويلقي للمسلمين السلم سواء كان من أهل العهد أو لم يكن، فهؤلاء الأصل فعل، وعلى أمثال هؤلاء تحمل الآيات التي أمر الله المسالمة ما لم يعتدوا بقول أو: في العلاقة بهم { يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب ] { : 91.] ا لقو لم يتعرضوا لقتالكم وأ"فإن اعتزلوكم و : قال الشوكاني رحمه الله مفسرا للآية الأخيرة وا لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرمه" 1. -من يرفض الدخول في الإسلام، ويقف في طريق دعوته، محاربا : أما القسم الثالث ء الأصل في حقهم الحرب، وهي المسلمين أو معاونا غيره لحربهم، أو ناقضا عهده معهم، فهؤلا المرحلة التالية بعد دعوتهم إلى الإسلام، وعلى هؤلاء وأمثالهم تحمل الآيات الواردة في قتال الكفار ] { 15.] : "القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى: قال ابن تيمية رحمه ا { :091"]2. "وأما النصارى فلم يقاتل أحدا منهم حتى أرسل رسله بعد صلح : وقال رحمه الله أيضا الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الإسلام... فدخل في الإسلام من النصارى وغيرهم من دخل، فعمد النصارى بالشام فقتلوا بعض من قد أسلم، فالنصارى هم حاربوا المسلمين أولا، بدأ النصارى بقتل المسلمين أرسل سرية أمر عليها زيد بن ماوقتلوا من أسلم منهم بغيا وظلما، فل حارثة ثم جعفر ثم ابن رواحة وهو أول قتال قاتله المسلمون للنصارى بمؤتة من ارض الشام" 3. 1 -0 /043. 2 -38/254. 3 -035.

عدد الصفحات ١٢

13 "الناس صنفان فأما الذين قاتلوا أهل السلام أو أجلوهم عن : وقال الإمام النووي رحمه ا لك، فمن الظلم المنهي عنه أن يتولاهم المسلمون، ويحسنوا أوطانهم أو أعانوا على شيء من ذ إليهم، ولهؤلاء وأمثالهم شرع القتال ليفسحوا للدعوة سبيلها، وأما الذين لم يفعلوا شيئا من ذلك فلا على المسلمين في الإحسان إليهم، والبذل لهم، ولو كان هؤلاء ممن أمر بقتالهم لما ساغ ذلك، لهم، مع أن إضعاف العدو بكل وسيلة من أخص ما يعني به المحاربون"فعسى أن يكون فيه قوة 1. وأعتقد بهذا التفصيل السابق تجتمع الأدلة، ويتم إعمالها جميعا، وتنزل النصوص على محالها، وأما كون الأصل الأول الذي يتحدد به نوع العلاقة مع غير المسلمين هو دعوتهم إلى تفاق بين أهل العلمالإسلام قبل قتالهم فهذا محل ا2، لأدلة كثيرة منها : 0-"أنفذ على رسلك حتى : قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب يوم خي تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" 3. 3-لى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى كان ص "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا : الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم يقول ثلاث ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم...." 4. 2-"ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط : قال ابن عباس رضي الله عنهما إلا دعاهم"5. وقال الطبري: "أجمعت الحجة أن رسول الله صلى الله علي ه وسلم لم يقاتل أعداءه من أهل الشرك إلا بعد إظهار الدعوة وإقامة الحجة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر أمراء السرايا بدعوة من لم تبلغه الدعوة" 6. 1 -99. 2 -2 /41. 3 -مناقب علي بن أ 2010 :3 /755. 4 -تأمير الإمام الأمراء... رقم الحديث 4528 :2 /777. 5 -3444. 6 -13.

عدد الصفحات ١٣

14 ا ،مقاصدها ،خصائصها ا ، بواعثهمهمفهو : الحرب في السيرة النبوية: الثاني الفصل خلاقها .،وأ وظاهرة اجتماعية في المعاملات بين الأمم والشعوب والدول، وقد إن الحرب سنة كونية، شهد العالم وقاسى منذ فجر الإنسانية حروبا طاحنة، ومعارك ضارية، وكانت هذه الحروب حروب إبادة، لا يسلم منها البشر ولا الحجر، تستبيح كل شيء دون قيود أو ضوابط، ولا تعترف بأخلاق ولا فضائل. م، وسطع نوره على أرجاء الأرض وبعث الرسول الخاتم والرحمة المهداة بزغ فجر الإسلا محمد صلى الله عليه وسلم فغير مبادئ الحروب، وقيدها بأهداف سامية، وضبطها بأخلاق فاضلة وقيم راسخة. إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خاض حروبا عدة، في سبب تبليغ دعوة الله إلى إلى الحرب كوسيلة من وسائل نشر الإسلام، حيث كانت الحرب في الناس، لكنه لم يعمد قط الإسلام تطورا طبيعيا تقتضيه طبيعة الدعوة نفسها، وتهيئه ظروفها وملابساتها وموقف الكفار المعاندين منها. لقد سن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في حروبه وغزواته أخلاقيات لم يعرفها البشرية دموي في حروبها المريرة، ولم تكن هذه الأخلاقيات والقيم رؤى نظرية أو معرفة طوال تاريخها ال ذهنية فحسب، بل كانت واقعا معيشا وتطبيقا عمليا في كافة غزواته عليه السلام، وتأتي السيرة النبوية الخالدة خير شاهد على هذه الأخلاق، إذ سجلت أحداثها ووقائعها جميع تحركاته الحربية ة كما سجلت أيضا رفعة أخلاق المجاهدين المسلمين، وسمو خصالهم في المعارك والحروب.والعسكري "وهنا يضع التاريخ إكليل الخلود على قادة حضارتنا عسكريين ومدنيين، فاتحين وحاكمين، إذ انفردوا من بين عظماء الحاضرات كلها بالإنسانية الرحيمة العادلة في أشد المعارك ك الأوقات التي تحمل على الانتقام والثأر وسفك الدماء. وأقسم لولا أن التاريخ احتداما، وفي أحل يتحدث عن هذه المعجزة الفريدة في تاريخ الأخلاق الحربية بصدق، لا مجال للشك فيه، لقلت أنها خرافة من الخرافات، وأسطورة لا ظل لها على الأرض" 1. منطقية، وأهداف نبيلة، وضوابط كانت لحروب الرسول صلى الله عليه وسلم بواعث محددة وأخلاق رفيعة، وكل ذلك يتعارض مع سمات الحروب الجاهلية والمعاصرة، والتي تحركها 1 -02.

عدد الصفحات ١٤

15 ومما لا ريب فيه أن الحروب النبوية كانت حروبا عادلة وإنسانية أهداف عدوانية وأغراض مادية، إلى أقصى حد. قاتلة أنواع، لم تزل واقعة في الخليقة منذ "واعلم أن الحروب وأنواع الم: يقول ابن خلدون برأها الله وهو أمر طبيعي في البشر، لا تخلو منه أمة ولا جيل، وسبب هذا الانتقام في الأكثر، إما غيرة ومنافسة وإما عدوان وإما غضب لله ولدينه وإما غضب للملك وسعي لتمهيده، فالأول أكثر ر المتناظرة، والثاني أكثر ما يكون من الأمم الوحشية، ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائ والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد، والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين حروب بغي وفتنة، والصنفان : لطاعتها، فهذه أربعة أسباب من الحروب، الصنفان الأولان منها الأخيران حروب جهاد وعدل" 1. ي الضوء على الحروب النبوية من حيث بواعثها ومقاصدها وخصائصها وسألق وأخلاقياتها، وما انفردت به عن باقي الحروب عند العرب وفي الجاهلية، وأول ما سوف أبدأ به هو تعريف الحرب لغة واصطلاحا وأجري مقابلة بينها وبين الجهاد في الإسلام. 1 -3 / 832 .

عدد الصفحات ١٥

16 حا.لغة واصطلا: تعريف الحرب: المبحث الأول : و اصطلاحا الحرب لغة: * المطلب الاول -وردت كلمة الحرب عند العرب بعدة معان أشهرها خمسة، وهي: الحرب لغة 1 : 0-نقيض السلم، وهي لفظ مؤنث وتصغيرها حريب بغير الهاء 3-شجاع.: شديد الحرب: فلان حرب ومحرب: الشدة والشجاعة يقال 2-أعداء.: عدو، وقوم حرب أي: ني أيأنا حرب لمن حارب: العدواة، يقال 4-أحدها.: حرب السنان أي: إحداد السيوف يقال 5-نهب مال الإنسان، وتركه لا شيء له.: الحرب وكل هذه المعاني ضرورية للقتال، فإن العداوة تدفع إلى إنهاء السلم، وإعداد العدة للحرب ة في القتال وخوض المعارك ببسالة للقتل ونهب الأموال.ومنها إحداد السيوف والشد : الحرب اصطلاحا اما -"لا : اختلف العلماء في تعريف الحرب اصطلاحا، حتى قال بعضهم: الحرب اصطلاحا يزال تعريف الحرب مائعا يحوطه الغموض" 2، ومع ذلك اخترت بعض التعاريف للحرب وهي : 0-"المنازلة والمقاتلة 3. 3-ف بين قومين يفصل بقوة السلاح""اخت4. 2-"ظاهرة استخدام العنف والإكراه كوسيلة لحماية مصالح أو لتوسيع نفوذ أو لحسم خلاف حول مصالح أو مطالب متعارضة بين جماعتين من البشر" 5. "صراع مسلح بين دولتين أو أكثر : ويمكن أن نصوغ تعريفا مقتضبا للحرب ونقول بأنها سية أو للدفاع عن المصالح الوطنية" والله أعلم.لتحقيق أغراض سيا : وأود أن أشير هنا إلى أن علماء الشريعة لم يستعلموا عند بحثهم لأحكام القتال لفظ "الجهاد" وهو : الحرب، وإنما استخدموا لفظا آخر يتفق والدعوة التي جاء بها الإسلام وهو لفظ 1 -و"القاموس المحيط حرب.: مادة 2 -35. 3 -335. 4 -058. 5 -3 / 001 .

عدد الصفحات ١٦